الفصل 75 | من 90 فصل

رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى

المشاهدات
16
كلمة
1,418
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

إرتقيت مقعد السيارة الخلفي في طريقنا نحو مطار القاهرة الدولي. كانت رحلتنا تمام الساعة العاشرة وأربعين دقيقة، وكنت غير مهتمة بما سوف يحدث لاحقاً. لم أكن تخطيت أزمتي بعد، عوني وبانجو وتلك الليلة الكئيبة. بعض المواقف لا تعبرنا بسهولة، تترك رواسب عالقة في أعماقنا ولا نفلح في التخلص منها. بينما انخرط آدم وتالا في حديث ودي عن ترتيبات المعرض، كيفية عرض اللوحات وترتيب عرضها.

كانت تالا ترى عرض اللوحات الأكثر قيمة بداية المعرض لإحداث ضجة وجلب الكثير من الزوار. بينما كان لآدم رأي آخر، فرضية التنويع بين لوحاته حتى لا يفقد المعرض قيمته في آخر وقته. عندما طلب رأيي قلت: "لا مشكلة، أنا وزن زائد، سأكون راضية عن أي ترتيب مهما كان نوعه." طلبت مني تالا أن أكتب أسماء اللوحات التي سأقوم بعرضها بالترتيب حتى يتسنى لها المتابعة مع صاحب المعرض وعدم حدوث أخطاء. كتبت أسماء اللوحات كيفما اتفق لي بلا مبالاة.

أقلتنا سيارة من المطار نحو الفندق. كان لدينا يوم فراغ حتى نستريح من عناء الرحلة. خرج آدم وتالا للتنزه، بينما ظللت في غرفتي لم أرغب بالتسكع في شوارع لندن. بمضي الوقت شعرت بالملل. بدلت ملابسي ونزلت نحو المكان الذي قابلني فيه شكري. ظننت أنه من الممكن أن أكون محظوظة وأجده هناك يمارس هوايته في جلب النقود. لكن المكان كان خالياً إلا من بعض المارة. غربت الشمس وكان علي العودة للفندق حتى لا أتسبب في قلق لا داعي له.

ورغم عودتي متأخرة بعض الوقت إلا أن آدم وتالا كانا بالخارج، لم يعودا بعد. تناولت وجبة خفيفة عن طريق خدمة الغرف، واكتفيت بكوب عصير. شاهدت فيلماً أجنبياً على إحدى القنوات ثم غرقت في النوم. استقبلنا يوم ضبابي عندما فتحت عيني. كانت الريح تعوي خارج غرفتي، محنية رؤوس الأشجار، مضطهده أوراقها، مذلة أغصانها، مغتصبه جذوعها العتيدة، وراكله ذرات التراب أمامها. رفعت كتفي وفردت ذراعي قبل أن أهز رأسي لأطرد بقايا نوم علقت بجفوني.

سمعت طرقات على باب غرفتي. كنت بملابس النوم، لذا ارتديت سدالاً بسرعة وفتحت الباب. تناولت طعام الإفطار من خلف الباب وشكرت النادل. صببت الشاي الإنجليزي الأحمر واستمتعت بقطعة إنجلش كيك. كان الوقت باكراً رغم ذلك سمعت خطوات آدم التي أعرفها. "هنه؟ "وسعال." "زهرة؟ "لم تبدلي ملابسك بعد؟ "امنحني لحظات من فضلك، سنذهب الآن؟

"أوه زهرة، تعرفين أن اليوم الأول هو الأصعب، علينا أن نشرف على تعليق اللوحات واستقبال الوفود الصحفية، ذلك الهراء الذي لا بد منه." "حسناً، لن أتأخر." كان آدم في كامل أناقته عندما لمحته. ابتعت بذلة ماركة جيوفاني وأهديت أخرى إليه على سبيل الدعاية. بينما اكتفيت ببنطال واسع وقميص وسترة صوفية زرقاء وحذاء لبني ابتعتُه في تصفيات شانيل. أما تالا فلم أعرفها في البداية.

ارتدت فستاناً زهرِياً بسيطاً وأنيقاً وتركت شعرها على هيئة ذيل حصان. بدت جميلة ورقيقة، بعيدة عن التكلف. انطلقنا نحو المعرض. كنت أعلم أن يوماً مملاً ينتظرني، لذلك جلست في إحدى النواحي ألعب في هاتفي وأدعو أن يمضي الوقت. عُلقت اللوحات في الحوامل في أماكنها قبيل الظهر. التقى آدم ببعض مندوبي الصحف المهتمة بالرسم. وكما تقرر، خصص اليوم الأول والثاني للوحات آدم، على أن تنشر لوحاتي بداية من اليوم الثالث.

حضر بعض أصدقاء آدم، رسامين من بلاد مختلفة للمباركة له في الظاهر ومراقبة أعماله عن قرب. لم يخلُ المعرض من بعض الرواد، لكن وقت الذروة كان معروفاً، في اليوم الرابع والخامس حيث تكون كل اللوحات متاحة. لم يظهر شكري خلال اليومين الأولين حتى ظننت أنه اختفى أو غادر لندن. حتى هاتفه كان مغلقاً، فص ملح وذاب. كانت نسبة حضور المعرض معقولة ترتفع بنسق تدريجي. بيعت بعض لوحات آدم بمبالغ جيدة. آدم رغم بساطته كان رساماً موهوباً وماهراً.

في اليوم الثالث، علقت بعض لوحاتي تحت مسمى "رسامة مبتدئة". لكن لوحات آدم كانت أكثر زخماً وعمقاً، لذا لم يلتفت لها ولا شخص، حتى أن بعض الحضور كان يوليها ظهره ما أن يصل إليها. لم أتفاجأ، لم تلجمني الصدمة، كان أمراً متوقعاً، فلوحاتي تفتقد للدقة، رسمت بطريقة متهورة وكان بها بعض الأخطاء. اليوم الرابع كان المعرض مزدحماً وكان من ضمن الحضور شكري الذي ظهر أخيراً. ورغم لهفتي لرؤيته إلا أنني كنت أنتظر شيئاً آخر.

ظل شكري يمدحني لكنه لم يتطرق ولا مرة للوحاتي. فهمت، لوحاتي لم تكن على القدر المتوقع. شعرت بالخيبة لكني مرة أخرى لم أكن متفاجئة. لكن ما اندهشت له أن شكري ودعنا بسرعة ورحل كأنه يؤدي مهمة. لن تكون أول هزيمة أُبلي بها. أستطيع أن أقول برحيل شكري بلا كلام انطفأت شمعتي. اليوم قبل الأخير وحينها كنت أرافق آدم من باب المجاملة بعد أن فقدت الأمل في نجاحي. وكان الوقت حينها ظهراً حيث استراحة الغداء في مطعم مجاور.

ظهر شكري مرة أخرى من العدم. كان على عجالة من أمره وبدأ خائفاً. همس لي أن شرطة سكوتلاند يارد تبحث عنه في كل مكان. قال إنه لا يمتلك الوقت وإن علي أن أعرض لوحتي الغامضة المخفية قبل الساعة الرابعة عصراً، وأن لا أخضع لمعارضة تالا أو صاحب المعرض. قال إن هناك مفاجأة سعيدة تنتظرني. "هل تسمعين يا فتاة؟ قلت: "أجل أسمعك." "حسناً، علي الرحيل الآن، بقائي يعني هلاكي." ابتسم شكري ورحل. سألتني تالا: "ما أخبرني شكري؟

قلت: "لا شيء، كان يتفوه بالهراء." ظللت ساكنة في مكاني حتى وصلت الساعة للثالثة والنصف عصراً. حينها، دون أن ينتبه أحد، أخرجت لوحتي المركونة في المخزن. حملتها وشرعت في وضعها على الحامل. اعترضني صاحب المعرض وتالا. قالا إن هذا ليس الاتفاق الذي تم بيننا. أبدت تالا أيضاً معارضتها. لقد رفضت كل محاولاتهم، حتى أن صاحب المعرض صرخ: "أرجوكي آنسة زهرة، لن يتم هذا بالقوة." ربع ساعة ونتجادل في موضوع اللوحة، كان صوتنا قد ارتفع.

وطلب مني آدم أن أشرح له لما الإصرار على تعليق اللوحة الآن؟ لم أجد مبرراً يناسب كل تلك الجلبه التي أحدثتها. حينها دلف رجل خمسيني أنيق من باب المعرض ترافقه فتاة شابة جميلة ومشى تجاهنا تماماً. كنت متعلقة باللوحة حينها، احتضنتها بكل ما أوتيت من قوة. بدا أنه شخص مشهور، حتى أن صاحب المعرض رحب به وتودد له بكل الطرق. سأل: "ما هذه اللوحة؟ قال صاحب المعرض: "إنها لا شيء، أمر تافه." قال: "أرغب برؤيتها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...