اجتمعت القلوب بعد شتاتها وصراعها. من قال أن الحب سهلًا فسلامًا عليه، ومن قال إنه صعبًا فلم يجد لذة الفوز بالحرب من أجل محبوبه. قرأنا مقولات عدة منها يقول: "قاتل من أجل من تحب ولا تفكر بالهزيمة، كن أنت المنتصر في الحب، فليس هناك أجمل من النصر في الحب، وليس هناك خسارة أقسى من خسارة الحب." وقرأت شعرًا أيضًا يقول كاتبه: "إني لا أؤمن في حب، لا يحمل نزق الثوار، لا يكسر كل الأسوار، لا يضرب مثل الإعصار."
جميعهم حاربوا لأجل نهاية سعيدة ترضي الطرفين. لا شك أن هناك قلوب كسرت، بل وقُتلت، لكن سيعالج الحب ما فقدناه. *** دقت الساعة السابعة صباحًا يوم الجمعة، فاستيقظ الجميع لبداية العمل لهذا اليوم العظيم. حيث بدأت صفية بتجميع الفتيات حولها، ترمي عليهن بعض نصائح الأم الحنونة، فتبسمت في وجوههن قائلة:
"النهاردة كل واحدة فيكم هتُكتب على اسم جوزها ونصيبها اللي ربنا اختاره ليها. قبل أي حاجة، كلكم ولاد عم ولازم قلبكم يبقى على قلب بعض وتبدأوا حياتكم بصفحة بيضا تكتبوا أنتم عنوانها، ومتخلوش الشيطان يأثر على حياتكم." ابتسم الجميع، فهتفت رغد قائلة: "إن شاء الله يا ماما صفية. كفاية دعواتك الطيبة لينا." جذبتها إلى أحضانها وهي تقول بفرحة: "ده أنا ربنا بيحبني يا رغد عشان انتي هتبقي مرات يامن، عروسة ابني الغالية، وبنتي حبيبتي."
ابتسمت بمحبة ثم قبلت رأسها قائلة: "ربنا يبارك لنا في عمرك يا ماما." ربتت على كتفها بحنانٍ وتحدثت للجميع: "يالا يا بنات قوموا جهزوا نفسكم كده لحد ما نجهز الغدا." اجتمع الثلاث سلايف في المطبخ بعدما قرر رأفت والد يامن أن يكون البيت عاديًا ونسوته هم من يقومون بكل شيء فيه، ولا داعي للخدم بعد اليوم، فالكل سيساعد الأخرى لتحظى حياتهم بالبركة والبساطة، والألفة والمحبة. هتفت نرمين بضيق وتعب:
"تعالي يا صفية علميني الحمام ده بيتحشي ازاي؟ ضحكت فيروز بمكر قاصدة تمرح معها فقالت بنبرة ساخرة: "زي ما بتحطي المونكير ده ولا اسمه مناكير." نظرت لها بضيق ثم هتفت قائلة: "مش وقته تريقة يا فيروز." مطت شفتيها بسخطٍ ثم تحدثت: "ياما قولنا ليكي تعالي نعلمك قولتي لأ." تحدثت صفية بقلة صبر: "وبعدين انتوا صغيرين للكلام ده، سبتوا إيه للأطفال ولا للمراهقين؟ نظرت نرمين لفيروز قائلة:
"هي اللي بدأت يا صفية عشان بطلب تعلموني الحمام أحشيه إزاي." اقتربت تجلس جوارها ثم مسكت إحدى فرد الحمام وأخذت تشرح لها بهدوء كيف تملأه بالأرز حتى أتمت أول واحدة، فأخذت نرمين تقلدها حتى استطاعت أن تكمله كله تحت نظرات إعجاب صفية بقوة استيعابها. ضحكوا سويًا وترابطوا كأسرة واحدة تريد السعادة، والخير لأبنائها. ***
في الطابق الثاني وفي غرفة رغد تحديدًا، اجتمعوا الفتيات يتبادلن أطراف الحديث ويجهزون ملابسهم، تحت فرحة البعض منهم والأخرى خائفة وهناك غير مبالية. هتفت روان قائلة بثبات وبداخلها ضجيج يئن قهرًا وألمًا: "يالا يا بنات قوموا افرحوا، اليوم يومكم وارضوا باللي ربنا كاتبه وانسوا بقى الحزن ده." اقتربت منها رغد تحتضنها وهي تحدثها بحنان: "عقبال فرحتنا بيكي يا روني."
قامت ألاء بتشغيل إحدى النغمات الخاصة بالأفراح وجذبتهم لكي يتراقصوا عليها. تمايلت سلمى وملك تحت ضحكات رغد وروان، فصاحت روان متحدثة بمكر: "يا حلاوتك ولا صافيناز في زمانها." ضيقت نظرها بغضب ثم هتفت قائلة: "ومالوا يا أختي مش عيب؟ ما إحنا كده كده مش هينفع نرقص قدام الرجالة، فنطلع العفاريت هنا ولا إيه يا ملوكة؟ ثم تابعت بمكر أشد: "ولا إكمنك مبتعرفيش ترقصي يعني."
مطت شفتيها بسخطٍ ثم جلبت شيئًا يشبه الحزام وربطت به خصرها وأخذت تتمايل بحرفية شديدة تحت دهشتهم وإعجابهم بها. هتفت رغد بصدمة: "لا ده انتي محترفة." ضحكت روان وقالت بثبات وغرور: "أومال إيه مش روان السيوفي." ثم جذبتها ألاء وأخذوا يتمايلون بسعادة على أصوات الدفوف والنغمات الراقية. وبعد قرابة النصف ساعة صاحت ملك مسرعة: "يالا يا بنات الوقت اتأخر لازم نجهز." ردت رغد قائلة بضيق: "انتوا السبب في التأخير ده." ردت ألاء بهدوء:
"مفيش تأخير ولا حاجة، المهم إن إحنا انبسطنا. انتوا عارفين إن إحنا اتربينا على مبادئ وكلنا صعب نتخطاها، ومنها إننا منرقصش في أفراح ولا قدام رجالة تحل لينا، واهو كل واحدة خرجت طاقتها وفرحت وبعد كده تبقي ترقص في بيتها لجوزها." اعتلى الخجل قسمات وجوههم فور تذكر حياتهم القادمة وتمنوا أن يرزقهم الله الرضا والحب والسعادة الصافية. ***
حل المساء بأمسية هادئة ناعمة، أضواء خلابة ملأت بهو القصر بترتيبٍ مبهج، صوت النغمات الناعمة أحدث في القلوب دقات مزهرة، الضحكات ارتسمت على وجوههم الثلاثة، فخرجوا كدرعٍ واحد يقولون للعالم: نحن أخوة بالدم. كانت ملامحهم هادئة شرقية تقترب من بعضها نظرًا لتوافق سنهما معًا.
ارتدى يامن حلة بيضاء وبنطال أسود، فظهرت جاذبيته المفرطة لما يمتلكه من عيون تشبه اتحاد السماء مع أمواج البحر وجسد رياضي ووقار يؤكد أنه في عامه الأربعين وهو لم يتخطى الثلاثين بعد. وكذلك مالك ظهر بحلة من اللون الكحلي الغامق وصفف شعره بعناية أظهرت وسامته الشرقية ببشرته الحنطية وابتسامته الدائمة على محياه، فكان يعرف وسط الجميع بالوسيم الفرفوش.
أما مروان فقرر أن يبتعد عن تلك التحفظات الملابس التي تناسب رجال الأعمال، فظهر بقميص من اللون الأسود على بنطال من اللون الرمادي، وغير قصة حلاقته لأخرى فظهر مختلفًا لكنه ذات طابع ووجه خلوق يجذب من يراه. اجتمعوا ثلاثتهم حول الطاولة وبجوارهم كان يجلس رأفت والد يامن ومحمود والد مالك. اجتمع الضيوف حولهم وبدأ المأذون في كتب كتاب يامن ورغد. كانت الفتيات يجلسن بالداخل وكلٌ منهن تدعو الله في سرها أن يتم الله عليهم بالخير.
ذهب مروان وأحضر رغد لكي تمضي على العقود، فبدأت بيد متوترة تمضي ودموع الفرح تغرق وجنتيها. وعلت الزغاريد فور سماع كلمة المأذون: بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. أتم المأذون كتابة الثلاث عقود وبدأت المباركات تملأ القصر بأكمله والفرح يحتل أخيرًا مكانًا في قلوبهم. *** أخذ مالك ملك وجلس بعيدًا وعيناه تأبى البعد عنها، حتى هتف لها بسعادة:
"مش مصدق النهاردة بجد بنتي انكتبت على اسمي. فاكرة يا ملك كنت في أولى ابتدائي وأنت لسه مولودة، قولت لهم سموها ملك عشان هتبقى عروستي وأبقى أنا اسمي مالك وهي ملك." خفضت وجهها بحياء، فجذب كفها بين راحتيه قائلًا بنبرةٍ عاشقة لها منذ الصغر: "كنت بحلم باليوم ده يا ملاكي والنهاردة الحلم بقى حقيقة. تسمحيلي." نظرت له بتساؤل وحيرة، فجذبها إلى أحضانه وأخذ يدور بها حتى أدمعت عيناها، فهمست له:
"كنت خايفة لا أكونش ليك. عارف يا مالك لما تتعلق بحاجة من وأنت صغير وتخاف تضيع منك، أنت كنت بالنسبالي كده، أنا طفلة وأنت لعبتي اللي بحبها وبخاف تضيع، كنت أماني." نظر لها غاضبًا ثم هتف بها: "لعبة يا ملك! ضحكت ملء فمها حتى ظهرت غمازات ثغرها، فقالت بتفهم: "مش القصد يا حبيبي المعنى إنك كنت أغلى حاجة عندي وهتفضل." تبسم ضاحكًا ثم غمز لها: "أخيرًا قولتي حبيبي." ألجم الخجل لسانها، فنظرت له بهدوء وخجلًا قائلة:
"بس بقى يا مالك الله." قبل رأسها ثم تحدث بجدية وحب: "انتي أحلى هدية من ربنا ليا يا ملاكي." لم تتمالك نفسها من الخجل، فقامت مسرعة من أمامه. فركض وراءها يقول: "أحببتُ صبية على هيئة ملاك، في السماءِ ضياء، وفي الأرضِ بهاء." *** انتظرها مروان قرابة النصف ساعة فلم تأتي، فقرر الذهاب ظنًا منه أنها لا تريد لقاه، فشحب وجهه بحزنٍ ثم استدار ليذهب، فأوقفته قائلة: "لحقت تزهق؟
تطلعت به بدهشةٍ عندما رأى فستانها الزهري الجذاب وحجابها الأبيض، خالى وجهها من أي مساحيق، عيناها الكحيلة تأخذه لعالم آخر، وتلك دقة الحسن التي تميز وجهها جعلته يُغرم بها، فخطى ببطء يتمعن النظر بها حتى حمله بين أحضان الدمعات تسبق همساته لها قائلًا: "كنت مستني اليوم ده عشان أضمك لقلبي وانتي حلالي، يمكن دلوقتي تعرفي أنا حبيتك قد إيه." امتلأت عيناها بالدموع، فتحدثت بهمس:
"كل شيء كان غريب بس دلوقتي بقي كل شيء واضح، أنا عمري ما حبيت غيرك يا مروان ولا فكرت، بس دي نفسي لازم أحافظ عليها، أولًا لنفسي وثانيًا ليك." ثم تابعت وهي تزيل أثر دموعه قائلة: "قرب الحلال غير، وأنا حبيت أول اعتراف مشاعري ليك يكون وأنا مكتوبة باسمك." جلس وأجلسها بجواره قائلًا بنبرةٍ هائمة: "انتي أجمل حاجة ممكن ربنا يرزقني بيها، وأنا أفكر ولا هلاقيه فين تاني حد يخاف ربنا في حبيبه."
خفضت بصرها خجلًا، فرفعها لتنظر له قائلًا: "وعد مني لا أخلي عيونك وقلبك فرحانين دايمًا." ابتسمت بهدوء ثم همست قائلة: "ربنا يبارك لي فيك ويتمها علينا بخير يا رب." "دق قلبي منذُ ريعان شبابي عشقًا له، فقفِلتُ باب قلبي خوفًا من أن يحرمني الله حلاله، ومكثتُ سنيناً أدعو الله سرًا أن يجعله لي، وها أنا اليوم أفوزُ باستجابة الله لدعاءٍ بتُ ليالي أقول يارب إرزقني به." *** جلست روان بجوار رغد تحتضنها بفرح وهي تقول لها:
"مبارك فرحتنا بيكي يا زوجة أخي العزيز." ابتسمت رغد فقالت مشاكسة لها: "مبارك عليا أنتي يا عمة." ضحكت روان ملء فمها فقالت بهزار: "عمة الحر*با*ية." لكزتها رغد في كتفها بهدوء قائلة بعتاب: "هو أنا عمري هقول عليكي كده؟ انتي أختي يا هبلة." احتضنتها بحنان ثم غمزت لها وهي تذهب مشيرة إلى مكانٍ ما قائلة: "طب أسيبك انتي مع قابض الأنفاس." استدارت تنظر مكان إشارتها فوجدته يقترب منها وعيناه هائمة في ضحكتها الفاتنة، فقال بغزلٍ صريح:
"ضحكت يعني قلبها مال." أغمضت عيناها بتوتر واحتل الخجل قسمات وجهها، فاقترب أكثر وهو يقول: "خلاص مفيش هروب، بقيتي على اسمي." رفعت بصرها له فغمز لها فابتسمت حتى قال: "أنا كا يامن هطير من الفرحة." ثم أشار لموضع قلبه قائلًا: "حتى شوفي بيدق إزاي." همست بهدوء وقالت: "مبارك علينا الحلال يا يامن وربنا يجعل أيامنا كلها فرح." اقترب حتى وقف أمامها مباشرةً قائلًا بتساؤل: "تسمحيلي."
ضيقت بين حاجبيها بعدم فهم، فاحتضنها ودار بها والسعادة تملأ قلبه حتى همس لها: "بحبك يارغد." تمسكت بهِ وزرفت عيناه الدموع، فهلع قلبه خوفًا، فأزال برفق أثر دمعاتها قائلًا: "بتعيطي ليه؟ تحدثت وسط شهقات بكائها قائلة: "كنت نفسي ما يحصلش كل ده وكان نفسي بابا يكون موجود، لسه في نغزة في قلبي مش قادرة أكون مبسوطة." ربت على كفيها بحنان وهو يقبلهما قائلًا: "وعد مني يارغد إني أرجعلك بابا، وإني أنسيكي الحزن ده." ابتسمت بحبٍ
ثم أردفت: "ربنا يبارك لي فيك يا حبيبي." نظر بعمق لعينيها متحدثًا بنبرةٍ عاشقة: "كيف السبيل للهرب من عينيكِ، أنا أمامها دائمًا أُهزمُ."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!