منذ مدة طويلة أصبحت لي ذمتي المالية الخاصة. لم نهتم أنا وآدم لذلك الأمر كثيراً، لم نعطه أكثر من حجمه. النقود مجرد أداة للعيش ليس أكثر. بعد أن تركت آدم، غلبني هم كبير. شربت شاياً حلواً. خرجت للشرفة، جلست على مقعد هزاز. تأملت النجوم والقمر، أشجار الحديقة وصمت العصافير. حاولت أن أخرج من حالة المشاعر الحزينة التي استولت علي.
أنا مدركة تماماً أن بانجو لن يتركنا في حالنا، وأنه لن يتورع عن قتل آدم وتفجير جدار جمجمته. لكن بعض المال قد يغريه للابتعاد عنا. لدي نقود بيع لوحتي الأخيرة لم تنقص إلا بعض الآلاف. ربما لو منحته رقماً جيداً يوافق على تركي في حالي، يتوقف عن التفكير بي بشهوانية ويختار النقود. اعتمرت الخطة في ذهني. وكانت المعضلة كيف أصل إليه؟
لم أجد أمامي إلا عونى. أنه الشخص الوحيد الذي تواصل مع بانجو ويعرف كيف يصل إليه. كان عونى فصل من الجامعة. الفرصة الوحيدة أن يكون يحتفظ برقم هاتفه القديم. في الجامعة تحصلت على رقم عونى من أحد حراس الأمن الذي لم يكن قد قام بحذفه بعد. هاتفت عونى، لم أتلق رداً لكن هاتفه كان يعمل. واصلت مهاتفة عونى دون رد لأكثر من عدة ساعات. حدود الساعة الثامنة ليلاً رد أخيراً بصوت ناعس. "من معي؟ " قال. "زهرة." قلت. "زهرة؟
" نخر عونى. "ماذا ترغبين مني؟ "أرغب برؤيتك إذا كان ممكناً." "آسف، لم أعد دكتور في الجامعة ولا أرغب برؤية أي كائن بشري." "لقد تدمرت حياتي بسببك ولا أرغب برؤيتك حتى في كراسة رسمل." "لن تندمي." قلت. بدا أن كلمتي أثارت فضوله. وكان يفكر الآن. "كيف؟ "بانجو." قلت. "اللعنة على بانجو، ذلك الوغد الخنزير الهجين مضمار القذارة." "امنحني فرصة أشرح لك." "ليس لدي وقت لذلك الهراء." صرخ عونى. "ليبتلعك الجحيم أنت وبانجو."
"علينا أن نتخلص منه." قلت. صمت عونى دقيقة. كانت فرصتي الآن. "أنت لا ترغب أن يهرب بانجو من العقاب بعد ما سببه لك ولي؟ "أنا لا أعرف مكان ذلك الجبان." قال عونى. "اختفى مثل بعوضة قمامة." "ستجده إذا كنت ترغب. أعرف كيف نغريه بلقائك." "لدي نقود كثيرة. أنا مستعدة للدفع." تنهد عونى. رغم وغديته أشك أنه سيرفض نقوداً أتته بالمجان. "نصف مليون جنيه رقم كافٍ؟ سعل عونى. ضحك بهستيريا. "امنحيني نصف مليون جنيه وسأقتله بنفسي."
"ليس قبل أن نعرف مكانه." قلت. "فكر عونى. بانجو لن يقبل بلقائي إلا إذا كنتي حاضرة معي." "وأنا مستعدة." قلت. "حاول أن تصل إليه وأنا مستعدة." "7 شارع الأمير متفرع من شارع التركي. سأنتظرك هناك." بدلت ملابسي واستقليت سيارة أجرة للعنوان حيث كان ينتظرني عونى. توقف التاكسي أمام حانة قديمة. "عليك أن تهبط درجتين لتدلف إليه." منحت السائق الذي رمقني بارتياب أجرتة. ودلفت داخل الحانة.
مجموعة من الطاولات القذرة التي يطن فوقها الذباب. زجاج متلطخ بالشراب والتراب يحجب ضوء الشارع. كان عونى جالساً على إحدى الطاولات رأسه على الطاولة يغط في نوم عميق على ما يبدو. جلست على الطاولة. "عونى." قلت. رفع عونى وجهه المتغضن بلحيته الكثة وشعر رأسه الطويل. بدا نحيفاً عن آخر مرة رأيته. أشار للنادلة. "زجاجة جعة." قال دون أن ينظر إلي. أحضرت النادلة زجاجة جعة وضعتها أمام عونى مع كأس.
فتح عونى الزجاجة المثلجة وابتلع جرعة كبيرة من الشراب. ثم تجشأ بطريقة قذرة. "كيف حالك؟ " قال. "بخير دكتور عونى." "دكتور؟ " ضحك عونى. "أنا لم أعد حتى دكتور. بهائم." "لديك نقود؟ " سألني. "أجل." قلت. مد عونى يده. فتحت حقيبتي أخرجت حفنة من النقود وضعتها على الطاولة. تناول عونى ورقة مائة جنية ثم أشار لنادل شاب حضر شبه راكض. "شطيرة لحم ساخنة بالسجق واحتفظ بالباقي." أمره عونى. تحرك النادل نحو مخرج الحانة. "ما الخطة؟
" قال عونى وهو يتجرع بقية زجاجة الجعة. "قلت أنوي منح بانجو النقود ليبتعد عني." "غبية! " زعق عونى. "حتى لو أخذ بانجو النقود سيظل يطاردك. سيطلب أكثر ولن يكتفي حتى يفلسك." "ما العمل؟ " قلت. وضع عونى يده على ذقنه. "لدي فكرة." قال. "ما هي؟ طلب عونى جعة أخرى. "بانجو لن يظهر فعلاً إلا عن طريق التلويح بالنقود. لكن بانجو ليس غبياً ولن يثق إلا بك أنتِ، زهرة."
"سأصل لبانجو. بعدها ستتواصلين معه وتطلبين مقابلته. لن يقبل بسهولة طبعاً." "ستمنحيه بعض النقود في مكان عام ليبتعد عنك. سينفق بانجو النقود على نزواته وعاهراته." "سيطلب نقود مرة أخرى. تلك المرة سترفضين، تتذمرين. في النهاية ستوافقين على منحه مبلغ كبير لتتخلصي منه." "سيوافق بانجو. حينها ستكون فرصتنا. فرصة المرة الواحدة التي لن تتكرر." "من تلك النقطة ستتركي الأمور لي وحدي لأتصرف بها." وافقت. لم يكن لدي حل آخر.
سحب عونى بعض العملات الورقية. قال. "سأحتفظ بها من أجل المصاريف." ودعت عونى ورحلت أفكر إذا كان ما سأقوم به هو الحل الوحيد أم مصيبة أخرى سأقع فيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!