الفصل 21 | من 38 فصل

رواية قتلني ورحل الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ميفو سلطان

المشاهدات
21
كلمة
3,300
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

دخل قاسم قاعة الاجتماعات ليسلم على المهندسين، ليهتف شريف: "المهندسة ليال كانت تعطيه ظهرها". لينظر إليها، كانت ترتدي جيب قصير أسود بفتحة وقميص قصير من الحرير الأحمر يظهر ثنايا جسدها من الخلف. ليقترب ويبتسم، ليهتف: "مدام ليال... قاسم الحديدي". لينشل عندما استدارت له وعلى وجهها ابتسامة باردة وعيون ليس فيها أي مشاعر. لترفع يدها وتسلم عليه.

"اتشرفت بمعرفتك يا قاسم بيه"، قالت ببرود تحسد عليه. كانت تنظر إليه بقوة ولا تحيد عينها عن عينيه. كانت تستغرب من نفسها، ولكنها وضعت وجع السنين في تلك المقابلة.

مد يده لا إراديًا ليمسك يدها، ليشعر بصعقة في قلبه. لتسحبها بهدوء وتنظر إليه برسمية شديدة، فاحس أن روحه ستنقبض. أمامه حبيبته، ولكنها ليست هي. تأملها ليجد أمامه أنثى طاغية، فقد اختفت تلك الطفلة وزاد وزنها لتصبح بارعة الجمال. وتلبس جيب قصير أسود ضيق يبرز مفاتنها وقميص حريري أحمر ذو فتحة صدر عالية يلهب القلب، وكان مفسرًا عليها لدرجة مهلكة. كان منصعقًا من هيئتها: "مين دي ولابسة كده ليه وعاملة إيه في نفسها؟

وفين عيونها اللي مليانة براءة؟ مين دي؟ لم يتحمل قاسم رؤيتها، ليستأذن ويخرج. ليعتذر شريف ويخرج وراءه. هرب قاسم ليأخذ نفسه، كان كأن الشياطين تجري وراءه. خرج مسرعًا إلى مكتبه. لتبتسم هي بانتصار. إنها تماسكت ولم تبين ضعفها، فهي على مر السنين تخيلت ماذا سيحدث لو قابلته. لتحس أنها سعدت بنفسها، رغم تجدد الوجع الذي يمزقها من الداخل. ولكنها بذلت مجهودًا كان سيوقف قلبها. أما هو، فأحس بانشقاق قلبه وأنه سيصاب بالجلطة.

ليدخل وراءه شريف: "إيه يا قاسم؟ حد يسيب حد ويمشي كده؟ " ليرفع قاسم وجهه، ولمعت الدموع في عينيه: "مين اللي جوا دي؟ ليهتف شريف باستغراب: "دي المهندسة ليال اللي كلمتك عنها. فيه إيه؟ مالك؟ أنت تعبان؟ ليهتف ليال: "دي ليال؟ لا دي مش ليال." ليهتف شريف: "مالك يا قاسم؟ دي مدام ليال المهندسة اللي مضينا مع شركته." ليقطب جبينه وترن في أذنه كلمة "مدام". لينظر إلى شريف برعب: "هي مدام؟

ليهتف شريف: "آه، دي مرات فريد الشرقاوي صاحب الشركة." ليحس قاسم بأن أنفاسه انقطعت ومسك قلبه، ليهجم على شريف ويقول بفحيح: "انت كداب! ليال ما تتجوزش تاني! ليال ما تنفعش تتجوز حد تاني! ليهتف شريف بعد أن أدرك حالته: "انت عايز تقلي إن دي ليال بتاعتك؟ ليدمع قاسم ويجلس كأنه أصيب بالشلل: "بتاعتي؟ هه... بتاعتي أنا؟ ليال بتاعتي راحت. مين اللي بره دي؟ أنا ما أعرفهاش. فين حبيبتي الرقيقة؟ فين حنيتها اللي بتخرج من عيونها؟

دي واحدة ما أعرفهاش. وإيه اللي لابساها ده؟ دا جسم حد تاني. حبيبتي كانت بتتكسف حتى تلبس أي حاجة. إنما مين دي؟ ولابسة كده ليه؟ هيا مجنونة ولا اتجننت؟ لا وقابلتني عادي كده؟ دا عينيها في عيني ولا أكنها تعرفني. مين دي؟ أنا هتجنن. للدرجادي اتغيرت؟ لا اتغيرت إيه؟ دي راحت. يا قلبك اللي انقسم يا قاسم. راجع تمني نفسك بعد تمن سنين تلاقي حبيبتك اتقلبت." ليقطب فجأة: "انت قلت إيه؟ استنى. انت قلت إنها مرات فريد الشرقاوي؟

نهار أسود ومطين بطين! البت اللي حيلتي اتجوزت وسابتني. ليال اتجوزت يا شريف! ليقترب شريف وهو يشعر بالأسى على صديقه: "أيوه يا قاسم، متجوزة من سنين كمان." ليحس أن قلبه سيقف: "ليال اتجوزت من سنين. ليال اتجوزت. اتجوزت وسابتني. ليال بتاعتي." كان كالثور الهائج يدور ويدور. ليهتف شريف ويخبطه على صدره: "ما تهدى بقى! أنت هتموت نفسك. واحدة وراحت خلاص. فكك وشوف حالك." لينظر قاسم: "هي مين اللي واحدة وراحت؟ أنت مجنون يا شريف؟

ليال بتاعتي تمن سنين وأنا بحلم بيها في حضني. ليال بتاعتي اتجوزت. قلبي هيقف. حد لمس حبيبي غيري؟ ليال... ليال بتاعتي. أيوه بتاعتي. مش ممكن تسيب نفسها لحد تاني دي... دي وعدتني تبقى ليا. آه بحلم بيها كل يوم. بتوعدني وحاسس بيها. ليال ماتتجوزش." ليصرخ: "ليال ماتتجوزش! قلبي... يا رب أروح فين؟ عملت إيه عشان قلبي يتمزع كده؟ هو الفاجر؟ أروح أقتله؟

ليتهالك حبيبي. اتجوز حبيبي اللي عشت سنين أحلم بيه. أخده في حضني. بقت لراجل تاني. نهارك أسود وأيامك الطين يا قاسم." ليهتف شريف: "ما تهدى بقى. هو صحيح راجل عجوز بس جوزها." لينظر إليه قاسم: "ليال متجوزة راجل عجوز؟ تتجوز راجل عجوز ليه؟ ليال ما تعملش كده. ليال من بعدي ما تتجوزش أصلاً." ليهتف شريف: "اعقل يا قاسم، دي ست متجوزة. بلاش تتهور." ليصرخ: "ما تقلش متزفتة ليال بيها حاجة!

ليال بتاعتي. ما تسيبنيش. أنا طبعت نفسي عليها. ما تقدرش والله ما تقدر. ومتاكد إن أنا بتاعها زي ما هي بتاعتي. ليال أنا اللي دخلتها دنيا وخليتها بتاعة قاسم عن حق. مش ليال. لا اللي بره دي مش هي. ولو كانت هي يبقى فيه غلط ولازم يتعدل." ليهتف شريف: "هتعدلها إزاي؟ هتطلقها من جوزها وترجعها العيلة الصغيرة إزاي؟ أنت ما تعرفش هي عاملة إزاي؟ دي وحش بتاكل اللي قدامها وماحدش بيقدر عليها."

ليقف قاسم ويهتف بوعيد: "كل الكلام ده عندي ولا يسوى. إن كانت بقت وحش أنا بقى غول وجبروت. وإن كانت فاكرة إنها كبرت وماحدش هيقدر عليها، أنا بقى اللي علمتها تكبر. مانا الأستاذ وهيا هتفضل بنتي اللي بتاخد مني من سكات. أما بقه موضوع الجواز ده، فده هجيب قراره."

ليصرخ في الحارس ليأتي: "اسمع، المهندسة ليال تسافر إسكندرية وتجيبلي كل حاجة عنها، وبالذات قصة جوازها. ويمين بالله لو اتهاونت في حرف لأكون شقك نصين. يكون عندي في أسرع وقت، أنت فاهم؟ ليهتف شريف: "هتستفاد إيه يابني؟ بتعذب نفسك ليه؟ واحدة وشافت حالها." ليصرخ قاسم: "اخرس! ليال ما شافت حالها بعيد عني. ليال بتاعتي وهتشوف وتعرف إن ليال مش زي ما أنت شايف.

ليقوم ويهتف: "اجمد يا قاسم وقوم شوف آخرها إيه واعرف بقت إيه. وبس اتأكد من اللي في بالي. يمين بالله لأكون مرجعها تاني تتمنى قربي وتموت عليا زي زمان. ما أنا مش هنقهر وأكل نفسي وأقعد أندب على قلبي اللي بيروح. أنا ما عشتش يوم مالاقيها. عايزني أسيبها؟ أمال هعيش إمتى؟

لا ليال ما راحتش. ورغم المسخرة اللي هيا فيها دي ما راحتش. ليال بتدافع عن نفسها من اللي جرالها. بس لا هترجعي يا قلبي، هترجعي ليا وهاخدك من عين الطخين. بس اتأكد من اللي في دماغي. ليال ما تتجوزش. لبعضي ولا تتجوز واحد قد أبوها. إلا لسبب. وهعرفه وهتشوفي يا قلب قاسم، قاسم هيعمل إيه. يلا يا شريف، ماينفعش نسيبها كده."

كانت هي تجلس تتناقش مع المهندسين، كانت محط أنظار الكل بكلامها وثقتها بنفسها. ليدخل قاسم، ليرجف قلبها وتضغط على يدها. ليلمح قاسم ذلك ليبتسم ويدخل. "آسف يا جماعة والله." واقترب وجلس بجوارها، لتحس بقلبها سيقفز من مكانه. ليقول: "يلا بقى نشوف التصور اللي عملتوه للشركة." ليقف أحد المهندسين الكبار ليتكلم، ليهتف قاسم بنبرة ساخرة ويقترب منها ليقول: "هو مش أنتِ برضه الريسة هنا؟ لتنتفض وتقطب جبينها،

ليكمل: "يعني المفروض أسمع رؤيتك." لتشعر بالغضب،

لتتجلد وتبتسم وتقول: "آه طبعًا، اللي تؤمر بيه يا قاسم بيه. عن إذنك يا بشمهندس، هتصرف أنا." لتقوم وهو مشتعل من تلك الملابس التي تبرز مفاتنها بقوة. فارجع كرسيه إلى الوراء وبدأت هي بقوة تشرح منظورها. وكان هو في دنيا أخرى لا يسمع شيئًا نهائيًا. كان يتأمل كيف أصبحت جميلة وقوية، كيف اتقلبت هكذا. كانت تثيره وأعجب بهيئتها الجديدة، أنثى قوية ذات بأس ذات جسد رائع. ولكن كان يريد أن ينقض عليها يبرحها ضربًا من تلك الملابس. كان يتخيلها في حضنه وعلى وجهه ابتسامة بلهاء.

ويهمس لنفسه: "ليال... قلبي قدامي." كانت تتكلم وعينيه على شفتيها وتاه وتاه وقلبه يدق حتى أحس أنه سيخرج من مكانه. ليرفع يده ويتلمس دبلته بحنان ويهمس: "حبيبي، والله حبيبي." كانت قد أنهت تعليقها وهو صامت. ليتدخل شريف بارتباك: "فقاسم ليس هنا من الأساس. دا مشروع ممتاز يا مدام." لترفع حاجبها وتنظر لقاسم بتحدي: "الباشمهندس ما علقش؟ إيه مش عاجبك؟ لينظر إليها ويبتسم بخبث: "لا مش عاجبني إزاي؟

دا كله عجبني. ما فيش فتفوته والله. دا حاجة معدية الخيال." ليخبطه شريف في قدمه، ليهتف: "بس هحتاجك نتناقش في كام حاجة. هستأذنك نصاية كده ونجتمع أنا وأنت." وتركها دون أن يعطي فرصة للكلام. ليذهب وراءه شريف ويدخل عليه: "انت هتطينها. أنا عارف. إحنا ماضين عقد. ومش عشان البت مزة تقعد تسهم كده. أنت اتهبلت؟ هنتفضح." ليقوم

قاسم ويمسكه من رقبته: "اسمع، عشان أنا على أخري. لسانك هيقول عليها حاجة، أنت حر. وعينك تبصلها. واسمع الكلام اللي قلته قبل كده، هشقك نصين." لينظر شريف بذهول: "إحنا في إيه وأنت في إيه؟ وبص إيه وزفت إيه؟ أنت اتهبلت؟ اسمع يا قاسم، الشغل حاجة وحياتك الشخصية حاجة تانية." ليجلس قاسم ويهتف مبتسمًا: "انت عبيط يا شريف؟

أنا عاد ليا حياة تانية من ساعة ما شفتها. دا روحي اللي رجعتلي. وقعدتي معاها دي هتبينلي كل حاجة. روح وهاتهالي يلا انجز." ليهز شريف رأسه باستنكار: "حاضر. هزفت. أما أشوف آخرتها." ليقوم قاسم ويجلس على الكنبة ويضع اللاب الخاص به ويحضر كل مستلزمات القاعدة. لتجلس بجواره، فقلبه مشتعل بما فيه الكفاية ولن يتركها تبتعد. ولابد أن يعرف مكنونها، فهو متأكد أن بها شيء وليست من تدعي أن تكون.

أخبرها شريف أن قاسم ينتظرها، لتتجلد رغم رعبها الداخلي. فحبها له لم يخرج من قلبها، فهو الرجل الوحيد في حياتها ومازال. فهو علمها كيف تحب وغرز حبه غرزًا لا يستطيع أحد أن يخرجه. ولكنها لم تعد تلك البسيطة، فالزمن هرس وداس عليها لتدخل مطحنة الحياة وتخرج بذلك الشكل. ليسمع هو طرقات خفيفة، لياذن لها لتدخل مبتسمة ابتسامة جامدة لا تصل لعينيها.

ليهتف: "اتفضلي يا مدام." وكان يشدد على تلك الكلمة. لتبهت قليلاً، وكان هو يتفرس في كل شاردة تخرج منها. لتقترب بهدوء، وكان جالساً ليقف احتراما لها. ليشير أن تجلس بجواره، ليحمر وجهها. ليحس بقلبه يرفرف، فهو يؤثر عليها رغم برودها. لتجلس بجواره بهيئتها التي أشعلته. ليبدأ في القول: "ممكن معلش تعيدي اللي قلتيه في الاجتماع؟

" لتستغرب. ليهتف ضاحكًا: "معلش. والله ما ركزت في ولا كلمة. كنت مركز في حاجة تانية خالص." كانت عيناه تشع حبًا. لترتبك بشدة، وخفق قلبه أن أخيرًا حصل على ردة فعل بدل الجمود الذي تضعه على وجهها. لتهتف بحنق: "حضرتك قومتني أشرح وماركزتش. أظن ما يصحش كده. أنا مش صغيرة." لتتسع ابتسامته ليقول: "لا، من جهة ما عدتش صغيرة. تؤ تؤ تؤ خالص. ما عدتش نهائي."

كانت تفرك من كلامه وتلميحاته ونظراته التي تلتهمها وتلتهم تفاصيلها. وأعصابها لم تعد تحتمل. فهو خرج وأخذ فرصته في الانهيار وأعاد رباطة جأشه. أما هي، فما زالت تتجلد وتصمد ولا تعلم إلى متى. فقربه يدمي قلبها. لتتماسك وتبدأ في شرح منظورها، وهو مقترب منها ويتأملها عن قرب وأصبح مشتعلاً تمامًا. كان يتأمل شفتيها وهي تتكلم وتأه فيهم وتذكر كيف كانت لمسته. كانت ابتسامته حالمة: "حبيبي قدامي. قمر وكله قمر. بقيتي تهبلي يا لولي."

ليتفرس في جسدها ليشتعل: "لا استحالة حد يكون لمس حبيبي. دي حاجتي. بتاعتي. لولي مش لحد غيري. مش كده يا قلبي؟ بحبه يا ناس. وهو عامل وحش كده بس قمر. قلبي بيدق هينط من مكانه. نفسي آخدك وأتوه فيكي. بقيتي تجنني. ما كانش اتخيل إني هرجع ألاقي قلبي ياخد العقل كده." كان يمنع نفسه أن يمد يده ويلمسها بأعجوبة. "بحبك وهموت عليكي. طب إيه؟ ههجم عليكي أفرتكك؟ وربنا. أهدي يا زفت. هتجنن. هنجلط يا ربي."

لتستدير بعد أن أنهت، لتري نظرات قاسم إليها، لتحمر بشدة وتبعد وجهها. ليسعد باحمرارها. لتقول وهي تحس بأن هناك من يجري ورائها وصدرها يعلو ويهبط: "أظن كده شرحت كل حاجة. حضرتك فهمت المخططات." ليهتف ببلاهة: "لا ما فهمتش والله." لتنظر إليه بغضب وتقوم: "هو فيه إيه حضرتك؟ أنا تعبت." ليقترب منها ونظراته تأكلها: "تعبتي من إيه؟ هو أنا عملت حاجة لسه. لتهتف: عملت.. آه حضرتك لو مش عاجبك شغلي نفضها عادي. أما هو فكان سعيداً باشتعالها

واقترب منها ليهتف: مش عاجبني.. لا دي حاجة فوق الخيال، دا عاجبني أوي، دا بقي حاجة تانية والله. لترد غاضبة: اسمع يا قاسم بيه. ليقول بابتسامة كلها وله وحب: عيوني سامعك يا ليال، خرّجي اللي في قلبك كله. لتنصعق من كلامه، لتهتف: لو سمحت اسمي باشمهندسة ليال أو مدام ليال، أنا مابحبش كده. ليقترب منها بشدة وينظر ليدها: آه معلش نسيت إنك مدام فريد الشرقاوي. راجل كباره وطيب وبركة السوق سبعيني مش كده.

لتشتعل غضباً من كلامه ولم تعرف ماذا تقول، لتهتف: حضرتك دلوقتي ناوي على إيه. ليهتف بحب: لا ما أقولكيش، دانا ناوي على حاجات كتير، هقولهالك حتة حتة بس أوصل بس لحاجة كده وبعدها هدوس وأكمل. والتصميمات هاناقشها كتير، فاعملي حسابك تبقي معايا في أي وقت. لتهتف: حضرتك ساعات ببقى مشغولة، هبعتلك كبير المهندسين يوقّع... ليقاطعها: ليال، بهدوء كده وخلينا حلوين ونسمعي الكلام من سكات، واللي أقوله يتنفذ.

ليشتعل غضبها من جملته، ماذا يظن نفسه، فلم تعد تحتمل أكثر من ذلك، لتقترب منه مندفعة في الكلام وتقول بغضب: هو إيه اللي نبقى حلوين واسمع الكلام من سكات، إنت فاكرني إيه؟ لسه العيلة بتاعة زمان اللي بتقول حاضر وطيب، لا يا أستاذ فوق، أنا ما عدتش كده. كانت تنهج بشدة. أما هو فصدحت ضحكته. لِتصرخ: إنت بتضحك على إيه. ليهدأ ويبتسم وينظر إليها بعشق صارخ، وهيا لم تعد تحتمل نظراته، ليهتف: بضحك على غلبي واللي هشوفه.

وتنهد: مانا عارف إنك ما عدتيش الكتكوت الصغير اللي بيقول حاضر، بس صدقيني كل اللي قدامي ده هو.. ليال، إنت تقريباً دخلتي حتة مش بتاعتك، مش لايقة عليكي.. ودا أنا هتصرف فيه. لتهتف بغضب: اسمع بقى يا قاسم. ليغمض عينيه ويقترب: قلبي يا ناس، أحلى قاسم دي ولا إيه. لتنظر إليه بذهول: إنت إيه ده.. إنت إزاي تكلمني كده.

لتهتف غاضبة: تقريباً إنت ما تعرفش أنا مين، بس أحب أعرفك أنا المهندسة ليال حرم فريد الشرقاوي، وأي تجاوز مش هسمح بيه، عن إذنك. ليهتف ويقول: لا أنا عارف إنت مين كويس أوي وحافظ، لأني اللي علمت، إنما حرم فريد الشرقاوي دي هنعرفها بعدين. ليقترب منها ويظل يقترب، لتتراجع وتبتلع ريقها، لتخبط في الحائط، لتشتعل وتنظر إليه بغضب، ليبتسم بحب ونظراته تصرخ بعشقه، ليهتف: قاسم مابيتجاوزش مع حاجة تخصه يا ليال.

لتهتف غاضبة وترفع يدها: بقولك إيه، أنا ماسمحلكش. ليقترب ويلمس يدها بشفتيه: إيه.. لولي ماتسمحش بإيه. لتبهت وقلبها سينفلق، وتشتعل، لتدفعه وتهتف ببرود: لحد هنا وتقف عندك، إنت فاكر إيه؟

أنا ست متجوزة، تتجاوز حدودك هفض العقد، لا يهمني شركاتك ولا يهمني هيلمانك.. كل ده على نفسك يا قاسم يا حديدي.. ليال ما عدتش لا بتخاف ولا بتكش، لا منك ولا من اللي يتشددلك، أنا المهندسة ليال حرم فريد الشرقاوي، جوزي فاهم، بيقولك حدودك تلزمها وتيجي عندي تقف كده خط أحمر، أنا مش أي حد. كانت تتكلم بشراسة. وهو يبتسم والسعادة ستفلق صدره من عنفوانها.

لينظر إليها بهيام ويضع يده حولها، ليرجف قلبها وظل صامتاً فترة يتأملها، لتحس أنها ستنهار، فهو يلعب بأعصابها، فهو لم يعد سهلاً. ليهتف ويقول: طول عمرك خط أحمر، ليشير إلى قلبه: طول عمرك مش زي أي حد يا لولي. لتتجاهل كلامه وتدفعه، فلم تعد تحتمل وتخرج وهي تهمهم وتلعنه بشدة.

ليجلس هو سعيداً: حبيبي بيحمر من نظراتي، قلبي يا ناس.. أخيراً قلبك ارتاح والبت بتاعتك إنت لسه راشق جواها.. بس إيه فريد الشرقاوي قصته إيه، دا راجل قد جدي، متجوزاه إزاي، أهدي يا قاسم، أهدي واتصرف بعقل، واحمد ربنا إنك عرفتلها طريق. ليغمض عينيه ويتذكر تفاصيلها، ليبتسم: حبيبي بيحمر وأنا ببصله، قلبي أنا هموت عليكي يا هبلة، حبيبي موجوع مني، هداويكي يا واخدة قلبي. يا رب أهدهالي.

خرجت هيا مشتعلة من عنده وذهبت إلى مكتبها، وقفلَت على نفسها وظلت تنهج وتحاول أن تستجمع نفسها.

إيه إيه، إنت عاملة كده ليه وقلبك هيقف.. الله يخرب بيتك يا بعيد، طلعتلي منين. وإيه قلة أدبك دي يا مصيبتك يا ليال، هتقعدي معاه شهر إزاي، دا من قعدة هتموتي. عايز إيه مني يا ابن الحديدي وبتعاملني كده ليه. مش رمتني ودبحت قلبي، بتكلمني كده ليه. وبتبصلي كده ليه، الله يخرب بيتك، استحمل أنا إزاي.. لا دانا بكرهك، آه بكرهك، وما بكرهش قدك. ولو فاكر إني لسه الهبلة بتاعة زمان، انسي، دانا هقفلك وأعرفك أنا مين. لتهدأ قليلاً

وتجلس تفرك في يدها: إيه مالك عاملة كده ليه، مش على بعضك من ساعة ما بصّلك.. الإلهي كانت عينك تتخزق يا أخي، إيه قلة أدبك دي، هو بيبصلي كده ليه، أنا خايفة. لتفز من مكانها: إنت اتجننتي، خايفة من إيه، هو مين أصلاً، دا واحد ما يسواش، ودستي عليه من زمان، اعقلي، إنت كبيرة وعاقلة وقدامه متجوزة. لتهتف: متجوزة! هو كان بيقول إيه، لتبقي مصيبة لو عرف أصل الجوازة.

لتنهر نفسها: اتلمي واجمِدي، مش ده على آخر الزمن اللي يلخبطلك حياتك، هو شهر استحمليه بالطول والعرض، فاهمه.. يا رب اقف جنبي. عادت كارما إلى الشركة وبدأت في وضع مخطط وجدول زمني لإنهاء أعمالها، وبينما تجلس بمكتبها تعمل منهمكة، لم تحس بذلك الذي تسلل ليقف بجوارها، لتحس بوجع في رقبتها، لتبدأ في دعك رقبتها، لتحس بيد على رقبتها، لتفزع وتنظر لتجد أيان يقف ورائها يهمس في أذنها: آهدي، هشيلك الوجع. لتنتفض كي تقوم،

ليرمي بثقله عليها ويهتف: اهدي بدل ما صوتنا يطلع، وأنا واحد ما يهمنيش. لِتصرخ: شيل إيدك لاقطعهالك. ليهتف: بصي، لو عايزاني أشيل إيدي، اهدي. لتتنهد وتعلم أنه لن يبتعد، لتصمت مجبرة، ليبدأ في تدليك رقبتها، لتحس براحة وخدر يتسلل إليها، فكانت مرهقة ومتعبة بشدة، لترتخي لبعض الوقت ويده ترسل إشارات لقلبها، لتستكين، لتحس بيده تمتد إلى بلوزتها، لتنتفض. ليضحك ويقول: أنا قلت إنت نمتي، قلت أصحيكي يا قمري.

لتهب مرة واحدة وتبتعد ووجهها أحمر، لتهتف منفعلة: نعم خير، مش دلكت واتبسطت، أفندم، أوامر. ليضحك: أنا آه دلكت، بس لسه ما انبسطتش، ونفسي حبيبي يحن عليا، ساعتها هاخده في حضني وننبسط سوا. ميفو السلطان. لِتصرخ: ماتحترم نفسك بقى، إيه ده، مش حاسس إنك كبير شوية واللي بتعمله شغل عيال.

ليقترب منها: الحب مفيش فيه كبير وصغير يا قلب أيان. يا بت اتربيت وهموت عليكي، وحشتيني، شوية وههجم عليكي أهريكي بوس، وإنت بقيتي جامدة وطايحة كده، بس على مين، طيح براحتك يا وحش. لِتصرخ: لا دانت مجنون، يلا من هنا بقله أدبك دي، وشوفلك عرصة ترضى بيك، دانت حالتك صعبة. لينظر إليها بخبث: أشوفلي عرصة.. لا والله، دانا شايف صاروخ جامد هيخلص عليا. وحالتي صعبة.. آه وربنا، هموت على الوحش اللي قدامي وهو مقوي قلبه، ليقترب بهدوء.

لتصرخ به: ماتقربش بقلك. ليضحك ويشدها إليه: لا دانا هقرب براحتي، وإنت كيفي، روحك القمر بتاعي، واحشني. ليشدها إليه، لتحاول أن تدفعه، ليضحك: إنت ما بتزهقيش يا قلبي.

ليهتف بحب وعيونه تلهبها: والله هموت عليكي، والله ما نمت يوم إلا وعيونك قدامي. وحشتيني، وعارف إن إني وجعتك، بس أعمل إيه.. إنت بس إشري وأنا هتلاقيني تحت رجليكي والله.. كل حاجة وحشتني يا قلبي، والله سنين بعدك قهروني وربوني بجد وكسروا جبروتي، وعرفت إنك اللي ليا. جدي الله يسامحه رباني غلط، إنت وقاسم فلتوا، بس الزمن رباني وخد حقك مني وعايش موجوع.

كانت تنظر إليه غير مصدقة أن هذا أيان صاحب الجبروت والعنفوان، ليقترب منها ويقبلها بشدة ويشدها إليه يعتصرها بين يديه، لتستكين لثواني معدودة، لتهب وتنغز نفسها لتدفعه وتصرخ: بس بقى، إنت إيه ما بتحسش، ما عندكش دم، ابعد عني بقى.

لينظر إليها بحب: لا يا قلبي بحس، وحسيت بالثواني اللي كارما ظهرت فيهم، وأوعدك إن هصبر لحد ما روح قلبي ترجع تاني. أسيبك بقى يا قمري، بعد ما قلبي برد وحبيبي شفايفه ارتاحت بين شفايفي لثواني.. قمر يا بنت الايه. واقترب منها ومسكها مرة أخرى، وهيا تضربه، ليقول: أيان هيرجع كارما لو آخر نفس في حياته.. سلام يا قطتي. ليقبل أصابعه ويضعها على شفتيها، لتبعدهم بعنف وتخرج وهو يدندن بسعادة. لتجلس

هيا وقلبها ينبض بشدة: يخربيته دا اتجنن، هو بقى عامل كده ليه، وإيه هيرجع كارما دي، هو اتجنن.. دا واقف يحب ويسحسح عادي، أنا عمري ما شفته كده. وإيه يا زفتة مالك، لما باسك انبسطتي، عبوشكلك بت واقعة. إيه هيبسبسلك ترجعيله، ما عندكيش كرامة. طيب يا زفت انت، أما أشوف آخرتها.. إيه حرقة الدم دي.. يا رب بقى أنا تعبت، ريح قلبي.

مر اليوم باقيه على شدة أعصاب كل من قاسم وليال، فهو ينتظر معلومات الحارس على أحر من الجمر، وكلمه أكثر من مرة ليطلق يده في فعل أي شيء ويصرف ما بداله، لو ملايين ويجيب له قرار الموضوع. أما هيا فأكملت يومها بمعجزة وانصرفت لتريح نفسها بعد أن كانت على شفا الانهيار، فسنينها قد عادت إليها من جديد، تذكرها وتنغص عليها أفكارها. راجع ليه يا قاسم؟

راجع تكلمني كده ليه وبتخطط لإيه. إنت ما عدتش قاسم اللي أعرفه، إنت واحد تاني، قادر وجبروت. هتعوز مني إيه وكلامك وتلميحاتك دي ليه.. راجع ليه، مش القصة خلصت واندعك اللي كل اللي بينا في الأرض.. بس لا، إن كنت ناوي على حاجة، أنا ما عدتش هبلة وهقفلك وأدب صوابعي في عينك، أنا كبرت يا بيه، وقتلك ليا هتاخده غل وحقد، وهتحس إنك أزبل من الزبالة عندي. إنت دخلت قلبي ومزعته وخرجتني جثة، وأنا ما عملتش حاجة، ذنبي إني حبيتك، عيلة صغيرة خدتها تحت جناحك وزرعت فيها حبك اللي مش راضي يخرج، والله ما راضي، حاولت أموته بس مش عارفة.

لتهتف: يا رب عيني عليه، يا رب خفف وجعي اللي بيمزّعني.. دا كأننا كنا إمبارح مع بعض، كأن السنين هوا.. رجعت كل وجعي، كنت فاكرة إني نسيت.. تنسي إيه يا ليال، إنت هبلة، إنت عمرك ما نسيتي قاسم.. قاسم مزروع جواكي وغارز وراشق، وإنت عارفه كويس، ماتضحكيش على نفسك.. بس على الأقل ماتهنيش نفسك بعد ما رماكي ودعك كرامتك في الأرض، وبّيني له إنه موجود ولا يسوى. اجمدي، كلها شهر وتغوري من وشه ولا يشوفك تاني، قصة وتكمل دفن.

كانت تمني نفسها، ولكن قلبها سيكون له رأي آخر، وقاسم سيكون له باع آخر عندها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...