بعض الذكريات لا نستطيع نسيانها أو تجاهلها. لقد ضربت في مقتل. تتسكع زهره أربعة أيام في الشوارع بحثًا عن عمل بلا جدوى. البعض كان يعتقد أنها متسولة ويطردها دون أن يستمع لها. والبعض الآخر يراها صغيرة على العمل. أما النوع الأسوأ، فذلك الذي كانت زهره ترى الرغبة في عينيه.
جلست تحت شجرة على الرصيف المقابل لفرن فطائر، والتي تقدم فطائر محشوة بالسكر والعسل والجوز، تفكر جديًا في العودة لشقة حسني. على الأقل هناك كانت تجد الطعام والشراب نظير خدمتها.
ثم شردت زهره لبعيد وهي تراقب طلاب المدارس في زيهم الموحد وهم يتوافدون على فرن الفطائر ليبتاعوا الكعك بفرحة. الفرحة التي حرمت هي منها. ثم تذكرت زوجة حسني التي كانت لا تقوى على فعل أي شيء دون مساعدتها، وكيف تخلت عنها بسهولة ولم تبحث عنها رغم أن باب الشقة في الشقة. الطلبة الذين يتلاعبون في ما بينهم بمزاح. لكن زهره لا تمتلك ولا صديق واحد. لقد نشأت وحيدة وتربت وحيدة، ولا تتخيل أن يصبح لديها صديقة مقربة مثل باقي الفتيات.
سرعان ما راحت زهره تبكي، فقد كان لها قلب رقيق رغم كل ما قاسته. رحل الطلبة بعد أن ابتاعوا الفطائر، ولاحظت زهره فتاة ثلاثينية تعرج على قدمها تنظف رخامة عرض الفطائر وهي تعرج. كان هناك قدر ضخم تحاول الفتاة رفعه لكنه استعصى عليها. ما كان من زهره إلا أن تقدمت نحوها وساعدتها على نقله لداخل الدكان، ثم تركتها ورحلت حتى قبل أن تسمع كلمة شكر. الفتاة لاحظت ملابس زهره الممزقة. نادت عليها وقدمت لها واحدة.
زهره وهي تنحي يد الفتاة جانبًا: "أسفة، أنا لا أمتلك نقود." الفتاة بسخرية: "أنت متسولة؟ زهره: "ماذا تعني كلمة متسولة؟ الفتاة: "تعني الذين يمدون أيديهم من أجل استجداء الناس ونيل بعض النقود." زهره وهي ترحل: "لا، لست متسولة." انطلقت زهره نحو شقتها بمعدة خاوية. حاولت النوم، لكن الجوع أبى عليها إلا أن تظل مستيقظة.
فكرت زهره أن تطرق باب الجيران من أجل طلب بعض الطعام. معظمهم يعرفون والدتها الميتة، لكنها شعرت بالحرج. ملأت معدتها بالماء ونامت. منتصف الليل، سمعت زهره طرقات على باب شقتها. كانت زوجة حسني. أبدت زهره سعادتها لأنها تذكرتها، وربما تحتاجها في بعض العمل ويمكنها تناول الطعام حينها. قالت زوجة حسني: "لدي ضيف يرغب بخدمتك." زهره: "أي ضيف يأتي منتصف الليل؟ أميرة وهي تترنح من السكر: "ضيفي أنا سيمنحك نقود." زهره باستغراب:
"أنا أخدمك منذ دهر ولم تمنحيني ولا قرش." أميرة بتأفف: "هل ستحضرين أم لا؟ فكرت زهره، طالما أميرة في الشقة فلا خطر عليها. ثم إنها لم تعد تحتمل الجوع، لذلك لحقت بها نحو شقته. ولجت زهره لداخل الشقة ووجدت ذلك الرجل نفسه، شعرت بقتامة وضيق في صدرها. رغم ذلك دخلت الشقة وتوجهت ناحية المطبخ. أميرة نادت عليها: "زهره، سأذهب للنوم. احرصي أن تخدمي ضيفي جيدًا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!