الفصل 18 | من 38 فصل

رواية قتلني ورحل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميفو سلطان

المشاهدات
21
كلمة
2,671
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

مرت الأيام واستعادت كارما نفسها، لكنها كانت قد ماتت لتعلم أن قاسم سيرحل. أحست أنه لم يعد لها أحد، لتقرر شيئًا سيغير حياتها للنقيض، فهي قد ذبحت من أقرب الناس إليها. لتدخل على جدها وأيان، وكانوا يجلسون وقاسم كان ينتظر بالخارج. لتستدعيه، وتقف أمامهم وتقول: "كنت فاكرة إني غالية عندك يا جدي، كنت فاكرة إني زي قاسم وأيان، بس طلعت رخيصة قوي وبتتباع بفلوس. إيه بتبصوا لي كده ليه مستغربين؟ مين اللي قدامكم؟

اللي قدامكم واحدة رخيصة عند أهلها، بتتباع زي الكلبه ومالهاش تقول آه ولا لأ. ليه يا جدي تبعني كده ليه؟ كنت عملت لك إيه عشان تعرضني عليه بفلوس وهو مش عايز؟ هعيش معاه عشان الفلوس يا جدي؟ طب ما صعبتش عليك؟ تبيع لحمك للحمك برضه، هو أحسن مني في إيه. بس يا خسارة، هو واخدني فوق البيعة. لا وهتقعدوني في البيت البيه يذل فيا، أصل ما ينفعش أشتغل، لازم أبقى تحت طوعه." لتقترب من أيان الذي يشعر بالخزي والغضب من نفسه، وتقول:

"أنا إزاي كنت شايفاك حاجة كبيرة يا أيان؟ إزاي كنت حاطاك حاجة في السما؟ للدرجة دي أنا ماسواش؟ عارف كنت بتمنى يجي اليوم ده وساعتها هفرح وأقولك قد إيه حبيتك عمري كله. دانا نقيت الفستان" لتنزل دموعها: "كنت بحلم ألبسلك الفستان، كنت بحلم أعيش معاك وأحبك وأديك حب الدنيا. دانا قعدت أبني، إزاي هعيش معاك وأسعدك وأنت طلعت مش عايز وخدتني بالفلوس؟

ياآآآه يا أيان ياه عالرخص. حبيتك وعشقت، بس يا خسارة خلعت قلبي يابن عمي، يا خسارة حبي ليك. بص لي كمان واتصدم، بص واتملي في بنت عمك اللي عشقتك، بس أنت قتلته جوايا. أنتو إزاي كده؟ إزاي جاحدين كده؟ أنام في حضنك، أقولك بحبك وأنت بتخطط إزاي تكسب من ورايا؟ أنا فعلاً أستاهل، عديت وعديت وعديت. حتى كلمة حب ماسمعتهاش منك وعديت برضو. عشت نفسي في وهم والحقيقة كابوس وقهر. عملت لكم إيه يا ظلمه توجعوني كده؟

والله أعلم عملتوا إيه في قاسم خلتوه يطفش منكم. منعوه أبو فلوسكم ألف مرة. عارف يا جدي لو ما عشتش راجل في الدنيا، استحاله أوافق على أيان. وأنت يا أيان، خد فلوس وشركات وجبروت واشبع، يا خسارة عاللي كنت فاكره في يوم كبير." لتستدير: "قاسم أنا هاجي معاك، هدرس وأشتغل معاك، ودا آخر كلام. يا ريتني كنت مت ولا جه اليوم ده عليا." ليقترب قاسم من جده: "بجد مش لاقي كلام وسخ ينفع يتقال، لأنك عملت الوسخ كله." "وأنت يا أيان...

طول عمري شايفك حاجة كبيرة، بس يا خسارة. ماشي في سكة الحديدي، وخسرت جوهرة يابن أبويا. كانت تتمنالك الرضا، ترضي؟ خسرت الدهب وخدت مكانه شوية فلوس. بتقولي غلطت ومش حاسس وعايزني أقف جنبك؟ بتقول تربيتك؟

طب ما حستش بيها الغلبانة دي. أنت آه بتحب، بس اخترت سكة تحب بيها غير سكتها. اخترت سكة الحديدي، وعارف فعلاً كان لازم تتوجع عشان تعرف إن سكة الحديدي خراب وقهر. مشيت وخدت نصيبك من دنيته، بس عمر دنيته ما تجيب سكة تسعد. أنت صعبان عليا، بس أنت عملت كده بدماغك. كملوا مع بعض بقى، ربنا يعينكم." ويتركهم ويرحل. ليندفع أيان إليها يحتضنها بقهر:

"سامحيني، أنا هبقى زي ما أنتِ عايزة، بس تسامحيني. كارما، أنتِ قلبك طيب، ما تهديش حبك وحبي. أنا عارف إني وجعتك، بس فقت والله فقت. أنا عارف إني غلطت، وأهو مسكت فيكي. ما تسيبيش اللي مسك فيكي بروحه." لتدفعه بقهر:

"أنت ما كنتش ماسك فيا من أصله عشان تقول لي سيبيني. أنا اللي كنت دايماً ماسكة. عملت كل اللي أقدر عليه عشان أحافظ على حبي، كنت بتنازل كتير ومفكرة إن اللي بعمله صح. عديت عيوبك، وما كانتش بتفرق معايا. كنت بخلق لك مميزات عشان أشوفها فيك وأرضى بيك. لما كانت واحدة من صحباتي تقولي كلهم زي بعض، وما فيش حد يستاهلك، ما كنتش بصدق، رغم إنهم في النهاية طلعوا صح. فضلت ماسكة ومتمسكة بإحساسي ليك وبأمنيتي أتجوزك اللي ما تمنيتش حاجة في الدنيا قدها. أنا...

تعبت... تعبت واستسلمت. راجع ندمان؟ أنت سقطت من عيني وحساباتي. كنت شايفاك سيد الناس، بس ما عملتش حساب زهدي فيك. الست لما بتنجرح وتيأس منك، بتمحيك من قلبها. أنت اللي كنت شايفاك الدنيا. خلاص. في النهاية هقولك: أمشي يا أيان، أنت ما عدتش موجود أساساً، أنت رحت واتمحيت بحب السنين." لتدفعه. ليحتضنها من الخلف: "أبوس إيدك ماتسيبينيش، والله هو السبب. ما تربيتش على المشاعر، معرفهاش. والنبي هموت، ماتسيبنيش، هعملك اللي تعوزيه."

لتظل واقفة، لتهتف: "عارف لو جبت لي الدنيا تحت رجلي، دنيتك مش عايزها." لتندفع وتنظر لجدها: "افرح يا جدي، افرح بأحفادك، أحفاد الحديدي. موتهم بالحيا. عيشوا بقى مع بعض واشبعوا فلوس. بس أنا بالنسبالك مت يا جدي، ما أنا اللي يبيعني ما ينفعش أشتريه. أنت قتلت قاسم وقتلتني، بس قاسم ناوي يرجع. أنا بقى دنيتكم دي أموت وما أرجع لهاش." ليهتف الجد بحزن: "عايزة تسيبي جدك؟ لتهتف:

"أنت اللي بعت، وأنا بقى هبيع بطريقتي وأعيش بطريقتي. ما فيش مخلوق من هنا ورايح له حكم عليا. ولو فاكر إنك تقدر تتحكم فيا عشان الفلوس، أبويا سايب لي فلوس يا جدي. عارفك وعارف ممكن تذلني لو جراله حاجة. زي ما يكون قلبه حاسس، شاكر الحديدي أبو قلب طيب اللي كنت بتتحسر عليه، عمل حساب يوم كسره بنته ما يحوجهاش ليك. وأهو حصل أهو. القرف كله قدامي. حد الله ما بيني وبين فلوسك يا بدر يا حديدي. خد عزا حفيتدك، عشان خلاص أنا أهلي بقوا قاسم وبس."

وتركتهم ورحلت. ليقف أيان محصوراً: "إيه خلاص هتسيبهم؟ خلاص هيمشوا؟ اتكتب عليا أقعد لك يا بدر يا حديدي؟ تكمل عليا؟ اتكتب عليا أنا وأنت نعيش في هم؟ تموت فيا وأنا قاعد لك؟ خلاص الحنية ما هطولهاش. البت اللي كنت هتعلمني أحس راحت بسببك. أنت إيه يا أخي؟ عملت فيا كده ليه؟ ليهتف الجد: "أنا يا أيان، آخرتها بعد ماكبرتك." ليصرخ: "كبرت قرف وجحود. كبرت واحد مصعور ما بيحسش. عملت لك إيه تربيني كده؟

هو ما كانش فيه غيري تتحكم فيه وتطلع عليه جبروتك وعقدك؟

البت بتعشقني، قل لي فهمني، وأنت عارف إني هموت عليها. افرح بقى، أهو طفشوا وهنكمل مع بعض أنا وأنت بس. اعرف إن أيان بروحه كارما مات واندفن، وأنت السبب بجحودك. ومن هنا ورايح ابعد عني وسكتك مش سكتي. آخر مرة أيان حد يتحكم فيه. جبروت بدر الحديدي هيقابله جبروت أيان اللي أنت ربيته. آهو كان عايز يبقى حتة وبيحس، بس أنت ما ادتلوش فرصة. قابل بقى تربية إيدك، هتفرحك قوي. أحفادك ماتوا يا بدر، يللا كمل وانبسط بقى وعيش، شوف حد يخش دنيتك."

ويتركه، ليتهالك الجد وقد انفض من حوله من خطط لدنياهم، وظن أنه سيستمر هكذا.

وتتوالى الأيام، ويرحل كل من قاسم وكارما بلا رجعة، لعل الأيام تجبر خاطرهم. ويتهالك الجد، وينزوي أيان، ويشعر بأن روحه قد تركته. رغم كبره وصلفه، إلا أن كارما كانت متغلغلة بداخله دون أن يحس. ليعيش أيامه بلا روح، يتمنى أن تعود إليه البسمة التي فقدها في غيابها. ليتحول أيان إلى جثة ميتة. حاول كثيراً وقوبل بالرفض والجحود، ليعود ويصب جحوده وجحودها على ذلك الحديدي الذي ينتظر أياماً يستحقها على يد أحفاده.

استيقظت الأم في الصباح، كانت الحسرة تنهش قلبها على ما فعلوه بها، فهي متيقنة أن ذلك الجاحد هو من فعل ذلك، ولكنها صمتت وصمتت قهراً. لتدخل عليها ابنتها.. لا ليست ابنتها، لتدخل عليها فتاة لا تعرفها. لتجلس بجوارها وتمسك يد أمها. لتهتف: "ما تزعليش، لو الناس كلها صدقت بنتك، ما صدقتش أنا. وقفت لوحدي وصدقت، والكل بعد وخان...

عارفة يا ماما، أنا غلطت إني اتجوزت من غيرك، ما أنا ما كنتش أعرف حاجة في الدنيا، أنت قافلة عليا وقلبت عبيطة وبتكسف. مش بلومك، بس عارفة إنك كنتي بتحافظي عليا من كلاب السكك، بس وصلوا لي وأنا مش عارفة. أنت دخلتي البيه في حياتي، وأنا كل اللي في دماغي ماما مش هتعرفني على حد وحش. آه غلطت، بس هو كان فظيع وأنا كنت هبلة أوي وحبيته أوي. عارفة يا ماما، دانا النفس كنت بقلهوله وبستأذن منه، كان بيربيني وبيشبع غروره إن فيه واحدة هبلة بتقول طيب وحاضر. ولما حصل اللي حصل، ماداليش فرصة أفكر، كنت مرعوبة أبقى لوحدي، أنت كنت أماني، فهو بقى أماني مكانك...

أنا غلطت، سامحيني." لتهمس فادية بقهر: "طب لمسك، والا سابك زي ما أنتِ؟ لتدمع ليال وتتذكر ليلتها معاه، وتحني رأسها وتقول: "ما عادش حاجة فضلت زي ما هي، ما عادش فيه ليال." لتشهق الأم وتحتضنها: "يا حبيبتي يا بنتي، حقك عليا، ما عرفتكيش الدنيا صح." لتبتعد بهدوء: "لا يا حبيبتي، اطمني، خلاص بنتك بقت حد تاني. الخيبة والهبل راحوا. أوعدك هتشوفيني أحسن مهندسة وتفتخري بيا. بس الأول نمشي من هنا، ما عادش ينفع نقعد." لتهتف فادية:

"هنروح فين ونسيب بيتنا؟ لتقول: "هبيعه ونروح أي بلد ما حدش يعرفنا ولا نعرفه، نقفل على نفسنا من الشر اللي معشش. وهشتغل جنب الجامعة وربنا يسهل وهنعيش." لتهتف فادية: "حاضر يا قلبي، اللي تشوفيه ويريحك."

تمر الأيام، وباعوا الشقة ورحلوا إلى مدينة الإسكندرية في بيت متواضع جميل، في مكان جميل. وتسحب هيا ورقها من الجامعة وتقدمها في مدينتها، وبدأ في الاستقرار. وكل منهم لا يتكلم عن الماضي، رغم أن ليال لم تنس قاسم أبداً، ولكنها أي ذكرى توئدها بحقد بداخلها. كانت ذكرياتها تغذيها، وخاصة آخر شهر ولمساته وحنانه. إلا أنها عند ذلك تهب كالمجنونة لتشغل نفسها وتقتل تلك الذكريات التي لا تنفك أن تنغص عليها أيامها. رغم أنها أصبحت بلا قلب مع أي أحد، إلا أن تلك الذكرى تجعل قلبها يضخ مرة أخرى، ولكنها تتعافى على نفسها وتقتلها وتقتل تلك المشاعر. ليبدأوا حياتهم في شقتهم الجديدة، وتبدأ في البحث عن وظيفة هي وأمها.

لتصل أخيراً لفادية لأحد الشخصيات المحترمة، ليعوضها الله عن مرار الفضيحة. لتعمل أمها رفيقة لمسن يسكن بمفرده في أحد القصور العريقة، ليس له أحد ولا يتساءل عليه أحد. فكانت فادية حنونة عليه، ومن البداية حكت له لماذا تركوا بيتهم وحياتهم، وأنها حُبست ظلماً في قضية ملفقة، وأن ابنتها أصابها الأذى من تلك العائلة. فذلك الرجل يسمع جيداً عن بدر الحديدي وشره. ليشعر بصدقهم ويحن عليهم. لتجلس معه فادية. ليهتف:

"وأنتوا إيه اللي وقعكم مع الراجل ده؟ الواحد ما بيقربش منه، دا لدعته والقبر." لتهتف: "والله ما قربت يا فريد بيه، بس أعمل إيه؟ منهم لله، فضحوني وأذوا بنتي. لتقول: أنا قلت لك كل حاجة عشان دي أمانة وما تعرفش من بره. بس يمين بالله ومسكت المصحف... أنا مظلومة." وتجهش بالبكاء. ليحن الرجل ويهتف:

"وأنا مصدقك يا أم ليال. أنت هتشتغلي هنا وفيه خدم وهتروحي بالليل. هتبقي بس مرافقة، تقريري تديني الدوا، تاخدي بالك مني، تقريري ورق الشركة. ما أنا سايب كل حاجة للمحامي، والحمد لله ماشية."

لتبدأ حياتهم وتستقر ليال في جامعتها. وهنا بدأت ليال تتردد عليهم، وكانت ليال تذهب إلى أمها، فأحبها الرجل بشدة لنقائها. ورغم أن بها ما بها، إلا أنها عندما تراه تنقلب طفلة بريئة وتشاكسه كما كانت. لتستعجب أمها. فليال تفتقد حنان قاسم وحنان الأبوة، فكانت تغرق ذلك الرجل بحنانها، وهو أغدق عليها حب الأبوة الذي يفتقده.

كانت الأيام تمر، واشتغلت ليال بجوار دراستها في شركة ذلك الرجل، وكان يدعى فريد. كانت السيدة فادية تدعوه بـ "فريد بيه"، وليال من كثرة ترددها وقربها منه تدلعه بـ "فري". وكان قد أعاد إليه السعادة التي فقدها. مرت الأيام وليال تدرس عن جد، ولا يجرؤ أن يقترب منها أحد. فكانت عنيفة بشكل كبير، وتكونت شخصية ذات قوة. وكانت تلك البريئة التي لا تعود إلا مع فريد وحده، فكانت تحسه أباها. كانت تذهب لجامعتها في الصباح، ثم تذهب لعملها

بعد ذلك، لتنهي اليوم وتذهب لقصر فريد وتجلس معهم، تشاكسهم، وتأخذ أمها وترحل، وتترك من تعلق قلبه بتلك الجميلة. ولكنه كان حباً من نوع خاص، حب أبوي، حب امتلاك وعطاء، حب احتياج يريدها بجواره ليست كانثى، ولكن لتشبع عن فقدان أولاده الذي لم يقرر الله له بهم.

كان عقيماً لا ينجب، يعيش في قهر وحيداً، لتدخل عليه تلك البريئة لتسعد قلبه. مرت الأيام والسنوات، وليال تجتهد وتجتهد، وهما أصبحا كالأسرة. لتمرض فادية قليلاً وتشعر بالوهن، ولم تعد تقوى على الخدمة. وكان فريد لو رحلوا عنه، كأنهم قد أخذوا روحه. ليستدعيها ويقول: "اسمعي يا فادية، أنتِ ما عدتي قادرة تروحي وتيجي. أنا عايزك تجيبي بنتك وتيجوا تعيشوا معايا في الفيلا." لتهتف:

"إزاي بس يا فريد بيه، ما يصحش. اتنين ستات، الناس تفضحنا والخدم هيقولوا إيه." ليهتف: "الخدم ما يفتحوش بقهم، لأني هخرسهم. اسمعي يا فادية واسمعيني كويس وافهمي غرضي. أنا راجل معايا فلوس وماليش حد إلا من طرف الطرف، ودول لا بشوفهم ولا عايزين يعرفوني، وأنا شركتي على أدي من كتر ما حدش بيراعيها مابتكبرش، بس معايا فلوس. أنا هعرض عليكي طلب، بس يمين بالله ما تفهمي غلط." لتهتف فادية: "عرض إيه؟ ليقول:

"أنتِ عارفة اللي جرى لكوا مش سهل، وليال تعتبر متجوزة ومطلقة، بس ما فيش في إيدها إثبات لحاجة. الكفرة خلوها، ما حدش هيعرف يقرب لها، وهي أصلاً ما بتخليش حد يقرب لها. فأنا بقول اكتبي عليها، وتيجوا تعيشوا معايا وكل الناس تعرف، بس والله هتبقى بنتي وحياتي، دا بقت نني عيني، وأنا راجل كبير أكبر منها، فوق العمر عمرين، لا عاد ليا في الستات ولا أنفع أصلاً، يبقى ما تخافيش مني." لتطرق فادية:

"والله يا فريد بيه ما عارفة. أنت كده أه بتنجدها، بس معلش كده بنظلمها." ليهتف: "أنا هوعدها أول ما قلبها يدق، هسلمها لعريسها بإيدي، ما أنا أبوها اللي ما خلفهاش. والله يا فادية بحبها كأنها حتة من قلبي." لتصمت فادية. ليكمل: "طب بصي كلميها وشوفي، وحتى لو ما حصلش هتفضلوا في عيوني وهجيب لك حد يساعدك، المهم ما تبعدوش عني، دانا أموت."

لتخرج فادية مشغولة. فهو عرض ليصون شرف ابنتها ويعيشهم في أمان، ولكن ابنتها تستحق شاباً تحبه ويحبها. لتتحسر على حال ابنتها التي تحولت إلى شخصية عنفوانية تنقض على أي شخص يفكر أن يقترب منها أو يدوس لها على خاطر. لتجلس معها وتخبرها بما حدث. لتنظر إليها ليال وتضحك بشدة: "بقي فريد عايز يتجوزني؟ طب يا ماما وماله، دا حبيبي والله، أنا موافقة، دا عسليّة وأنا بموت فيه." لتهتف فادية: "أنتِ اتجننتي؟

دا أكبر من أبوكي الله يرحمه، وأنتِ يا بنتي تستاهلي شاب يفرحك وتفرحي بيه." لتضحك ليال: "أنتِ بتتكلمي جد؟ شاب إيه يا ماما اللي هيدخل حياتي، وأنا واحدة انضرب لها ورقة عرفي واتخدت ببلاش واترمت. أنتِ بجد متخيلة إن ممكن صنف راجل يدخل حياتي؟

أنا أخدت كفايتي وقلبي راح، أنا مش زعلانة لأني ما عدت بشوف إني محتاجة حد أو مشاعر من حد. بس فريد حاجة تانية، بحس إني عايزة أنام في حضنه وأروح عن الدنيا. أنا مشفتش بابا يا ماما، وفريد بقى أبويا، أنا كنت صغيرة والبه اللي عرفته فتح مشاعري واداني مشاعر وماتت. فلما لقيت فريد بيصحي عندي مشاعر من نوع تاني، حنانه مغرقني. طب يا ريت عشان نروح نعيش معاه وأشبع منه. فريد مش ببص له زي ما أنتِ فاهمة ولا هو. فريد عايز ضناً يحبه، وأنا عايزة أب يحميني. أنا موافقة يا أمي وسعيدة."

لتعود فادية ويسعد فريد بموافقة ليال. ليجلس معها ويفهمها أنه سيكون أباً وسنداً للدنيا وسيترك لها ما يعينها على الدنيا. لتسعد به وتمت الزيجة بهدوء. لينتقلا إلى البيت وأصبح فريد روحها وحياتها. فكان نعم الأب، وكانت هي له نعم الابنة. وطبطب هو على جروحها، وكان هو منبع سرها، فكانت لا تخفي عنه شيئاً. وكانت فادية في البداية متعجبة منهم، لتحس أخيراً أن فريد فعلاً قد صان ابنتها وأسعدها بحنانه.

كانا أمام الناس زوجين، والحقيقة أب وابنته، فهو لم يقربها ولم يختلي بها مرة. كانت علاقة أبوية من نوع خاص. أب لا يريد إلا إسعادها وإعطائها حبه، أما هي فكان كل همها تكوين مستقبلها والاعتماد على نفسها وأن تصبح قوية. على مر السنين، أنهت ليال جامعتها بتفوق، وكانت تعمل في شركة فريد من أول سنة، فأصبحت قوية بدرجة رهيبة وذو شخصية جبّارة.

لتقترح على فريد أن يتوسعوا في إعلانات الديكور بجانب الهندسة، ففريد شركته هندسية، وهي تحلم بالديكور. ليستجيب فريد فوراً لتعيين فريق من أجود مهندسي الديكور. لتمر سنوات بعد التخرج، لتصبح شركتهم من أشهر الشركات في الديكور. فكان المحامي يمسك الشركة الأساسية، وهي تتولى فرع الديكور، حتى علت بجهودها وتفانيها في العمل وتحولها لشخص لا يستهان به، تصارع أعرق الشركات لتأخذها منهم.

وكانت قد تغيرت من تلك الطفلة الصغيرة لتصبح أنثى رائعة، ليال ذات الأربع والعشرين، أنثى كاملة الأنوثة، ولكنها لا تبالي بأحد. كانت تلبس ملابس تليق بها وبأنوثتها، وكانت تتفنّن في إبراز أنوثتها، حتى أنها كانت تتجاوز في لبسها لتظهر ما حرمه حبيبها عليها. كانت تفعل كل شيء عكس ما كان قاسم مسيطراً عليها. كانت متفتحة، تعرف الكل، ودخلت عالم الرجال بقوة. كانت لا تتأثر، فهي بلا قلب أو هكذا تبدو.

لتظهر أنثى صارخة الأنوثة، ولكن عند اقتراب أحد منها تنهشه نهشاً. ليعرف عنها أنها قوية، بعيدة المنال، ولا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...