استيقظت هدير من نومها بفزع على صوت طرق الباب بشكل يقلق. كان الصوت مزعجاً ولم يكن صوت طرق على الباب فقط. كان هناك صوت رجل ينادي عليها بصراخ. نهضت من فراشها وسرعان ما وضعت غطاء على رأسها وذهبت لتفتح الباب حتى رأت صاحب المنزل يهتف بها بصراخ: "اي يا هدير... صباح الخير.. معلش قلقناكي من نومك... فين الايجار بتاع الشهر دا والشهر الي فات مش قولتي هتجيبيهم امبارح واهو امبارح عدا والنهاردة كمان هيعدي وت.....
تفاجأت بهدير تدخل للمنزل مرة أخرى، وبعد دقائق رآها آتيه بالمال وتعطيه له بيده وتقول بإستنفاذ طاقة للحديث: "حقك عليا يا استاذ اوعدك مش هأخر عليك الايجار تاني وامبارح رجعت متأخر من الشغل فمعرفتش اعدي عليك." تنهد براحة وأخذ ماله وذهب من أمامها. أغلقت هدير الباب وسندت عليه بإرهاق، وبعد دقائق بدلت ملابسها للذهاب إلى عملها الأول وهي روضة الأطفال. ***** استيقظ مصطفى من النوم وتفاجأ بشهاب أمامه:
"يابني بلاش تخضني كدا، فيها اي لو دخلت من باب الشقة وطلعت خبطت على اوضتي." تحدث شهاب بمرح: "مينفعش... لازم اجيبلك سكتة قلبيه علصبح كدا. المهم يلا قوم." مصطفى: "اقوم ليه؟ ... انا تعبان اوي يا شهاب امبارح اتضربت وانت مكنتش معايا ودخلت بيت البنت كمان متعملهاش تاني لو كانت قفشتك كنت هتعمل مشكله." جلس شهاب بجانبه: "احكيلي عملت معاها اي." ضربه مصطفى بكتفه بمرح: "احكي اي مانت كنت معانا في نفس الاوضة هتستعبط يلا." ضحك شهاب:
"دا انت موتني ضحك... بحبك يا هدير." قالها بهيام مثل ما كان يقولها مصطفى، وقتها تفاجأ بضربة مصطفى إليه بالوسادة بوجهه. شهاب: "حاسس انها بداية كويسة... ابتسم مصطفى وهو يتذكر لهفتها عليه. هو يعلم أنها ليست نابعة من حب ولكنه سعيد برؤيتها تخاف عليه ولو حتى شفقة. روى له ما حدث معه وكيف أبرحه وليد ضرباً، وبعدها لم يشعر بشيء. علق شهاب بمرح:
"بس حلوة الحركة دي انك دافعت عنها واعتقد هتشيلهالك جميلة ودي الطريقة الوحيدة الي كانت تديك فرصة انك تتعامل معاها بشكل ودّي منغير ما تفهمك غلط والي حد ما تتقبلك ومتبقاش دبش زي الاول. هي الطريقة اه مكنتش انسب حاجه للي زيك لانك اتدشملت خالص." مصطفى: "انا مش عارف عملت كدا ازاي بجد ساعت ما ضربته بالعصاية ايدي كانت بتترعش اصلا.. عمري ما اتشاكلت مع حد ابدا وفي حالي دايما اول مرة ادخل خناقة."
ضحكوا هما الاثنان، وظل مصطفى يتحدث مع شهاب على مشاعره تجاه هدير وشهاب مستمع إليه بكل حب. كانت صداقتهم قوية، كان عمر ومصطفى وشهاب أعز الأصدقاء ولكن ابتعد عمر عنهم بفترة ما، ولكن مصطفى ما زال متعلقاً بشهاب وباتو أصدقاء طول الحياة. شهاب: "اسماء مش راضية تكلمني... وبوقفها في الشارع مبتردش عليا." مصطفى: "ليه كده.... انت فاتحتها في موضوع الجواز." زفر شهاب بحزن: "امي مش راضية يا مصطفى... لان اسماء مطلقة ومعاها بنت....
بس انا بحبها وعاوزها هي مش عارف اقنع امي ازاي وهي الي خلت اسماء تتجنبني بعد ما راحتلها وقالتلها ملكيش دعوة بابني." عانقه مصطفى بلطف: "متقلقش... هنحلها بإذن الله." ابتعد عنه شهاب وابتسم له، ثم تحدث مصطفى قائلاً بحماس: "تيجي نروح لطنط ونقنعها.... شوف طنط هتبقى فاضية امتى وقولي وهعدي عليها واقنعها انت عارف انها بتحبني وانا عارف هدخلها ازاي." فرح شهاب كثيراً قائلاً: "بجد هتساعدني يا صاصا." مصطفى:
"يابني ياما ساعدتني وانت السبب في تشجيعي اني اتكلم مع هدير." شهاب: "ربنا يخليك ليا." سمع طرق على الباب وكانت والدته. نظر مصطفى إلى الباب وسرعان ما رأى شهاب يختبئ. نهض مصطفى من جلسته ليفتح الباب: "صباح الخير يا ماما." رحاب: "جهز شنطتك وروح..... اي دا اي الكدمات الي في وشك دي!! أجابها مصطفى بهدوء ليطمئنها: "خناقة بسيطة يا ماما محصلش حاجه متقلقيش هيروحوا بسرعة.... المهم كنت عايزاني اروح فين." رحاب بخوف:
"اي يا مصطفى دا اتخانقت مع مين ومن امتى وانت بتتخانق؟ زفر مصطفى بضيق: "يا امي انا كويس... ومش خناقة كبيرة دي مشكله كده حصلتلي وانا بركن العربية.... المهم كنت عايزاني اروح فين." هتفت رحاب بلوم: "طب محطيتش تلجه ولا اي حاجه يخفي الكدمات دي." تذكر مصطفى أن من طيب جوارحه كانت هدير وهي دواءه ويكفي هذا لا يحتاج ليعالج بدنه مادام قلبه تعافى. مصطفى: "عملت كده... وشوية وهيخفوا." رحاب:
"طب جهز شنطتك وروح لاختك عند دعاء هاتها لاننا مسافرين." ضم مصطفى حاجبيه باستفهام: "نسافر؟ ... مش قولتي هتسيبي يارا مع علا شوية تغير جو." تكلمت رحاب بغضب مكتوم: "لا.... منا لازم اعرف اختك مخبية اي ولازم تبقى تحت عنيا.... اديك شوفت حالتها عامله ازاي وهي مش طبيعيه.... عايزة ابعدها عن الي اسمه عمر دا... مش فاهمه انا حالتنا اتيسرت وبقيت اعلى منهم بكتير ليه لسه على علاقة بيه! تحدث مصطفى معلقاً على كلامها باقتضاب:
"اي يا ماما الي بتقوليه دا... احنا صحاب من زمان جدا ومتنسيش اننا كنا زيهم وكنا جران ودايما سوا اي الي غيرك تجاههم." مصمصت رحاب شفتيها بانزعاج: "الي اعرفه اني بصاحب ناس من مستوايا خليها تنقي صحاب تانين من مستواها احنا مستوانا بقا اعلى منهم بكتير." مصطفى: "ما احنا في يوم من الايام كنا من مستواهم من بعد موت بابا واحنا قعدنا سنين حالتنا مش ميسورة." رحاب: "واهو الحمد لله.. حالتنا دلوقتي تفوقت عليهم ميت مرة....
بقولك اي انا مصدعة... اعملوا الي تعملوه وهي خليها لازقالي في علا واخواتها اعمل الي قولتلك عليه منغير جدال." تركته وذهبت من امامه. أغلق مصطفى الباب وسند عليه وزفر بضيق. لمَ تفكر أمه بهذه الطريقة؟
ليس هناك طبقات تجعلنا مختلفين، فكلنا بشر. وهو عاجز عن مرافقة أحد غير شهاب. جميعهم يستهزءون به وبشخصيته الضعيفة عدا شهاب الذي يعذره ويعذر كم شاق بعمره من ظروف جعلته بهذا الطبع. شهاب صديقه الوحيد الذي يحكي معه عن تفاصيل يومه وأشياء لا يقدر على البوح بها لأمه. وكذالك يارا هي متعلقة بعائلة عمر. صحيح يارا محبوبة بين الجميع، ولكنها لم تحب أحداً غير علا وعمر صديقها المقرب الذي كان معها بالجامعة وظلوا معاً طوال هذه السنوات. أحياناً يظن أنها تحب عمر، ولكن تختفي ظنونه عندما يراها تصلح بينه وبين حبيبته، فليس هناك أحد عاقل يفعل هكذا!
ذهب لمنزل دعاء ورحب به الجميع. لم يطل في جلسته فقد نبهت عليه رحاب بالاستعجال. اتضطر أن يأخذ يارا رغماً عنها لأن رحاب قد أعطت أمراً ويجب تنفيذه مهما كان. مصطفى: "هستناكي تحت... اوكيه." كانت يارا حزينة، لا تطيق هذا السفر. نظر إليها عمر وتحدث معها: "انا نازل معاكي استني." ركبا المصعد سوياً وزفر عمر وأمسك بيدها بحنان: "حاولي تفكي." صرخت ليلى بها بنفاذ صبر: "افك اي يا عمر... هو انا بقولك جبت درجة وحشه في مادة...
ضم يديه الاثنان على يدها محاولاً تهدئتها: "عارف والله عااارف.... بس بقولك ده عشان متشككيش طنط رحاب فيكي... وهي لو عرفت هتعمل مشكله." اقتربت منه يارا: "انا مش عايزة اسافر وابعد عنك يا عمر.... انت الوحيد الي تعرف الموضوع وانت الوحيد الي تقدر تواسيني مش قادرة اتعامل معاهم وانا في الحالة دي ومش عارفة رد فعل ماما هيبقى اي لما تعرف." ابتسم عمر لها: "متقلقيش...
هفضل على تواصل معاكي في التلفون واما ترجعي بالسلامه اكون لقيت حل... وان شاء الله خير استعيني بربنا وخلي ايمانك قوي مادام مغلطيش يبقى تكوني واثقة ان حقك هيرجعلك." أومأت يارا برأسها وتنهدت بعمق. تحدث عمر بصوت مرح: "بركاتك يا يويو.... مودة رجعتلي امبارح... وامي قالتلي خلاص بدل ما نتخانق تاني رايح اخطبها الاسبوع الجاي." صدمت يارا ولم تعرف ماذا تعقب، فهي غير قادرة على التمثيل الآن.
وصل المصعد للارضي وخرجت يارا من أمامه بصمت أثار شكوكه، ولكن عذرها لما هي به. ركبت يارا السيارة بجانب أخيها وودع مصطفى عمر وتحرك بسيارته حتى انتبه لأخته ولحزنها: "في اي مالك... اهو البوز دا خلى ماما تشك ان فيكي حاجه.. ما تنطقي يا يارا." حاولت يارا كتم بكاءها فخرج منها صوت مبحوح: "مفيش حاجه انا كويسة." سندت رأسها ونامت، فهي لم تنم جيداً لأنها بقيت مستيقظة مع علا بالحديث سوياً. وفجأة سمع مصطفى صوت وراءه: "هييي... رحلة."
فزع مصطفى من صوته ونظر بالمرآة فرأى شهاب وضحك حين رآه: "يخربيتك خضيتني كويس ان يارا نايمه كانت مش هتستحمل." ضحك شهاب وقال له بمرح: "جاي معاكم يعني جاي معاكم." مصطفى: "بجد نفسي تيجي معانا." شهاب: "طبعا جاااي... حطني في الشنطة ومحدش هيشوفني." مصطفى: "ياريت لو ينفع...
انت عارف انا ويارا في السفريات دي بنكون وحدانين اوي ومبنعرفش نكون صداقات بالسرعة الي بنبقى فيها هناك واصلا مبنحسش بالعيلة بتاتا وبنبقى ضاربين بوز وبنتمنى السفرية تخلص بأي طريقة...
بس انا هحاول السفرية دي اتكلم مع يارا هي اكيد محتاجاني واهي فرصة تحس فيها انها مش لوحدها واني معاها عارف اني قصرت كتير في حقها ومكنتش بحسسها بأي اخوة بس دا لاني انا كمان مكنتش حاسس بنفسي انا دايما حاسس اني تايهه ومش فاضي لحد ومعودتهاش تاخد قرارات معايا لاني مبعرفش اخدها لوحدي اساسا.... زفر بضيق لحالة أخته ولما وصلت إليه!
أخذ شريف إجازة بضع أيام ليسافر معهم، كان يريد أن يتغير مزاجه للأحسن فقد مل من تلك الحياة "الروتينية". كان رحاب سعيدة بأنها ستذهب بعيداً مع حبيبها. نعم، فهي تحب شريف حباً جماً. لا بل تعشقه ومن قبل زواجها بزوجها السابق والد مصطفى ويارا الذي مات.
كان ضميره يأنبه تجاه ابنته الوحيدة، ولكنه يعلم كم هي تزعج كل من حولها وهو يريد أن يفرح الجميع. ولأن أسيل تزعج رحاب بعنادها وعدم إرضائها بأي شيء، قرر أن يبقيها بالمنزل ويحاول أن يفرح يارا، فهو يشعر أنها غير طبيعية. ويكفي أنه سيبتعد عن عالم العمل والمشاريع وينفرد برحاب زوجته. هي ليست حبيبته. فهو كان يحب زينب والدة أسيل، ولكن حب رحاب إليه يجعله مرغماً على حبها. فهو يرى نفسه جميلاً بعينيها، يحب حبه إليها، هي تجعله شاباً
من جديد رغم كبر سنه، ولكنها بمرحها وهيئتها الصغيرة تجعله صغيراً وشاباً مراهقاً. يحب احترامها له وتأخذها القرارات، فهي لا تتعبة مثل ما كانت زينب تتعبة بأخذ القرارات والتمرد عليه والعناد، لكن رحاب تقول له "نعم وحاضر" فقط لا غير، وهذا ما يريده أغلب الرجال حالياً.
***** هتفت دعاء بذهول: "يعني اي تتجوزها يا علي انت اتجننت في عقلك؟! أجابها علي: "يا امي اي الجنان في الي بقوله... انا عاوز اتجوز يارا وبحبها من زمان." صرخت بوجهه: "دي اكبر منك." زفر علي بلا مبالاة لما قالت: "السنين مش مهمه ما دام الحب موجود وانا بحبها." دخل من المنزل وحين رأته دعاء ركضت نحوه وهي تهتف بصراخ: "الحق اخوك... اتجنن... عاوز يتجوزلي يارا بنت رحاب." اتسعت عينا عمر ونظر لأخيه بدهشة. *****
حملها يزن بين يديه وركض بها إلى سيارته، أدخلها بها وركب بجانبها. بحث عن زجاجة مياه وسكب بعض الماء بيده ووضع قطرات من الماء على وجهها ليفيقها، ولكنها ظلت فاقدة للوعي ولم تفق. قلق عليها بشدة وتحرك بسيارته مسرعاً للمستشفى. كان يركض في المستشفى وهو حاملها ويصرخ بقوة. اقتربت منه الممرضات وحاولوا أخذها من يديه ولكنه غير قادر على تركها. يشعر بشيء غريب وكأنها منه!
لا يريد أن يفقدها، ستترك فراغاً شديداً بداخله. وبعد محاولات كثيرة استطاعوا أن يأخذوها منه وحملوها على سرير وهو جالس على كرسي قريب من غرفة الإسعافات. وبعد مدة من الوقت خرج الطبيب، حيث نهض يزن من جلسته بقلق: "خير يا دكتور.... هي كويسة صح؟ تنهد الطبيب وتكلم بعملية: "أصابها إغماء بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية." قلق يزن كثيراً فتحدث إليه بلهفة: "وهي هتبقى كويسة.... يعني هي دلوقتي اي حالتها؟ حاول الطبيبة أن يهدئ من روعه:
"متقلقش احنا ركبنالها محاليل وان شاء الله تبقى كويسة." وجد الممرضات يخرجن ومعهم أسيل نائمة على فراش متحرك متوجه نحو غرفة ما بالمستشفى لتقيم بها. ركض يزن تجاهها وأمسك بيدها وهو في حالة غريبة. لم يفهم مشاعره! لم يتساءل نفسه، هو فقط يتصرف مثل ما يقول له قلبه، ولا هناك فرصة لحديث عقله.
كانت نائمة مثل الملائكة. نظر إليها يزن ودق قلبه بشدة. هناك شيء غريب يحدث له تجاه تلك الفتاة. لم يمر به من قبل. كان مثل الثور الغاضب حين رآها ليست بخير، أتى بها إلى المستشفى وكان خائفاً من خسارتها! توقف وسمع صوت عقله وكان يفكر بالكثير من الأسئلة ويبحث عن إجابة؟ لماذا كنت خائف لهذا الحد؟ -إنها مريضة ولو كانت أي فتاة مكانها لكنت فعلت هذا أيضاً. أي فتاة؟ -نعم أي فتاة.
أعطته الممرضة ورقة بها علاج لأسيل وطلبت منه أن يملأ استمارة المستشفى ويدفع مال الغرفة التي ستبيت بها أسيل. كان يملأ الاستمارة سريعاً لكي يذهب لشراء الدواء لها، ولكن توقف عند خانة معرفة علاقته بالمريضة، هل هو أخيها أم أبيها أم أحد أقربائها... ولا أحد من هؤلاء! لكن ماذا يكتب؟ كان سيكتب أخيها، ولكن تراجع وكتب مسرعاً... صديق. كان جالساً على الأريكة ينظر إليها والممرضة تعطي لها الدواء بالمحلول.
اهدأ يا يزن لمَ كل هذا القلق؟ هي بخير أمامك. نظرت إليه الممرضة وتحدثت بشكل عملي: "أجرينا ليها تحاليل دم... وظهر أن الهيموجلوبين قليل خالص ويظهر أنها بقالها يومين مش بتاكل لأن الكالسيوم كمان قليل ودا كله سبب كبير في انخفاض ضغط الدم بالشكل دا... يرجى الاعتناء بها جيداً وهي هتفضل في المستشفى بالكتير يومين لحد ما حالتها تستقر والا ممكن بعيد الشر الهبوط الجاي يكون مميتها بسبب قلة الغذاء." صرخ يزن بها حين سمع آخر جملتها:
"لا موت أي... ربنا يبعد عنا كل شر... شكراً جداً ليكي." ابتسمت الممرضة بود: "تقوم بالسلامة إن شاء الله... عن إذنك." ذهبت الممرضة من الغرفة وأغلقت الباب ورائها. اقترب يزن من فراش أسيل وأمسك بيديها بحنو: "ناوية تدمري نفسك... خلاص معادش نفسك بتهمك... بنتتحري بالبطيء زي ما هو عمل... غفلنا كلنا وراح انتحر. انت كمان عايزة تعملي زيه وتعلقيني بيكي وتمشي.... مش بتاكلي بقالك يومين ليه بتعملي كده...
ليه نفسك هانت عليكي بالشكل دا... على فكرة نفسك ليها حق عليكي." نظر للطاولة التي بجانب سريرها فوجد هاتفها وحقيبتها الجامعية. سمع صوت رسالة أثارت اهتمامه. اقترب وأخذ هاتفها ونظر إليه. فتح الرسالة بفضول فرآها من رحاب تقول لها:
"ياريت متبوظيش علينا السفرية ونسمع خبر تعبك زي كل مرة وتخلي أبوكي يرجعنا كلنا اهتمي بنفسك واعتمدي على نفسك ياريت متتصليش بابوكي لانك هتلاقيه مغلق وأنا كمان هقفل موبايلي خلينا نشم هوا شوية ولا انت مبتحبيش الخير لحد؟ السفرية مش هتطول بس اهو يومين الواحد ميشوفش وشك فيهم." هذا الكلام ليس موجهاً إليه ولكن أغضبه كثيراً ما تلك الوقاحة؟
تأكدت شكوكه أن زوجة أبيه هي من تجعلها بتلك الحالة. أمسك بإصبعها وفتح هاتفها ببصمة يدها. دخل على المحادثة وحذف الرسالة لكي لا تراها أسيل. لقد أثارت غضبه واستفزته بشكل كبير. ما بال أسيل؟ كيف ستشعر؟ لم تعاملها رحاب بهذا الشكل. يجب أن يعرف كل شيء عنها.
نظر إليها وأخذ كرسياً ووضعه بجانب فراشها وأمسك بيدها. لمس أصابعها كانت شديدة البرودة. قرب شفتيه نحو يدها وأخذ ينفخ بيدها لكي يدفئهم. وضع يده على خصلاتها ومسح على جبينها بحنين وتذكر شكلها وهي تبكي. ألمه قلبه بشدة. مسكينة يا أسيل لا أعرف كيف أواسيكي؟ لأني لا أعلم مما أواسيكي به!
ولكني متأكد أنك لن تبقي هكذا لفترة طويلة. سأحاول جاهداً بتخفيف هذا عنك. لن أتخلى عنك إلا عندما تكونين سعيدة. لن أجعلك تشعرين مثل صديقي كان دائماً يشعر بالوحدة وعدم اهتمام الناس إليه حتى أهله. وأنا... أنا أيضاً تخليت عنه ولهذا أنا أعاقب نفسي على كل ساعة وكل وقت كان يطلب مني الجلوس معه وكنت مشغولاً. يمكن إذا كنت اهتممت به ورافقته ولم أتركه كان معنا الآن ولكني تعلمت من الخطأ ولن أكرره.
وبعد بضعة ساعات قد غفل يزن بهم من شدة تعبه، وحين شعر بأصابعها تتحرك بيده أفاق بسرعة، فهو نومه خفيف نوعاً ما. نظر إليها بلهفة: "اسيل... انت كويسة." لمَ تواصل سؤالي إذا كنت بخير؟ لمَ تواصل القلق عليّ؟ لم أعتاد هذا إلا من أمي! يكفي أنا لا أريد أن يهتم بي أحد أو يهتم لأمري إذا كنت بخير أم لا... فقد اعتدت الوحدة. نظرت إليه وهذه الأسئلة تدور بذهنها وهي ترى قلقه الشديد عليها.
سحبت يدها بعنف ونظرت للغرفة ثم نظرت إليه باستفهام. ما الذي أتى بها إلى هنا؟ فهم يزن من ملامح وجهها واستعجابها من الغرفة: "أنت في المستشفى... جبتك هنا بعد ما اغمى عليكي في.... أيكمل أنها فقدت وعيها بحضنه.... تذكرت أسيل وحينها أغمضت عينيها بأنها تخشى التذكر. ثم التفت لتبحث عن حقيبتها. ففهمها يزن وأخذ حقيبتها ووضعها على قدمها. مدت يدها داخل الحقيبة وأخرجت دفترها وقلمها لتتحدث معه. وكتبت به: "عايزة اخرج." نظر يزن
إلى دفترها وقرأ ما كتبته: "لا تخرجي أي... دا هبوط حاد في الدورة الدموية... اهدي كدا وصل علنبي." لم تهتم لما قاله وأبعدت غطاءها ونهضت من الفراش بسرعة وذلك أدى إلى دورانها الشديد وكادت أن تقع، إلى أن أمسك بها يزن من ذراعيها ونتج ذلك اقترابها الشديد منه: "يا اسيل انت تعبانه... لازم تخلصي محاليلك الأول.... انت عارفة تحاليل الدم بتاعتك مش تحاليل انسان دي تحاليل كائن فضائي احمدي ربنا انك لسه عايشة وفيكي نفس....
مبتاكليش بقالك يومين حرام عليكي نفسك... ارجوكي كفاية تأذيها."
كيف تخبره أنها لم تعد تشعر بأنها مشتهية للطعام منذ زمن، وحين تأكل يكون بالغصب على نفسها كي لا تموت مثل ما قال، وكانت تظن أن أحد سيعرف أنها لم تأكل لأنها تعيد الصينية مكانها المطبخ ولم تكن آكلة منها أية شيء، ولكنها لا تعلم أن رحاب تعيد الطعام للثلاجة وكأن شيئاً لم يكن ولا تهتم بكونها لم تأكل. فهي تظن أنها تفعل ما عليها، وإضرابها عن الطعام ليس بيدها، إذا كانت تريد الموت أو الانتحار فهذا قرارها.
أغرورقت عيناها بالدموع ونظرت إليه بوجع. نظر لدموعها وسرعان ما أصابه القلق وهتف باسمها بلهفة: "اسيل." سمعت اسمها مرة أخرى بنفس الطريق وتدفق لحنه إلى قلبها. نظر لعينيها وكرر كلماته التي لم يشعر بها، فهو مسلوب عن كل شيء حين ينظر لعينيها: "مش هتخرجي من هنا إلا وأنا متطمن عليكي... استحالة أسيبك تمشي وانت بحالتك دي... لو انت مش خايفة على نفسك فأنا خايف عليها."
كلماته تشعل نيران بدنها، لا تعلم لمَ وكيف، ولكنها تشعر بالدفء والأمان تجاهه! توترت من قربه وشعرت بأنفاسه على وجهها، وحين اقترابهم الشديد ظهر فارق الطول بينهم. ابتعدت عنه لتأخذ أنفاسها، فقد شعرت بأن ليس هناك هواء بالغرفة حين ينظر إليها. لا تعلم ماذا يحدث لها... جلست على الفراش ومددت جسدها بإرهاق. وضع يزن الغطاء عليها: "عاوزك ترتاحي خالص وتشوفي هناكل أي النهاردة." أعطاها دفترها لتكتب به بإقتضاب: "شكراً مش عايزة اكل."
تحدث يزن وكأنه لم يقرأ شيئاً مما قالت: "كينتاكي ولا ماك؟ اتسعت عيناها بدهشة وكتبت بدفترها مسرعة: "دول مقاطعة! ابتسم يزن وهذا ما أراده: "أيوه كدا حسسيني انك عايشة معانا دنا افتكرتك متعرفيش حاجة عن الدنيا وفي حالك." كتبت أسيل بدفترها: "وهل يغفل أحد من موت إخوانه كل يوم؟ أسأل الله أن ينصرهم على الأعداء ويخلد أرواحهم ويأمن قلوبهم من الخوف وينزل على قلوبهم السكينة ويحفظ أطفالهم."
(اللهم أنزل على الصهاينة بأسك الشديد الذي لا يُصد ولا يُرد ولا يقدر على دفعه أحد.. قولوا آمين) أمن يزن على كلامها ثم قال: "يعني انت مش جعانة." هزت برأسها بإيجاب. ثم سمعا صوت غريب جاء من بطن أسيل وهي تبوح جوعاً. ضحك يزن بصوت عالٍ ووضعت أسيل يدها على بطنها بحرج. يزن: "اهي بطنك ردت هنطلب أكل عشان أنا كمان هموت من الجوع." ثم قال بمرح: "ومتقلقيش انت الي هتدفعي."
نظرت إليه غير مصدقة ما قال وسرعان ما ضحكت وضحك هو الآخر معها. نظر لها بهيام حين تضحك تغلق عينيها حتى أن لونها يخفى بين رموشها ولديها "غمازة" تزيدها جمالاً فوق جمالها. حين تضحك تشعر بأن جميع وجهها يضحك معها. كم هي جميلة وكم تمنى لو تلازمها تلك الضحكة دائماً. وبعد قليل وصل مندوب الشحن، فنزل إليه يزن ليأخذ الطعام منه وصعد إليها: "انت وجبه وأنا وجبتين.. عدل ربنا." كانت رائحة الطعام شهية.
فتحت أسيل العلبة ونظرت للطعام بحزن. هي حقاً تشعر بالجوع ولكنها غير قادرة. كتبت له بالدفتر: "انا حقيقي مش قادرة اكل." قرأ ما كتبت وتحدث معها برجاء: "بالله عليكي يا اسيل كلي ولو شوية... وغلاوة أغلى حاجة عندك لتاكلي... يا بنتي هتموتي كدا." تذكرت والدتها حين كانت تترجاها لكي تأكل. ابتسمت للذكرى، فها هي ترى أحد يعاملها مثل ما كانت والدتها تعاملها. حاولت أن تأكل ولكن لم تأكل كثيراً، فقط لتسد جوعها.
جاءت له مكالمة هاتفية من والده عبد الله. يزن: "صاحبي تعبان يا بابا ومضطر أفضل معاه في المستشفى." عبد الله: "لا حول ولا قوة إلا بالله الف سلامة ابقي طمني عليه.... طب هتيجي امتى." يزن: "والله مش عارف يا بابا لحد ما حالته تتحسن." نظرت إليه وهو يتحدث مع والده وتسائلت هل سيبيت معها الليلة بالمستشفى؟ أغلق المكالمة ونظر إليها وجدها تنظر إليه بشكل مريب: "جوعتي تاني... لسه وجبتك اهي متقلقيش مكلتش منها حاجة."
نفت برأسها وكتبت بدفترها: "خليني اروح هو انا هبات في المستشفى." أجابها يزن بعد ما قرأ: "ايوا.. للأسف حالتك غير مستقرة ولازم تخلصي محاليلك عشان تعرفي تقفي على رجلك مينفعش تمشي وانت بالحالة دي." كتبت بدفترها: "وانت؟ نظر إليها وتحدث بحنين بداخله ينبعث من وجه، فتشعر هي به بسرعة: "أنا هفضل معاكي." كتبت بدفترها: "بصفتك اي؟ شرد لثوان ثم هاتفه بمرح: "بصفة اني صديقك...
اه ماحنا بقينا أصدقاء هو انا مقولتلكيش معلش مجتش مناسبة أقولك بس أنا وأنت بقينا صحاب حتى سجلت رقمي على موبايلك ورنيت على نفسي وسجلت رقمك." اتسعت عيناها بدهشة وظلت تنظر إليه وبها سؤال. لمَ يهمه أمرها هكذا؟ تشتاق لهذا الاهتمام حقاً حتى لو من شخص غريب. أي شخص يجعلها تشعر أنها حقاً موجودة بالحياة ولم تمت! كانت تغفل بنعاس ولكن تفيق نفسها بسرعة حتى شعر يزن بها: "نامي يا اسيل... انت تعبانه ارتاحي شوية."
نظرت إليه وقد ظهر عليها بعض الخجل لوجوده بالغرفة، ففهم نظراتها. ثم تفاجأت به يقف ويرفع يديه فوق الفراش ليسحب ستار الفراش ليكون حاجزاً بينهم: "متقلقيش أنا مش شايفك... ولو احتاجتيني وعاوزة تنادي عليا... موبايلك في إيدك وأنا سجلت رقمي عليه باسم زونة." ابتسم حين سمع همسات ضحكاتها. جلس على الكرسي بجانب فراشها وفتح هاتفه يتصفح الإنترنت ليظل مستيقظاً. خاف من أن تحتاج إليه ولم تجده. وبعد ساعات.
سمعت أسيل صوت البرق وسرعان ما هل المطر بشدة والبرق معاً. وضعت أسيل يديها الاثنين على أذنيها وهي تصرخ بخوف. رفع يزن الستار بسرعة حين سمع صرختها ووجدها ترتعش من الرعب. وكلما سمعت صوت البرق تندفع جميع أعضاء جسدها بزعر! لم يتحمل يزن رؤيتها هكذا فحدثها بصوت يطمئنها: "اسيل... اهدي... أنا معاكي... ازدادت حالتها سوءاً كلما تسمع صوت البرق. أنزل الستار ووقف وهو يفكر فيما يفعله لتشعر بالأمان. هل يقترب منها ويعانقها؟
رفع الستار وحاول لمس ذراعها، ولكنها دفعته بقوة وهي خائفة ومازالت ترتجف. تنهد ووقف ليفكر فيما يفعله. إنها تزداد زعراً من اقترابه إليها، فهي مازالت قلقة منه وهي الآن خائفة. مد يده من أسفل الستار وحرك أصابعه وتحدث معها: "اسيل.... امسكي إيدي... أنا جنبك متخافيش. هاتي إيدك يا اسيل." فتحت عينيها ونظرت ليده وتحركت عيناها نحو الستار. هي لا تراه ولكن حديثه جعلها تشعر بالأمان.
حركت يديها نحو يديه الي أنا وصلت لباطن يديه ممسكة بها وهي خائفة. أمسك يدها بحنو وهو يربت بأصابعه عليها: "أنا جنبك... اهدي." ظلت أصوات البرق تتعالى مع هطول المطر بغزارة وهي مازالت خائفة وترتجف وتقبض على يديه بقوة كلما سمعت صوت البرق. وبعد ثوانٍ أمسك بحقيبته الصغيرة وأخرج منها سماعات رأس، فهذا هو الحل لأن كلما سمعت ذاك الصوت ارتعبت أكثر. ناولها إياها من أسفل الستار وتحدث معها: "خدي اسمعي الأغنية دي هتعجبك."
نظرت للسماعات وكانت مترددة، ولكنها سمعت البرق من جديد فأخذتها بسرعة ووضعتها على أذنيها. كان الصوت عالياً لدرجة أنها لم تقدر على سماع صوت البرق مرة أخرى. قبضت يديها على يداه بقوة حتى لا يتركها ونامت بثبات وهي محتضنة يداه وتشعر بالأمان. هدأ قلب يزن حين رآها بخير ونائمة وزفر بقوة. لمَ فزعت من صوت المطر هكذا وبهذه الطريقة!! ما السر وراء رعبها الشديد من صوت البرق والمطر؟
وبعد ساعات نام يزن حتى أن قبضته على يدها بدأت تلين ويده تنسحب من يدها بدون أن يشعر، ولكنها شعرت به. وحين رأت يده تبتعد أمسكتها مرة أخرى وضمتها بأصابعها بقوة، لا تريد ترك يده فهي تشعر بالأمان. ***** صفعتها رحاب على وجهها بقوة وهي تصرخ بها: "حامل من مين انطقي....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!