بعد يومين، هاتفها رن. كانت الساعة تشير للرابعة عصرًا. رغم أنه بدأ كأنه فتح عينيه للتو، لقد عرف مكان الوغد. قال: "يقطن قبو قذر في شارع عشرة في الوايلي." "أنا مستعدة،" سألته؟ "سأكون مستعدة." "والنقود؟ "النقود جاهزة في حقيبتك." "كوني حذرة، عليك الإصرار على مقابلته في مكان عام يا زهرة." دون أن تذكر زهرة العنوان، أنهت المكالمة.
شعرت أنها بحاجة لحمام دافئ. دلفت للحمام، فتحت صنبور الماء. ثم أحضرت صابونة ومنشفة ووضعتها على مقربة منها. وقفت أمام المرآة. نزعت ملابسها. لفت ودارت، عاينت نفسها. منذ مدة طويلة لم تفعل ذلك. كما أنها لم تعرف السبب الذي دفعها للوقوف أمام المرآة. "إن أكثر الأفعال جنونية يفعلها الإنسان فجأة دون ترتيب مسبق."
بعد دقيقة، قفزت داخل حوض الاستحمام حتى غمرتها المياه المعطرة التي داعبت عضلاتها المتوترة. شعرت برغبة في النوم لكنها خشيت الغرق. "لن يكون أمرًا مشرفًا إذا وجدوها غارقة في حوض ماء لا يكفي لسلق دجاجة." سرّحت شعرها في رغوة الصابون، شعر أسمر ناعم غير مميز. شعرت بحرقة في عينها. "انهضت جسدها أخيرًا، جسد ممشوق خمري تتساقط من فوقه قطرات الماء الدافئة."
أمام المرآة مرة أخرى، مشطت شعرها ورفعته بمشجب. فكرة حمقاء جعلتها تبتسم. اختارت ثوبًا أصفر فضفاضًا، وضعت بعض الزينة الخفيفة. عاينت حقيبتها: مسدس آدم، النقود، هاتفين؛ أحدهما صغير. وتسللت من المنزل الهادئ بعد أن شربت فنجان شاي حلو. وعندما وصل التاكسي إلى كوبري القبة، هاتفت بانجو، والذي كان ينتظر اتصالها على ما يبدو، حيث أنه أجاب من أول رنة. بكلمات محددة، شرحت له سبب اللقاء وطلبت أن يكون في مكان عام.
"سأمنحه النقود وأرحل، بعدها سينتهي كل شيء." وافق بانجو. في شارع عشرة الصاخب، وقفت زهرة وسط الزحمة حتى ظهر بانجو. كانت واقفة أمام محل ملابس. رحب بها بانجو كأنها صديقة قديمة. أخرجت زهرة حزمة النقود ووضعتها في يد بانجو. كانت ملفوفة في كيس أسود. "خمسون ألفًا؟ " سألها بانجو. "أجل،" ردت زهرة، ثم أردفت: "هكذا ترحل من حياتي يا سيد بانجو." اشتم بانجو رائحة النقود. قال: "لن أحصيها، أنا واثق في نزاهتك."
بلا سلام، ابتعدت زهرة. عيناها وسط رأسها حتى وصلت قسم الوايلي سيرًا على الأقدام. بعدها تنهدت واستقلت سيارة أجرة. "مضى كل شيء على خير." ابتسمت زهرة. هذا اللقاء الضيق أثبت لها فكرة كانت غائبة عن ذهنها. بانجو سيعاود مهاتفتها، تعرف ذلك. عوني يعرف ذلك، وليس عليها سوى الانتظار. عندما دلفت لداخل المنزل، كان آدم ينتظرها. كان قلقًا بصورة غير عادية، كأنه شعر بما تحاول أن تخفيه عنه. تناولا العشاء معًا، شربا القهوة.
سألها آدم: "هل ترغبين بقول شيء؟ "لا،" قالت زهرة بثبات. حينها قال آدم إنه سيذهب للنوم. "ليس هناك أشد وطأة من انتظار أمر يشغل بالك، شيء معلق لا تعرف كيف سيمضي. القلق البغيض. كلما مر الوقت، كلما اقترب الحسم. لأنها في الغالب ستكون خيبة." "متى كانت آخر مرة ضحكنا من قلوبنا؟ كل ضحكاتنا ملوثة، ملطخة بالصفار، ضحكات محشورة لا تخرج بسهولة." كانت زهرة تذهب للجامعة، ترسم، تنام، تستيقظ، تأكل، والوقت يمر.
كانت تسأل إلى متى سيصمد بانجو أمام بريق المال؟ وهل ستنجح خطتها؟ لم تستبعد زهرة أن يكون عوني مشاركًا في اللعبة. لدى عوني ماضٍ غير مشرف، كائن بلا أخلاقيات مثل البرص. وتدرك أنه ربما أبرم اتفاقًا مع عوني لمص دمها. بل أكثر من ذلك، بصورة ما تشعر أن بانجو يخضع لعوني فكريًا وينفذ تعليماته. إن عوني لا يسعى لمساعدتها أكثر من مساعدة نفسه بنيل جزء من النقود. "هكذا هي الفكرة، عوني وبانجو فريق واحد وعليها أن تستغل ذلك."
في الفترة الأخيرة منذ لقائها ببانجو، تعمل زهرة على لوحة معقدة. تضع لمساتها عليها كل ليلة. لوحة لما يشبه خطة انتقام ونجاة. لرجلين بأفواه مفتوحة وأنياب بارزة يستعدان لالتهام فتاة. يقطعان جسدها، يفسخونه، والفتاة تصرخ. بعد شهر، كانت زهرة تستعد للامتحانات. معملة كل عقلها في المعادلات والنظريات اللعينة التي تشعرك أنك ستصبح رائد فضاء ما إن تنجزها. رغم أن مقعدك في المقهى جاهز.
"نحن أكثر بلد في العالم يحوي مقاهي، أكثر من المدارس، المستشفيات، دور العبادة. وأقل بلد في العالم يمتلك محلات ورود وعطور ومكتبات عامة." "مع أنه ليس هناك أكثر إغراءً من إنسان يقرأ كتابًا بشرود متناسيًا كل العالم. إنها الحالة الوحيدة التي قد تدفعني لارتكاب حماقة ومحاولة خلق حديث." كانت تنتظر مادتها الأولى عندما ومض هاتفها باتصال وارد. كان بانجو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!