سطع قرص الشمس ببريقِه الذهبي اللامع ليضيء غرف القصر بأكمله. كان سواد الليل الكاحل أخذ الكثير معه من المشاعر المختلطة بين الكره والحب، والرغبة في البقاء وأخرى في الوداع. لم تعرف النوم طوال ليلها. لما قد قررت فعلة؟ أخذتها حماقتها بالتفكير في أشياء لن تحصد من ورائها سوى التعاسة لقلبها البريء. كلمات والدها تردد في ذهنها: أن تضحي لأجل أختها ولأجل عائلتها بأكملها، تكون كبش فداء لهما.
خفق قلبها بألم من كونها ستتخلى عن كل ما تملك من مشاعر كنتها له من الصغر، وتنجرف وراء قرار أبيها وتحل محل أختها لتكون زوجة لذلك اللعين وتنقذ أختها من نار الانتقام. طرقات على باب غرفتها أفزعتها. تحركت بهدوء لترى من الطارق، وبداخلها خوف من مواجهته ومعرفته بالحقيقة. دلف بغضب للغرفة وعيناه لا تنذر بالخير أبداً، متحدثًا بصوت متألم: "انتي عارفة انتي بتعملي إيه؟ عارفة قرارك ده ومتأكدة منه؟ قالت بثقة صنعتها بألم: "أكيد."
تعمقت نظراته عليها بغضب ليقول بدهشة: "ملك! انتِ في وعيك؟ خفق قلبها بشدة أثر الألم الذي رأته في لؤلؤة عينيه المليئة بالحب الصادق لها: "أكيد يا مالك، في وعي. شايفني مجنونة يعني؟ احتدمت نظراته بغضب أكثر ليقترب منها بسكون وعيناه تتعمق بالنظر لعيونها أكثر: "يعني مش بتحبيني ولا عاوزاني؟ أغمضت جفنيها في ألم محاولةً التماسك عن البكاء الآن، نظرًا لقربه الخطر منها، ليرتجف صوتها قليلاً:
"ابعد عني يا مالك، إحنا خلاص قلتلك مش هينفع نكمل." اقترب أكثر منها حتى باتت النظرات تحكي ما تخفيه القلوب ببراعة، ليقول بإصرار أشد: "ردي على أسئلتي، وأوعدك هبعد ومش هتشوفني تاني وللأبد." سمحت لنفسها بالبكاء، لتعلو شهقاتها بألم مزق قلبه، فعلم أن هناك سراً وراء كل هذا. ***
في الغرفة الخاصة بتجمع العائلة، التف الجميع حول طاولة الطعام لتناول وجبة الإفطار. فخيم الصمت على الجميع بألم ارتسم على وجوههم منذُ البارحة، ولما قضوا من يوم خسرو فيه خسارة فادحة. تحدثت روان بخفة: "لأ أنا مش واخدة على السكوت ده، هو فيه ميت في البيت؟ نظر لها يامن بغضب: "افطري عشان أوصلك الجامعة وبلاش كلام كتير." قالت بإصرار: "انت عايزني أشوفكم كده وأسكت؟! قال بنفاذ صبر: "وبعدين ممكن نفطر من غير كلام."
ابتلعت غصة مريرة في حلقها بألم من حال أخواتها وعائلتها التي باتت بالدمار. تنحنح مروان هامسًا: "عاملة إيه يا سلمى؟ صوبت نظراتها في اتجاهٍ آخر، وأعيُنها ترفض التطلع إليه، قائلة بألم نابع من نبض قلبها: "بخير الحمد لله." استكمل حديثه بتلقائية: "ممكن بعد الفطار أتكلم معاكي شوية؟ خطفت نظرةً عابرة له لتقول بجدية: "وإيه لازمة الكلام في الوقت ده؟ انت شايف حال الكل." امتلا في حلقه الحديث وكاد أن يغضب،
فحاول التماسك ليقول بجدية: "ليه لازمة، لو مكنش ليه مكنتش طلبته." أشاحت بنظرها للجهة الأخرى لتقول بصوت متألم باكي: "ماشي يا مروان." *** انتظر هبوط مالك للذهاب للشركة، فتأخر الوقت كثيراً، فذهب بعد انتظار دام لساعةٍ أو أكثر. ظن بأنه ذهب في الصباح الباكر مثلما يفعل في بعض الأوقات. جلب يامن هاتفهُ بقلق ليجري عدة اتصالات عليه لكن دون فائدة. فدق على هاتف البيت فأتاه الرد من محبوبته. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
رغد بهدوء: "وعليكم السلام." يامن بابتسامة ماكرة: "معقول، هو كل مرة انتي. بجد يا محاسن الصدف؟ قالت بهمسٍ: "شكراً." قال بنفاذ صبر: "تمام، إحنا لسه زي ما إحنا. كنت بتصل عشان أشوف مالك مجاش الشركة ليه؟ حد شافه النهاردة." شردت قليلاً فيما عرفته من أختها وسبب أصوات خناقهم ليلة أمس وفي الصباح الباكر، لتقول بحيرة: "مش عارفه يا يامن، مشفتوش بس هو في غرفته مخرجش." اندهش من الأمر كثيراً حتى قال لها بجدية:
"خلي حد من الخدم يطلع يشوفه وطمنيني لو في حاجة." ذهبت مسرعة لغرفته، دقت عدة مرات فلم يجيب، فازداد قلقها عليه لتهبط مسرعةً للأسفل تنادي على والدته لترى ماذا هناك. وجدت ملك جالسة في شرفة غرفتها تنظر إلى السماء وتبكي بهدوء. مزق قلب شقيقتها، فأسرعت إليه قائلة: "ملك إيه؟ وليه الدموع دي كلها؟ وفين مالك؟ محدش عارف يوصله من الصبح وقافل غرفته ورافض يكلم أي حد. فهميني في إيه." ازداد الأمر سوءاً، فعلت أصوات بكائها تملأ المكان،
لتقول وسط شهقاتها: "أنا ومالك خلاص انتهينا." صدمة اعتلت وجهها لتقول بتعجب: "إزاي ده؟ ده انتو كتب كتابكم كان كمان أيام. انتي بتهزري صح؟ نظرت لها بألم قاتل وبداخلها يئن. فإذا علمت رغد بما حدث لرفضت أن تكون أختها كبش فداء لها، لكن عليها أن تصمت لحين أن تتزوج رغد بمعشوق طفولتها أولاً وتتم هي ما أمرت به، لتقول بهدوء:
"إحنا مش هينفع نكمل، لأ هو شكلي ولا أنا شكله. فيه حاجات كتيرة مختلفة وأنا مش شايفاه غير أخ ليا أو ابن عم، مش قادرة أشوفه غير كده. حاولت ومعرفتش، وأكيد مش هتجوزه غصب عني." تمتمت رغد بحزن: "بس مالك بيحبك، بيحبك من زمان وصبر عليكي كتير. إزاي تعملي فيه كده؟ بعدت نظرها عنها في محاولة لحجب الحزن الطاغي على ملامحها وعيونها التي تبكي دون توقف، لتقول رغد بتعجب وحيرة: "طب ليه بتعيطي؟ مش ده قرارك؟ قالت بتعب:
"عشان كلكم جبتو الحق والذنب عليه، ظلمتوني." رغد بهدوء: "وانتي شايفه اللي انتي بتقوليه ده واللي قولتي امبارح مش غلط؟ لأ يا ملك انتي غلط بجد وأنا مش فاهمه إيه اللي غيرك كده." نظرت لها بسكون مريب وبألم قالت: "عملت كده عشان بحبكم! وذهبت مسرعة من أمامها تاركة لها عقلها الذي بدأ بتجميع بعض الخيوط في حيرة وتعجب، لتردف بخوف: "معقول يكون في حد بيهددها أو غصبها على قرارها ده؟ ***
أسدلت ستائر الليل بنسيمها المعتاد على الأشجار الملتفة في بهو القصر لتملأ المكان برائحة أشجار مسك الليل الموجودة أسفل كل غرفة لينعم الجميع بهدوء الطبيعة الخلابة المحببة لها. جلست في شرفتها تسرق بعض النظرات على الأشياء حولها، فتارة تنظر إلى السماء ببريق نجومها المضيء بخفة، وتارة أخرى تنظر لتلك الأشجار التي تبعث هواءً رطباً يجدد الحب في قلبها.
كانت شاردة تلهو ببعض أوراق الورد المليء على سور شرفتها، فوجدت بوابة القصر تفتح على مصراعيها. دق قلبها بلهفة وشوق لرؤيته، فأخذت تنظر إلى مكانه بحنين ملء قلبها له. صف سيارته بأهمال ليهبط مسرعاً، فوجدها تسلط نظرها عليه بتعجب، فبادلها نفس النظرات وأشار لها أن تهبط للأسفل.
عدلت ملابسها لترتدي حجابها الفضفاض وتلقي نظرة على وجهها المتصبغ بحمرة الخجل، وبداخلها نيران تضرب قلبها بشدة خوفاً من القادم وخوفاً من نفسها التي سامحته دون عقاب. وجد الجميع جالسين في صالون المنزل، فنظر في كل الأركان لكنه لم يجده، فسأل متعجباً: "فين مالك؟ قالت سلمى بحيرة: "قافل على نفسه طول اليوم وقال تعبان شوية ومش قادر يخرج."
قلق عليه كثيراً فقرر الذهاب حيث غرفته ليجده يهبط للأسفل ويحمل حقيبة سفره، ومعالم وجهه لا تنذر أن هناك خيراً أبداً. تعجب الجميع ليقول يامن بتساؤل: "رايح فين؟ وفينك طول اليوم؟ قال بهدوء مريب: "كنت تعبان ونايم." اقترب منه ليقف مقابلاً له: "مالك انت كويس؟ كانت النظرات كفيلة لتحطيم ما تبقى من قلبه، عندما نظر إليه وجد دموعه تهدد بالسقوط، فاحتل القلق معالم وجهه ليقول بحيرة: "مالك في إيه مخبيه عليا؟ حاول التماسك قليلاً:
"في اني مسافر وخلاص، مفيش وقت يا يامن، لما أوصل هكلمك." وأسرع للخروج، فصدح صوتها يملأ المكان: "مالك! نظر للخلف ليجد رغد تهبط مسرعة وعلى وجهها علامات من الصدمة والذهول، لتقول بدهشة: "انت ماشي وسايب ملك؟ صمت وأشاح بوجهه للجهة الأخرى. وقفت أمامه لتقول بجدية: "لو مشيت يا مالك هتخسر ملك وللأبد، وكلنا هنخسر." نظر لها بتعجب متمتمًا: "هي اللي عاوزة كده، مش هغصبها عليا يا رغد." قالت ببكاءٍ وخوف: "ملك تحت التهديد؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!