الفصل 79 | من 90 فصل

رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى

المشاهدات
18
كلمة
1,339
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

في اليوم الثالث خرجت للتخيم على طرف البحيرة. حملت حقيبتي، تعمقت في الغابة حتى انتهيت لبقعة مزوية. قمت بقص الحشائش أولاً قبل أن أنصب خيمتي الصغيرة بجانب ضفة البحيرة بحيث يمكنني رؤية مائها، أن أشم رائحة الماء القوية. نصبت حامل اللوحات. على مقعد سهل الطي جلست وبدأت الرسم في أجواء أقل ما يقال عنها خيالية. إلى جواري أبريق قهوة ساخن، عبأته قبل رحيلي.

في مواجهة مياه البحيرة، تحت أعناق الأشجار، وسط شقشقة العصافير، وحيث يمكنني رؤية الأوزات السابحة، وغيمات تراقبني، بدأت رسم لوحتي الثانية. تابعت الشمس وهي تضعف ثم تختفي، ولم يكن القمر قد ظهر بعد. أشعلت ناراً بجواري. في هذا السكون المهيب وجدت نفسي أخيراً. التهمت فطيرة سجق وأشعلت كشاف شحن وعلقته في سقف الخيمة.

في هذه اللحظة أدركت أنني لا أحتاج شيئاً آخر، وأن بقائي هنا بقية حياتي سيكون بمثابة مكافأة عن كل ما قاسيتُه في حياتي. ابتلع الليل آخر ذرات النهار. راحت ريح ناعمة تداعب أوراق الأشجار. سمعت ضربات الأسماك داخل البحيرة، أصوات لم أعرفها في البداية. كان موسم تزاوج أسماك الشفاق حيث تحك أجسادها بطمي الضفة. أسفل مكاني تماماً ظهر القمر. استلقيت على العشب واضعة يدي تحت رأسي، محلقة بعيني نحو السماء التي بدت صافية الآن.

رحلت الأصوات كلها، حتى صوت عقلي الواعي. وجدتني أشرد لبعيد حيث لا يمكن لقدمي أن تصل. مر علي شريط حياتي، بحلوه ومره، حتى وصلت لمكاني مرة أخرى. كان الوقت قد سرقني. دَلفتُ لداخل الخيمة، دسست نفسي داخل البطانية وروحت في النوم. أصيب أدم بطلق ناري في الكتف. ليس هناك أسوأ من اتصال هاتفي ينقل لك مصيبة. للحظات ظننتُ أنني أحلم. احتجت لأكثر من دقيقة في التيه، عيني ترفض الإسعاف. سمعت الصوت مرة أخرى: "زهرة، أنتِ هنا؟

"أطلق شخص النار على أدم، لكن الحمد لله الرصاصة أخطأته وأصابت كتفه." "من معي؟ " كنت أعرف صوت تلا، لكن حالة الوعي التي كنت أسبح فيها أربكتني. "تلا! أدم بخير؟ "أجل بخير، حدث ذلك مساء أمس. لم يرغب أدم بإزعاجك." "اتصل من خلف ظهره؟ "منذ الأمس والان فقط تذكرت الاتصال بي؟ "كانت الأوضاع متأزمة يا زهرة، لم يعرف أحدنا ماذا يفعل، ثم كان علينا الاعتناء بأدم. لا تقلقي، أنا في المستشفى بجواره، استمتعي برحلتك." "استمتعي برحلتك؟

أين أنا أصلاً؟ ظلام حالك يحيط بي بعدما رحل القمر. وضعت أغراضي. أخلّت حقيبتي، المهم منها. حملت كشافاً بيدي وتلمست طريقي نحو المنزل. أخطأت الطريق أكثر من مرة، لكن الأضواء قادتني نحو العمران. وصلت الساعة الثالثة فجراً. لملمت ملابسي، حشرتها في الحقيقة وغادرت تحت نظرات صوفيا المرتابة. استقلت أول طائرة نحو القاهرة، والتي أقلعت الساعة الحادية عشر صباحاً. بعد سبعة ساعات وأربعين دقيقة كنت في مطار القاهرة.

أقلتني سيارة أجرة نحو المستشفى. وصعدت درجات السلم نحو الاستقبال ركضاً. في الرواق لمحت تلا، سولين وزوجها. ألقيت الحقيبة على الأرض ودخلت غرفة أدم. كان راقداً بسلام ينعم بغفائه. إلى جواره ممرضة شابة. لحقت بي تلا: "لماذا حضرتِ؟ قلت لك أنه بخير." وضعت يدي على رأسه الغافي. تملل أدم وحرك يده ثم فتح عينيه. "زهرة؟ " بدا متفاجئاً بحضوري. "أنا بخير." حاول أن يعدل جسده لكن الممرضة منعته. "لا تنهضي." قلت، "لا ترهقي نفسك."

"لماذا حضرتِ؟ " أصر أدم على السؤال. "شعرت بالملل." قلت وأنا أجلس على السرير. "لم أجد ما أفعله هنا." "لم ترسمي ولا لوحة؟ " خاطبني أدم باستغراب. "لوحة واحدة والأخرى لم تكتمل! "أين هي؟ " قال أدم وهو ينظر للخارج. "ليس الآن." قلت، "سيكون لدينا وقت طويل لمناقشة أمر لوحة تافهة." ابتسم أدم، "تافهة مثل اللوحة السابقة التي بيعت بثلاثة ملايين باوند؟ "كانت صدفة." "الحظ ابتسم لي سيد أدم." رمقت أدم بطرف عيني. كتفه المعلق بعنقه.

"كان علي أن أمشي على الجمر، أن أبتلع خوفي وأنطق." قلت: "هل قبضت الشرطة على الفاعل؟ "ليس بعد." قالت تلا، "حتى الآن تحاول الشرطة فك شفرات الحادث." "تعرض أدم لإطلاق الرصاص من الخلف، من مسافة بعيدة ولم يتمكن من رؤية الفاعل." "بانجو." خطرت الاسم بذهني عدة مرات. "ومن غيره قد يهتم بمهاجمة رسام منعزل؟ "وأنت سيد أدم، ليست لديك شكوك؟ "أعترف،

قال أدم: "ليس لدي أعداء سواكِ زهرة. وأنتِ كنتِ خارج البلاد. علاوة على أن أناملك الضعيفة لا تستطيع الضغط على الزناد." "كلانا يعرف الفاعل سيد أدم. ربما علينا أن لا ندفن رؤوسنا في الرمل." "ولا نقلل من حجم الكارثة. لقد تجرأ وأطلق الرصاص عليك. مرت بسلام هذه المرة، لكن من يعرف ما يمكن أن يحدث في المستقبل؟ "ليس الآن." همست تلا، "الشيء الأهم الآن أن نخرج أدم من المستشفى. لدينا وقت طويل كما تقولين للتفكير في حل للمشكلة."

كان الأطباء قد حذروا من ترك أدم للمستشفى. لكنه بدا مصمماً على الرحيل. قال إنه سيطلب ممرضة للاعتناء به، وأنه ملزم بأخذ جرعات الدواء في موعدها. كانت سولين وزوجها ينتظران بالخارج. أقسم أدم عليها أن تذهب لمنزلها قبل أن يرجم الليل الأرض بقاذفات ظلامه. خرجنا من المستشفى. وانتظرت جوار أدم حتى تحضر تلا سيارته. مسحت الطريق بعيني ثم توقفت فجأة وارتعش جسدي.

طلبت من سولين أن تسند أدم ومشيت عشرين متراً تقريباً نحو شجرة ناهضة على الرصيف. اقتربت بحذر حتى وصلت عندها. كانت المنطقة خالية. لكني كنت متأكدة أنني لمحت شبح بانجو. أقلتنا تلا بسيارتها للمنزل بعد أن ودعنا سولين. طوال الطريق لم أتوقف عن التفكير في بانجو. لم يكن خيالاً الذي رأيته، بل بانجو بشحمه ولحمه. جعلت أتلف في كل الجهات متوقعة أن تخترق رصاصة زجاج السيارة. لكننا وصلنا بسلام ورافقنا أدم لغرفته.

جلست على الأريكة في الرواق. عليّ أن أجد حلاً لتلك المشكلة. بدا واضحاً لي أن بانجو لن يتركنا في حالنا. لن أتحمل أن يحدث شيء لآدم بسببي. حينها سأظل طوال حياتي ألوم نفسي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...