ألقت سولين اللوم على آدم بكل موضوعية وصراحة. "أنت سمحت بحدوث ذلك بلامبالاتك وغبائك. كنت تعلم ما هي مقبلة عليه، صارحتك وحدك بطبيعة مشاكلها، رغم ذلك اخترت أن تتركها وحيدة في الصراع." صرخ آدم: "لم أفعل ذلك، اصمتي، أنت لا تفهمين شيئاً. اعتقدت أن زهرة قادرة على حل مشاكلها وصدقتها." "تري ما أدى إليه ذلك سيد آدم؟ كدنا أن نفقد زهرة، والآن هناك شخص مجرم يتربص بها؟ "ستقبض عليه الشرطة،" دافع آدم عن موقفه.
"وإذا لم تفعل سأقتله بنفسي." "لديك الكثير من الصفات الحسنة، لا أنكر ذلك سيد آدم، لكن ليس من بينها قدرتك على القتل." "لا فائدة من الجدال،" قالت تلا وهي تحاول أن تركز. "زهرة في خطر، علينا أن نجد طريقة لحمايتها." "لن أتركها تمد قدمها خارج المنزل دوني،" أوضح آدم. "سألصق بها كذبابة." "عليك ذلك،" قالت سولين بنبرتها الحازمة. "صحح الأخطاء التي أوقعتنا فيها."
منذ عودتها من الإسكندرية وسولين ليست على طبيعتها، تعتمد نبرة هجومية، غاضبة دائماً ولا يمكن إقناعها. يفهم آدم ذلك، يحاول بشتى الطرق عدم إثارة غضبها. "إنها ليست مجرد خادمة، بل صديقة وأخت." من كان يتخيل منذ خمسة عشرة سنة أن تقبل فتاة شابة متعلمة تخرجت من الجامعة للتو الإقامة مع شاب أعزب وخدمته؟ لقد كان ضرباً من الجنون. عندما دفع آدم مقابل إعلان طلب الوظيفة في الجريدة كان يدرك أن ما يطلبه مستحيل، لكنه حدث.
لقد تولت سولين خدمته بكل تفانٍ وحرص حتى الآن ولم تقصر ولا مرة في أداء مهام وظيفتها. "عليك حمايتها آدم،" سمع آدم تحذيرات سولين التي أخرجته من شروده. "سأفعل،" قال وهو يحدق في عيني سولين الغامضة. "سأفعل، أعدك." "ليس هناك ما يدعو للشك عندما يقطع آدم وعد." "نظف الطاولة،" أُمرت سولين وهي تهم بالذهاب لغرفتها. حاولت تلا أن تعترض وتوبخها، رأت أن سولين تعدت حدودها وليس من حقها أن تعامل آدم بتلك الطريقة.
رفع آدم يده مشيراً لتلا أن تلتزم الصمت. "ليس الآن،" همس في أذن تلا، "إنه ليس الوقت المناسب." جمع آدم الأطباق من على الطاولة ووضعها في حوض التشطيف قبل أن ينظف غطاء الطاولة ويلتقط بقايا الطعام. "أنت لست مجبراً على ذلك،" خاطبته تلا بنبرة مشفقة. "نسيت أنك السيد هنا؟
"لم أنس شيئاً،" أجابها آدم وهو يضع مئزراً على وسطه ويجلي الأطباق. "لقد تحملتني في أوقات أكثر تأزماً من تلك، عندما لم تكن مضطرة تماماً لذلك، في أوقات هزيمتي ونوبات انفعالي تحملت زعيقي، صراخي، لست مثالياً على الدوام." "أقول لك،" وحدق آدم في تلا، "أنا ممتن لوجود سولين في منزلي، ولست من أنصار الحكم على الناس في أوقات ضعفهم." "أنت تهدد بتدمير المنزل بتلك الطريقة، إذا كان شخص غريب هنا سيحتار من بينكم مالك المنزل."
"الحمد لله أنك لست غريبة،" قال آدم وهو يضحك. "أنت تعصبني يا أخي،" انفعلت تلا. "تعلم مثلي أن بإمكانك إحضار أكثر من عشرة خادمات مثل سولين؟ "معك حق تلا، لكنهم سيكونون مثل باتي، مجرد خدم، لن يصل أحد منهم لمنزلة سولين. سولين شريكة نجاحي المتوارية في الظل، لقد جعلتها أميرة، عبدة، جارية، عاهرة، شيخة، شحاذة متغطرسة، كل ذلك وأكثر، مع كل رسمة كنت أعمل عليها، لبلوغ التوهج والاندماج مع العدمية، سولين كانت كل هؤلاء."
"لك أن تتخيلي،" صمت آدم دقيقة قبل أن يضحك. "أن يصرخ عليك شخص قبل أذان الفجر وأنت نائم، تفتح عينيك تجده واقفاً فوق رأسك ملطخاً بالألوان مثل مهرج، يقول: قهوة بسرعة يا حثالة وينصرف! "وماذا يكون رد فعله؟ "ينهض بسرعة، يعد فنجان القهوة، يضعه أمامك، يسألك بعينين ناعستين: كيف العمل؟ هل كل شيء يجري بخير؟ "تقول نعم، ثم تأمره بالذهاب للنوم بنبرة ليست خالية من الجد."
"لقد كانت ليالٍ طويلة تمضي على هذه الشاكلة، كنت أعتزل في غرفتي أياماً كثيرة حتى يظن البعض أنني مت، ملقياً على سولين مسؤولية المنزل كاملة، ناسياً أنني لم أترك ولا جنيهاً واحداً لهم." "تعلمين ماذا كانت تفعل سولين؟ "كانت تبتاع كل شيء من مرتبها، النقود التي تحتفظ بها ولا مرة طالبتني برد تلك المبالغ، تنسى كثيراً كما تعلمين، لذلك لم أعلم تلك الحقيقة إلا بعد مضي ثلاثة أعوام عن طريق الصدفة."
"استخدمت سولين مالها الخاص عدة مرات من خلف ظهري لابتياع الطعام، التبغ، القهوة، سداد فواتير الكهرباء، المياه، ملء خزان بنزين السيارة وغيرها، كان المهم بالنسبة لها أن لا ينقص شيء. أن يكون كل شيء معد وجاهز، لا يمكنني أن أنسى كل ذلك وأبتلع ذيلي في فمي." "نظف إذاً واكنس واطبخ أيها المثالي المتفاني، انسَ أنك رسام شهير صورك عبرت البحار والمحيطات واحرص أن تكون اللوحات جاهزة على آخر الشهر."
وضعت تلا حقيبتها على كتفها. "سأنصرف الآن." "لن أعطلك وأنت تغسل الأطباق." "تعلمين أنك لست مضطرة على المغادرة، لديك غرفتك الخاصة هنا! "لدي بعض الأعمال الهامة آدم، لا أملك رفاهية الوقت مثلك." "على كل حال، على أحدهم أن ينظف خلفك، لا تنسي ذلك." ودعتها تلا على حافة الباب، متمنياً لها ليلة سعيدة، بعدها انهار على أقرب مقعد، كان عقله أكثر ضجيجاً من أن يسمح له بمواصلة العمل.
"لا أحد يدرك مقدار قلقه على زهرة حين اختفت، لا أحداً يفهم ما يشعر به، شيء صعب ومؤلم أن تكون مضطراً للتماسك رغم دوامات الهلع داخلك من أجل الآخرين، أن تتحطم بصمت على وجهك ابتسامة تخبرهم يمكنكم الاعتماد علي." تنهد آدم. "لست الشخص الذي يعتقدون، لكن علي أن أكون كذلك. الشيء الوحيد الذي يمكنني أن أسمح لمخاوفي بالتحليق فيه هو لوحاتي." ارتمى على الأريكة واضعاً قدميه على طرفها وأشعل سيجارة.
كان السقف أمامه يحدق به، داخل عينيه، رسم الدخان إحدى لوحاته فوق رأسه. بدرت منه آهة طويلة. "زهرة؟ انهض جذعه وسيجارته لا تزال في فمه، تسلق السلم بمساعدة الدرابزين، شعر أنه كهل. كبر عدة سنوات خلال الليالي الماضية. وصل غرفتها، طرق الباب منتظراً الرد. "زهرة؟ لازلتِ مستيقظة؟ كان صوته يشبه الهمس لكنه مسموع. "زهرة؟ إنه أنا." "أعلم من أنت، في المرة القادمة لا تتسلل مثل اللصوص آدم." "حسناً،" هكذا اطمأن آدم على زهرة المنزل.
"أحلام سعيدة دافنشيتي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!