فكرة أن أعيش في اسكتلندا لبعض الوقت احتلت كل ذهني. لم أُفاتح آدم أو تالا، لم أُشاركهم تطلعاتي، لكني كنت بحاجة لتجربة أجواء مختلفة عن التي قضيت فيها كل عمري. ولأني عندما تتملكني فكرة لابد أن أنتهي منها. هاتفت أرنولد. كان سعيدًا بمهاتفتي التي لم يتوقعها. "هل أنت جاد بعرضك؟ أعني المنزل القابع في ريف اسكتلندا؟ زعق أرنولد: "نعم، بكل تأكيد. أنتِ لا تعرفيني بعد."
قلت بتلعثم: "حقيقة أنا لا أرغب بمعرفتك، أعني لا أود التعمق في علاقات تخالف تقاليدي وديني. وإنني على حسب ما فهمت إذا قبلت دعوتك حضرتك لن تكون حاضر حينها في المنزل." ضحك أرنولد: "صريح مثل السكين، للحد المعرج. أنا في باريس الآن سيدة زهرة. في حال قبلتي دعوتي سأرسل من ينتظرك في المطار." قلت: "لا حاجة لذلك، امنحني العنوان. ثم بعد إذنك امنح العاملين، الخدم إجازة، أنا لن أعيش مع رجال في المنزل."
ضحك أرنولد مرة أخرى. صمت لدقيقة. "سأترك فقط خادمة واحدة اسمها صوفيا. هل يناسبك ذلك؟ قلت: "جداً جداً." أنهيت المهاتفة. بعدها أرسل لي أرنولد موقع المنزل، العنوان بالتفصيل وكيفية الوصول إليه. اعترض آدم على فكرة بقائي في اسكتلندا. قال إنه لا يمكنه قبول تلك الدعوة. كان آدم تغير بعض الشيء بعد بيع لوحتي الأخيرة. كنت أتفهم ذلك ولست حانقة عليه. قلت: "أنا قبلت الدعوة."
انزعج آدم، هددني بالمقاطعة، لكن تالا تدخلت وحلت الموقف. بعد أن شرحت لها أن المنزل سيكون فارغًا، سأعيش فيه بمفردي، وإنني لا أمانع بانضمامهم إلي. حل الأمر مع تأزم في الموقف وأبعاد غير مدرجة على الطاولة. رضخ آدم أخيرًا. قال: "أنت حرة." "وأنتِ حرة." تحمل أكثر من معنى. لكني في تلك اللحظة كنت مرحبة بأي انفراجة تسمح لي بعدم العودة لمصر.
كان من المفترض أن نغادر الفندق بعد يومين، لكن كنت ملتهفة للمغامرة. جمعت ملابسي وحشرتها في حقيبة ابتعتها حديثًا، حقيبة ظهر كبيرة تصلح للتخييم. اخترت أن أذهب لاسكتلندا عن طريق السيارة حتى لا تفوتني أي مناظر طبيعية خلال الرحلة. دفعت كلفة السيارة أون لاين عن طريق الفيزا بعدما تكفل أرنولد بتمديد تأشيرة الدخول.
أقلني سائق عجوز أنيق وراقي. لم يتعمد إزعاجي أو الانغراق في الثرثرة. وضح لي خط السير، نقاط التوقف، المدة المتوقعة للوصول. ألقيت رأسي على النافذة وسرحت في الطريق الخلاب. لأول مرة أشعر بحريتي، أعني حريتي الشخصية في التصرف على سجيتي دون مراقبة من شخص آخر. يمكنني النوم في السيارة، الأكل، القراءة، كل ما يخطر ببالي.
انطلقت السيارة بين مروج ومراعي، منازل متفرقة، أشجار، تلال، بحيرات، وثلوج تعلو بعض القمم. سرحت في تلك الروعة. مر الوقت بسرعة، لم أشعر به حتى وصلنا قرية في وست لوسيان. حيث انعرجت السيارة في درب ضيق تحاصره أشجار البندق والخلوم وحشائش الخلنج. كانت هناك منازل صغيرة يقطنها بعض المزارعين. ابتعدت السيارة داخل العمق الأخضر حتى وصلنا مشارف المنزل.
أوقف السائق السيارة على بعد عشرات الأمتار من المنزل. هبطت من السيارة، وضعت حقيبتي على كتفي ولفحني البرد. برد لم أعتده من قبل جعل جسدي يرتعش. فركت يدي ببعضهما. كنت أحتاج مثل ذلك الشعور. عبرت الدرب تحت عيون فلاحة جميلة وطفلتها. نظرات فضولية لزائر غريب. تأكدت من عنوان المنزل قبل أن أطرق الباب.
فتح الباب وطلت منه فتاة رشيقة وجميلة بتنورة مزركشة ضيقة وقصيرة، جورب طويل، قميص أحمر، وشاح حول عنقها. كانت تدخن على ما يبدو قبل أن أصل. "زهرة؟ قلت: "أجل." رحبت بي صوفيا. "كنت أتوقع حضورك بالأمس؟ "اخترت السفر بالسيارة لذلك أنا آسفة، تأخرت." رافقتني صوفيا إلى غرفتي وعرضت مساعدتي في ترتيب الملابس. "سأفعلها بنفسي." قلت: "أنا معتادة على ذلك." "طيب، سأكون في الجوار إذا احتجتِ شيئًا."
أعتقد أن صوفيا كانت تظن نفسها أفضل مني، فأنا مجرد ضيفة شرقية من بلاد متخلفة في ضيعة سيدها. كان واضح جدًا أنها حرصت على إبداء جمالها بالحركة المستمرة لجديلتها الصفراء الناعمة وحركت شفتيها ونظرت عيونه الخضراء. رتبت ملابسي بسرعة وتسللت للخارج. لم أحضر لهنا من أجل البقاء في المنزل. قابلتني الطبيعة البكر، مروج وأشجار وزقزقة العصافير، الخراف والابقار المبعثرة على التلال القريبة.
على مرمى البصر ظهرت البحيرة الهادئة حيث اصطفت بعض قوارب الصيد. كانت الأوزات والبطات تسبح في هدوء وطمأنينة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!