يعجبني أن يعتقد البعض أنني بخير بينما أنا لست بخير على الإطلاق. ليست لدي القدرة على تحمل مسؤولية تعاسة الآخرين بسببي، فلكل شخص أوجاعه ومتاعبه الخاصة. ثم إنني لا أرحب بالشفقة مطلقًا، حتى لو في كراسة الرسم، وأرحب أن يظل جرحي غائرًا، نازفًا طالما لا يلطخ ثوب غيري. بعد رحيل آدم، أقنعت نفسي بالنوم رغم كل التجويفات في عقلي التي تصارعني. تقلبت على فراشي عدة مرات، أخيرًا أغمضت عيني، لا أعرف كم وصل عداد الساعة حينها.
زهره: أنتِ تشخرين؟ تنخرين مثل قنفذ! أنا: كيف تقولين ذلك يا سولين؟ إنها ليست الكلمة المناسبة التي ترغبين في سماعها مع بداية نومك! كيف دخلتِ غرفتي دون أن أشعر؟ سولين: لأنك كنتِ مستغرقة في النوم، تصدرين صوت ما اسمه... شخير حيواني! سولين: أنا لا أشخر. قالت سولين وهي تنظر تجاه يديها المتشابكة: بل تشخرين، لكن يمكنك الاعتماد على كلمتي، سأعتبر ذلك سرًا.
كفاكِ مزاحًا يا سولين، طوال عمري لم أُصدر أي صوت خلال نومي. نهضت بجذعي وحدقت في سولين محاولة صدها عن أفكارها الخزعبلائية. سولين بثبات وثقة: تشخرين. لا أشخر وليس لديك أي إثبات على ذلك. مسرحية من تأليفك يمكنك الاستمتاع بها وأنتِ تعدين طعام الإفطار! أخرجت سولين هاتفها، بدر منه صوت شخير واطٍ. ها ها ها، ضحكت سولين: هذه ألحانك؟ غرقت في إحراج قاتل، أعلم أن الإنهاك المتضاعف قد يجبر الجسم على الإتيان بحركات غريبة.
وأنتِ لديكِ ما اسمه... حبيب سري، ترسلين له رسائل نصية على الواتس، تبتسمين بلا سبب، تغيرين حالة الواتس كل يوم ولا تدركين أنني أراقبك. تهتمين بجمالك وأناقتك بغير حاجة، وتسهرين لوقت متأخر من الليل تحدقين في الهاتف في انتظار رسالة قد لا تأتي. كذب! صرخت سولين باعتراض: إنه ما اسمه... لأمر مخجل أن تتعمدي إهانتي للدفاع عن نفسك! أقول الحقيقة يا آنسة سولين. هل كنتِ تعتقدين بغبائك أن حيلتك الشقية ستخدعني؟
منذ تلك الليلة، أنتِ تعرفينها، وأنا أعرف ما اسمه... وقعتِ في الحب. ركلت سولين الأرض بقدمها: زهرة، لا تقولين ما اسمه... ترددّين كلامي وتخترعين أوهامًا للهروب من جريمتك. هذا الصوت الحيواني الذي بدر منكِ أثناء نومك مسجل على هاتفي. سأستمع له كل ليلة قبل نومي. قلت: وأنتِ لديكِ ما اسمه حبيب سري. زهرة توقفي عن تلقيح التهم. أنا ضد الحب. الحب لعنة لا يقع فيها إلا الأغبياء. أخبريني بربك، ونهضت سولين
بكامل طولها وأناقتها: هل أبدو لكِ طفلة مدارس تقع في الحب؟ عزيزتي سولين، نحن لا نقع في الحب باختيارنا، وليس هناك عيب أن تفصحي لي عن الحقيقة الآن وأعدك أن يكون سرًا بيني وبينك! سولين بغضب: انتهى الكلام يا سولين هنا. ضيقت سولين عينيها: أقول إذا كنتِ تكذبين فليصيبك سهم الحب الذي تلصقينه بي! غادرت سولين الغرفة. شعرت بغصة في قلبي. الحب... لا أرغب به مطلقًا. اختارت سولين أكثر الأشياء التي يمكنها أن تؤرقني.
لكني لست نادمة على إفحامها بالحقيقة، هذه الفتاة لديها ما اسمه؟ سر. دون أن أدري رحت أضحك حتى وقعت على الأرض. سولين كانت تتحدث بطريقة مستحدثة مضحكة. أمسكت نفسي عن الضحك حتى لا أحرجها. رقصت بقدمي وأنا أصرخ: تقول ما اسمه ها ها. استيقظ آدم على صوت ضجيجي. خرج من غرفته بلباس النوم. خاطب سولين الشاردة في الرواق: أهناك مشاجرة هنا؟ عراك؟ هذا الصوت المجلجل؟
الصوت آتٍ من غرفة زهرة. لا أعلم ما حدث لهذه الفتاة. منذ فتحت عينيها وهي تتفوه بالهراء. حماقات الجحيم! ليس من عادات آدم أن ينخرط في جدال أول ما يفتح عينيه. يحتاج للهدوء، فنجان قهوة ولفافة تبغ قبل أن يفتح عقله ليوم جديد. حسنًا، قال آدم: سأرى تلك الفتاة، هذه المشكلة لاحقًا. بدلت ملابسي. هبطت للرواق. لا يمكن أن يمضي يومي وسولين غاضبة مني. كيف حال الجميل؟ حدقت بي سولين بغيظ ولم تفتح فمها.
تناولت قطعة بطاطس من الطبق. ضربتني سولين بظهر ملعقة خشبية على ساعدي: ابتعدي، قالت. رغم الوجع لم أترك قطعة البطاطس المقرمشة، لكتها في فمي وأنا أضحك: لذيذة! سولين: هل تشكين في طبخي؟ سولين، إنها مجرد بطاطس مقلية. أنتِ لم تخترعي معجزة! أزاحت سولين الطبق بعيدًا عني: انتظري على طاولة الطعام ولا تفتحي فمك بهذا الهراء السابق أمام آدم. لا تقول سولين ذلك إلا إذا كان هناك شيء من الحقيقة وقع في كلامي.
تنهدت، يبدو أنني في الطريق الصحيح، سأواصل مثابرتي حتى تعترف لي من تلقاء نفسها. الاعتراف بالحب أصعب ألف مرة من الوقوع فيه، أتفهم ذلك، ولدي طول البال وكل الوقت حتى تقع بلسانها أمامي. لا بأس به على فكرة، يبدو لي جيدًا. ماذا تقصدين يا زهرة؟ خاطبتني سولين بترصد. قلت بنبرة جادة: أصبع البطاطس، من غيره؟ جميل وطعم. أتساءل كيف نال الإعجاب بتلك السرعة؟ أنتِ فتاة لئيمة يا زهرة، تعرفين ذلك؟
سمعنا خطوات آدم على السلم. وضعت سولين إصبعها على فمها، إشارة بالصمت. إذا كنتُ لم أصب مربط النعجة، لماذا تطالبني سولين بالصمت؟ تناولت طعامي في صمت. لا أحب الكلام وأنا أتناول طعامي، لدي طقوسي الخاصة التي أحرص عليها مع كل لقمة. سمعت صوتًا غوغائيًا قادمًا من غرفتكِ يا آنسة زهرة، هل يمكنني معرفة السبب؟ التفتُ جهة آدم: ليس من شأنك.
لازم آدم جانب الصبر: عندما يوقظني صوتك الصاخب من النوم، لا بد أن يكون شأني، والآن افتحي فمك الممتلئ بالخضروات، أريد أن أوضح لكِ أنكِ إنسانة! حسنًا، حاولت اختراع مبرر: سقطت من فوق سريري، تألمت، صرخت. كنتِ تضحكين، لستُ أصم. أنا من النوعية التي تضحك عندما تتألم يا سيد آدم! حملق آدم فيّ ثم عرج بنظره تجاه سولين: لا فائدة، أعلم عندما تختلقون الأكاذيب ولا تنوون قول الحقيقة.
نظفنا طاولة الطعام. صعد آدم تجاه غرفته يحمل فنجان القهوة الخاص به. لا تنسي يا زهرة أننا سنذهب للجامعة لمقابلة رئيسها من أجل الاعتذار. سأذهب بمفردي، قلت. لن تخرجي قدمك اللعينة نحو الشارع بمفردك مرة أخرى، لا نقاش في هذا الموضوع. احتضنت سولين بقوة وأجلستها على الأريكة: هي انطقي! قالت سولين: أعلم أنك لن تتركيني بحالي. لديكِ رخامة قطة. لم أفتح فمي. يمكنني تحمل لعنات سولين طوال اليوم نظير ما أراه في عينيها.
كانت على وشك البوح. عندما قلتِ لي إن هذا الشاب يلاحقني، لم تكن لدي فكرة عما تعنين. ظننتها مزحة من ألاعيبك التي لا تنتهي. حملت حقيبتي واعتمرت قبعتي وسرت على الشاطئ. حينها كان يقف موليًا وجهه للبحر مثل مخبر شرطة غبي. ما أن عبرته حتى تبعني. حينها دارت كلماتك في عقلي وفكرت بسرعة أن أنهره وأصب عليه لعنات الجحيم إذا اقترب مني. لكنه حافظ على مسافة صحية بيني وبينه، كان خجلًا ومترددًا ولا يعرف ما عليه فعله.
تابعني مثل نورس بحري حتى وصلت الصخرة التي أجلس عليها. بكل غباء العالم ألقى سنارته مثلي في البحر. كانت تفصلنا عشرة أمتار عن بعضنا. لا يمكنني منعه من الصيد كما تعلمين، الشاطئ ملكية عامة، كما أنه لم تبدر منه ولا كلمة بحقي. كان بارعًا في الصيد، تكادين تقسمين أنه ولد من معدة سمكة. كل عشرة دقائق يخرج سمكة مليحة وسنارتي البليدة لا تغمز. كنت أنظر لأسماكه بحسرة وأنا أنتظر الفرج.
أربع ساعات كاملة بلا صيد، لكني نسيت أنني كنت أتابعه حتى توقفت عن ملاحظة سناراتي. التقت عيناانا حين نظر تجاهي. حدق بي لدقيقة حتى شعرت بالخجل ثم أشار نحوي. قلت بنبرة وغدية: ماذا تريد؟ قال: سنارتكِ تغمز. فوجئت أن عصا السنارة سقطت في البحر، سحبتها سمكة دون أن أشعر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!