في زمن آخر ومكان آخر بعيد تمامًا آلاف الأميال، كان هناك من تركناه ميتًا ليصبح شخصًا لا يعرفه أحد. فقد تحول قاسم على مدى ثماني سنوات إلى نسخة من بدر الحديدي، بل أفظع. في غضون الثماني سنوات كان قد استفحل وصعد بشركاته إلى الأعلى، أصبح غولًا يخاف منه الكل. فمن نزعت منه الرحمة والحب لا تنتظر منه شيئًا. كان وجهه قد أصبح أشد قسوة، وأصبحت عيناه حادتين، وجسده جسد رياضي ضخم من كثرة ممارسة الرياضة. كان يعيش على أمل واحد، أن
يخلع قلب الحديدي ويحرق له قلبه. كان ينتظر إلى أن يقوى ويتجبر، وكلما قوي في الدنيا ضعف الحديدي وهلك، وخاصة بعد أن تنصل من مراقبة الحديدي التي كانت تحرقه وخلعه قلبه مرة أخرى. عندما بعث ليطمئن على ليال من بعيد ليجدهم رحلوا بلا عودة، ليشعر بالدنيا اسودت أكثر وأكثر. فليس لها طريق وحاول البحث عنها كثيرًا ولكن بلا جدوى. وكان لم يكبر ويصبح ندًا لجده، وخوفه من جده في البداية جعله لا يستطيع أن يجدها، فكان سيؤذيها. فلأربع سنوات
كان يعد عليه النفس، إلى أن خرج من تحت طوعه. ولكن بعد ماذا؟
ضاعت ليال ليتصلب قلبه أكثر وأكثر. فجده كان يضع عليه مراقبة من حديد ويمنع عنه النزول، وهو يستميت ويبحث عنها بلا جدوى. ليحس أن الباقي منه قد ضاع بضياع حبيبته. لينتظر ليعود ويخلع ما تبقى من جده ويأخذ ما عنده. ونيته ما إن يعود كجبروت يبحث عنها حتى لو كانت إبرة في كوم قش. فوقوفه للحديدي ليس سهلاً، فالتعبان لا تقف له إلا إذا كنت حنشًا يتسم بالجبروت والأعلى. هنا كانت متعضلة قاسم ضياع حبيبته ليتحول الأمر إلى عيشة سوداء هدفها الانتقام وفقط. ليتغير ذلك الحاني إلى وحش ينتظر إلى أن ينقض على فريسته.
وتحولت كارما معه لدراعه اليمين باجتهادها وتعلمها، وكانت تمحط في الصخر معه لتعلو وتعلو رغم وجعها الذي لم تنساه يومًا. ولكنها أصبحت امرأة حديدية لا تبالي ولا تهتز، وأصبحت كالحجر، نسخة ثانية من قاسم مختلطة معه في كل شيء، وتمتثل لأوامره لأنه هو من وقف لجانبها. ولكنها عندما تثور لا يقدر أحد أن يوقفها، فقاسم لا يحب أن يغضبها أو يجعلها حزينة، فهي الباقية له من قاسم القديم.
حاول أيان كثيرًا أن يتكلم معها، لكنها كانت لا تقابله من أساسه. أصابها جحود وأصبحت كحائط سد لا يخترق. والجد تهالك من بعدهم، فطوال الثماني سنوات لم ينزلا، وسافر لهم مرة أو اثنتين، فكانا لا يقابلانه من أساسه. وأيان لا يدخل البيت إلا للنوم ولا يقرب جده. وإذا فكر الجد أن يقترب منه أبرز أنيابه التي ظهرت بسببه، ليدخل الحزن قلبه ويفقد جبروته وينزوي قهرًا لينذل لهم. فايان قد شرد وبعد عنه أيضًا لأنه كان السبب في بعدهم عنه، رغم أنه أخطأ وأحس أن روحه انسحبت منه برحيلهم. ولكن البعد والفقدان يضعف الجبروت والعزوة. فكان أمل الحديدي تكوين أسرة عنده جنون العزوة. ولكن من؟
لا أحد بقي. فوق ذلك تهالكه في العمل، لم يعد قادرًا على إدارة مجموعة. قاسم وأيان نافران بمجموعته بعيدًا، وقاسم لن يعود إلا بسبب يخطط له.
كان جالسًا في مكتبه يتلمس سلسلتها التي لا تفارق صدره، كان لم ولن ينس. "ارجعي لي مستنياك". كان لا ينام ويتذكر حلمه ووعدها. ثماني سنوات من القهر عدت على قاسم كالموت. ظلم ظلم بين حبيبته تظن أنه تخلى عنها وخدعها ولم يدافع عنها، ولكنه أجبر من جاحد أن يحفظ لها شرفها. فكان مع ذلك يقسو على نفسه ويأكل روحه لما مرت به، وهو من مر أيضًا بوجع فوق الاحتمال. كان كلما توحش قلبه خاف على نفسه من أن يصبح كجده. ليخرج هاتفه ويسمع لرسائلها تحييه، تنعش قلبه وينام يتلمس تلك السلسلة ودبلتها في يده، لم يتخل عنها. على أمل أن يجدها.
ليدخل عليه صديقه شريف. "إيه يا كبير، ما بتردش على جدك ليه؟ طب أنا مالي يتزعق لي ليه؟ كنت من بقيت عيلتكم." ليبتسم قاسم بسخرية. "ودا عايز إيه؟ هيا ناقصة؟ لتهتف كارما بسخرية. "هيكون عايز إيه؟ القصة الماسخة بتاعته. ارجعي لي يا قاسم، هموت يا ابن نعيم، الشركات بتقع، بقيت لوحدي. حاجة توجع والله." وأطلقت ضحكة قاسية. ليهتف شريف. "جدك عيان يا قاسم، عيا جامد وجايز يروح فيها وبقي طلب ميت." ليتافف قاسم. "خلاص هترغي، هبقى أكلمه."
ليتنهد شريف. "يا قاسم اللي فات فات. أنت يا ابني من يوم ما شفتك وأنت معيش نفسك في دنيا لوحدك، لا بتخرج ولا بتسهر. يابني الدنيا بتمشي وأنت لازم تمشي معاها."
ليهتف قاسم بغل. "بس أنا دنيتي ما بتمشيش بسببه، هو اللي عمل كل ده. وهتمشي لما أوصل للي في دماغي وخلاص، تقريبًا هوصل. بعد مكالمة جدي، مانا عارف هو هيموت على إيه. ساعتها هكشف وشي اللي رباه عن حق وهعرفه مقامه. أعرفه إزاي يغرز غرزته دي فيا. زمان كنت أهبل وصدقت، وكنت عيل يتعمل فيه اللي على مزاجه. إنما لما وصلني خبر عملته السودة، مستني بس على ضربتي. وساعتها هنهش قلبه من جوا بعد ما مزقني سنين وأنا مخدوع. أنا قاسم الحديدي بتاع دلوقتي، هعرفه إزاي يشق قلبي كده ويموتني ويموت حبيبتي اللي اتمنيتها من الدنيا. جدي عينه على الفلوس والسلطة وأنا هاخدهم من نن عينه."
لتهتف كارما. "اتغيرت يا قسومي وبقيت بدر حديدي، بس اللي اتعمل فيك مش قليل. أهو كل عمايله سودة، ماسابش حد إلا وحرق قلبه. آه تلاقي أخوك بيكبر شركاته وسايب المجموعة بتاعتك يا حبيبي تقع، ماهو ما يهموش إلا نفسه، حاجة تقرف." ليشير إليهم قاسم. ليرفع السماعة ويهتف. "أيوة يا بدر باشا، عرفت إنك عايزني."
كان بعد تلك السنين قد أصاب الجد الوهن، وبعد قاسم عنه برغبته ونفوره منه كسره غصباً عنه. فعلى مدى ثماني سنوات لم يرى جده إلا مرات تعد على أصابع اليد الواحدة. ليهتف الجد بضعف. "إيه يا قاسم، ميت مكالمة عشان ترد عليا؟ ليهتف ساخرًا. "ماهو لو فاضي هكلمك، وأنا ماليش في الرغي، هاه سامعك، أؤمر." ليتنهد بدر. "ارجع يا قاسم، الشركات محتاجالك." ليهتف. "والله وبدر بيه فين؟ هيعوز قاسم ليه؟
ليهتف بدر. "أنت هتيجي تمسك الشركات، كفاية على اللي عندك كده، سيبهم لأي حد. شركاتي ما عدتش قادر، وأخوك رامي الحمل كله عليا يا ابني، أنا المجموعة بتقع كده." ليهتف قاسم بخبث. "شوف، أديك قلت شركاتك، أنا مالي. أنا عندي شركاتي، أكبره، أوطيه، أنا حر. إنما أجلك تحت ضرسك ليه يا بدر باشا؟ دا كان زمان وجبر. قاسم بطل يريل ومسح الريالة، شوف لك حد يقف جنبك، أديله قرشين، وإلا أقولك أجره. أنت بتعرف تاجر كويس."
ليحس بدر ببشاعة ما وصل إليه قاسم ليهتف بمراضيه. "طب تعالي وهتدير الشركات براحتك." ليهتف قاسم. "آسف والله، حاجتك ماليش دعوة بيها، شد حيلك وشوف لها حد يسندها معاك. أو اترجى أيان، جايز يعبرك. وإلا أقولك، اتجوز حد من عيلة برضه معاها فلوس، خلف لو فيك نفس تخلف، اعمل عيلة. أصلك يا عيني فقدت عيلتك من زمن."
ليصرخ بدر والارهاق قد نال منه. "طب ارجع يا قاسم وهديك الشركات بيع وشرا وحق التصرف، أنا ما عدتش قادر يابني، أنا في آخر أيامي. مجموعة الشركات بتخرب يا ابني وأنا خلاص. وكفاية على أخوك مجموعته. هتاخدهم بيع وشرا يابني، هدهملك." ليهتف قاسم. "آسف، وتقعد لي فيها تقرفني، ما عطلكش، أنا معايا شركاتي يا حج بدر." ليهتف بدر بقهر وذل. "تعالي هكتبهملك وهتبقى رئيس مجلس الإدارة وأنا ماليش دخل."
لينتفخ قاسم ويهتف. "ماشي، إن كان كده جهز عقودك وهتلاقيني عندك لما تجهز، يلا سلام." وأغلق الخط. قام واقفًا وتوحشت عيناه. "أخيرًا يا قاسم، أخيرًا هتبقى أنت السيد وهو ولا حاجة. كان فاكر إني ما أعرفش تخطيطه النج*س وإنه لف لفادية الغلبانة الفضيحة؟
وأنا كنت عيل أهبل صدقت وبجبروته أقنعني أستر عليهم، بس يمين بالله زي ما قهرني وموت قلبي لهاخد منه كل حاجة وأخليه ما يسواش. عارف لو مش أبويا بيني وبينه كنت قتلته وريحت الناس من شره الجاحد. بس خلاص، لدعتي قربت يا بدر يا حديدي. صبرت سنين ولما عرفت عملتك النج*سة صبرت أكتر عشان أنهش قلبك نهش. طفلة تمنتاشر سنة تفضحها وتفضح أمها، إيه يا فاجر؟ ملعون أبو فلوسك، لسه لا هاخدهم منك وأحرق قلبك وأخليك تتحسر. مش كنت عايز عيلة؟
هرجع حبيبي مش لاقيها صح؟ بس هقلب الدنيا وأرجعها. عارف موتها، بس غصب عني، دورت عليها سنين ومش لاقي لها أثر. بس رجوعي معناه روحي تموت ولازم ألاقيها، لازم أرجع حبيبي وأعمل عيلة وماهتشوف طرفهم. هتعرف إن عندك عزوة وأحفاد، ولا هطول ضفرهم، بس اصبر يضحك. وصلت يا قاسم ودوست عالكل. بس لسه اللي في القلب في القلب."
لتهتف كارما. "أقوم أجهز حالي، عارفة إنك بتخطط من سنين. سلام يا كبير." ومشت تتهادى بسخرية مما خطط له قاسم ومما سينفذه. وخرج معها شريف أيضًا يجهز نفسه.
ليجلس قاسم ويتنهد ويفتح تليفونه ليسمع صوت حبيبته وهي تقول "مستنياك ترجع لي". ليهتف. "خلاص يا قلب قاسم، ما عدش حد هيقدر يبعدني عنك. ما فيش يوم نسيتك، ما فيش يوم عدى إلا وأنا بسمع صوتك بتترجيني. بس ما كنتش أستحقك، لسه ما كنتش بقيت قاسم اللي ياخد حقه من قلب اللي قدامه ولا يتهزلهوش شعرة. هرجع لك وأرجعك، وعد مني من ثمان سنين إني أرجع حبيبي اللي سيبته وقتلته غصب عني. راجع لك يا قلب قاسم. راجع للطيبه والقلب الحنين. عارف
هتكوني كرهاني، بس هقولك كل حاجة وهقولك عالجاحد اللي نهشنا وعمل عملته. هقولك إني كنت صغير وأهبل وبيتضحك عليا. هقولك إن كان فيه تعبان لف علينا وقتلنا. عارف إنك اتوجعتي، لا اتوجعتي إيه، عارف إني قتلتك وفاكراني لعبت بيكي وخدت غرضي ورميتك، بس لا يا عمري، هرجع لك وأوطي على إيدك ورجلك عشان تسامحيني. مانت قلب قاسم البنبوناية اللي اتمنيتها من الدنيا. ما فيش يوم لا نسيتك ولا نسيت الليلة اليتيمة اللي عشتها معاكي، وإد إيه كنت
بريئة، ويومها كنت هموت من السعادة وما شفتهاش تاني. نفسي المسك وأحسك بين إيديا، وهيحصل وهتبقي بتاعتي. مش قاسم الحديدي اللي يسيب حاجة بتاعته تبقى بعيد، وأنت بتاعتي أنا. لو فيها موتي ما هسيبكش يا قلبي."
عاد قاسم أرض الوطن بعد أن مر عليه ثماني سنوات، ثماني سنوات أخذت من قلبه وحطت على شخصه. ثماني سنوات عذاب واحتقار لذاته أنه كان ضعيفًا صغيرًا لم يصمد أمام جبروت جده وفضيحة حبيبته. كان يتمنى لو حدث له ذلك الآن ليقتلع قلب كل من بعد حبيبه عنه، ولكن ليت لا تعيد الأنفاس. دخل الشركة ومعه صديقه شريف وكارما ليجد الجد جالسًا. لم يقربه حتى ليسلم عليه، ولم تقربه كارما. ليهتف الجد. "إيه، ما هتسلموش على جدكم حتى؟
أنتم إزاي بقيتوا كده؟ ليضحك قاسم. "مالي كده؟ ومالها كارما؟ مش كنت عايزني بدر الحديدي؟ أهو اللي قدامك دي النسخة المعدلة. بقيت قادر زيك يا جدي، والفضل ليك. هتقولي بقه سلام وحنية؟ ما عدش ليا، وإلا نسيت. بطلت أنح زي النسوان يا جدي." وانفجر ضاحكًا. "يلا يلا عشان أنا وقتي ما بحبش أضيعه، ننجز بقه. ماتسلمي على جدك خلينا نخلص يا بنتي، الراجل عيان." ليضحك عاليًا.
لتقترب منه على مضض وتقبل رأسه وتبتعد، وهو يشعر بالقهر لفقده أعز اثنين عنده. ليهتف الجد بتعب. "ماشي يابن نعيم. أنا حضرت الورق ومضيت. كل الشركات هتستلمها، بس نسبتي محفوظة في الأرباح بس، إنما أنت الإدارة والأملاك وكل حاجة. أنا ما عدتش قادر أجي كتير، كل فين وفين لما هاجي." ليهتف قاسم. "وتيجي ليه؟
ماتقعد بقه وتسيب لي كل حاجة. مش ده تخطيطك وأنا قدامك أهو. حاجة تشرف زيك بالملي. وهتلاقي أرباحك وصلالك وعليها شويتين. أصل معلش، ماليش في البوس." ليبدأ في إنهاء المعاملات. وهنا أخيرًا قد تقلد قاسم إمبراطورية الحديدي عن جدارة، وأخبار وجوده في السوق قد ذاع وسمعته سبقاه. ليقرر أن يغير من الشركة تمامًا ويغير هيئتها كشركة أوروبية بستايل جديد. فكلف شريف أن يبحث له عن أفضل شركات الديكور ويتعاقد معهم.
وكان قاسم قد نقل أيضًا شركاته إلى مصر ليضمها إلى بقية المجموعة. وابتعد هو عن المركز الرئيسي لكرهه لذلك المكان، وصنع لنفسه صرحًا كبيرًا بعيدًا عن شركات بدر حتى يجددها ويعمل فيها إحلالًا لكل ما هو قديم. أما شركته فكانت لا غبار عليها، ونقل الكفاءات إلى شركته وجعلها المركز الرئيسي للشركات. ليدخل قاسم في ليلة ما ليقابله الجد غاضبًا ليهتف: "إيه يا قاسم بتنقل فرع جديد وتسيب المركز الرئيسي مش تقلي؟
ليجلس أمامه قاسم ويضع قدمًا على قدم: "بتاع إيه أقلك." ليهتف الجد: "بتاع إيه.. أنت اتخبلت شركاتي." ليضحك قاسم عاليًا: "إيه يا حج العتب على النظر، أنت باينك كبرت وخرفت، مش لسه ماضي لي كل حاجة." ليهتف الجد: "ما تلزم أدبك، أنت بتكلمني أنا كده؟ أنا بدر الحديدي، اتهبلت جرالك إيه؟ ليهتف قاسم: "لا اللي جرى كتير، وإن كنت نسيت اللي جرى أجيب لك دفاترك السودا. وبدر الحديدي على نفسك." ليهتف بدر: "قاسم أنا جدك." ليضحك قاسم: "بجد؟
وعرفتها لوحدك ولا حد عرفهالك؟ أنا بقى عارف إنك جدي ومستني يا بدر يا حديدي يوم وقفة ابن نعيم الحديدي لبدر الحديدي. أنت فاكر إني كده وحش؟ لاااا لسه الوحش جاي. وحشك كله جاي. فتقعد كده بركة وصلي إن كان ينفع لك صلي أصلًا، ولا تعرف ربنا. ليقترب قاسم الحديدي، صاحب الحديدي جروب، بيقول لك لم نفسك بعيد عني. أنا لدغتي والقبر لسه، اصبر على لدغتي يا.. جدي." وتركه ورحل. ليتهالك الجد:
"يا مصيبتي يا بدر، الواد بقى جاحد وهيوريك الذل. ليحس بأنفاسه تختنق، ليظل يفكر في حاله وما ينتظره من قاسم وخوفه أن يعرف ما فعله به." *** كانت ليال نائمة متعبة، ليراودها نفس أحلامها التي لم تتركها، ووجود قاسم فيها وهو يذكرها بوعدها أن لا تنساه. ليأتي لها ويلمسها لتبتعد لأول مرة في أحلامها عنه، ليهتف بحزن: "نسيتيني؟ لتظل صامتة تنظر إليه، ليقترب ويضع يده على قلبها، لهمس بحنان: "قاسم خرج من هنا يا قلب قاسم."
لتسيل دموعها، ليشدها إليه، لهمس: "عارف إنه كتير عليكي، بس حبيبك موجود، والله موجود." لتهز رأسها بقهر، ليرفع وجهها، لهمس: "بصيلي وقولي لي إنك ما نسيتيش حبيبك." لتنظر إليه بحب: "أنسالك إزاي؟ مش عارفة نفسي أنساك." ليهتف: "مش هتعرفي، قاسم هو قلب ليال وهيرجع لها، والله هيرجع لها." لتهمس: "أنا تعبانة." ليهتف: "حبيبك هيداويكي، بس ماتسيبهوش، أوعي تنسيه." لتهتف: "لا مش هنساك، ما أعرفش أنساك." ليبتعد:
"ماتنسيش قاسم يا قلب قاسم." لتصرخ، لتهب لتشعر بالقهر، لتصرخ: "لا نسيتك، نسيتك، أنت مش موجود في حياتي، أنا مش محتاجاك خلاص، أنا كبرت، أنا قوية، مش محتاجاك." لتجعد بالبكاء، فهي مهما كبرت واستقوت، يبقى للقلب رأي آخر وحكم آخر. *** أما كارما فكانت تنتظر مقابلتها لأيان بفارغ الصبر، وعندما عرف أيان ذهب مسرعًا ليقابل أخيه. وكان هو يذهب إليهم، ولكنها ما إن تعلم أنه موجود حتى تترك المكان بأكمله.
كان مشتاقًا لرؤيتها، ولكنها لم تنله الفرصة ليراها. أصبحت امرأة جميلة في الثامنة والعشرين من عمرها، لا تفكر إلا بعملها ذو قوة خارقة. ليدخل عليهم ليسلم على أخيه وعيناه تبحث عنها، ليراها تجلس تضع قدمًا على قدم وتنظر إليه ببرود. كانت هيئتها أنثى قوية تتشح بهالة من الجمود. ليهتف قليلاً ويرتجف قلبه، فبعد تلك السنوات علم جيدًا ما يفتقده، افتقد نظرة الحنين في عينها. ليتقدم منها ويهتف بابتسامة محببة:
"حمدلله ع السلامة يا كوكو، وحشتينا." لترفع حاجبيها ولم تتأثر بكلامه، لتقول: "كوكو.. هي مين اللي كوكو يا أيان؟ أنت عيان؟ لتقوم بتافف: "قاسم، أنا ماشية، هاسبقك عالشركة، مش ناقصة خنقة." وتركتهما. ليبهت أيان، ليضحك قاسم ويقوم: "لا ما تشغلش بالك. كارما راحت اللي تعرفها يا ابن أمي وأبويا، وكتر خيركم إنت والجاحد التاني. ربنا يهديك يا حبيبي. يلا هقوم وأشوفك في البيت دا إذا كان لسه فيه بيت." وتركه ورحل.
وأيان واقف منصدماً وقلبه مشتعل من كارما وما فعلته وإهمالها له، وهي التي كانت تحت طوعه وتتمنى له أن ينظر فقط إليها. ليحس بنغزات في داخله تقتل داخله، وأنه يريدها أن تعود لما كانت محبة له، ولكن ليس بالتمني فقط ينال الشخص آماله. *** كان قاسم وكارما يدخلان المنزل فقط للنوم، لا يرى بعضهما تقريبًا. وعندما احتك به الجد، أظهر قاسم أنيابه. ليهتف الجد: "يا قاسم يا ابني، إنت هتفضل كده بتكبر وخلاص؟
يابني أنت راجل ومحتاج ست معاك. بص هو فيه بنات كتير من عائلات، إحنا هنعمل حفلة برجوعك وهتلاقي الستات أشكال وألوان." ليضحك قاسم: "تاني؟ إنت تاني؟ مش قلت لك تقعد بركة؟ ماحد يشف له سجادة يا جدعان. ليضحك. إيه ده؟ أنت عايز تجوزني؟ أنت كبرت للدرجادي؟ ما تعقل يا بدر باشا بدل ما نزعل من بعض أكتر ما بينا سواد السنين." لتهتف كارما بسخرية: "لا، هو متعود يوفق راسين، ويا ترى هتدفع لها ولا إيه يا جدي؟ ليهتف بدر بوجع: "كده يا كارما؟
ده أنا جدك. ليتنهد. يابني فيه راجل يقعد من غير ست؟ وإنت ما بشوفكش حتى، لا بتسهر ولا بتخرج. إنت إزاي مكمل كده وعايش." لينظر قاسم بغل: "أقعد من غير ست إزاي؟ ما أنا عندي الست بتاعتي، أسيبها لمين؟ أنت عقلك لسع يا حاج." ليهتف بدر: "ست مين؟ أنت اتجننت؟ أنت اتجوزت من ورايا؟ ليضحك قاسم: "هو من جهة كان من وراك آه، إنما هو كان وما زال إيه؟ مش فاكر يا جدي؟ مراتي اللي سيبتهالي، ماهي دي الست بتاعتي. هجيب ست تانية ليه؟
لينظر الجد بذهول ويصرخ: "كل ده ليه؟ عشان حافظت عليك من حتة جربوعة؟ ليثور قاسم كأن الشياطين تلبسته: "هيا برضه اللي جربوعة؟ اصحك تفتح بقك عشان أنا عامل حساب لأبويا في تربته. أنت فاكر إني لسه الأاهبل العبيط اللي ختمته على قفاه زمان؟
كلمة زيادة وهنسى إنت مين. فلم الدور. أنا ما عدتش العيل بتاع زمان. لا فوق. واعرف أنا بقيت مين. أنت اللي طلبت أبقى كده وبقيت أكتر من اللي أنت عايزه. إنما هتزود هتشوف وشي اللي نفسي أطلعه لك، لا هنعمل حفلات ولا صنف ست هشوفه. إنسى. واهدي على نفسك كده واقعد بركة، كفاية عليك تخطيط للناس ومصايرهم.
ليقترب ويقول بفحيح: ابعد عن سكتي وانسي حياتي. أنا لدغتي والقبر، وانت تقريبًا لسه مش واخد بالك. أما يحصل هتعرف لوحدك زي بقيت الخلق، ولما أنول اللي في بالي ما هتشوف طرفهم، وساعتها هفتح لك القديم والجديد وأجيب التاريخ الأسود من أوله، بس أوصل للي أنت بجحودك ضيعته مني. هتعرف ساعتها أنا مين عن حق وهجبهالك لحد عندك تملي عينك. بس أنا صابر دلوقتي عشان عظم التربة. بس اعرف إن الحساب جاي عشان أنا جوايا نار قايدة وحق سنين أنت نهشته هاخده. ساعتها هنقف لبعض، بس مش قاسم الأاهبل، هقف وأعرفك أنا مين وإزاي يتعمل فيا كده. مش أنا اللي هسيب حقي وهسكت عليه."
ليخرج ويتركه. ويتهالك الجد: "إيه ده... مين ده... دا قاسم... هو بقى عامل كده ليه؟ ده أنا في جبروتي ما كنتش كده. يا حسرتك يا بدر، الواد قلبه مليان غل. هو عرف وإلا إيه؟ وهيعلق لي المشانق وأنا خلاص سيبت له كل حاجة، ولا عاد أقدر حتى أقف. أقف لمين؟ هو دا حد يقدر عليه؟ كان متهالكًا أكثر، فلم يزرع إلا كل حقد ليبادله قاسم ويرد له الحقد حقدين. لتقترب كارما منه: "إيه يا جدي؟ مش فرحان ببدر الجديد؟
لا لازم تفرح. قاسم خلع قلبه زمان وهو هيخلع قلبك. اتعود بقى يا جدي وسيبه في حاله. أنا أعرف قاسم أكتر منك، قاسم بقى جاحد مع اللي يقرب له. عمومًا هتوسط لك عنده يحن عليك شوية. صعبان عليا الصراحة. سي يو بقى. وسويت دريمز." وتركته وصعدت متجهة إلى حجرتها، لتحس فجأة بقبضة على يديها. لتشهق مفزوعة، لتستدير وتصدم عندما...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!