بعد يومين من تلك المكالمة بين عمر وأحمد، كان أحمد يخرج من باب الشركة وإذ به قابل إيمان، ابنة خالة عمر. فتاة بيضاء الوجه، ذات عيون بنية، ونحيفة جداً، وشعر بني يصل لبعد كتفها، طالبة في تالتة ثانوي، وكان أحمد متيماً بها. فقال حينما رآها: "إيمان، أخبارك؟ عاملة إيه؟ وحشتينا. كده ما اتخليناش نشوفك." فردت إيمان: "معلش يا أحمد، أنت عارف أنا في تالتة ثانوي، وحرفياً الثانوي دي متعبة جداً ومش عارفة أعمل إيه." فرد عليها:
"لو محتاجة حاجة أنا في الخدمة، ممكن أشرحلك ده أنا أفضل واحد مخصوص." فنظرت له إيمان باستهزاء وقالت: "كان القرد نفع نفسه يا ابني، أنت ناجح في ثانوي بالعافية ومتخرج من الكلية بمقبول، ولولا أنكل سيف كان زمانك عاطل. أنا ممكن فعلاً كنت أحتاج لعمر لو هو موجود، لكن أنت بصراحة مظنش." فرد عليها أحمد بنظرة غيرة وحنق: "لو عمر موجود بقي، وعلى العموم أنا حبيت أساعد مش أكتر. سلام." فقالت له: "سلام." ثم رحلت.
فنظر خلفها بخذلان وحزن كبير، وكانت الدموع تسقط من عينيه، وقال: "حتى أنتِ بتقولي عمر؟ ده أنتِ الحاجة الوحيدة في حياتي اللي بتخليني أبتسم، ده أنا الهوا اللي بتنفسه. برضوا مش شايفة غير عمر... *** في اليوم التالي، في طريق العودة من المدرسة الإعدادية، كانت الفتيات الثلاث، نور ومروة وهبة، يتحدثون. فقالت نور: "والله مستر عز دمه خفيف، بيهزر معاك يا مروة، مقصدوش حاجة." فردت مروة:
"دمه خفيف على نفسه، أنا مبحبش حد يتريق على بلدي. وبعدين بيتريق على بلدنا ويقول عليها بلد الحلف ما يروح يشوف بلدهم، هما دول حتى معفنين." فردت هبة وقالت: "يا مروة، مش قصده، هو ده كان هزار بريء. وبعدين أنتِ مسكتيش وقلتيله ميتهزرش معاكِ تاني، أهدي. صح نسيت أقولك اللي حصل امبارح. مش أبوكِ كان عندنا امبارح وحصل حتة موقف فطسني ضحك." فردت مروة في تعجب: "إيه اللي حصل؟ فقالت هبة:
"خوالي كانوا عندنا وكان في ضيوف تانيين تبع بابا، راحت ماما جابت حلويات من جوا، وأبوكِ كأنه أول مرة يشوفهم، فمد يده وخد شوية كتير، راح أبويا زعق فيه وقاله: اتلم يا حسن، متفضحناش." وكان ذلك صاعقاً كب على رأس مروة، وشعرت كأن هناك غصة تكونت في حلقها، وكانت ستبكي من الإحراج، ولكنها ربطت جأشها ونظرت لهبة نظرة خذلان وقالت:
"أولاً، اللي بتتكلمي عليه ده يبقى عمك، يعني تتكلمي عليه باحترام. ثانياً، أنا مسمحلكيش تتكلمي عن أبويا بالشكل ده قدامي، حتى لو كان غلطان." فصمتت هبة، ولكن مروة طوال الطريق كانت تنظر لها نظرة غريبة لم تفسرها هي. وعندما وصلوا إلى بيت نور وسلموا عليها وكانوا ذاهبون إلى بيوتهم، قالت لها مروة:
"لو سمحت يا هبة، تاني مرة لو كان أبويا عمل إيه كده، متفضحينيش قدام حد. وفي النهاية ده عمك برضه، يعني عيبته في وشك قبل وشي. وكمان أنا مش بتكلم على عمي غير باحترام، فياريت تحرمي أبويا زي ما بحترم أبوك." فردت هبة: "أنا أبويا محترم ومش بيعمل زي أبوك." فقالت مروة: "مفيش إنسان كامل، وأبوكِ بيغلط برضوا. وحتى لو غلط أنا مش هغلط فيه زي ما غلطتي في أبويا، فياريت تحترمي ده."
ولم يكملوا كلامهم حتى وجدوا أنفسهم أمام منزل عمتهم. وكانت مروة قديماً تحب عمتها جداً، ولكن عندما تبدل حال أبيها وفقد وظيفته، تبدلت المعاملة وأصبحت تعامل مروة كقمامة، فكرهتها ونفرت منها، ولكن مروة لم تكن تغلط فيها لأنها عمتها وأكبر منها، وإنما كانت تعاملها باحترام.
فرأتهم عمتهم وسلمت عليهم، وظهرت ابنة عمتها زهرة، وكانت قاسية، دبش، لا تحسن الكلام. وللغريب أنها طلبت من مروة الكلام على انفراد، فوافقت مروة في حيرة من أمرها وذهبت معها. وأمسكتها زهرة بجانب الحائط، ووضعت يديها الاثنتين على يدي مروة بتلك الوضعية. وقالت لها مباشرة بدون مقدمات: "تتجوزي حسام." فردت مروة بخوف وأدب: "إيه اللي بتقوليه ده يا زهرة، عيب كده." فقالت زهرة: "ما تردي يا بت الكلاب، تتجوزي حسام." فردت مروة:
"عيب كده يا زهرة، ميصحش." فردت زهرة وقالت: "يا بت ردي عليا، ما تلوعنيش: تتجوزي حسام." فقالت مروة بقلة حيلة: "لأ، أنا هكمل تعليمي." فردت زهرة: "وأفرض خالي عبد الله، قال خلاص مفيش تعليم تاني وهتقعدي في البيت تتجوزي حسام." فقالت مروة في نفسها: "آه يا قليلة الحياء، حتى مقلتليش إن جدي هو اللي هيقول أو حتى أبوي، لكن خالك هو المهم." فنهرتها زهرة وقالت: "ها يا بت الكلب، تتجوزي حسام." فقالت بنظرة لها نظرة غريبة وقالت: ***
على الجانب الآخر، كان يخرج عمر من طائرته، وكانت معه فتاة شقراء، نحيفة بعض الشيء، طولها ١٧٠ سم، وكان ترتدي ميني جيب وسترة بدون حاملات. وكان تستقبله العائلة كاملة، لأنه اليوم هو يوم رجوعه للبلاد. وعندما نزل من الطائرة، كانت إيمان أول من احتضنته وقالت له: "عمر حبيبي، أخبارك؟ عامل إيه؟ شكلك بقى وسيم خالص، إيه العضلات دي؟ واو، شايفة يا ماما عمر بقى handsome." فردت والدته مني هانم:
"يا بت سيبي ابني خليني أسلم عليه، بقالي سنتين مشفتوش. تعالي يا حبيبي." فسلم عليهم عمر، وسلم على والده وخالته صفية. هانم، التي كانت تنظر لمن معه نظرة تعجب، وقالت: "مش تعرفنا يا حبيبي مين دي." فرد عليهم عمر رداً صدمهم جميعاً. فماذا قال؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!