رصدت الشرطة تحركات بانجو بالقرب من منزل زهره. لقد تم تصنيفه على أنه مجرم خطير مجهول الهوية. لم تفلح أجهزة البحث في إيجاد أي ورقة رسمية تحمل اسم بانجو الحقيقي. لقد ألصقت به العديد من التهم.
بعد العثور على جثة زميله ملقاة في الصحراء، وعن طريق التحقيق مع العديد من المجرمين الذين تعرف البعض منهم على مواصفات بانجو، ظهر له سجل إجرامي كبير. اقتحام شقق وسرقتها، سطو مسلح على محلات ذهب، قتل مع سبق الإصرار والترصد لعجوز تعيش وحيدة في شقتها بعد أن قام بسرقتها. لقد تم رصده عن طريق مخبر متخفٍ، والذي بدوره أرسل إشارة لقسم الشرطة، لكن بانجو تبخر في شوارع القاهرة الصاخبة.
كان بانجو حانقًا جدًا على نفسه بعدما تمكنت زهره من الهرب. إنها أول ضحية تستطيع التلاعب به. لقد انتابته مشاعر مختلطة بعد رحيلها مع الشخص المجهول، والذي بات معروفًا الآن لدى بانجو. كيف تمكنت من خداعه؟ لطالما سأل نفسه ما الخطة التي اعتمدتها زهره للفكاك من قبضته. بات موقنًا أنها لم تغادر مكانه مطلقًا، وأنه ربما كان أعمى عندما لم يرها قربه. وصمة عار في سجله الإجرامي.
منذ سنوات، بانجو يوافق على تولي مهمات صغيرة متقزمة، مخفيًا طبيعته الإجرامية الخطيرة، مكتفيًا بصفقات بسيطة تدر عليه بعض المال. أن يستأجره شخص لإرهاب شخص آخر وتحذيره، أو حتى سرقة طفل وإعادته لوالده بعد طلاقه من زوجته. مهمة سهلة كان يقوم بها نظير مبالغ معقولة. كان يؤدي مهمته بسهولة ولا يحرم نفسه خلالها من التحرش بالسيدات اللاتي يقتحم شققهن في منتصف الليل.
لقد تجرأ أحيانًا واغتصب بعضهن تحت تهديد السلاح. في أول جريمة ارتكبها، كان مرعبًا جدًا. لكن السيدات اللاتي يتعرضن للاغتصاب يغلقن أفواههن خشية الفضيحة والعار. ذلك الصمت الذي دفعه لارتكاب العديد من جرائم الابتزاز الجنسي. لقد قام أحيانًا بتنفيذ الصفقة، إعادة الأطفال، ثم بطريقة أخرى باتفاق جنسي يعيد الأطفال لوالدتهم مرة أخرى.
تلك المهام المتشعبة الملوثة كانت تستهويه، وكان يشعر خلالها بتفوقه. لم يتعرض للهزيمة ولا مرة. لكنه الآن يتجرع كأس الهزيمة. تلك الشابة الضعيفة خدعته. نعم، ضحكت عليه، استغفلته، ولا يشعر أنه بخير.
أشعل بانجو سيجارة وهو يتذكر ماضيه، الأعمال القذرة التي كان يقوم بها، أعِز الرجال وهم يعلنون هزيمتهم أمامه ويطلبون الرحمة. لقد كان حليف الشرطة أحيانًا كثيرة في الماضي، أيام الانتخابات التشريعية، حين كان يقوم بمنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، ويوسع بعضهم ضربًا تحت أعين أفراد الشرطة المتغافلة. الشرطة نفسها التي تبحث عنه الآن، الشرطة التي كانت ترسله لاقتحام بعض الشقق وتلقين أفرادها درسًا، ولا تتركه إلا مضرجًا في الدماء.
لكنه لن يسمح لتلك المهزلة أن تنال من عزيمته. فلتبحث الشرطة كما تشاء، فلبانجو طرقه التي لا يعرفها غيره.
لقد رأى آدم وعاينه عندما اصطحب زهره للجامعة. بات متيقنًا أنه الشخص الذي قام بمساعدتها عندما كان يحتجزها. إنه نفسه الشخص الذي أطلق عليه الرصاص في ظلام الليل. كانت خطة ماكرة لا يستطيع أن ينكر ذلك. رغم إجرامه، يحترم بانجو الشخص الذي يعده ندًا له. لكن آدم لم تلطخ يده بالدماء، ولا يستطيع قتل شخص بدم بارد، لذلك يشعر بأفضليته عليه. حانت اللحظة، لن يضغط آدم زناد مسدسه. لكن بانجو ينتظر تلك اللحظة ليفجر جمجمته.
يعلم بانجو أن عليه الاختفاء الآن، التواري بعيدًا عن الأنظار. أن يلتقط عيشه من مهمات سهلة، مضمونة، مأمونة العواقب. بعد رحيل سولين، غرق المنزل في خواءٍ لعين. لم تفلح ولا خادمة في سد الفراغ الذي تركته خلفها. إنها الأوقات التي نشعر فيها بأهمية أحدهم، لكن بعد فوات الأوان. ذلك الخواء ليس نابعًا من قلة خبرة الخادمات أو حتى فوضويتهن وكسلهن، بل الاعتياد. التعود على تلقي الخدمة من شخص معين.
بذلت زهره قصارى جهدها لإخراج آدم من حالة العزلة التي وقع فيها. لقد لزم غرفته لا يبارحها إلا للضروريات، مكتفيًا بلوحاته، تبغه، وفناجين قهوته، مكتفيًا بالحد الأدنى من الكماليات. لا يطلب أي شيء ويرضى بأي شيء. كان لا يتبرم من نوعية الطعام ولا مذاقه، يأكل من أجل الاستمرار في الحياة.
لكن اقتراب موعد معرضه ساعده على التناسي. بعد شهر، عليه نشر لوحاته الجديدة، والتي لم تكن بعيدة عن زهره. لقد قرر آدم أن تشارك زهره ببعض لوحاتها في معرضه. لم يكن قلقًا من تلك الخطوة. لاقت أعمال زهره الأخيرة نجاحًا باهرًا ملحوظًا. لقد حاول كل منهم أن يعبر المرحلة بطريقته.
في الفترة الأخيرة، قامت زهره برسم العديد من اللوحات مستوحاة من مأساتها السابقة. لوحات لفتاة شابة بخلفيات ضبابية متعددة الأطر والتفاصيل. لوحات مأساوية غارقة في الألم والعتمة. لطالما سألت نفسها إن كانت تلك اللوحات ستلاقي نفس النجاح السابق. لقد وصل بها الشك والتردد لحد مفزع. حتى أنها صرخت مرة قبل الفجر بعد أن أنهت لوحة عميقة عملت عليها. ربما علي سؤال شكري؟!
شكري الذي كان سببًا في نجاتها والعثور عليها. لقد وعدها بلقاء آخر في شوارع لندن وسط ضبابها. ليس لديها شك أنه سيفي بوعده.
حضرت تلا للمنزل قبل موعد المعرض كالعادة، لتتابع الأعمال وتشرف بنفسها على جودتها. متنقلة بين غرفة آدم وزهره، قاضية بعض الوقت هنا والبعض الآخر هناك. كان لديها هاجس مزعج خصوص لوحات زهره. كانت كئيبة لدرجة مروعة وغامضة لدرجة مبهمة. لقد احتاجت لأكثر من نصف ساعة لكشف غموض إحداها. في حرقة الشمس المولعة، وقفت فتاة بين جروف وصخور متشققة، عارية الكتفين، تملأها الخدوش، يتصبب العرق منها، ناظرة تجاه ظل بعيد غير واضح المعالم. تلك الفتاة المرسومة لديها ساق أصغر من ساق، وبيدها عجز. كانت لوحة مرعبة كادت أن تجعلها تتقيأ.
الغريب أن وجه الفتاة يتغير مع اختلاف زاوية رؤية الصورة. كلما ابتعدت عنها، لاحظت صغر عمر الفتاة حتى تصبح طفلة. وكلما اقتربت يزداد عمرها حتى تعود فتاة مرة أخرى. لم تكن تلك الملاحظة الوحيدة في تلك اللوحة. قامت زهره عن طريق متوازيات معينة برسم وجهين في وجه واحد. شكلين مختلفين في نفس الجسد. تنهدت تلا بعمق، إنها واحدة من أعظم اللوحات التي شاهدتها في الفترة الأخيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!