كان خالد هو من يمسك تليفونه منتظر النتيجة، فمروة تعتبر أول من دخل الثانوية العامة في عائلتهم الصغيرة. وإذ به رأى ما صعقه، فأعطاها التليفون حتى تشاهد نتيجتها. فقالت: ٩٦%... ٩٦%! وأخذت تبكي وتقول: مش هدخل طب، مش هدخل طب. وانهارت على الأرض وأخذت تصرخ بصوت عالٍ. فأخذتها أمها في حضنها وقالت: حلوين يا حبيبتي، يدخلوكي صيدلة ولا علاج وتبقى دكتورة برضوه. فردت مروة بصوت
متقطع من البكاء وقالت: أنا عايزة أخوش طب، مش هيدخلوني واحنا معندناش فلوس، فمش علشان أدخل خاص. وأخذت تزرف الدموع بصوت أشبه بالنحيب. فردت أمها وقالت: يا حبيبتي، مش نصيبك. إن شاء الله التنسيق يقل ويدخلوكي، وحتى لو مدخلوكيش هتبقي دكتورة برضوه، وأنت مجموعك عالي، يعني شرفتيني ورفعت راسي. وبعدين ما تشوفي بنت عمك جابت كام قد إيه، مش يمكن أقل منك ومش هتدخل برضوه، وبرضوه مش أحسن منك. فردت مروة: يا أما، وأنا مالي ومالها؟
أنا حلمي أدخل طب، وهي أصلاً عايزة تدخل صيدلة، غير ده كله أبوها معاه فلوس يدخلها، فمش هتقلق هي. وأثناء ذلك كان خالد يحاول أن يدخل رقم جلوس هبة حتى يطمئن أنها لم تزد أخته في الدرجات، لأن حرفياً كانت حالتها هستيرية ولا تبشر بخير. وإذ به يفاجئ، فقال: اطمني يا مروة، هبة مش هتلحق تربية حتى، دي جايبة ٦٥%. دي لو كانت بتلعب مس بتذاكر مش هتجيب الدرجة. فردت مروة في هياج: يا ناس، انتوا ليه مش حاسين بيا؟
أنا خلاص حلمي راح، أنا هموت نفسي. فاحتوتها أمها وخالد. وقال خالد: مروة حبيبتي، أنت حلمك مراحش (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ... . مش يمكن لو دخلت طب تعملي عملية لواحد ويموت؟
ربنا مش شايفك في طب، شايفك في حاجة تاني هتعرفي تكوني فيها، هتعرفي تنجحي فيها. وأنت برضوا ما شاء الله هتتقبلي في أي كلية طبية وبرضوا هتكوني قريبة من حلمك. لا دا انت هتكوني في اختيار ربنا ليك. ثانياً يا ستي، أنت عايزة تدخلي طب ليه؟ علشان تتفشخري في رايحة وجاية وتقولي أنا دكتورة؟ فردت مروة وقالت: لا والله، أنا نفسي أخفف عن المرضى. فرد خالد: وأنت لما هتدخلي أي كلية منهم، سمعاني؟
أي كلية منهم برضوا هتخففي عن المرض. يلا اغسلي وشك وصلي لربنا ركعتين شكر، وأنا عارف إنك زعلانة بس هتعرفي على إرادة ربنا ولا إيه؟ هنكفر على آخر الزمن. وبعدين يا مفترية، أنت جايبة ٩٦ يعني مجهود يحترم. فاحتضنته مروة وقالت من بين دموعها: ربنا يبارك لي فيك، بس إيه العقل ده كله؟ دا أنا كنت فاقدة الأمل فيك. فرد خالد وقال: محدش بيفضل على حاله. فردت بدرية واحتضنتهم: ربنا يبارك لي فيكم يا نور عيوني. و بتدور ساعات،
آتي جدهم وقال: ها يا خالد، اختك عملت إيه؟ طمني، الدنيا مقلوبة برة. وعمك قالي مروة جابت ٨٠ وأنا مصدقوش، أصل اختك كانت تاكل الكتب وكل مش معقول هتجيب ٨٠. فرد خالد: لا يا جدي، ده كداب، مش ٨٠ دي جابت ٩٦، دي بته. هو اللي جاب ٦٥. فرد الجد: اتلم يا ابني، إيه اللي كداب دي بس؟ صح جابت ٩٦، الحمد لله. هتخش طب أقدر. فرد خالد: لا يا جدي، هتدخل كلية طبية برضوه، بس مش طب طب، عايز من ٩٨ ولفوق. وبعدين لسه التنسيق منزلش.
فرد الجد: ما يدخلوها يعني الدرجتين دول هيفرقوا معاهم؟ البت هتموت وتخش طب. فرد خالد: دي قوانين يا جدي، يعني نعمل إيه. فرد الجد في ضيق: خلاص يا ولدي، هي قدها قدها، هتبقى دكتورة الحمد لله. على الجنب الآخر كان حسان يضرب في ابنته ويقول: ٦٥ يا بت الكلب ٦٥! دا أنت كنتي بتاخدي بدل الدرس ٣، أحسن منك في إيه؟ مروة جايبة ٩٦، طب حتى كنت جبتي ٩٠، لا كتيرة عليكي دي متقدرش عليها، كنت جبتي ٨٠. أودي وشي فين من الناس؟ بس أقولهم إيه؟
بنتي عطلانة، خايبة، متعرفش تذاكر. فجأت زوجته صفاء وأخذت ابنتها من تحت يده وقالت: كفاية يا أبو عماد، كفاية. البت ما جربتش. ابقي دخلها طب خاص طالما عايزها تبقي دكتورة. فردت هبة: وقالت لا، أنا عايزة صيدلة. فرد حسان: وكمان ليكي عين يا فاشلة؟ يا أم ٦٥! والله أنا هدلدل راسي بسببك والناس هتقول حسان عرف يشد على بنته وأنا لا.
فردت هبة: الناس الناس، كله حياتك الناس. أنا أصلاً لو كنت جبت ٩٠ كنت هتقولي مروة زادتك في إيه، لأنك مش شايفني أساساً. طول عمرك شايفها البريمو وأنا صفر على الشمال. شوفي بنت عمك عملت، شوفي بنت عمك سوت. أنا زهقت. طيب إيه رأيك بقى إن أنا مذاكرتش عشان مدخلش زيها وتقعد تقارن فينا تاني؟ حرام عليك، حس بيا، أنا إنسانة، مش كده، أنا إنسانة وليا كياني ومش هسمح لحد يقارني بيها. فرفع حسان يده وأنزلها على وجهها، وكان البيت كله اهتز
من أثر الصفعة وقال في غضب: بصي يا بت الكلب، إني هوديكي السودان تدخلي صيدلة زي ما أنت عايزة، لأن مفيش كلية خاص لو كانت إيه هتقبل بيك هنا. بس قسماً عظماً لو فلتي سنة واحدة لأكون جايب خبرك، مش أنا اللي بنتي تكون أقل من بنت حسان. ..................................... .............................. وكان عمر يدندن عائدًا لمكتبه، فوالده طلب منه ملف ضرورياً من أجل صفقة ما. وهو يقول: هجوز، هجوز. ولكنّه رأى ما جعل رأسه يشيب.
فلقد وجد أحمد وجين هما الاثنان في غرفة الاجتماع، وكانوا على طاولة الاجتماع، وكانت تخرج منهم أصوات قذرة. لم يكن يصدق عمر ما رآه، فتصلب في وقفته. هناك غصة تكونت في حلقه، رأسه كان سينفجر، نيران الخذلان تلتهب قلبه. توقف لمدة ٥ دقائق كاملة يستوعب الموقف، وإذ به يهجم عليهم بضرب وسب ولعن. ولحسن حظهم أنه لم يكن يمتلك مسدسًا في جيبه. كان غضبه أكبر بكثير من أن يتحمله أحمد.
وإذ به يمسك طفاية الحريق وهم أن ينزلها على رأس أحمد، ولكن هناك يدان منعته. إنها يد والده وقال له: نزل إيدك، إيه هتودي نفسك في داهية علشان دول؟ دول ما يستاهلوش إنك تلوث إيدك علشانهم، دول كلاب و لموا على بعض. وكانت خالته قد أتت فقالت: نزل إيدك يا عمر وهدي نفسك، نحنا محتاجينك. فرمي عمر ما في يده بعيدًا، وكان وجهه أحمر من الغضب والانفعال وقال صائحًا: أهدي نفسي إزاي؟ إزاي؟ انتوا عايزين تجننوني؟ أنا لازم أربيهم.
وهجم عليهم مرة أخرى، ولكن تلاشاه أحمد وقفز من شباك المكتب، وبقيت جين لوحدها تلملم هدومها. وكان سيف الدين وصفية يمسكون عمر جيدًا. وقال سيف الدين: انظري جيدًا لي يا جين، عمر هذا تنسيه تمامًا لأنك خونتيه مع صاحبه، ونحن لا نتزوج عاهرات. فردت جين: لست عاهرة، وإنما كنا نقضي بعض الوقت من المتعة. فرد عمر ثائرًا: متعة؟ خيانتك لي متعة؟ سأقتلك أيتها العاهرة!
لقد كدت أن أتزوجك غدًا، كدت أن أعطيكي اسمي، كدت أن أهبك حياتي. ماذا صنعت لك حتى تطعنيني هكذا؟ فردت جين: لم أطعنك، ولكنك تعلم أنا لدي احتياجات وأنت لم تستطع أن توفرها، فلجأت لآخر، وهذه ليست خيانة، فقد أحببتك بقلبي. فرد عمر بعض نظرة طويلة من الاشمئزاز والاحتقار: اغربي عن وجهي أيتها العاهرة الماجنة. فانتفضت من حدة صوته وخرجت بعيدًا. وإذ بسيف يترك عمر الذي سقط على الأرض في خذلان ووجع وهو يصرخ: ليه؟ ليه؟ ليه؟ ليه؟ ليه؟
آآآآآآآآآآآآآآآآآه! آآآآآآآآآآآه! آآآآآآآآآآآآآآه! كان والده قد أوجعه قلبه على وحيده وصغيره، فاقترب منه واحتضنه وقال: ما تزعلش نفسك يا حبيبي، الاثنين الكلاب. فرد عمر وكان دمعة قد فرت من عينيه وقال: ليه يا بابا؟ دا أنا حبيتها. وليه معاه هو؟ أهو ده صاحبي؟ ده أنا كنت بعتبره، أنا كنت بحبه أكتر من نفسي. ليه يا بابا؟
فرد سيف: علشان هي بالنسبالها عادي يا ابني، دي أجنبية. أما هو فهو قليل أصل وحقودي. أنا يا ابني حذرتك وقلت لك ده مش صاحبك، مش من مقامك يا بني. تقولي كلنا ولاد تسعة. يا حبيبي، بس خلاص الحمد لله، ربنا اهو نجدك منهم. يلا قوم معايا، يلا اغسل وشك ويلا بينا. فنهض معه في خذلان وذهبوا إلى البيت، وكانت خلفه خالته تبتسم بخبث، فما أرادته وجدته دون أن تلوث يداها.
مرت على هذه الحادثة شهرين، وكان عمر فيها حزينًا ذابلًا، لا يرجو من الحياة شيئًا. وكانت والدته تبكي كثيرًا في صمت على حالته، ووالده قلبه قد اعتصر على وحيده. أما خالته فهي الفائزة الوحيدة التي كانت تقول أنها ليس إلا أيام ويكون عمر زوج ابنتها. ولكن صدمهم عمر جميعًا الذي كان ينزل بشنطته من على السلم، وقد نحف كثيرًا وطالت لحيته ووجهه حزين وهو يقول:
مش عايز كلام كتير: أنا في مشروع كبير لازم أعمله في أمريكا، وبالمرة أكون فكرت كويس. وآه يا خالته، أنا طالب إيد إيمان بنت حضرتك. فما كان من صفية إلا أنها زغردت زغرودة غير متناسقة مع رقيها التي تدعيه ولا مع حال عمر. فقال والدته: تسافر فين؟ أنا مستحيل أسيبك تسافر وأنت في الحالة دي. فرد سيف: سيبيه يا قلبي، هو فعلاً محتاج شوية وقت يرتاح ويفكر فيهم. وما كان منهم إلا واحتضنوه.
فقال سيف في أذن عمر: بلاش إيمان، مش هترتاح معاها. فرد عمر: بس مش هتخوني. وكانوا بتلك الكلمات يودعوه وذهب إلى أمريكا. ولكن اكتشف أن المشروع المطلوب كبير جدًا وقد تأخر في تنفيذه، حيث تطلب منه ٥ سنوات حتى يتمه. وفي هذه الأوقات كانت إيمان قد تقربت منهم، فدائمًا ما كانت تهاتفه وتتقرب منه. وقد أضمر في نفسه أنه سيتزوجها وقرر مع والديه على الهاتف ذلك، واتفق معهم أنه بعد عودته بأسبوع سيكون حفل الزفاف.
وفعلاً عاد وها نحن الآن في يوم زفافه، وكان قد اختار بدلة جميلة وهندم لحيته وقص شعره. وجاءه ولد صغير يقول له: عمو، طنط إيمان عايزاك في الجنينة وبتقولك متقولش لحد. فابتسم ابتسامة جانبية وذهب إلى الجنينة، ولكنه فوجئ بضربة على رأسه من الخلف فسقط صريعًا على الأرض. وبعدها بحوالي ساعة كان القصر بأكمله لا يخلو من البوليس وهم يبحثون عن عمر. فاين اختفى عمر؟ .................................. .................................
على الناحية الأخرى كانت مروة قد جاءها في التنسيق كلية الطب البيطري، لم تتقبلها في البداية، ولكنها أخذت نصيحة أخيها وتقبلتها، وفي النهاية هي قريبة من حلمها. وأثناء تلك المرحلة دخل أخوها كلية هندسة، أما عماد فكان حظه أفضل من أخته ودخل هندسة خاص. وقد مرت السنين بهم، وها هي قد انتهت من امتحاناتها وجالسة على جوالها تتصفحه. وإذ به تفاجئ برسالة محتواها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!