الفصل 25 | من 33 فصل

رواية لا تلتمس مني حبا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
20
كلمة
4,559
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

استيقظت حنين في الصباح على لمسات قاسم المحبة على وجنتيها. حاولت بصعوبة كبت ابتسامة حاربت للوصول إلى ثغرها، لتكون النصر حليفها وتظهر لتنير محياها. فتحت عينيها لتجد قاسم ينظر إليها بعشق جارف وابتسامة ساحرة مرتسمة على ملامحه. "صباح الخير." اندهشت حنين من تبدل حاله بين ليلة وضحاها. أرادت أن تعاند، لكن ماذا تفعل في ذلك القلب الذي يلين بسهولة أمام معشوقه ويصبح مسلوب الإرادة أمامه، يحركه كيفما يشاء. فردت بهدوء وهي

تخفض عينيها بامتعاض مصطنع: "صباح النور." رفعت إليه عينيها عندما وجدته يتناول يدها ليقبلها في عشق جارف. "لسه زعلانه؟ نظرت إليه حنين بعيون عاتبة وأرادت أن تعاتبه على قسوته عليها، لكنها تراجعت لتقول بثبات: "ثواني هحضرلك الفطار." منعها قاسم من النهوض وهو يقول بجدية: "خليكي لسه بدري." نظر في عينيها التي مازال الحزن واضحاً

عليها وقال بصوت أجش: "أنا عارف إني جَسيت عليكي واتماديت كمان، بس صدقيني ده كان من غيرتي عليكي هي اللي كانت متحكمة فيها." ازداد العتاب بنظراتها وقالت: "بس الغيرة يا قاسم بتولد الشك. وأنا مشكلتي مع سالم كانت الغيرة وحب التملك اللي كان المتحكم الأساسي في علاقتنا، وأنا مش مستعدة أعيد التجربة دي تاني." رغم شعور الغيرة الذي سيطر عليه في تلك اللحظة، إلا أنه استطاع بصعوبة ضبط أعصابه

كي لا يؤكد شكها وقال: "ده مش اسمه تملك، ده اسمه غيرة محب، غيرة زوج مش أكتر يا حنين. وخصوصاً إنك عارفة كويس أوي إن فهد عمر نيته ما هتكون خير لينا أبداً. ولو دققتي في الموضوع هتلاقي إنه جه اهنه لغرض، وإحنا مش رايدين نديله الفرصة دي. فهمتي؟ لم تجبه بل أشاحت بوجهها بعيداً عنه. فعاد يقول: "وبعدهالك عاد ماجولنا خلاص. حقك عليا. وبعدين انتي ناسيه إنك انتي الغلطانة والمفروض إنك تصالحيني مش أنا اللي أصالحك؟ التفتت

إليه حنين بغيظ وقالت: "ياسلام؟ "نعيده تاني ونشوف مين اللي غلطان؟ هزت حنين رأسها برفض وقالت: "لأ خلاص مسمحاك، بس يا ريت تبطل عصبيتك اللي بقت أوفر دي ونهدى كده." رفع حاجبيه بلؤم وقال: "والله كله بيدك. عايزاني أبقى هادي وكويس بطلي تعصبيني." هزت رأسها بيأس منه وقالت وهي تنهض من جواره: "أنا بقول أقوم أحضرلك الفطار أحسن بدل ما نرجع نتخانق تاني."

أغاظها قاسم أكثر عندما سمع ضحكته التي صدحت في الغرفة، مما جعلها تسرع بالدخول إلى المرحاض وهي توعد له. *** خرج باسم وبعض الأطباء من غرفة العمليات التي تضمنت بعض الأطباء لصعوبة الحالة التي أصيبت بطلقات نارية في مناطق حيوية في الجسم. فقال ثابت وهو أحد أصدقائه: "العملية دي كانت حرق أعصاب، بس الحمد لله نجت بمعجزة." ومأ له باسم وهو يرى روان تقترب منهم وهي تقول بتهنئة: "مبروك نجاح العملية."

رد ثابت بامتنان: "متشكرين جداً يا دكتورة روان. الحمد لله تمت على خير." نظرت روان إلى باسم الذي ظل ملتزماً الصمت، مما جعلها تشعر بالإحراج وتستأذن بالانصراف. فقال ثابت بحيرة: "بقى معقول إنسانة رقيقة ومحترمة زي الدكتورة روان دي تطلق وهي في السن ده؟ انخفق قلب باسم عند سماعه تلك الكلمة التي أكدت له ما سمعه منها. لم يكن كما ظن، أخطأ سمعه بل كان حقيقة. كذب عقله. فسأله باهتمام: "طلقت إمتى؟

"طلقت من شهر تقريباً، وسمعت من حد قريبي عايش جنبهم هناك إنه كان قاسي معاها لدرجة إنه كان بيوصل للضرب وعشان كده متحملتش وطلبت الطلاق." لم يستمع باسم لباقي حديثه وأسرع إلى الخارج كي يستنشق بعض الهواء بعد شعوره بالاختناق جراء ذلك الخبر. جلس على أحد المقاعد في حديقة المشفى وكلمات ثابت تتردد في أذنه. ثم تساءل: "ما عادت الآن؟ لما في هذا الوقت خاصة؟ وشعر برغبة ملحة في الذهاب إليه، لكن ماذا يقول؟

فسوف يسافر إلى الخارج بعد ثلاثة أشهر وربما أقل. أخرج هاتفه باعثاً إليها رسالة يطلب منها مقابلته في حديقة المشفى. وقفت روان في الحديقة تتلفت حولها حتى وقع بصرها عليه، لتجده خافضاً رأسه وكأن هموم الدنيا تلقتها. اقتربت منه وقلبها يخفق بشدة خوفاً عليه. فجلست بجواره قائلة بقلق: "دكتور باسم في حاجة؟ رفع باسم رأسه إليها ناظراً إلى تلك العينين اللتين انطفئ بريقهما كزهرة بيضاء انطفئ نورها. وقال بوهن: "عايز أتكلم معاكي."

زادت وتيرة قلبها حتى كاد من حولها أن يسمعها بسهولة. فازدردت ريقها بصعوبة وقد سيطر عليها شبح الصمت، وخاصة عندما تابع قائلاً: "لو رفضتي مش هزعل ولا ألومك، بس عايزك تسمعينى. روان أنا آسف." خفضت عينيها بآلية. فقد انتهت المهلة التي أعطتها له ولا سبيل لديهم في المضي قدماً نحو مصير مجهول الهوية.

فقد تخلى عنها في محنتها ورفض التنازل عن كبريائه، وتركها تواجه صعوبات الحياة مع شخص لا ينتمي لقلبها أو عقلها، لتفشل في زيجة حُكم عليها بالفشل قبل بدايتها. لكنها أحكام القدر الذي لم يكن منصفاً لها يوماً. حتى عندما وجدت الحب بين يديها وتمسكت به بكل ما أوتيت به من قوة، تركتها تلك اليد التي تشبثت بها في عز احتياجها إليه. ويأتي الآن معتذراً، بعد أن أصبحت حطام امرأة.

شعر بنظراتها العاتبة التي أخفضتها حتى لا يرى تأثرها، فجعلته يود أن يعود بالزمن حتى يصحح ما فعله. فقال بأسف: "أنا عارف إني غلطت في حقك و... قاطعته روان وهي تهم بالنهوض كي تنصرف حتى لا تضعف أمامه أكثر من ذلك: "مفيش داعي للاعتذار يادكتور باسم، اللي حصل حصل وانتهى. بعد إذنك." منعها باسم من الذهاب ماسكاً بيدها التي جذبتها فور لمسته بخوف ظهر واضحاً عليها، وأخذت تداريها خلف ظهرها وهي تقول بحده: "انت إزاي تعمل كده؟

عقد باسم حاجبيه بدهشة من رد فعلها، فهو لم يقصد شيئاً سوى منعها من الذهاب. واندهش أكثر عندما تابعت بنبرة رغم حدتها، إلا أنها تحمل حزن وانكسار لم يشاهده بها من قبل: "لو كنت فاكر إني أطلقت وبقيت سهلة تبقى غلطان." ازدردت ريقها وتابعت: "اللي بينا انتهى من زمان يا باسم، ومستحيل يرجع تاني."

أسرعت روان بالذهاب كي لا يرى دموعها التي تساقطت من عينيها بحزن، وهي تتذكر كيف خذلها عندما أسرعت إليه تخبره بأن والدها أجبرها على الزواج من مصطفى ابن عمها. وكم كان رده صادماً عندما أخبرها بأنه ليس بيده شيء. فلماذا الآن يأتي معتذراً بعد أن تدمرت حياتها وأصبحت كورده ذابلة تساقطت أوراقها في مهب الريح. انتهت وانتهت أحلامها، واهماً أن ظن بأنه قادر على محو تلك الآلام التي احتلت قلبها.

انتفضت عندما وجدت يد تمنعها من الصعود لسيارتها، وذلك الصوت الحاني الذي كان ومازال منبع الأمان بالنسبة لها، رغم قسوته التي طعنت قلبها، إلا أن ذلك القلب الخائن مازال متمسكاً بعشقه. "أرجوكي اسمعيني." ساد الصمت لتكون لغة العيون هي السائدة بينهم، وتتحدث بما لم يستطع اللسان البوح به. تسأله بعتاب: "لما تخليت عني وتركتني في يد من لا يرحم، وقد جئت أستنجد بك أن تحميني من مخالبه التي نهشتني دون رحمة؟

واجابها: "لم يكن باستطاعتي فعل شيء في ذلك الوقت، وقد طردت من منزل والدي لأصبح بلا مأوى. لم يكن بيدي شيء لأقدمه لكِ." "تقولين قد تخليت عنكِ، وفي الأصل أنا من تخلى عنه قلبه، لأصبح بلا قلب ينبض بداخلي. فقد تركتني وأسرع إليكِ دون أن يهتم لأمري." أغمضت عينيها لتقطع تلك اللحظة التي ستجعلها ترضخ لقاتلها. ولم يكن عذره كافياً لتسامحه. عليها الفرار من أمامه الآن كي لا تضعف أكثر من ذلك. "لو سمحت أنا اتأخرت لازم أمشي."

نظر إليها باسم برجاء وقال: "أرجوكي اسمعيني. اديني فرصة أشرحلك الظروف اللي وقفت في طريقنا وخلتني أتخلى عنك في الوقت ده." رمشت بعينيها وهي تحاول الأفلات من سطوته عليها، وهمت بالرفض، لكنه منعها قائلاً: "أرجوكي نص ساعة مش أكتر." لم تستطع روان الرفض أمام تلك النظرات التي تحمل رجاءً صادقاً، لتومئ برأسها قائلة: "هتركب معايا ولا في عربيتك؟ رد بسعادة: "في عربيتك." ***

تقدم منهم النادل ليضع المشروبات على الطاولة أمامهم ثم يعود إلى عمله. ليتركهم في وصلت الصمت التي سيطرت عليهم، حتى قاطعته روان قائلة: "ممكن أعرف انت جايبني هنا ليه؟ ابتسم باسم بحزن عميق يظهر واضحاً على محياه وقال: "عشان أعتذرلك ع حصل مني وأفهمك أنا عملت كده ليه." أمسكت حقيبتها وهي تهم بالذهاب قائلة: "وفر اعتذارك خلاص مبقاش ينفع." جذب باسم الحقيبة من يدها وهو يقول بإصرار: "مش هسيبك تمشي إلا لما تعرفي اللي حصل." نظرت

إليه بعيون عاتبة وقالت: "وهيفيد بأيه؟

"روان أنا متخليتش عنك زي ما بتتهمني، بس في الوقت ده عرفت بموت سالم جوز حنين أختي. ولما وقفت لعمي وأصرت على رجوعها طردني من البيت. وكالعادة أمي وقفت تتفرج عليا وأنا بنطرد من البيت زي ما وقفت تتفرج على حنين. ولما طلبت مني إني أرجع بعد ما اترجت عمي يومين بحالهم، رفضت وأصرت إني أبعد عنهم. وجيتي انتي وقولتيلى على موضوع ابن عمك ده مكنش في إيدي حاجة أقدمهالك. وللأسف لما ربنا كرمني وقدرت أقف على رجلي من تاني لقيتك اتجوزتي وسافرتي. حتى حنين ملقتهاش ولا حتى عرفت أوصلها."

تذكرت روان حنين التي لم يكن يكف عن التحدث عنها، وكيف أنه يكره عجزه الذي يجبره على الرضوخ لأوامر عمه الذي طردها من منزل والدهم ورفض عودتها إليه. "وهي فين دلوقتي؟ أخرج تنهيدة عميقة من صدره وقال: "اتخطبت وعايشة حالياً في الصعيد. بس أنا مش هسيبها وإن شاء الله هتسافر معايا هي وابنها." لم تعرف روان سبب لتلك المقابلة سوى اعتذاره، وماذا بعده؟ "وبعدين؟ أنا دوري إيه في كل ده؟

تحولت نظراته إلى رجاء بألا تخذله وتكسر قلبه الذي يهيم بها عشقاً وقال: "دورك إنك تنسي اللي فات ونبدأ صفحة جديدة مع بعض، تكوني شريكة حياتي." رمشت روان بعينيها مرات متتالية تحاول استيعاب ما يقوله. ليأكد لها قائلاً: "موافقة؟ رفعت نظرها إليه فتجد عينيه تحمل لأجلها الكثير والكثير من المشاعر الصادقة التي افتقدتها كثيراً، وقالت: "انت جاي تطلب إيدي وأنا لسه في شهور العدة؟ "عشان خايف تضيعي مني تاني، وصدقيني المرة دي مش هتحمل."

"وانت اللي يجبرك تجوز واحدة مطلقة؟ رد باسم بصدق: "دي حاجة متهمنيش، أنا كل اللي يهمني رجوعك لحياتي من تاني." أخفضت روان عينيها بحيرة من أمرها. تريده ولا تريده. عقلها يرفض الرضوخ له بعد أن تخلى عنها. وقلبها الخائن يطلب منها الرضوخ بكل كيانها والعودة إليه. تنهدت بحيرة وقررت التلاعب بأعصابه كي تثأر لكرامتها وقالت بثبات: "الكلام ده سابق لأوانه، مقدرش أديك رد إلا بعد العدة ما تخلص." عقد

باسم حاجبيه بعدم فهم وقال: "يعني إيه؟ ردت وهي تنهض من مقعدها: "يعني من هنا لحد ما عدتي تخلص أكون فكرت كويس وأرد عليك." مرت الأيام والشهور وسعادتهما لا تخلو من المناوشات بين الحين والآخر مثل أي زوجين، لكن الحب هو المسيطر دائماً. عادت العلاقة بينها وبين أهل سالم كما كانت، لكنها ترفض الذهاب إليهم وتكتفي بالاطمئنان عليهم عبر الهاتف. وعندما علمت حنين بنوع الجنين، أسرعت إليه كي تزف إليه الخبر.

ظهرت علامات الامتعاض رغم إخفائه ذلك. وقال: "كل اللي يجيبه ربنا زين." ضيقت حنين عينيها وقد لاحظت ذلك الامتعاض الذي يحاول إخفاءه، وقالت بتوعد: "انت عارف لو اللي في دماغي طلع صحيح هعمل فيك إيه؟ عقد حاجبيه بعدم فهم وقال: "وإيه بقى اللي في دماغك؟ قالت حنين باتهام: "إنك مضايق إنها بنت." محم قاسم بإحراج وقال: "ما جولتلك كل اللي ربنا يجيبه زين مش هتفرق يعني." قالت بغيظ: "بس مش باين يعني." ربت قاسم

على كتفها كطفل صغير وقال: "أهدي يا حنين الله يرضى عليكي وبطلي الأوهام دي. وبعدين أنا ربنا رزقني بولدين، مش هتفرق من مرة وربنا يعوضها المرة الجاية." اتسعت عيناها ذهولاً من عنصريته وصاحت به: "للدرجة دي مش عارف تداري؟ طب إيه رأيك بقى إنها هتكون آخر مرة." رفع قاسم حاجبيه بعدم اقتناع وقال: "لااا، أنا ما أحبش إن البنت تكون أول خلفتي أو آخر خلفتي." ازداد غيظها منه وقالت باستفزاز: "والله بقى قول الكلام ده لنفسك."

عقد حاجبيه بعدم فهم وقال: "كيف يعني؟ ردت حنين بعناد: "يعني قصة ولد وبنت دي من الراجل مش الست." تمدد قاسم على الفراش بإرهاق وقال: "عادي مش هتفرق نعوضها المرة الجاية. أنا هنام ساعتين كده وبقى صحيني عشان عندي مشوار ضروري." هزت رأسها بيأس منه وقالت بغيظ: "مفيش فايدة، فعلاً الطبع غلاب، صعيدي صعيدي." تقلب قاسم في الفراش وهو يقول: "اقفلي النور وبطلي عشان متهور وأعرفك الطبع الصعيدي بيكون كيف."

زفرت حنين بضيق وخرجت من الغرفة لتجد صباح تتقدم منها كي تعطيها هاتفها وهي تقول: "ست حنين في حد رن عليكي بس قفل قبل ما أوصله." أومأت لها حنين وأخذت الهاتف الذي رن مرة أخرى، لتجد المتصل هو باسم أخيها. فردت بفرحة وهي تدلف غرفة الأولاد: "باسم وحشتني قوي يا حبيبي عامل إيه؟ رد باسم: "الحمد لله كويس، المهم انتي عاملة إيه مع الحيوان ده؟

أنا عارف إني قصرت معاكي بس والله غصب عني كنت مشغول في الأوراق بتاعت البعثة بس خلاص أنا جهزت كل حاجة وإن شاء الله هنسافر كمان يومين." أغلقت حنين الباب كي لا يسمعها أحد وقالت: "بس أنا مش هسافر." عقد حاجبيه بعدم فهم وقال: "يعني إيه مش هتسافري؟ أوعى تكوني لسه خايفة منه و... قاطعته حنين بثبات: "لأ يا باسم أنا غيرت رأيي وهفضل مع قاسم والولاد. أنا بحب قاسم ومش هقدر أبعد عنه."

راودته شعور بأنها ربما تقول ذلك خوفاً عليه، أو يكون قاسم بجوارها ولذلك تقول مثل ذلك الكلام. فقال بحده: "هو جنبك؟ "لأ مفيش حد معايا وأنا بقولك كده عن اقتناع أنا فعلاً بحبه ومستحيل أبعد عنه تاني. وبعدين أنا حامل يعني مينفعش أبعد." لم يستطع باسم السيطرة على غضبه ظناً منه أنها تقول ذلك خوفاً منه. والأدهى من ذلك الحمل الذي تتحدث عنه، ربما هو من أجبرها على قول ذلك كما أجبرها من قبل عندما قام بتهديدهم.

فصاح قائلاً: "مدام وصلت لكده يبقى أنا اللي هقفله." همت حنين بالتحدث لكنه أغلق قبل أن يسمعها. حاولت الاتصال به لكنه لم يجيبها. وقفت حائرة لا تعرف كيف تتصرف. هل تخبر قاسم بما حدث حتى لا يتفاجئ به؟ فباسم متهور ولا يفكر بعقلية. وقاسم أيضاً مثله عندما يتعلق الأمر بها لا يعرف للمنطق طريق. ظلت على تلك الحالة من القلق حتى استيقظ قاسم من نومه وخرج من المنزل كما أخبرها.

وبعد خروجه حاولت الاتصال بأخيها كي تمنعه من المجيء لكنه لم يرد عليها. بعثت له رسالة تخبره بها بصدق كلامها لكنه أيضاً لم يرد. وعندما تأخر الوقت ولم يأتي، أيقنت أنه تراجع عن المجيء. حتى عاد قاسم. حاولت أن تبدو طبيعية أمامه لكنه لاحظ عليها الارتباك، فظن أنه أضايقها بكلامه، فجلس بجوارها مقبلاً جبينها بحب وقال: "الجميل ماله؟ أوعى تكوني زعلتي من كلامي." هزت حنين رأسها بالنفي وهي تحاول إخفاء قلقها وتتجاوب

معه في الحوار قائلة: "لأ يا حبيبي أنا عارفة إنك بتهزر وإنك متقصدش حاجة من اللي قولته، لأن لو حسيت واحد في المية إنك تقصده... رفعت إصبعها في وجهه بتهديد وتابعت: "هطربق البيت على دماغك وهاخد ولادي وهمشي." قطب جبينيه بضيق من تهديدها وقال: "انتي بتهدديني إياك؟ ردت حنين بعناد: "آه بهدد." رفع حاجبيه بمكر وقال وهو يقربها إليه: "بس جاسم الرفاعي مبيتهددش واصل... قاطع حديثهم صوت باسم الذي صاح

في الخارج وهو ينادي عليه: "انت يا... اطلع لي هنا وبلاش تتحامى في... شحب وجهها وهي تستمع إلى صوت باسم ونظرات قاسم التي تبدلت ليبدأ الغضب المعتم يزحف على ملامحه وقال بغضب: "مين ده اللي يستجرى ويجول الكلام ده؟ رمشت بعينيها تحاول استيعاب ما يحدث وقالت برجاء وهي تمسك يده: "قاسم أرجوك بلاش تهور، ده باسم أخويا هو بس... قاطعها قاسم وهو يجذب ذراعه من يدها وخرج مسرعاً والغضب يقذف حمماً من عينيه.

فجذبت حنين حجابها وارتدته بإهمال وهي تسرع خلفه. فوجدت رجال قاسم يمنعوه من الدخول. فقال قاسم لرجاله باحتدام: "سيبوه." دلف باسم للداخل فوجد حنين تقف بجوار قاسم وملامحها تشع خوفاً، مما جعله يوقن أنها تحت تهديد منه، وخاصةً عندما لاحظ جوفها الممتلئ، فعلم أنه حقاً أجبرها على ذلك حتى يضمن بقاءها معه. فقال له قاسم: "خير يا دكتور باسم، مش المفروض قبل ما تيجي تخبرنا الأول عشان نعرفوا نجاملوا معاك بالواجب."

صاح به باسم بغضب: "أنا مش جاي أضياف يا قاسم، أنا جاي آخد أختي ونمشي من هنا." رفع قاسم حاجبيه بدهشة مصطنعة وقال وهو ينظر إلى حنين: "بس دي مرتي وعايشة معايا برضاها حتى اسألها." ازدرأت ريقها بصعوبة بالغة وقالت بتلعثم: "آ.. أيوة.. يا باسم أنا قولتلك إني…. بحب قاسم ومش هسيبه." لم يقتنع باسم بردها وصاح بقاسم

الذي بدا عليه الهدوء: "أنا عارف إنها بتقول كده خوف منك، مستحيل أختي تعيش مع واحد قاتل زيك. وإن مأخدتش أختي دلوقتي أنا هبلغ الشرطة." ضحك قاسم باستهزاء وقال: "هتقولهم إيه؟ خاطف مراته مثلاً!! ولا هتقولهم إنك عايز تاخد أختك وهو رافض! اقترب باسم منه بتهديد وقال: "هقولهم حقيقتك وأعرف المنشاوية بأنك اللي قتلت ابنه." نظر قاسم إلى حنين التي أخفضت عينيها احراجاً منه وندماً،

ثم قال: "أعلى ما في خيلك اركبه، مش جاسم اللي يخاف من تهديد واحد زيك. ولاحظ إني لحد دلوقتي بكلمك بالذوق فبلاش تتمادى معايا لأنك مش قدي." انتبه الاثنين على صوت ارتطام ليجدوا حنين ساقطة على الأرضية شاحبة كالاموات. فأسرع قاسم برفعها بين ذراعيه وولج بها للداخل بقلب ملتاع، ثم وضعها على الأريكة وهو يحاول إفاقتها. وأسرع باسم خلفه وهو يقول بحده: "ابعد خليني أطمن عليها."

نظر له قاسم بغضب واراد أن يلكمه لكنه سيطر على تلك الرغبة كي يطمئنه عليها أولاً. فقال باسم: "هاتلي برفان بسرعة." أسرعت صباح التي تشاهد كل شيء من بعيد، تخشى الاقتراب حتى لا ينالها نصيب من غضبه. وجاءت بالزجاجة لتضعها في يد باسم. وبعد محاولات عدة، رمشت حنين بعينيها مرات متتالية حتى استطاعت فتحها، فتجد قاسم ينظر إليها بقلق شديد وباسم الذي أصبح شاحباً مثلها. فقال بلهفة: "حنين انتي كويسة؟ أومأت له حنين بتعب.

فقال قاسم بقلق: "تحب نروح المستشفى نطمن أكتر؟ نفت برأسها وقالت: "لأ أنا كويسة متقلقش." حاولت الجلوس لكن الدوار اشتد بها مما جعل قاسم يزداد خوفاً عليها وأصر على الذهاب إلى المشفى. لكن باسم أخبره بأن نبضها طبيعي ولا خوف عليها. ثم نظر إليها باسم وقال بعملية: "انتي بتتابعي مع دكتور كويس؟ أومأت حنين وقالت: "آه بتابع باستمرار ومفيش أي قلق اطمن." "لسه برضه مش عايزة تيجي معايا؟ لو خايفة من حاجة أنا أقدر...

قاطعته حنين قائلة: "لأ يا باسم أنا قولتلك إني دي رغبتي وإني بحب قاسم وأنا اللي اخترت أكمل معاه." لم يقتنع باسم بكلامها لكنه لم يريد الضغط عليها وهي بتلك الحالة. فقال: "أنا همشي دلوقتي عشان مضغطش عليكي وانتي تعبانة كده، بس أوعدك إني هاجي تاني ومش هسيبك معاه." ثم نظر إلى قاسم بتحدي ظاهر وقال: "مش هسيبهالك." أومأ له قاسم وقال: "ما جولتلك أعلى ما في خيلك اركبه." "تمام." قالها باسم بتوعد وخرج من المنزل.

نظر قاسم إليها بعتاب وبادلته هي بالمثل. فقال بثبات: "انتي كويسة دلوقتي؟ أومأت حنين بصمت. فمد يده إليها كي يساعدها على النهوض وهو يقول: "تعالى ارتاحي فوق." أسندها قاسم حتى دلف بها إلى غرفتهم وساعدها على الاستلقاء. ثم قال بهدوء: "نامي دلوقتي، وإن احتجتي حاجة أنا موجود تحت." رغم خوفه عليها إلا أن لهجته معها كانت باردة خالية من أي مشاعر. لن تلومه تلك المرة، فهي تجني نتيجة تهورها. "قاسم أنا...

منعه قاسم قائلاً: "متجوليش حاجة دلوقتي لأننا لو اتكلمنا هنجرح بعض، بلاش كلام دلوقتي الله يرضي عليكي." خرج قاسم من الغرفة وهو لا يرى أمامه من شدة الغضب. كان يريد أن يأمر رجاله بأخذه إلى القبو ثم ثم يلقنه درساً لا ينساه. لقد تطاول عليه وأهانه أمام رجاله وأيضاً تجرأ وقام بتهديده. ولولا هي لكان الآن أسفل يده يفعل به ما يشاء. فلم يفعلها أحد من قبل، ولم يستطع أحد يوماً الوقوف أمامه بتلك الجرأة.

جلس في مكتبه بعد أن أمر صباح بالبقاء بجانبها وأخذ يهدئ من غضبه بأن يقنع نفسه بأنه لم يفعل ذلك إلا خوفاً على أخته. لكن... ... ... حاولت حنين الاتصال بأخيها حتى تطمئن عليه لكنها وجدته مغلقاً. نظرت إلى صباح التي تقاوم رغبتها في النوم فقالت: "صباح روحي نامي مع الولاد أنا كويسة." "بس يا ست حنين... قاطعتها حنين بإصرار: "قولتلك روحي عشان مالكن."

نظرت إلى صباح وهي تخرج من الغرفة وتتفاجئ بقاسم يدلف بعدها بوجوم متجهاً إلى الخزانة ليبدل ملابسه ثم يأوي إلى الفراش بصمت مطبق. أما هي فقد أخذ قلقها يزداد على أخيها وأرادت أن تسأله عنه لكنه سيظن أنها تتهمه. فألتزمت الصمت واقتنعت نفسها بأنه ربما انتهى شحنه. ثم استلقت على الفراش وقد غلبها النعاس من شدة التعب. استيقظت حنين في الصباح على صوت الهاتف معلناً عن وصول رسالة نصية:

"لو قلقانة على أخوكي وعايزة تطمني عليه، بلاش تعرفي جوزك بحاجة واستني مني رسالة هقولك فيها على مكانه."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...