الفصل 6 | من 34 فصل

رواية لا تخافي عزيزتي الفصل السادس 6 - بقلم مريم الشهاوي

المشاهدات
27
كلمة
5,013
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

اتسعت عينيه حين رأى رحاب واقفة أمام الغرفة التي بجانب غرفة أسيل وتتحدث مع شريف. رجع إلى الغرفة مرة أخرى وأغلق الباب بسرعة ووقف خلفه خائفاً وأنفاسه تتعالى. استغربت أسيل من رجوعه ونظرت إليه باستفهام، إلى أن قال لها بصوت يكاد مسموع: "طنط رحاب برا." دهشت أسيل، ففكرت أن رحاب قد رأته. فضلت أن تتأكد منه قبل أن يصيبها الشك، فأحضرت دفترها وكتبت به: "شافتَك؟ قرأ ما كتبته ونظر إليها وهو يهز رأسه نافياً.

سرعان ما سمعا طرق باب الغرفة، فأصابهما الخوف والتوتر. تحرك يزن تجاهها وهمس: "هنعمل إيه دلوقتي؟ نظرت إليه وهي لا تفقه شيئًا، فتلك أول مرة تستدعي فيها رجلاً بغرفتها، وإذا رأته رحاب لن تصمت أبداً وستغضب والدها عليها. "ماذا فعل ذلك الأحمق بي... يا ليتني أخرجته من الغرفة سابقًا." "أسيل افتحي الباب وإلا هفتح أنا." تهتف بها رحاب بصوت صار مكان صوتها تشمئز منه أسيل، فأغمضت عينيها بوجع. ثم شعرت به ممسكًا بذراعها بخوف ويترجاها:

"لو دخلت وشافتني هـ... هنعمل إيه يا أسيل؟ نظرت إليه بضيق، فهو من أوقعها بتلك الورطة. ذهبت لخزانتها وفتحتها، ثم نظرت إليه وأشارت له بأن يدخل لداخل الخزانة ليختبئ. لم يفكر ولو لثانية، فتوجه مسرعًا، فليس الوقت كافيًا. أغلقت أسيل الخزانة، وسرعان ما رأت الباب يُفتح، ودخلت رحاب وهي غاضبة الوجه وتتكلم بحدة: "انت مش سامعاني كل دا ولا إيه.... ما أنت صاحية أهو."

نظرت إليها أسيل بلا مبالاة، وتوجهت لفراشها لتنام دون أن تعطيها أهمية. وهذا ما أشعل غضب رحاب أكثر، فتوجهت إليها مسرعة: "لولا إن عندنا ضيوف كنت عرفتك مقامك كويس وعلمتك إزاي تتجاهليني كده.... واحدة صاحبتي كلمتني على عريس ليكي مفيوش عيب، ولو طفشتيه تاني يا أسيل والله لتشوفي وش عمرك ما شوفتيه وهرميكي لأحقر واحد أشوفه قدامي. احمدي ربك إني بدور لك على ولاد أكابر سمعتي." أنهت كلامها معها، ثم توجهت للخارج وأغلقت الباب وراءها.

لا يعلم لمَ انزعج؟ لمَ اشتعل بدنه حين سمع بأن هناك من سيأتي ليتزوجها؟ ما علاقته بها لينزعج؟ مشاعره اختلطت بمزيج غريب، أول مرة، فاليوم غمره شعور غريب فيه رهبة وفيه ضيق وفيه شيء من الفرح. حين تذكر لمساتها على فمه يشعر بسعادة ودقات قلبه تتسارع. "ما هذا الشعور؟ فتح باب الخزانة ورمقها بطرف عينه ورآها نائمة ولا تريد مقابلته مرة أخرى. فاقترب من فراشها وهمس لها بحنين: "أنتِ كويسة؟

كانت واضعة الغطاء على رأسها. شعرت بشيء غريب، هو يطمئن عليها. هل شعر بأنها حزينة؟ هل يشعر أحد في هذا العالم بحزنها؟ حين لم يجد ردًا منها فهم أنها لا تريد التحدث. فتكلم: "هقابلك بكرة.... لازم نتكلم. تصبحي على خير يا... أسيل." لمَ هذه القشعريرة التي أصابتها حين نطق باسمها للتو؟ يمكن أن يكون ذكره هذه المرة ببحة غريبة تنوبها بعض من الحنين!

لم تسمع اسمها هكذا من قبل. كان صوته مريح حين حدثها للتو. شعرت بالأمان، كيف وهي منذ دقائق كانت تشعر بالخوف تجاهه؟ كيف تبدل حالها ببضع كلمات منه ممزوجة بحنين مختلف؟ كلمات بسيطة كفيلة بأن تغير شعورها. رفعت غطاء فراشها ورأته وهو يخرج. كم تمنت بأن توقفه ولا تدعه يرحل! تتذكر مرحه معها وثرثرته. يبدو مزعجاً، ولكن إزعاجه لها أحبته.

تذكرت حديث رحاب، وأغرورقت عيناها بالدموع. فهذه المرة الألف التي تأتي بها بعريس لكي تتخلص منها، ولكنها ترفض بكل مرة. مواجهته، ولكن هل تلك المرة سيحالفها الحظ أيضًا أم ستغضب رحاب وستريها الشر بعينه مثلما قالت؟ استسلمت للنوم، فقد أرهقت من محادثات عقلها التي لا تتوقف. كان يمشي بالممر العلوي ويفكر بها... كالمعتاد. تقابلت رحاب به، وألقيا التحية على بعضهما البعض بسرور مصطنع، فهما لا يطيقان بعضهما البعض.

نزل يزن للأسفل فوجد أبيه يهم بالرحيل. حتى لمحه، فنظر إليه باستفهام عن سبب تأخره. تكلم يزن معتذرًا من الجميع: "أنا بعتذر منكم بجد لأني اتأخرت. كل دا حصلت مشكلة واتضطريت اطلع للحمام اللي فوق واتأخرت شوية. بعتذر مرة تانية عن تأخري." ابتسم له شريف: "لا عادي ولا يهمك." تكلمت رحاب بشك: "غريبة، إيه اللي يخليك تطلع الحمام اللي فوق مع إن في واحد في الأرضي؟ تحدثت الخادمة، لا تعلم أنها أنقذت يزن من هلاك بنقاش مع رحاب:

"حصلت مشكلة في محبس الماية يا رحاب هانم، وأوعدك مش هتتكرر تاني. صلحناها وعشان ما أزعجش البشمهندس يزن عرضت عليه الحمام اللي فوق لحد ما نحل مشكلته." هزت رحاب رأسها بتفهم، واستأذن عبد الله ويزن للرحيل من بيت شريف. صعد إلى غرفته وبدل ملابسه، ثم مد جسده على فراشه بإرهاق وزفر بعمق. وسرعان ما حلت على وجهه ابتسامة وهو يتذكر تعابير وجهها وابتسامتها. عندما فتح عينيه وكيف وضعت إصبعها الصغير على فمه.. كيف له أن ينسى ذلك الشعور!

وضع يده على فمه يتحسسه، وشيء ما بداخله يجعله سعيدًا. وفجأة صفع نفسه بيده وقال: "اتخمد." رأسه ما زال يؤلمه من ضربة المزهرية، ولكنها كدمة بسيطة ستتداوى بسرعة. تذكر كل أحداث اليوم معها مرة أخرى وظل مبتسمًا. فما حدث اليوم كفيل بأن يؤرقه طوال الليل يفكر بها. وكيف سيجعل تلك الفتاة الشاحبة هزيلة الجسد والروح. "بأن تحب الحياة من جديد وتشعر بالسعادة؟ "حبيبي عامل إيه؟

كانت دعاء تبتسم لرؤية ابنها عمر قد أتى، ولكن حين رأت يارا خلفه ضمت شفتيها بامتعاض. دخلت يارا مبتسمة وألقت التحية عليها. وحين رأتها علا ركضت لاحتضانها بشدة وبحب قالت: "وحشتيني يا يويو... اخص عليكي كل دي غيبة ومشوفكيش.... النهاردة مش هعتقك طول الليل هنرغي سوا ومش هتنامي ورانا حوارات قد كده." ضحكا هما الاثنان، وتوجهت هي وعلا لغرفتها. إلا أن أوقفتهما دعاء بقولها: "استني يا علا....

نتعشى الأول بعدين خديها أوضتك، وبعدين أخوكي علي لسه مجاش." "مين قال علي مجاش؟ فين الأكل يا ماما أنا جع... اهلا اهلا يارا عاملة إيه؟ وطنط رحاب، إيه أخبارها؟ عمر دا مزعلك في حاجة؟ ضحك عمر لمشاكسة أخيه الصغير، وتوجه لغرفته لتبديل ملابسه. وبعد قليل خرج إليهم حيث وجد علا وعلي يجلسان حول يارا ويتحدثان معها، وأصوات ضحكاتهم تتعالى وكأنهم أخويها حقًا.

شعرت يارا بتحسن، ولمحه واقف مبتسم إليها. فبادلته الابتسامة بخجل، ثم أكملت حديثها معهم. ينظر إليها ويتمنى لو تلازمها تلك الابتسامة دائمًا. حتى شعر بصوت والدته وراءه تهمس بصوت خافت: "جبتها ليه؟ اتسعت عينا عمر ونظر إليها: "هو إيه اللي جبتها ليه يا ماما... أنتِ آخر فترة مبقتيش حابة يارا كده ليه؟ تكلمت دعاء بحدة: "رد على سؤالي جبتها ليه؟ زفر عمر بضيق وأجابها:

"نفسيتها زي الزفت فجبتها هنا عشان تفرفش، هي بتغير جو مع علا وعليهم." مست دعاء بغضب: "وإحنا مالنا؟ هو إحنا مبقاش ورانا غير يارا ونفسيتها... ما تركز في حياتك يا عمر... وبعدين مودة فين؟ أكيد متخانقين مش كده؟ زفر عمر بضيق: "أيوه يا ماما.... هي بعدت وقررت متكملش." ضحكت دعاء بسخرية: "ما أكيد... طول ما الزفتة دي حواليك مش هتخليك ترتبط ولا تكون حياتك." تركته وذهبت من أمامه. وقد استفزه حديثها عن يارا.

لمَ ترى أن يارا دائمًا المسببة بالمشاكل بيني وبين مودة؟ هي لا تعلم أن يارا هي من تساعدنا لنتصالح، ولكنه هذه المرة يصعب التصالح معها، فهو لم يعد يشعر بحب مودة إليه ويرى أنه الطرف الثالث في علاقة أحدهم. وضعت دعاء العشاء على الطاولة، وأيقظت عدلي زوجها من نومه ليتعشى معهم. الذي رحب بوجود يارا، فهو يحبها ويعتبرها ابنته الرابعة ولا يفرق بينها وبين أولاده. عدلي: "وأنتِ عاملة إيه في الكلية يا يارا؟

ابتسمت يارا: "الحمد لله خلصت امتحانات الميدترم." تحدثت علا بمشاكسة: "مش هتفرحينا بقى؟ دي آخر سنة ليكي، عاوزة ألبس فستان سواريه. محدش في عيلتنا بيفرح خالص." ضحكت يارا وتكلمت دعاء: "ما تلبسيه أنتِ قبلها وميبقاش سواريه يبقى أبيض." شهقت علا من حديثها وقالت: "يختاي تفي من بوقك يا ماما ونبي... وبعدين ما تجوزوا الكبير الأول... أهو كل شوية يتخانق مع مودة ومش عاوز يفرحنا خالص." علي: "والله مودة دي عسل... أخوكي اللي نكدي."

ابتسم عمر ونظر ليارا، فتفاجأ بها تقلب بصحنها بشرود. فحاول تغيير الموضوع ونظر لأخيه بمكر وقال: "سيبكوا من مودة دلوقتي، بيقولوا نتيجة علي ظهرت؟ توقف الطعام في فم علي، فلم يقدر على بلعه ونظر لأخيه بتوتر. تابعه عدلي بنفس المكر: "واتقال إنها ظاهرة من أسبوع... مش سألناك وقولت إن النتائج لسه منزلش وإن لو نزلت نتيجتك مش موجودة عشان أنت نحس." بلع علي الطعام وحاول أن يتحدث: "آه... آه... ظهرت...

وفعلاً روحت أشوف نتيجتي بس ملقتهاش." تعجب الجميع وتحدثت والدته بشك: "يعني إيه ملقتهاش؟ نظر لها عمر وضحك: "سيبيه يا ماما هو كل سنة يقول البوقين دول." تحدثت يارا معه ضاحكة: "هم مستقصدينك؟ مش دا برضه اللي حصل السنة اللي فاتت." تضحك الجميع، وتحدثت علا وهي ممسكة بالسكين تهدده بها: "ما تقول جبت كام يا علي، دا إحنا أهل يا جدع." بلع علي ريقه ونظر لوالده ولعمر يحاول تبرئة نفسه: "أنا روحت هناك وقالولي مفيش نتائج خالص...

وبالذات أنت ملكش نتيجة." شهقوا الجميع بسخرية، وتحدث عمر بنبرة شفقة: "تؤ تؤ تؤ يخسارة." علي: "أصلاً مش هتطلع... بتاعتي أنا مش هلقاها. قولتلكم إني دايماً منحوس. بص أنا مش عايزها خلاص... عادي يعني مش نتيجة... مش نتيجة هي اللي تحدد إذا كنت ناجح ولا لا... مش ورقة امتحان اللي.... دعاء: "لا ونبي حد يسكتوا لحسن لو فتح مش بيفصل... جبت كام يا علي انطقلي." "يا أمي مش موجودة...

معظم النتائج ضاعت في الكنترول وأنا نتيجتي ضاعت معاهم. فالله يسامحهم بقى." عمر: "هتقول جبت كام... ولا أقول أنا درجاتك." اتسعت عينا علي وقال باندهاش: "ت.. تقول إيه.... بقولك مطلعتش... أنت... جبتها؟ أخرج عمر هاتفه من جيبه ونظر له: "آهى الدرجات قدامي... أقول." ظن علي أنه يخدعه: "والله... ويا ترى جايب إيه بقى؟ ضحك عمر: "جايب إيه؟ ... قصدك مش جايب إيه! إيه الدرجات دي!!! دعاء: "إيه يا عمر... متوقعش قلبي جايب إيه."

نظر عمر للهاتف، ثم نظر لأخيه الذي ظهرت تعابير الخوف على وجهه: "بصي يا ماما أولاً ابنك مش جايب درجات، حتى مش مكتوب أي حاجة، كان هاين عليهم يشتموه أو يكتبوا منك لله عشان يملوا فراغ الورقة بدل ما هي بيضة كده من غير أرقام." شهقت دعاء: "يالهوي." عدلي: "لا يالهوي إيه... اصبري شوفي درجات ابنك بعديها ولولي براحتك. -نظر لعلي بتوعد -دنا هنفخك." ارتعش عمر وقال بخوف: "قولتلك فيه مشكلة في الكنترول، واكيد دي مش درجاتي يا بابا...

أنت عارف إني ذاكرت." عدلي: "آه طبعاً الكنترول فيه مشكلة... أنت كل ترم على هذا الحال ومتقولناش جبت كام، وتروح وترجع تقولنا إنك ملقتش الجامعة من أصله." عمر: "امال كنت بتروح الجامعة طول الترم تعمل إيه بالدرجات اللي جايبها دي؟ ضحكت يارا وعلا وهم ينظرون لعلي الذي اصفر وجهه وقال: "طب ما تقول... أنت كداب يلا وعمال توقع قلبي وخلاص، متصدقيهوش يا ماما." عمر: "اهو اسمك أهو علي عدلي محمد أبو زيد، اسمك دا ولا مش اسمك؟

فيه مادة جايب فيها تلاته ونص... مش عارف دي فكة ولا إيه... ومعظم الدرجات لو بصينا عليها هنلاقيها مواقيت صلاة مش درجات! ضحكوا الجميع، وضحك معهم علي وهو يحاول تبرئة نفسه: "على فكرة دي خمسة وتلاتين، هم تلاقي حطوا النقطة دي بالغلط." تحدث عمر بسخرية: "يا راجل! دا إيه الجمدان دا جايب خمسة وتلاتين من عشرين! صمت علي وانفجروا بقيت العائلة بالضحك. ترك علي الطعام وركض بالمنزل، وعدلي وراءه، وعمر يحاول إمساكه.

وامتلأت جدران المنزل بصوت ضحكاتهم، وامتلأ قلب يارا بالفرحة، هي تشعر بالانتماء لهذه العائلة أكثر من عائلتها الحقيقة. أو أنها ليس لديها عائلة من الأصل. بعد انتهائهم، توجهت يارا مع علا إلى غرفتها، وظلت تحدثها طوال الليل ويضحكان سويًا. وهذا ما جدد نفسية يارا إلى الأحسن، تحاول أن تتناسى ذلك الأمر وتحاول أن تفرح ولو بقليل. فمن يعلم بالأيام القادمة، هل ستكون فرحة أم حزن؟

دخل عمر غرفته وجلس على الأريكة وأسقط رأسه للخلف يفكر بمودة حبيبته. هل يصالحها مثلما قالت والدته؟ وبعد صراعات داخلية فتح هاتفه وراسلها وكتب: "أنا آسف، أنا بحبك." لم ينتظر القليل حتى رآها ترد عليه برسالة: "وأنا كمان بحبك يا عمر ومش عاوزانا نبعد!

ابتسم عمر من رسالتها، فكل ما كان بداخله من غضب تجاهها قد ذاب من هذه الكلمات. تحدث معها طوال الليل وهو يشعر بالسعادة، فهي حبيبته. تارة يتخيل اليوم الذي سيجمعهم بيت واحد ويأخذها بحضنه، ذلك الدفء يريد أن يشعر به بأسرع وقت. وتارة أخرى يفكر بصديقته، ماذا ستفعل ويفكر لها بحلول، ولكن هذا الأمر لا يوجد به حلول؟ أم يهيأ نفسه أنه سيجد حلاً فقط! رمقته هدير بنظرة عدم استيعاب ما قال. هل ما زال نائماً وتلك هي ما تسمى بالهلوسة؟

وقفت هدير ونظرت إليه بغضب مما قاله: "كويس إنك فوقت... اتفضل اخرج برا." وذهبت للباب لكي تفتحه وينصرف. ومصطفى لم يستوعب ما حدث. ألم يكن حلماً؟ نظر بجانبه فوجد شهاب يحدثه بسخرية: "احمد ربنا إنها ما دكتش قلم في وقتك." اتسعت عيناه بدهشة، فجلس على الفراش يحاول إدراك ما حدث. لمَ يحدث معه هكذا؟ حظه دائماً سيء، ولكن حتماً هو الآن تأكد أن لا حظ له على الإطلاق. نظر لشهاب وأشار له بأن يختبئ قبل أن تراه هدير. ونظر لها موجهاً

باعتذار: "أنا آسف.... فكرتك شخص تاني." لمَ هذا الضيق يا هدير؟ هل تمنيت من أن تكون هذه الجملة حقاً لكي... ليس وقت الوقوع بالحب يا فتاة، فالذي مثلنا ليس لهم الحب إطلاقاً. أفيقي نفسك، فهذا وهم. وقف على قدميه، ولكن شعر بألم شديد بقدمه اليمنى، فجلس على الفراش مرة أخرى وهو يتأوه. همت إليه مسرعة تقترب منه وقالت بخوف: "أنت كويس؟ إيه اللي واجعك؟ كان مصطفى متوتراً للغاية، فتحدث إليها بسرعة وأشار بيده لها بعدم الاقتراب:

"لا أنا كويس... أنا آسف... آسف... مش عارف إيه اللي حصلي... بس... شكراً إنك جبتيني لحد بيتك." كانت علامات الخوف على وجهها، فنظرت إليه بعطف: "بتشكرني على إيه بس يا أستاذ... أنا اللي المفروض أشكرك على اللي عملته معايا... رجلك فيها حاجة.... خليني أشوفها." أصابه القلق ونبتت قطرات من العرق على جبينه، وأسرع في الوقوف مجدداً: "صدقيني أنا كويس.... لازم أمشي." كان يعرج على قدمه ويتحمل الألم، وخرج من منزلها وهي وراءه:

"أنا بجد آسفة، كل اللي حصل لك دا بسببي أنا آسفة." سمع صوتها المكتوم بالبكاء، وكان يخرج بصوت مبحوح، فشعر بقلبه يتمزق. لم يرد أن يقول لها أنه استسلم للموت منذ ساعات عندما علم أنها بخير وأن نفسه لا تهمه إطلاقاً، فلماذا نفسه تهمها هي! فقد شغفه تجاه نفسه منذ زمن ولم يعد يشعر بها الآن. هو يبقيها حية حتى تنتهي من مهمتها وتعود إلى خالقها، ينتظر هذه اللحظة. اقترب منها مصطفى وقال بحنان:

"كل اللي حصلي دا الجانب منه هو حمايتك وبس، وأي نواتج بسببه فهي ما تهمنيش مادام أنتِ بخير.... بلاش دموعك تنزل على شخص زيي... أنا مستاهلهاش ولو حتى شفقة! لمَ يتكلم بكل هذا البؤس؟ أنا أشعر أنه فاقد للروح، والذي تعيش هي الجسد فقط. مصطفى: "الوقت مش مناسب إننا نتكلم في اللي حصل النهارده وليه؟ ... المهم إنك بخير." أخذ خطوات للخلف وهو ينظر إليها ويودعها بابتسامة، ثم فكر بأن يطلب منها الطلب الذي يراوده دائمًا: "هو...

ممكن أسألك سؤال؟ ابتسمت هدير وأجابته: "طبعاً." ابتسامته اتسعت أكثر: "حضرتك... مخطوبة أو متجوزة؟ تغيرت ملامح وجهها للاندهاش من سؤاله، فشعر مصطفى أنها غضبت لسؤال، ففكر بالانسحاب والهرب فوراً: "أنا آسف... عن إذنك." هم بالرحيل حتى أوقفته هي: "لا استنى... أنا مش مخطوبة ولا متجوزة." ابتسم والتفت إليها، وهي الفرحة لا تسعه. وشاور على يديها: "امال الخاتم اللي في إيدك دا؟

نظرت هدير للخاتم الذي بيدها، هي تقصد أن تضعه حتى لا يأتيها الخطاب أو أحد يطلب منها الزواج، فهي غير مستعدة لهذه الخطوة ولا تضعها في الحسبان بحياتها. ولكن لماذا أجابته؟ لماذا تريده هو أن يعرف أنها ما زالت لم تتزوج؟ أجابته بهدوء: "دا خاتم ورثته عن ماما الله يرحمها ومش بقلعه، لكن هو مش خاتم جواز أو خطوبة." تنهد بارتياح، حتى هي شعرت بذلك أيضاً.

اكتفى مصطفى بهذا الحديث. كان يريد أن يسألها الكثير، ولكن فضل بأن تنتهي المقابلة بكل ود ولا يحدث شجار بينهم. نعم كان الحديث قصيراً، ولكن بالنسبة له فقد شبع ولا يطمع بالمزيد. كان بالماضي يتمنى فقط أن يقول لها مرحباً، والآن هو يستطيع التحدث معها، فهذا يكفي. تركها ورحل. أتبعته بعينيها حتى اختفى من أمامها. ماذا حدث لها؟

تشعر بشعور يجتاح صدرها لم تشعر به من ذي قبل. أغلقت الباب ثم عادت إلى غرفتها وهمت لتغيير فرشة سريرها، فكانت ملطخة بدماء مصطفى. ولكنها شمت رائحة شيء.... رائحة عطر. إنها رائحة عطره. ظهرت ابتسامة بجانب شفتيها، وأخلدت للنوم بصعوبة، فهذا هو اليوم الأول الذي يصعب عليها النوم من شدة التفكير... برجل! شعرت أن قلبها ليس كالمعتاد اليوم. تتذكر كلمته وبشدة،

وكيف قالها بهوان: "هدير أنا بحبك." ولكنها شعرت بالذنب الشديد، فقامت من فراشها وذهبت للمرحاض وتوضأت وأقامت الليل لساعات طويلة تناجي بها ربها وتردد دعوة واحدة: "اللهم لا تعلق قلبي بأحد غيرك." في الصباح الباكر استيقظت أسيل من النوم وذهبت إلى جامعتها. كانت لا تريد الذهاب بوسيلة مواصلات، أخذت تمشي وبداخلها يقين... أنها ستراه اليوم. لقد اعتادت رؤيته يلاحقها، وقد قال لها البارحة أنه سيقابلها اليوم. لمَ ترغب برؤيته هكذا؟

استيقظ مبكراً وبدل ملابسه للنزول. خرج من غرفته مسرعاً، فتقابل مع أبيه الذي نظر إليه باستفهام: "الساعة ستة الصبح، إيه اللي مصحيك بدري كدا؟ أنت لحقت تنام! لم يقل لأبيه أنه لم ينم من كثرة التفكير، فقط غفل ساعة أو ساعتين وبعدها استيقظ ليذهب إليها: "صباح الخير يا بابا... أنا نازل دلوقتي الشركة." تغيرت ملامح وجه عبد الله بعدم استيعاب: "في مدير بيروح الشركة الساعة ستة الصبح! طب افطر قبل ما تنزل." قال يزن بمرح:

"عادي بقى نشاط وكده، متقلقش عليا هفطر برا. عن إذنك يا بابا." ذهب إلى جامعتها وهبط من سيارته، سند عليها ينتظرها ورفع يده ونظر لساعته: "الحارس قال إنها بتروح الجامعة بدري، اديني جيت بدري أهو، هبدر إيه أكتر من كده؟ دا الفجر لسه مأذن من ساعة." وبعد مدة من الوقت رآها متجهة نحو بوابة الجامعة. اللمعت عيناه وركض نحوها ووقف أمامها وهو مبتسم: "صباح الخير."

تفاجأت به أمامها، فها هي تفكر به ويظهر أمامها وكأنه يقرأ أفكارها. رمقته بنظرة مجهدة. ألم يتعب من اللحاق بها؟ ذهبت من أمامه وهو ما زال يمشي خلفها يحاول التحدث معها: "آنسة أسيل... لسه بدري أوي على محاضراتك... ممكن ناكل حاجة سوا أو نشرب حاجة في أي كافيه جمب دا ونتكلم وياستي هعرفك عليا عشان تبقي متطمنالي أكتر وأنت كمان تعرفيني عن نفسك ونتكلم ش....... قطع حديثه دخولها من بوابة الجامعة متجاهلة كلامه.

وقف بيأس وظهر على ملامحه الغضب من فعلتها هذه. لما تتجاهله بهذه الطريقة؟ سمع حديث الحارس الممزوج ببعض السخرية: "ريح نفسك، مش بتدي فرصة لحد." استغرب يزن من حديثه وقال: "يعني إيه؟ الحارس: "أنت مش أول واحد أعجب بيها، فيه قبليك كتير أوي وكانوا مبياخدوش منها حاجة." يزن باستفهام: "أعجب بيها؟؟؟ الحارس: "كانوا بيتنططوا زيك كده وراها وفي النهاية تسيبهم وتمشي، وهكذا بقى، وأهي الدورة بتلف."

غضب يزن بشدة واتجه نحو سيارته ودخل بها وظل يفكر بكلام الحارس الذي استشاطه غضباً وكرر: "أنا بتنطط.... كل دا عشان بس عايز أعرف حكايتها إيه وصعبانة عليا لحسن تكون بتتأذى في البيت.... أنا معجب بيها وبتنطط... أنا بتنطط!!! ضرب على "دركسيون" السيارة بقوة وتحرك بسيارته تجاه الشركة.

شرب الكثير من القهوة ليظل مستيقظاً في عمله، وآخر النهار استأذن للرحيل وذهب إلى جامعتها حيث ميعاد خروجها قد حان. وقرر بداخله أنها المحاولة الأخيرة، ونظر للأعلى يتكلم مع ربه: "يارب أنا كده ابقى عملت أقصى ما عندي عشان أساعدها، لو رفضت تاني فكده أنا عملت اللي عليا وهبعد خالص ومش هفكر فيها تاني."

خرجت من الجامعة ممسكة بشطيرة حلوى تحاول أن تأكلها وجائعة للغاية، ولكنها غير قادرة على تناولها، وكأن مر الحياة يجعلها مستصعبة استطعام الحلوى أو حتى الطعام الطبيعي. كان جسدها هزيل وضعيف للغاية، حتى أنها تشعر بالدوار كثيراً، ولكنها لا تخبر أحداً، فلا أحد بالبيت يهمه أمرها. كانت تمشي ودموعها تسيل على وجنتيها، وكل ثانية تنظر

لرسالة والدها بالهاتف: "أنا مسافر أنا ورحاب والأولاد نغير جو شوية، كل حاجة محتاجاها هتلاقيها، ولو ناقصك حاجة كلمي حد من الخدم.. دي إجازة وموبايلي هيبقى مقفول طول الوقت، معرفش هتفضل قد إيه بس لحد ما نفسية يارا تتحسن." همست بداخلها بوجع: "طب ونفسيتي يا بابا؟ ليه كل العالم بيهتم بزعله إلا أنا؟ مبتسألش عليا ليه وتقولي مالك إيه اللي مزعلك؟ ليه حسستني إني بقيت لا شيء في حياتك مجرد عبء عليك عايز تتخلص منه بأي طريقة!

ليه نسيتني زي ما نسيت ماما؟ تلاشتني وكإني نكرة في حياتك! كانت كل هذه التساؤلات دوماً تدور بعقلها. تريد أن تبوح به أمامه ويجيبها على أسئلتها، يجيبها بردًا يهدأ من روعة قلبها، ردًا يكون دواء على جوارح قلبها، يرجعه للحياة مرة أخرى، ردًا يكون مثل اللاصق على قلبها ليبنيه من جديد بعد أن تفتت.

انفاسها تعالت ولم تعد تشعر بقدماها تحملها. انهمرت دموعها تجهش بالبكاء بحرقة. نزلت بركبتيها على الأرض ووضعت يدها على وجهها تبكي وتبكي لعلها تفرغ وجع قلبها. كان ينتظرها، وعندما طال انتظاره توجه للحارس يسأله، وأكد له أنها رحلت منذ دقائق. كان يبحث في الشوارع عنها، تلك الفرصة الأخيرة يريد الفوز بها، وبعدها سيتركها ويرحل ولن يفكر بأمرها.

فكر بأنها قد تكون ركبت سيارة أجرة وذهبت للبيت، فوقف بيأس وتنهد بحزن. وحين التفت للرجوع إلى سيارته ويرحل، وجدها بآخر الممر جالسة على الأرض تبكي. ميزها من ملابسها التي كانت ترتديها صباحاً ورآها بها. ركض نحوها بلهفة ويتسائل لمَ تبكي؟ كانت شهقاتها تتعالى، فشعر بنغزة بقلبه من صوت بكائها. لمَ قلبه يؤلمه هكذا؟ نزل على ركبتيه أمامها يتسائلها بلهفة: "أسيل... في إيه... إيه اللي حصل... بتعيطي ليه... أسيل."

وفجأة وجدها ترمي برأسها وتشهق بقوة وهي تبكي. لم يشعر بنفسه إلا وهو يحيطها بذراعيه ليضمها لصدره بشدة ويتمتم: "اهدي... انغمست بوجهها في صدره أكثر وهو يمسح على شعرها بحنين دافئ ويهدئها بكلماته. وبعد دقائق توقفت عن البكاء وظلت بحضنه. تحدث يزن بهدوء: "خلاص هديتي شوية." أمسك بذراعها وأبعدها عنه وهو يتكلم: "يلا قو... وحين أبعدها عنه سقطت رأسها للأمام مغلقة عينيها. اتسعت عينا يزن بدهشة وحركها بيده: "أسيل... أسيل."

لم تستجب له وسقطت رأسها للخلف. لقد فقدت وعيها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...