كانت هبة تتحدث كثيرا مع محمود في التليفون بعدما غير رأيه ولم يعتذر لأهل مروة. بدأ يميل لهبة خصوصًا بعد معرفته أن مروة تغيرت منه لأنها وصلت لمبتغاها، وهو الصيدلة، بينما هي لم تصل لمبتغاها ودخلت بيطري. كان في نفس محمود شيء، فمروة لم تحدثه أبدًا على الهاتف ولم تتساير معه. كما أنه يريد أن يرد الصاع صاعين لهذا الخالد الذي يرى أن أخته كثيرة عليه. لذلك قرر أنه سيتزوج من هبة بدلًا من مروة وفاتح هبة، ولقد سعدت كثيرًا
لأنها ستصل لمبتغاها: عريس مروة وحلمها. ذهب محمود إلى حسان الذي تردد كثيرًا لأن هذا تقدم لخطبة ابن أخيه، ولكن شيطانه زين له أنه عريس لا يُرفض، لذا من الخطأ أن يرفضه، فابنته لن يأتي لها عريس جيد كل يوم. فذهب إلى والده يستشيره، الذي هب قائلًا: "إنت بتقول إيه؟ تيس إنت! إنت فاهم معنى كلامك ده؟ فاهم معنى إن واحد يتقدم لواحدة ويشكك في عرضها، وأروح أنا أكافئه وأديه بنت عمها؟ الناس تقول علينا إيه كمان؟
ده مش أمين، ده شكك في تربيتي. مروة دي... فلم يجعله حسان يكمل كلامه وقال: "كفاية بقى كفاية، طول عمرك مروة مروة، مش شايف غيرها وحاططها تحت باطك هي وأخوها وعيال حسن عملوا وعيال حسن سوا، مع إن حسن ده ما يسواش... فلم يجعله والده يكمل كلامه، إذ صفعه صفعة قوية فأذهل حسان وقال: "إيه؟ مش عاجبك كلامي؟ طبعًا لأنه مش على مزاجك. إنت عمرك ما فكرت في عيالي، عمرك ما قلت عليهم تربيتي، عمرك ما شايفهم. ليه؟ إشمعنى؟
ما أنا كمان ولدك، ليه بتظلمني وتظلم عيالي؟ فصفعه والده
على وجنتيه الأخرى وقال: "علشان أبوهم عمره ما فكر فيهم، علشان أعوضهم عن أب مش بيفكر غير في نفسه، عم أناني مستعد يفعص أي حد حتى لو كان الحد ده أنا، المهم هو وعياله. علشان بدرية وعيالها تحت رجلي بيخدموني برموش عينهم، وسند لي. علشان عيالك مش شايفني جد أصلًا علشان يحترموا كلمتي. ويكون في معلومك، أنا عمري ما ظلمتك ولا ظلمت عيال ولدي، وعماد ولدك يشهد، بس إنت اللي دايمًا بعدتهم عني. عايز تجوزها؟
جوزها، لكن خلي في بالك، زي ما اتهم مروة في عرضها، هيشك في هبة." فرد حسان في استنكار: "ما يهميش كلامك، وهجوزهاله. دا راجل ماله هدومه وهيصونها. وكتب الكتاب بعد أسبوعين." وغادر حسان تاركًا والده خلفه يرمقه بعدم رضا.
أفاقت مروة من تعبها بعد أسبوع. لقد استمر السم في جسدها فترة، ولكن بسبب إرهاقها وقلة نومها، عندما تملك منها المرض، أخذ جسدها الراحة الكافية. ولكنها أفاقت على منظر تمنت لو أنها ماتت بالفعل على أن تراه. عمر كان عاري الصدر يرتدي بنطاله الأسود، نائمًا بالقرب منها، إحدى يديه على رأسها بها كمادات، والأخرى يمسك بها يديها بكل قوته. فقامت مروة بسحب يديها منه بعنف ثم أدارت وجهها الناحية الأخرى. فاقام عمر على سحبة يدها فزعًا، فقال متوجهًا
بخوف عليها: "مالك؟ فيك حاجة؟ حصلك حاجة؟ فأبعدته مروة عنها بصوتها الذي كان يشوبه الغضب وكان متغيرًا، يحمل نوعًا ما اللهجة الصعيدية، وكانت مغمضة عينيها قائلة: "إياك ثم إياك تقرب عني." فقال لها في تعجب: "مالك يا مروة؟ فيكي إيه؟ فقالت مروة في غضب وغيظ: "أولًا تقول آنسة مروة، مش بلعب معاك أنا. ثانيًا، إيه اللي سمحلك تمسك إيدي؟ ثالثًا، إنت إزاي قاعد شالع هدومك قدامي يا قليل الحيا إنت؟
فرد في تعجب: "أولًا أنا بقول مروة لأننا بقالنا فترة مع بعض فتعودنا على بعض، وعادي. إنت ما كانش مهم بالنسبالك؟ ثانيًا، ماسك إيديكي عادي يعني ماسك إيد الأميرة ديانا؟ ثانيًا، كنت بعملك كمادات عادي يعني. ثالثًا، إنت كنت في غيبوبة تقريبًا، فعادي برضه، وأنا بقعد كده براحتي، أنا لابس البنطلون مش قاعد ملط." فردت مروة في صراخ وبكاء،
وكان جسدها ينتفض: "لا مش عادي. مش إنت مش من محارمي، فغلط غلط. ولا إنت جوزي، فتمسك إيدي وتكلمني كده عادي. كده غلط غلط. دا أنا خطيبي ما يمسكش. قوم تمسكها إنت يا شبه مسلم." وكان عمر هناك خنجرين طعناه. فها هي مخطوبة! لما شعر فجأة أنها تخصه، وأيضًا تعايره بأنه شبه مسلم. ماذا ذنبه هو؟ لقد كان بعيدًا عن أهله. لقد كان في بلد لم يذكر فيها الله. فرد عليها في غيظ: "يعني توك اللي أدركت إنه غلط وميصحش وحرام؟
ما إحنا قعدنا مع بعض وكنا بنتكلم عادي، إشمعنى دلوقتِ؟ فردت مروة في بكاء: "لأني عرفت إنه غلط وميصحش وحرام. ربنا
بيقول في كتابه العزيز: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} يعني مينفعش نضحك ونهزر كده، مينفعش حرام. أنا غلطت بس تبت لربنا. أنا عمري ما اختلطت مع راجل، بس إنت بسبب الظروف، أنا ما أعرفش رجالة في حياتي غير أبوي وأخوي وجدي وعمي وخوالي، يعني عمري ما اختلطت. أيوه أنا غلطت ولازم أتوب لربنا وأستغفره. أما بالنسبة لمسكة إيدي، لا يا سيدي، أنا مش الأميرة ديانا، بس هو في الإسلام لا يجوز. في حديث عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: 'لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له'. يعني حرام، لا يجوز، لا يجوز." فرد عمر عليها في حزن أن أمور دينه لا يعرفها، وأنها لا تعتبره مسلمًا أصلًا، فقال: "خلاص يا مروة، إنت جسمك ارتاح وأنا كمان. أنا هجمع لينا كام بلحة يكونوا لينا أكل طول الطريق، وهحاول أوفر طريقة نشيل فيها المية ونمشي من هنا. وأوعدك طول الطريق مش هكلم تاني."
وذهب ناحية قميصه وارتداه وخرج من الغار، وكان الحزن يعلو وجهه. ولكن مروة لم تر ذلك، فكانت تغمض عينيها حتى لا تراه. ولكنها لقد شعرت في كلامه بمرارة الحزن والخذلان، وقررت قرارًا... نذهب لمكان أول مرة نذهب إليه، إلا وهو شقة في القاهرة يسكن بها شابان، وكانوا ينامان في نفس السرير. ولكن ما هذا المشهد؟ إنهم لا يرتديان شيئًا. فأفاق عماد من نومه ونظر جنبه، وكان قلبه قد أتعبته. "ما هذا الذي أفعله؟ " وأفاق
الشاب الذي بجواره وقال: "مالك زعلان ليه كده؟ فرد عماد في حزن: "لأن اللي بنعمله حرام. اللي بنعمله غلط. نحن بنعمل زي قوم لوط بالظبط. فرقنا عنهم إيه؟ أقول إيه لأبوي وجدي؟ أقول إيه لنفسي ولرجولتي؟ إنت السبب. أنا من يوم ما عرفتك وأنا... وأنا بحس بالذنب. قلبي بيوجعني." فرد الآخر في حنق: "إيه يا بني؟ حيلك حيلك. نحن اتولدنا كده عادي. وبعدين إنت شاغل بالك بالبلد؟
نحن ممكن نسافر أمريكا، بريطانيا، فرنسا، شاور، بس إنت. ونبعد عن البلد المتخلفة دي ونبعد عن أهلك الصعايدة اللي مخوفينك كده. هناك لينا قومية ومعترف بينا ولينا علم، وكمان ممكن نتجوز عادي." فرد عماد في غضب: "لا، نحن ما اتولدناش كده. أنا عمري ما كنت كده. أنا كنت راجل، عمري ما كنت كده. أنا مبقتش كده غير لما عرفتك وفضلت تلعب في دماغي." فرد هاني: "بقولك إيه؟
مش عاجبك الباب يفوت جمل. إنت بتعمل كده لمزاجك، محدش ضربك. فكر يا حبيبي، إنت كمان بتاخد متعتك زيك زيي بالظبط." و قام ونهض وتركه في حيرته. فهو لا يستطيع أن يستغني عن هذا الفعل القبيح، فقد أدمنه. ولا يستطيع أن يقول لعائلته، فهم شداد في هذا الأمر بالتحديد. حسنًا، سيقول لخالد؟ لا، لا. خالد لا. فهو ورث صلابة جده وأشد منه. كما أنه حذره حين زاره هنا ورأى هاني. فلقد عبر دون خجل أمام هاني أنه لا يرتاح له. فماذا يفعل؟
ماذا يفعل؟ ولكن رأى هاني يرقص على أغنية "لو حبنا غلطة" ويدعوه للرقص. فأخذ ينظر له عماد ولا يعلم ماذا يفعل، وكان ضميره الصحي يؤنبه. ونسي قول الله الذي ذُكر فيه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)
كان عمر يحاول أن يملأ الماء في كيس وجده، ولكن لم يفلح. وكان غضبان. فرأته مروة من بعيد وفكرت ثم اقتربت منه ولم تعرف ماذا تبدأ الحديث. فقال عمر: "إيه اللي جابك؟ مش هتخافي تلوثي نفسك بقعدتك جنبي؟
فردت مروة: "أنا آسفة، بس غصبن عني. أنا عمري ما كلمت ولد وانت أول واحد أتكلم معاه كده، بس غصبن عني كنت مخطوفة ومفيش غيرك قدامي. وأنا لو ما اتكلمتش، تحصل لي حاجة. وانت كمان، بمتساعدنيش. قعدتك مع الأجانب بتحسسك إنه كله عادي ومتاح." فنظرت لها عمر في تعجب: "تصدقي يا آنسة مروة، إنت الوحيدة اللي بتحسسني إن قعدتي في أمريكا عار." فتبسمت مروة على قوله "آنسة"، ولكن جاهدت
نفسها وزالت بسمتها وقالت: "بشمهندس عمر، إنت اسمك حلو قوي على اسم سيدنا عمر. ليه ما تكونش إنت سيدنا عمر بتاع العصر ده؟ فرد عمر: "آنسة مروة، أنا ذنوبي كتير وعامل بلاوي. مستحيل، على الأقل أصلي حتى وألتزم بيها." فردت مروة في تعجب: "وليه لا؟ سيدنا عمر ما أسلمش على طول، وكان كافر، وكان كافر بمعنى الكلمة، كفر كفر. بس لما أسلم بقى مسلم، لكن إسلام إسلام. وتعالى هنا، إنت مصليتش خالص؟
فرد عمر في وجع: "كنت رايح أصلي، هجم علينا الديب وكان هاياكلنا. فحسيت إنها إشارة وإن ربنا مش عايزني، فرجعت." فنهرته مروة: "ربنا عمره ما رد حد عن بابه. إنت ما سمعتش عن قصة القاتل مئة نفس؟
حيث التقت فئتان من الملائكة، ملائكة الجنة، وملائكة النار. المناسبة كانت أن رجلاً مات في الطريق بعد أن قتل مائة نفس، ثم تاب توبة نصوحًا، واتجه إلى أرض أخرى، أرض لم يسبق له أن أزهق فيها روحًا. ملائكة الجنة أرادت أن تأخذه إلى الجنة لأنه تاب، بعد إزهاقه كل تلك الأرواح، وهي ترى أنه تاب ولا داعي لدخوله النار. وملائكة النار تريده في النار، لأنه مات قبل أن يصل إلى تلك الأرض التي كان يقصدها. ودار بينهما، (أي الفريقين)
، جدل واسع، ولم لا؟
فالرجل ارتكب جرمًا يعاقب عليه أيما عقاب، فليس سهلًا أن يُعفى بعد إزهاقه كل تلك الأرواح، والصحيح أن يكون مثواه النار. وملائكة الجنة حجتها هي أن القاتل قد تاب إلى ربه وآب إليه، وقصد أرضًا أخرى، لكن المنية لم تمهله طويلًا، فمات قبل أن يصل إليها. وينبغي أن يكون من أهل الجنة، لا أهل النار. هو حوار مثمر لا شك، ولكن فيه كثير من الجدل والاجتهادات، بحيث يتاح أن يحرز كل فريق نصرًا على الفريق الآخر، ويفوز بالرجل القاتل. حل وسط.
أرأيتم ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يختلفون في شيء، ويدعي كل طرف بأنه على حق، وأن غيره على باطل، أو هو أحق به من غيره. ثم يهتدي الفريقان إلى حل وسط يجعلهما يلتقيان في منتصف الطريق، لإنهاء الخلاف، وحل المعضلة، وإنهاء ملف النزاع على الرجل الميت. الحل أن تحسب المسافة من المكان الذي مات فيه الرجل إلى المكان الذي قصده والمكان الذي تحرك منه. هذه هي نقطة التلاقي بين الفريقين، ومهما تكن النتيجة
فإن كل فريق ينصرف إلى حال سبيله راضيًا ومقتنعًا، ولا يتربص بالفريق الآخر. حسب الفريقان المسافة، فوجدا أن الرجل قد قطع أكثر المسافة إلى القرية الطاهرة، ولو بقليل، وذلك بفضل توبته النصوح، فحُمِل إلى الجنة، وكان الله غفورًا رحيمًا. يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. فتيجي إنت وتقول مش هيتوب عليا؟
قوم يا راجل، قوم صلي بينا أمام."
وفعلًا تبسم عمر جدًا وصلى بها. وكان لا يحفظ غير الفاتحة والإخلاص. ولأنه كان تاركًا في الصلاة، كان يخطئ، فتقطع الصلاة وتصحح له مروة ويعيد من البداية. ثم قاموا هما الاثنان وجمعوا الطعام والماء ووضعوه في أكياس، ثم بدأوا رحلتهم التي أرهقتهم. وكانوا طوال الطريق يتحدثون عن الدين، ولكن بمراعاة للحدود أكثر، حتى انتهكوا تمامًا. فوجدوا أمامهم الطريق الرئيسي في قنا، ومنه إلى سوهاج. فأوصلها إلى محافظتها ومركزها،
وقال لها: "وداع. أتمنى أشوفك تاني. وعلى فكرة، مش إنت وحدك اللي مخطوبة، أنا كمان خاطب. ادعيلي. سلام." لما شعرت بأنها طُعنت بخنجر، ولكن قالت في ابتسامة واثقة: "ألف مبروك. ربنا يتمملك على خير. سلام. خلي بالك من نفسك." لما حطمت آماله الآن. لما؟
ولكن عاد إلى سوهاج وركب القصر وعاد إلى بلاده. ولكن أثناء عودته وجد في قصره مشهدًا مزق قلبه. ولم تكن مروة أوفر حظًا منه، ولكنها وجدت أيضًا حين عودتها مشهدًا مزق وتينها. فماذا وجدوا؟ (صحيح، الفلوس اللي روحوا بيها كانت آخر فلوس في شنطة مروة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!