تال سكوته وشروده لكن كان الضجيج بقلبه على أشده، قلبه الذي تعالت نبضاته بشكل جنوني. أخرجه من دوامته صوتها وهي تبكي. رآها بمنظور آخر غير العند والتحدي التي كانت عليه. حاول الهرب من تلك الأفكار التي تهاجمه، لكن مال قلبه وأصبح يُشكل خطرًا عليه. صوت بكائها ونحيبها على أمر لم تكن على درايةٍ بهِ ولم تكن في وعيها، وصوت قلبه الذي أعلن تمرده عليه ونبضه لها.
دلف إلى الغرفة بهدوء ليجدها تجلس بِثباتٍ تنظر للنافذة بهدوء. تنحنح قائلاً: "أنا بعتذر منك جداً بس حقيقي لما وقعتِ توترت، وكل اللي فكرت فيه وقتها إني أوديكي لأقرب مستشفى." ابتسمت روان بخفة لأنها علمت سبب حالته وخوفه هكذا وقالت بهدوء: "ليه؟
استدار للجهة الأخرى يهرب منها ومن نفسه ومن المشاعر التي يتخّم بها قلبه، ولا سبيل لتهدئة نبضه المجنون. ولن يدع مشاعره تنجرف تحت إطار الشيطان، ولن يواري بذرة العشق التي ترعرعت بقلبه منذ أن رآها أول مرةٍ. هو يستحق أن يحيا ويُغدق بالعشق، يستحق أن يحيا تلك المغامرة وهذه الحياة. التفت يقول غاضضًا بصره: "ممكن أقولك علشان دا واجب عليا لأنك بتكوني اخت صديق ليا، وبرغم عندك وخناقنا كل لما نشوف بعض بس ده ميمنعش إني أخاف عليكي."
نظرت له بشك حتى قالت ماكرة: "شكراً لحضرتك يا أستاذ!؟ معلشي اسم حضرتك إيه؟ ابتسم بهدوء وأردف بجدية: "أمير الدميري." قالت بخجلٍ ملء وجهها ببراعة جعلته ينجذب لها أكثر: "وأنا روان السيوفي اتشرفت بمعرفتك يا أستاذ أمير." وبنبرةٍ مرحة: "واتمني ونبطل خناق." قهقه بمكر ونظراتهُ تصوب عليها بخفةٍ: "مش هنبطل، الجيات كتيرة وهنتقابل أكتر! ازداد توترها للحظة وخفضت بصرها لتقول بصوت هامسٍ صغير: "ممكن أمشي؟ قال مسرعاً:
"لازم أوصلك، مش هينفع أسيبك لوحدك تمشي وانتي بالحالة دي." التفت ببطء لتقول بحزم وإصرار: "شكراً لك جداً بس أنا عارفه الطريق وبرده مينفعش أركب مع حضرتك في عربية مقفولة لوحدنا. أنا مقدرة خوفك لكن دي حدود ومتقلقشِ، مش هقول ل يامن إنك سبتني أمشي لوحدي." أردف بإعجاب: "وأنا بحترم قرارك ده ومش همنعك، بس لو امكن تخلي يامن يطمني لما توصلي بالسلامة."
هزت رأسها بالموافقة وذهبت مسرعة من أمامه لحاجتها لتنظيم ضربات قلبها التي دقت كالطبول أثر حديثه معها. راقب ظلها بألم يئنُ في قلبه لخوفه من فقدانها أو رفضها له بعد أن أعلن قلبه عشقه الصريح لها، ولكن عليه أن يتمهل ويترك زمام الأمور بيد الواحد الأحد. *** اقتحم مالك غرفة المكتب الخاص ب يامن ليقول مضطرباً: "كارثة يا يامن؟ عاملها فارس النمر وضربنا في مقتل." لم يتحرك ساكناً. جعل الآخر يشطاط غضباً:
"يامن انت سامعني بقولك كارثة، فارس حرق مصنع البضائع اللي لسة واصل من يومين، المخازن حرق المصنع كله باللي فيه. إحنا لازم نروح حالاً، الدنيا مقلوبة هناك." جذّ على أسنانه بغضب ليكور يديه يضرب زجاج النافذة لتسقط إلى أشلاء. لم ينظر لتلك الدماء المتناثرة من كفيه. كان الغضب عمى عينيه ليقول بفحيحٍ عالٍ: "ويمين بالله إن مخلتهوش جه قدامي راكع مبقاش يامن. أنا هخليه يتمنى الموت وما يطلوش." مالك بتعجب:
"بس حضرتك واقف هادي يعني ولا كأن حاجة حصلت." ابتسم بمكر: "أصل أنا سابقة بخطوة! ارتفع رنين هاتف يامن لينظر إلى الرقم ليجيب على الفور. أتاه الصوت الذي كان ينتظره. "فارس اتقبض عليه بعد ما فرغنا الكاميرات يا يامن باشا وفي انتظار مجيء المركز للتحقيق." تمتم بهدوء: "في الطريق." جذب سترته يرتديها فوجد الدماء أغرقت سطح مكتبه. اقترب مالك بذعر: "انت جرحت إيدك، مش قولت كذا مرة بلاش الغضب ده. تعال نروح المستشفى الأول تخيط الجرح."
نظر له بحب: "ربنا يديمك لي أخ وصديق، بس إحنا لازم نمشي دلوقتي عشان التحقيق. وبعد كده نشوف إيدك." قال الآخر بغضب أشد: "انت اتجننت يا يامن، إيدك بتنزف." خرج من المكتب غير مبالٍ بصراخه ليذهب مسرعاً وبداخله شعلة لا يطفئها إلا نار الانتقام. ***
علم الجميع في القصر بما حدث في الشركة والحريق الهائل الذي التأم تعب أعوام. اجتمعت الفتيات في غرفة رغد يتبادلون أطراف الحديث بما حدث مع روان في الصباح. الخوف سيطر عليهم بسبب المعاناة التي يعانيها أفراد عائلاتهم الآن. لتقول رغد بهمس: "حد اتصل على مالك أو يامن يطمن." قالت آلاء ببكاء: "محدش بيرد وأنا قلقت." اقتربت رغد تحضنها بألم: "حقكم عليا أنا السبب في كل ده." قالت ملك بغضب: "لا بابا السبب إنه يدخل شخص زي ده بينا."
تحدثت سلمى بتعب: "خلاص يابنات مش وقته الكلام ده، قوموا صلوا ركعتين وادعوا لهم ربنا يخلف عليهم بالخير والعوض. وانتي يا رغد متلوميش نفسك على ذنب من ذنبك، ده قدر ربنا وقدره نافذ لا محالة." ابتسمت بخفة لتقول بجدية: "يلا يابنات قوموا اتوضوا وأنا هحاول أتصل على مالك تاني." أجرت اتصالات عدة على مالك لكن دون إجابة لتعبث بأزرار الهاتف تبحث عن رقمه. ازدادت رجفة يديها فور إعلان الهاتف عن بدء الاتصال فأجاب الآخر بتعجب: "رغد!
صوته جعل نبضات قلبها تضرب بشدة. حاولت الحديث لكن كان الأمر يصعب عليها لتقول بعد دقائق من الصمت: "يامن انت كويس؟ ابتسم بهدوء قائلاً بمكر: "مكنتش بس بقيت." توتر صوتها قليلاً: "ومالك وكلكم امتى هترجعوا القصر عشان الكل قلقان." قال بهدوء وبداخله بريقاً يلمع من الأمل أنها حقاً خائفة عليه: "بإذن الله ساعة ونكون في القصر، متقلقيش كلنا بخير." قالت بهمس: "توصلوا بالسلامة." وكادت أن تقفل ليأتيها صوته: "رغد." أردفت
بخجل ألجم لسانها عن النطق: "عاوز أشوفك لما أرجع، ياريت تكوني موجودة على العشا." أقفلت الهاتف مسرعة تحاول تهدئة خفقاتها المجنونة التي أعلنت الحرب عليها لتبتسم ببلاها مرددة بخفوت: "لسه بدري يا يامن." *** سواد الليل الكاحل اختلط مع ضوء القمر ولمعة بريق النجوم الخافت في السماء. وقفت في شرفة الغرفة تراقب الطريق بحذر شديد. كاد عقلها أن يجن من فرط الخوف عليه، فهي تعلم رغم امتلاكه روحاً مرحة إلا أنه له قلب يشعر ويئن.
اقتربت صفوف السيارات من بوابة القصر الضخمة لتُفتح على مصراعيها فأزال توترها عندما رأته ينزل بخفة من السيارة الخاصة بهِ. ملامح التعب ارتسمت على وجهه بحزن ظاهر. نظر لشرفتها فوجدها تتطلع له باهتمام واضح. كانت نظراته يغلفها العتاب والألم لتركها له هكذا.
نزلت مسرعة إلي الأسفل فوجدت الجميع في انتظارهم. كان الوجوه تئن من الألم الصامت المرسوم ببراعة عليهم جميعاً نظير فقدانهم. اقتربت صفية من الشباب تحثهم على تغيير ملابسهم لأخرى ليتناولوا الطعام فذهبوا في صمت. شد نظرها كف يامن الملفوف بقماشٍ يملؤه الدماء لتقول بذعر: "ايه اللي جرح إيدك كده؟ قال مبتسماً بهدوء ليطمئنها: "متقلقيش يا أمي، جرح بسيط، دلوقتي هضمه بس ابعتيلي علبة الإسعافات فوق." احتضنته بهدوء لتقول بحب:
"متزعلش نفسك يا حبيبي، بكرة عوض ربنا هينسيك مر ما رأيت." قبل رأسها بحنان: "ربنا يبارك لنا فيكي يا أمي." أحضرت علبة الإسعافات وهمت بالصعود لغرفته لتضمد جرحه فانحرفت قدمها بألم وكادت أن تسقط. رقدت رغد بخوف تسندها بهدوء: "مالك يا ماما صفية؟ قالت بتعب: "مفيش يا بنتي، شكلي دوخت شوية من ضغط اليوم. معلشي يا رغد، يامن في الأول والآخر ابن عمك وزي أخوكي قبل أي حاجة. طلعيله علبة الإسعافات دي يا بنتي يربط إيده عماله تنزف."
قالت بتوتر وخوف من لقائهما سوياً بإنفراد: "حاضر يا ماما تعالي بس ارتاحي شوية هنا." صعدت بهدوء لغرفته فوجد بابها موارب بعض الشيء. دقت بخفوت فسمح لها بالدخول. تنحنحت بخجل: "ماما صفية بعتالك ده، هي كانت طالعة بس رجليها وجعتها مقدرتش." ابتسم بخفة غاضضاً بصره عنها: "شكراً يا رغد، بس في مشكلة دلوقتي؟ التفت ببطء وعيناه تأبى النظر له: "أنا مش هعرف أربط إيدي وعماله تنزف، ممكن تيجي تربطيها لي؟ نظرت له بشك
من طريقة حديثه الماكرة: "مش هينفع، هندهيلك مالك أو مروان." قال مسرعاً: "انتي بتعرفي تخيطي، تعالي خيطيلي إيدي عشان الجرح عميق." خفق قلبها بألم لتقول بصوت خافت: "وانت إزاي تسيب إيدك كده طول المدة دي، انت أكيد نزفت دم كتير." التقت نظراتهم في دقائق معدودة ليقطع الصمت بينهما: "في جرح جوايا أكبر من جرح إيدي، مستحملاه بقالي سنين، فطبيعي أستحمل جرح لا يذكر زي ده."
ساد الصمت المكان بأكملها وبقيت نظرات العتاب والألم، والشوق والحنين، الحب والخوف بينهما. لتقترب بهدوء قائلة بهمس: "اقعد." جلس مقابل لها. فتحت علبة الإسعافات وأخرجت منها حقنة مليئة بالبنج الموضعي لتضعها في مكان الجرح بهدوء وتوتر من لمسها له وقربها منه هكذا. بدأت في خياطة الجرح بمهارة تفوق مهارة الطبيب، فهي سبق لها وأخذت دورة كاملة في الإسعافات الأولية لتساعد أفراد عائلتها إن لزم الأمر.
أغمض عينيه بألم غير ظاهر لها وتجنب لتلاقي الأعين ثانيةً، فهي لم تحل له بعد. نظر لها بهدوء بعد مهلة فوجدها قد أوشكت على إتمام عملها بإتقان والتوتر ظاهر عليها، فتحدث بهمسٍ: "أحلمُ يا أنسى الاقحوان…. أن يكون قلبي معي ولو مرة." *** أثناء صعودها رأته يهبط بهدوء. نظرت له بصمت قليلاً حتى قطعته بعد مدة لتقول بجدية: "عامل إيه دلوقتي؟ قال مختصراً وهو يوليها ظهره: "كويس الحمد لله، شكراً لاهتمامك." قالت مسرعة: "أنا رنيت عليك."
التفت لها قائلاً: "بجد كتر خيرك." امتلأت عيناها بالدموع لتقول بعتاب: "انت اتغيرت ليه يا مالك وليه المعاملة دي؟ قال متعجباً: "انتي اللي طلبتي كده، وبعدين شايفه أنه صح. كتب كتابنا يكون الشهر الجاي بطريقتك دي، ولا شيفانا فين يا ملك." ساد الصمت المكان بأكمله حتى تكلمت هامسة: "إحنا مش هينفع نكمل يا مالك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!