غياهب السجون مؤلمة، مؤلمة كالحد الذي يجعلك تتنفس ببطء وكأنك تلفظ آخر أنفاسك. لن ينفعك ندم ولا بكاء، كل ما ينفعك هو الرجوع عن طريق الخطأ والتوبة لله، والعزم على عدم الرجوع.
إنه يوم السبت حيث تفتح السجون أبوابها لكل زائر يأتي ليرى مُدانه. وإذا به يجلس في مكانٍ منعزل، في كل زيارة يتمنى لو يتذكره أحد فالجميع نسوه كما ظن ولا أحد يريد رؤيته بعد فعلته هذه. فرت دمعة هاربة من مقلتيه ليظهر الألم جليًا على محياه. رفع بصره للسماء وقلبه يخفق وجعًا، ثم بهمسٍ حدث الله: "أنا عارف إني كنت غلط ومشيت في طُرق كلها أغضبتك عليه، بس أنا عندي يقين في رحمتك يا ربّ سامحني وحنن قلب أولادي عليَّ."
انفطر ببكاءٍ يقطع نياط قلب من كانت تقف خلفه، فجثى بركبتيه يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يسجد لله أمام أعينها المراقبة لما يفعله بتعجبٍ وذهول. فاقتربت تدنو منه ترفعه على مقعده قائلة تحت نظرات ذهوله: "عرفت غلطك متأخر يا أحمد." كانت الصدمة أخذت طريقها إليه، فأخر ما توقعه زيارتها هي بالأخص. فقال: "فيروز؟ مكنتش أتوقع إنك تزوريني! رفعت بصرها تنظر لها بألم قائلة:
"أنا جايه بس عشان أقولك إن رغد وملك ومروان كتبوا الكتاب. مبسوط دلوقتي وعيالك في أشد الحاجة لوجودك جنبهم في وقت زي ده وأنت مش موجود." بكى، بكى بشدة كأنه طفلٌ صغير يود لو تحتضنه أمه وتهون عليه ألمه وعذابه. فتحدث بصوتٍ مبحوح من كثرة البكاء: "سامحيني وقولي لهم يسمحوني." فرت دمعه هاربة من مقلتيها ورق قلبها له، فجلست بجواره وهي تقول: "أنا مسامحاك، بس أنت سامح نفسك وإرجع لينا بالسلامة." شعاعٌ من الأمل نبض بداخل قلبه،
فجذب كفها وهو يقول: "هرجع شخص جديد صدقيني يا فيروز، هرجع وهعوضكم عن كل التعب ده، بس تعالوا زوروني متسبونيش وحيد كده، حاسس إني هموت لوحدي." وضعت كفها على فمه ثم تحدثت ببكاء: "ربنا يبارك في عمرك، خلي عندك أمل في رحمة ربنا وعوض اللي فات من تقصيرك في حق الله، ده امتحان ليك يا أحمد لو نجحت فيه ربنا هيكرمك وتخرج شخص جديد بصفحة بيضا." ابتسم لها بمحبة ثم أردف قائلًا:
"زيارتك ليا النهارده وكلامك ده ريح قلبي يا أم مروان، ربنا يقدرني وأعوضك عن تعبي ليكي طول السنين دي." وقفت تودعه بأعين باكيه وشوق يملأ قلبها، فانتصب بوقفته وجذبها لأحضانه قائلًا: "سامحيني انتي عارفه اني بحبك يا فيروز بس الشيطان كان أشطر مني وأنا صدقته ومشيت وراه."
أغمضت عيناها تنعم ببعض الراحة في حضنه، فهو حبيب قلبها منذُ الصغر وزوجها وكل ما تملكه. وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. فربتت على ظهره بحنان ثم أردفت بنبرةٍ متألمة: "مسمحاك والله وقلبي راضي عنك، ربنا يهون عليا سنين بعدك يا أحمد وترجع لينا بالسلامة." قبل رأسها بمحبة ومسح دموعه وشعر بعد مدة قضاها في الألم والتعب بالراحة والأمل لعودة حياته من جديد. فودعها قائلًا بشوق لرؤية أولاده:
"سلميلي على مروان، ورغد، وملك، كتير وقولي لهم إني والله بحبهم وحشوني أوي وانى نفسي أشوفهم يوم الفرح لو يسمحولي ميحرمونيش من اليوم اللي كل أب بيستناه." انفطرت باكيه أثر حديثه المؤلم، فأومأت رأسها بالموافقة وذهبت مسرعة من أمامه تبكي بحرقة عليهِ وعلى ما أوصلهم به. *** صوت المياه وهو يروي الزرع يشبه أزيز المطر. لون الخضرة تعطي سحرًا للقلوب قبل العيون فتجعل الراحة والسكون في قلب كل من ينعم بها.
جلس على جسر الحوض المخصص لماء الري بيديه عودًا من القصب يقشره بهدوء وهو ينظر للمياه تتسرب بقوة لتروي الحقل من أمامه، فدندنٰ بصوتٍ عذب: "مال الهوى و مالي وحدي مع الليالي اللي سكن قبالي سيدي –رمشه تعبلي حالي مشغول به و خيالي سيدي –اللي سكن قبالي مال الهوا و مالي وحدي مع الليالي قلبي كان سالم و البال كان خالي قسمك انتي حالي و القلب كم شكالي مال الهوى و مالي وحدي مع الليالي حاير اذا بدا لي اللي سكن قبالي
مشتاق للوصالي ارحمني يا غزال مال الهوا و مالي وحدي مع الليالي" اقتربت بحياء منه وهي تفرق كفها بتوتر: "السلام عليكم." بلع ريقه بصعوبة من وجودها ومن المحتمل سمعت صوت غناه. فقال بثبات صنعه بصعوبة: "وعليكم السلام، ازيك يا نعمة." خفضت بصرها قائلة: "بخير يا أستاذ ياسين." ضحك بمكرٍ ثم قال: "ما بلاش أستاذ دي، ممكن تقولي ياسين بس." ابتسمت بهدوء وقالت: "ياسين."
ضربات قلبه كادت أن تفارق الجسد حينها وود لو قالها ثانيًا. فتماسك قليلًا: "خير يا نعمة، والدتك بخير." قالت بهدوء: "بخير الحمد لله. أنا كنت بس بستسمحك لو أروي بعدك شوية الزرع ده عشان هبيعه في السوق آخر الأسبوع ومحتاج يتروي." تحدث مسرعٍ بإيجاب: "أكيد طبعًا، هخلص وأقطع عندك وخليكي انتي بس فين أرضك؟ أشارت له مكانه فابتسم قائلًا: "كويس مش بعيدة دي جنبي على طول، روحي انتي وأنا هرويلك الزرع." رفضت مسرعة:
"كتر خيرك مش عايزه أتعبك، أنا بعرف أروي." صمم أن يساعدها فقالت بهدوء: "خلاص اللي تشوفه، بس مكنتش حابه أتعبك معايا." رفع بصره ينظر لها بهيام: "تعبك راحة يا نعمة." اشتداد خجلها فقالت بتوتر ملحوظ: "طب بعد إذنك هروح أبص على أمي لتكون عاوزه حاجة وهعملك شاي وأنا جايه." تابع طيفها بعدما غادرت فحدث نفسه قائلًا: "بقى القمر ده بيروي ويزرع، سبحان الله." ثم تابع حديثه مبتسمًا: "يا ربّ تكوني من نصيبي." *** "انت اتهبلت يا مالك؟
إيه اللي عملته ده." قالت ملك بغضب ودموع تهدد بالسقوط. اقترب يقف قبالتها قائلًا: "انتي مراتى وبعدين لاهو عيب ولا حرام! مطت شفتيها بسخطٍ ثم أردفت بقوة: "مش معني إن كتبنا الكتاب هتفكرها سايبة، لا انسى اللي في دماغك ده، وخلى الشهر ده يعدي بخير." ضيق عينيه باستغراب فقال متسائلًا بثبات ما قبل العاصفة: "انتي بتكلميني كده ازاي وبترفعي صوتك عليه؟ ثم تابع بضيق:
"مش معنى إني بهزر وبعدي كتير يبقى ده أسلوبك يا ملك، أنا في الأول والآخر زوجك." شعرت ببعض الندم فجأت تتحدث فأشار لها أن تصمت ثم تابع قبل أن يغادر:
"أنا معملتش حاجه غلط يا ملك، انتي حلالي، وفي الأول والأخر انتي بنت عمي ومن لحمي، فأكيد مش هرضى ليكي أي أذى، لأنك قبل ما تكوني مراتي كنتي اختي وحته مني، وأنا متعدتش حدودي معاكي. مش كل واحد حضن مراته بعد كتب الكتاب يبقى أهبل ولا غلطان، وإن كان زعلك التصرف فأنا أسف ومش هيتكرر وبراحتك خالص." تركها تقف مذهولة من غضبه وذهب صافعًا الباب منه خلفه وهي في حيرة تذهب إليه وتراضيه أم تستكمل عنادها وتخرب علاقتهم قبل بدئها. ***
شارفت الشمس على المغيب وأنهت روان محاضرتها جميعًا، فهي طالبة بالفرقة الرابعة آداب عين شمس. استقلت سيارتها وذهبت في طريقها للعودة إلى البيت. شعرت ببعض الضيق فقررت أن تصف سيارتها وتنزل تتمشى على كورنيش النيل علها تنعم ببعض الراحة والهدوء. صارت ببطء تفكر في حالها وفي حال أمير، هل تعطى له فرصة ثانية أم تفعل ما تنويه وتذهب بعيدًا عنه. جلست على بعض الاستراحات تنظر للمياه بهدوء، فقاطعها رنين هاتفها الجديد. فجذبته قائلة:
"أيوة أنا روان، مين بيتكلم؟ على الجانب الآخر تحدث ذلك الشاب قائلًا: "لو ناويه تعرفي أمير اللي انتي عرفتيه بخصوص يونس هنقتلك انتي وهو." صمتت بصدمة ثم أردفت متسائلة: "أنت مين؟ "أنا اللي نهايتكم هتكون على إيده." نظرت للهاتف بصدمة ثم تحدثت: "أمير مش هيعرف حاجة بس متأذيش يونس وأنا مستعدة أعمل كل اللي تطلبه." ضحك بمكر ثم تحدث بثبات: "هي حاجة صغيرة لو عملتيها هنسيبه في حاله." أردفت مسرعة: "إيه هي؟ ابتسم بغلٍ ثم قال:
"في ملف مهم جدًا ليونس تقريبًا في كل أملاكه، الملف ده يلزمني." شحب وجهها بخوفٍ: "مستحيل أدخل شركة يونس بصفتي إيه! ضيق عينيه بغضب ثم هتف بها: "قدامك شهر والملف يكون عندي، والحل الوحيد انك تتجوزي أمير بأقرب وقت عشان تبقى المهمة سهلة." دق قلبها رعبًا وحيرة ثم جاءت تتحدث وجدته قفل المكالمة. فحدثت نفسها قائلة: "يا ربي هتصرف إزاي دلوقتي؟ لازم أعرف يامن." *** سمعت حديثه كله من شباك غرفتها، فانتفضت مسرعة تقول:
"معقول يكون هو اللي روان قالتلي عليه؟ جذبت الهاتف وأجرت اتصالًا عليها فوجدت صوتها متوتر، فسألتها مهتمةٌ: "روان انتي كويسة؟ انفجرت باكية ثم تحدثت بصعوبة: "ادعيلي يا سمية أنا في مصيبة." شكت سمية بالأمر فقالت مسرعة: "روان في حد كلمك دلوقتي؟ أوقفت السيارة وقالت متعجبة: "وانتي عرفتي إزاي! بلعت غصة حلقها وقالت بنبرة متوترة: "روان أنا عارفه مين كان بيكلمك." تحدثت بذهول قائلة: "مين؟ أجابتها بخوف وتردد: "دكتور محمود."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!