في قصر سامي، كان يحاول أن يمشي كطفل صغير تعلم للتو. المسافة بينهم لا تنتهي. بين دموعها التي اختلطت بوجع فقدانه. جمال: أمي، أمي، هذه أنت، أليس كذلك؟ صفية: آه يا فرحة قلبي الأولى. هذه أنا. كليدفن نفسه في حضن أمه الحنون، يرتوي من حبها بعد فراق طال لسنوات. وقف الجميع يبكي لما وصل لحال هذه العائلة. هل سيستمر فراقهم وعذابهم، أم هناك في جعبة القدر مفاجأة أخرى؟
هاهم الآن متجهون نحو قصر سيف الدين. كل من سامي، عاصم، جمال، وصفية، نحو قدر مجهول، متجاهلين ما حدث في الماضي. جمال: أمي، ما زال هناك وقت. أريد سماع ما حدث معك ومع أبي. لقد حكى لي جزءًا من الحكاية، ولكن ما زال هناك العديد من الأشياء المجهولة. نظرت له صفية بألم تجسد من عينيها. تتذكر ما حدث معها في الماضي والذي قلب حياتها رأسًا على عقب. صفية (بدموع)
: كنت لا أزال صغيرة حين توفي أبي الذي كان يحبني جدًا. على عكس جميع أقاربي الذي دائمًا يودون الذكور، كان الوحيد الذي يود الحصول على فتاة. كان يحبني جدًا، مما جعل إخوتي الأكبر مني يغارون كثيرًا لدرجة كرهي. كنت الأصغر بينهم، ومما جعل حبي في قلب أبي أكبر، أنني شبيهة بأمي كثيرًا. فهو كان قد تزوجها بعد سفره في إحدى رحلاته، مما تسبب في قطيعته مع أخويه. ولكن في يوم مات أبي وتركني وحيدة بين إخوتي الثلاثة وأنا الفتاة الوحيدة
لهم. كانوا من النوع القاسي ودائمًا يتشاجرون معي ويجعلوني أقوم بأعمال المنزل وغيرها، وأنا التي لم أحضر يومًا ماءً لنفسي. تجاهلوا وصية أبي، حتى أنهم كانوا يحرمونني الطعام ويعاقبونني لأسباب لا علم لي بها. ولكن كان هناك أخي الأوسط كان يساعدني ويحبني كثيرًا. كم نال ضربًا من إخوتي بسببي، كان يدافع عني بقدر استطاعته ويتظاهر بأنه يوافقهم في قراراتهم حتى يوهمهم.
وفي يوم كنت جالسة في حديقة منزلنا، جاء إخوتي للحديث معي. أحمد: صفية، تعالي إلى هنا. صفية: حسنًا يا أخي. أحمد: هناك من تقدم لخطبتك. صفية: ولكن أخي، أنا لا أريد. لدي دراسة وأود أن أكملها. أمسكها أحمد من شعرها بقسوة ونظرات الكره تطل من عينيه. أحمد: ليس قرارك. ليث: ولكن أخي، أبي أوصى بأن تكمل دراستها. أحمد: اخرس أنت، حسابك معي. سمير: ومن قال سيمنعك من الدراسة، فهو ليس لديه مانع. صفية: أنا لا أريد، أرجوكم.
أحمد: أنت لم تعلمي من يكون بعد. صفية: لا أريد أن أعرف. أنا لا أريده أن يكون. أحمد: إنه ابن عمك سلمان، ونحن لن نرفض. ليث: مستحيل. صفية: أرجوكم يا أخي، سأفعل ما تريدون إلا هذا. سأطبخ وأنظف وأقوم بأعمال المنزل كلها، حتى لو أردت أن أترك الدراسة فأنا جاهزة، ولكن لا تزوجوني به. سمير: لمن نأتي لنستشيرك، بل لنخبرك أن الليلة ستتم مراسم خطبتك، وفي نهاية الأسبوع سيكون حفل زفافك.
تنهدت صفية التي مسحت دموعها، هي من أعادتها من ماضٍ لم تكن تريد تذكره. جمال: يكفي يا أمي، سنكمل في وقت آخر. صفية: لا يا بني، سأكمل لك ما حدث، فهناك جزء يخصك. في الماضي.
تمت خطبة صفية وسلمان بعد فشل جميع محاولاتهم لإيقاف تلك الخطبة. كانت تجلس في غرفتها كالجثة. فمنذ أن خطبت له، لا تبرح غرفتها إلا للضرورة، وتتعاند كأنها تود الموت. فهي تضرب من أخويها كل ليلة بسبب رفضها مقابلته والحديث معه أو حتى القيام بأي شيء. فتح باب الغرفة للتكور على نفسها. ها قد عادوا بعد تصديق كذبة من الذي سيكون زوجها، لينهالوا عليها بالضرب. لم يعد في جسدها مكان للضرب لدرجة أنها لم تعد تشعر بالألم.
ليث: هذا أنا، ليث. صوفي، انظري إلي. تحدثي معي أرجوك. ليس وقتًا لصمتك. أنا أخاك. صفية: أنت أخي مثلهم، صحيح؟ ولكن الفرق أنك أكرهك أكثر منهم. فهم منذ صغري يكرهونني، أما أنت فخدعتني وكذبت علي. لماذا أتيت لهنا؟ ليث (بألم) : آسف يا صوفي، لم يكن لدي خيار آخر. صفية: ولماذا جئت لتخفف ضميرك؟ سيؤلمك في المرة الأولى، ثم ستنسى وتتعود. ليث: أيتها الحمقاء، لقد كانت تمثيلية لأساعدك. صفية: اذهب من هنا. أي مساعدة هذه؟
وغدًا حفلة زفافي. ليث: أظنك تودين الزفاف من هذا الأحمق. ظننتك تحبين سيف، أقصد غيره. صفية: ماذا؟! ليث: لذلك أقول لك دائمًا أنت حمقاء. كيف لي أن أفرط فيكي، وخصوصًا حين أعلم أنك تحبين سيف، صديقي أنا وفارس. صفية: أخي، أنا...
ليث: اسمعي، كنت ألاحظ نظراتك له، ولكن قلت إنها فترة إعجاب لأنك لم تقابلي شخصية مثله. ولكن بعد أن قرأت رسائلك وقعت من دفترك، علمت أن صوفي الصغيرة أصبحت عاشقة. ولكن لم ألحق لأتحدث معك. تفاجأت بإخوتي وزواجك من ذاك الوغد سلمان. لذلك فعلت كما أفعل دائمًا، أتظاهر بالرفض ثم الخضوع لهم. بعدها ذهبت وتحدثت مع فارس وأخبرته بكل شيء ليساعدنا. فوافق على ذلك. ولكن الخطة أن تهربي قبل الزفاف بليلة، لذلك كان علي أن أتظاهر بأني أوافقك. سنقوم بتهريبك الليلة.
صفية: هل فعلت كل هذا لأجلي! وكيف سأهرب معك؟ ليث: إن لم أكن رجلاً مع أختي، فلا داعي أن أكون كذلك بعدها. ثم من قال سنهرب؟ بل أنت ستهربين. صفية: ماذا؟ ليث: نعم، أنت تعرفين طريق القصر الذي تملكه أسرة سيف. لا تنسي أن العم منصور هو صديق أبي المقرب، ولن يتوانى عن مساعدتك. صفية: ولكن سيف... ليث: هناك خياران اتفقت أنا وفارس عليهما. لو كان سيف يحبك، فستتزوجان. صفية: والثاني؟ ليث: من الذي أكد لكِ أنه لا يحبك؟
صفية: لا شيء. أكمل أخي. والثاني؟ ليث: سيتظاهر أنك زوجته حتى يقتنع البقية، ثم سنسافر بعد فترة أنا وأنتِ من هنا. صفية: كيف؟ هل يعلم بذلك؟ ليث: لا يعلم شيئًا. لم ألحق لأخبره. ولكن بعد هربك اليوم، لن أستطيع أن أغادر القصر معك كي لا نُكشَف. سيلحق بك فارس ابن خالي. انتهت صفية حديثها تزامناً مع وقوف السيارة أمام باب القصر.
صفية: حينها تزوجت بسيف الذي لم يكن يحبني، وقد اتفقنا بناءً على رغبة عمي منصور بالطلاق والسفر مع أخي بعد مدة، وذلك بعد ما حدث وأخبرك به سيف من تزوير عقد الزواج واقتناع إخوتي وخوفهم من عمي منصور. ولكن ما حدث بعدها أن والدك عرف بحبي له بعد أن قرأ مذكراتي، ليتم هذا الزواج ونعيش سنين من أجمل أيام عمرنا حتى رزقت بثلاثتكم وكبرتم. ظننت أن الماضي دفن، ولم أهتم بتهديدات أحمد الذي حُرم من ميراث أبي بسبب وصيته التي كانت بيدي كل شيء كتبه أبي باسمي. فقسمته بيننا وأعطيت ليث حصتي، فكرهني أحمد أكثر، وكذلك سلمان الذي لم ينفك عن تهديدي. لم أكن أعلم أنه حينها يقصدكم أنتم، فلذات كبدي. فقد كان السبب بما حدث معك أنت وأخاك بقتل ملاكي رفيف.
وقعت الصدمة على جمال لدرجة أنه كاد يقع بإحدى درجات القصر أثناء سيرهم للداخل. جمال: كدنا نقتل بعضنا وخسرنا أختي بسببه. فتح الباب بعد أن أذن لهم بالدخول، ليدخل كلاهما ويتقابل كل من جمال وسامي. سيف بوهن: سامي، أخي. ولكن صدمته برؤية صفية، كان قد فتحت كل آلامه وجروحه. كطفل صغير ضاع في الغابة وحل الليل عليه بعيدًا عن أباه الذي اصطحبه معه. سيف: صفية. صفية: سيف، يا نابض قلبي.
كان لقائهما أشبه بالنيل الذي استقبل قطرات المطر الأولى بعد سنين من الجفاف. لم يكن كأي لقاء. مر شهر على الجميع، ولكن منهم من تغيرت أحواله للأفضل، والآخر للأسوأ. البعض بقي الحال كما هو في انتظار التغيير. أصوات الركض والهلع في المشفى بسبب حالتها التي تسوء يومًا بعد يوم، بعدما كانت قد قاربت على الشفاء. رافع: لينورا، أرجوك تحدثي معي. لقد مر شهر. لم يكن هذا هو. وهم حسن لم يأتِ. كفاك تعلقًا بوهم. تحدثي إلي يا صغيرتي.
لينورا: لا أحد يفهمني. ظننتك ستفهم، ولكن حتى أنت تظنني جننت. ربما الجميع على حق وأنا أصبت بالجنون. رافع رافضًا ضعفها واستسلامها: لا، أنت لست كذلك. أنت بخير، فقط لا تستسلمي. لينورا: أنا لم أستسلم منذ أن كنت صغيرة، ولكن أظنني كنت مخطئة. ربما حتى ما حدث معي أستحقه. أرجوك اذهب من هنا قبل أن أعتاد على وجودك وترحل ويتحطم آخر ما تبقى لي من روحي. كفى هذا، لم يعد يحتمل. سيخبرها وليحدث ما يحدث بدلاً من إخبارها بأنها تتوهم.
رافع صارخًا بها: كان هناك، نعم. لقد عثرت عليه كاميرات المدينة، ولكن لا أحد يعرف أين ذهب. وإن كان هو حقًا، فأنت لم تتوهّمي. كان هناك، ولكن ربما ليس هو. لينورا: إنه حسن، أنا أشعر به منذ أن كنت صغيرة. اعثر عليه يا عمي رافع، أرجوك أعد لي حسن. نظر لها رافع وقلبه تحطم. كيف كانت تتحسن وتغير حالها عليه. أن يجده أينما يكن. ربما هي مخاطرة أن يعطيها أملًا بالعثور عليه بعد أن تأكد أن ذلك الشاب هو حسن، ولكن لن يخبرها الآن.
رافع: أعدك، طالما أنك ستحاربين ولن تستسلمي، أعدك. لينورا: أعدك. في مكان قريب من المشفى، كان يجلس كعادته منذ علمه أنها هنا. لقد أضناه التعب سنين وهو يبحث عنها، وحينما عثر عليها، حُرم من قربها. مسح دموعه التي تنهمر حين شعر باقتراب أحدهم، وفجأة كان مسدس يتوسط جبهة الآخر. رائد: أيها الأحمق، هذا أنا. لقد أخفتني. وأنا الذي أردت مفاجأتك. تبا لك. حسن: ما الذي جاء بك إلى هنا؟ رائد: نفس السبب الذي جاء بك.
حسن وهو يرفع مسدسه في وجه رائد ثانية وقد احتلت عينيه غضب مخيف: ماذا تقصد؟ رائد وهو يتلعثم: لأجلك، لأجلك أنت. أقسم أني سأقتله حين أعود، كان ليأتي هو، ذاك الغبي. حسن وهو يضحك: أنت الغبي دائمًا تستمع لأفكاره. لو فكرت قليلاً، لما لم يقل هو ذلك وجعلك تفعل ذلك برأيك. رائد: أقسم أني سأقتله حين أعود. نظر له رائد ليضحك حسن بشدة، متناسيًا همه لحظات، ليبتسم على فكرة صديقه الغبية التي أتت بثمارها هذه المرة.
منذ الصباح يراها شاردة تفكر في أمر ما. في البداية قرر عدم التدخل ظنًا منه أن سبب ذلك اقتراب الامتحانات، ولكن ليس لدرجة أن تفوت تناول البوظة التي تعشقها. ليقرر التدخل. كرم: نايا، هل أنت بخير؟ نايا: أنا بخير أخي. كرم: لا أظن ذلك. وهل نايا التي بخير ترفض تناول البوظة في هذا الوقت؟ كرم: ولا تشتهين!
بالتأكيد حدث شيء. اسمعي، نايا، أنا لست أخاك عبثًا. كنا معًا في كل شيء، نكبر، نحلم، نضحك، نعيش، نتحدث عن تفاصيل يومنا كلها. هل كبرت لدرجة بدأت تخبئين أسرارًا عنا؟ نايا: أخي، أنا بخير، ولكن أنا قلقة بعض الشيء بسبب الامتحانات التي اقتربت. كرم: الامتحانات أم شهم مجددًا؟ نايا: ما علاقة شهم؟ أنت تعرف أنني أكن له الامتنان فقط، ولكن أشعر بالشفقة تجاهه، لذلك كنت أزوره محاولة التخفيف عنه، لذلك أصبحنا أصدقاء، لا أكثر.
كرم: كما تشائين. ولكن دعيني أخبرك أننا الرجال نعرف عن الاهتمام أحد الأمرين. أحدهما حب، فنقدره ونحب ذلك ونحاول الاقتراب. ولكن إن كانت الشفقة، سيحدث عندها أسوأ ما تتوقعين، الكره. لذلك لو كنت تشفقين عليه، ابتعدي عنه، ستؤذينه. نايا: أنا... أنا لم أقصد هذا. كرم: أنا أعلم يا نايا، وأعرف ما تشعرين به. لذلك أقول لك ابتعدي. نايا: حسنًا يا أخي.
رحل كرم تاركًا نايا في دوامة. هل كرم محق وشهم يظن أنها تحبه، ولكن هي لا تحبه فقط تحترمه؟ ستصحح الأمر قبل أن يسوء. هكذا قررت نايا، وخصوصًا بعد الرسالة التي أرسلها شهم لمقابلتها، وهي المرة الأولى التي يفعل ذلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!