دلف كافتريا المشفى ليتفاجأ بها جالسة بشرود وهي تتلاعب بكوب القهوة بين يديها. وقف ينظر إليها من بعيد، يراقب أناملها التي تعبث به. لاحظ خلو يدها من ذلك الخاتم الذي طوقت به يدها منذ عامين، كما طوقت به عنقه آخر مرة رآها فيها قبل سفرها. عقد حاجبيه بدهشة، لكنه أقنع نفسه بأنها ربما تركته في المنزل، أو في مكتبها. انتبه على إشارة يدها وهي تدعوه للجلوس بجوارها. تقدم منها وعيناه لا تنزاح من على يدها، كي يتأكد أكثر.
جلس بجوارها قائلاً: "إزيك يا دكتورة روان؟ ابتسمت بمرح عكس ما بداخلها من حزن أجادت إخفاءه: "الحمد لله، امم قهوتك زي ماهي ولا غيرتها؟ أومأ قائلاً: "آه زي ماهي." أشارت للنادل ليقدم القهوة له وقالت: "عملت إيه في البعثة بتاعتك؟ عاد بنظره إلى يدها كي يتأكد أكثر، ووجدها خالية. رفع نظره إليها وهو يشعر برغبة ملحة أن يسألها، لكنه تراجع ليغير حديثه قائلاً: "مش عارف لسه، بس خلاص هانت."
تبدلت ملامحها عند سماعها ذلك الخبر، فقد عادت لأجله ليتركها ويذهب هو، فقالت: "يعني خلاص هتسافر؟ لم يخفِ عليه نظرة الحزن التي ظهرت في عينيها، مما جعله يندهش من ذلك. ألم تتركه وتتزوج بغيره؟ لما إذا يظهر العبث على وجهها؟ أراد أن يغير مجرى الحديث فسألها قائلاً: "الحياة هنا أجمل ولا إنجلترا؟ ابتسمت روان بحزن، ليسود الصمت قليلاً قبل أن تجيبه: "هنا طبعاً." تنهد بأسى وتابع:
"علمياً هناك أفضل بكتير، لكن بالمشاعر مفيش أفضل من مصر." التقطت نظراتهم لأول مرة بعد طول غياب. ساد الصمت بينهم، وبدأت لغة العيون. كل منهما بعتاب. هو على تركها له والزواج من غيره. وهي تعاتبه على عدم تمسكه بها وتركها لغيره بعد أن لجأت إليه تطلب منه إنقاذها من براثن تلك الزيجة التي فرضت عليها. قاطع حديث العيون النادل وهو يقدم له قهوته، فشكره باسم وذهب. عاد بنظره إليها ليجدها تهم بالذهاب، فعلم بتهربها منه وقال:
"مش هتكملي النسكافيه بتاعك؟ هزت رأسها بالنفي ونظرت في ساعتها قائلة: "عندي عملية كمان نص ساعة، ومينفعش أتأخر. بعد إذنك." "مصطفى رجع معاكي؟ تسمرت مكانها عند سماعها سؤاله، فنظرت إليه بعتاب واضح وقالت: "إحنا اتطلقنا خلاص." أنهت حضورها بتلك الكلمة وذهبت مسرعة من أمامه قبل أن تخونها عبراتها التي تتدفق كلما تذكرت تلك الفترة من حياتها. *** قاطعتها ضربة حادة على طاولة الطعام جعلت الطفلين ينتفضان خوفاً.
نظرت إليه حنين بنظرة يملؤها الرجاء بألا يحاسبها أم الطفلين، مما جعلته يهدئ من أعصابه قليلاً وقال بحزم: "بعد ما تخلصي أكل هاتِ القهوة فوق." كانت كلماته أمراً يدل على مدى صعوبة تحكمه في غضبه الذي نشبته ياسمين. أومأت له حنين وهي تحاول إخفاء خوفها. ثم نظرت إلى ياسمين التي أخذت تتلاعب بالطعام بابتسامة خبيثة حتى جعلتها تود أن تزهق روحها بيدها، لكنها سيطرت بصعوبة على تلك الرغبة ودلفت المطبخ كي تعد قهوته بقلق بالغ. ***
دلت الغرفة وهي تحمل كوب القهوة بين يديها، وقد شعرت بالخوف من نظراته التي لا تبشر بالخير. دنت منه لتضع الكوب على المنضدة أمامه وهي تقول برهبة: "اتفضل القهوة." لم يرد قاسم، بل ظلت نظراته مصلطة عليها وكأنه يجاهد بصعوبة بالغة أن يتحكم في أعصابه. قال بهدوء رغم ما بداخله من غضب: "كان عايزك في إيه؟ ازدرقت ريقها بصعوبة وقد سيطر شبح الخوف عليها، وشعرت بأن ما حدث لن يمر مرور الكرام. وكم جاهدت كي يخرج صوتها ثابتاً، لكنها
فشلت في ذلك وقالت بتلعثم: "ممم… مش عارفة… أنا مدتوش فرصة… إنه… يكمل كلامه بس…" توقفت عن الكلام عندما نظرت إلى عينيه، التي برغم هدوئها إلا أنها تحمل بريق غضب جامح. فأشار لها بالمتابعة لتكمل، وقلبها يخفق بشدة: "هو كان عايز يعتذرلي… عن اللي حصل… بس والله أنا طردته، حتى اسأل عمران…" قاطعها بهدوء قاتل: "يعني عمران كان عارف و مجليش؟ هزت حنين رأسها بخوف على عمران الذي طوعها ولم يخبره، وقالت بدفاع:
"لا عمران مكنش موجود وقتها، ولما رجع ولقاه طلب منه إنه يمشي و…" "يعني كان عارف! حاولت حنين التحلي بالشجاعة، علماً بأنها لم تفعل ما يجعله يغضب بذلك الشكل، فقالت: "هو ملوش ذنب، أنا اللي طلبت منه إنه ميقولكش، وأكدت عليه بكده." ساد الصمت قليلاً بينهم، ليهب بعدها قاسم وقد أعماه الغضب. دنى منها يجذبها من ذراعها وهو يهزها بغضب قائلاً: "يعني مش كفاية فجأة إنك تقابليه وإنتي خابرة زين إني مانعك من الحديث معاه، وإنه يلمحك حتى؟
وكمان بتصغريني قدام رجالة؟ حاولت حنين جذب ذراعها من يده وقالت بزعر: "أهدى ياقاسم وسيبني، متنساش إني حامل." لكنه بدا للحظة عاجزاً عن السيطرة على غضبه وصاح بها: "وإنتي متنسيش إنك مراتي وفرض عليكي تسمعي كلامي، مكنش لازم تخرجي وتجابليه وإنتي خابرة زين إنه رايدك." قاطعته حنين بحدة عندما لاحظت الاتهام في لهجته:
"أنا معرفش حاجة عن اللي انت بتقوله ده، ولاحظ إن كلامك فيه اتهام ليا وأنا مسمحلكش. وبعدين قولتلك إنه لما قالي الموضوع مهم قَلِقت عليك ليكون حاجة تخصك، ولما قالي إنه جاي يعتذر طردته من غير ما يكمل كلامه." ازدادت نظراته حدة كالفولاذ وقال: "كل اللي بتجوليه ده ميديكييش الحق إنك توافقي تجابليه وكمان تخبي عليا." "مكنتش عايزة أكبر المشاكل بينكم وقولت أشوف عايز مني إيه، ومفيش داعي للي بتعمله ده، ده خلاص موضوع وانتهى."
أخذ الغضب يظهر أكثر على محياه وقال: "لو فاكرة إنك كده مكبرتيش المشكلة بينا تبقي غلطانة." أنهى كلمته يليها خروجه من الغرفة، ثاقفاً الباب خلفه بحدة أفزعتها. جلست على المقعد وأسندت وجهها بين يديها وهي ترتجف وقلبها يخفق بشدة. وفجأة شعرت برغبة ملحة في الذهاب خلفه خوفاً عليه من تهوره. فهي تعلم جيداً أنه ذهب إلى فهد كي يعنفه كما فعل معها، وكان لها ما ظنت. *** دلف قاسم منزل فهد بعد أن أطاح بكل رجاله الذين وقفوا أمامه يمنعوه.
ولج مزمجراً بغضب هادر: "إنت فين يا…! خرجت والدته فور سماع صوته الذي صدح في المنزل وقالت: "إيه يا جاسم؟ داخل علينا بزعابيبك أكده؟ إيه اللي حصل؟ "فين ولدك؟ خرج فهد من إحدى الغرف بهدوء تام وكأن شيئاً لم يحدث وقال ببرود: "أنا هنا. خير يا ولد أبوي؟ دنى منه قاسم بلكمة كادت أن تطيحه أرضاً، لكن يد قاسم التي جذبته من تلابيبه منعته من السقوط وصاح به وهو يهزه بعنف:
"اسمع الكلام ده زين عشان هيكون آخر تهديد ليكم. مراتي خط أحمر، وإن حاولت بس تجرب منها مرة تانية صدقني متلومش إلا نفسك. لاني وقتها مش هعمل حساب لا لدم ولا لأخوة. فاهم ولا لأ؟ أومأ له فهد بابتسامة ساخرة وقال: "ماشي يا ولد أبوي، اللي تشوفه. مع إن…" لم يكمل جملته كي يتلاعب قليلاً بأعصابه، وخاصة عندما وجد قاسم مضيق عينيه ينتظر بقية حديثه. فنزع يده عن ملابسه وهو يكمل:
"مع إن يعني مفيش داعي للي بتعمله ده، لأنها مرات أخويا الكبير بردك وعادي يعني لو زرتها واتحدثت معاها." رفع قاسم إصبعه في وجهه وقال بتحذير: "أنا جولت اللي عندي، ولو باقي على عمرك ابعد عنها أفضل لك. دا آخر تحذير ليك، وإنت خابر زين عقابي بيكون كيف." خرج قاسم من المنزل ولم يهتم لنداء والدته التي ظلت تناديه، لكنه أبى أن يستمع لها وخرج من المنزل والغضب يتآكله. انطلق بسيارته لا يعرف إلى أين وجهته.
لا يريد العودة إلى المنزل وهو بتلك الحالة. مازال غاضباً منها ولن يتنازل عن معاقبتها. كيف سمحت لنفسها بمقابلته والتحدث معه وقد منعها من ذلك؟ يعلم جيداً أنها لم تفعل ذلك عناداً به، لكنه أيضاً رجل يغار. عاد إلى أرضه وسمح للعمال بالذهاب كي يختلي بنفسه حتى يهدئ لهيب غيرته الذي اشتعل وهو يتخيل نظرات فهد إليها. أطاح بقدمه الطاولة من أمامه ظناً منه أنه بذلك سيخمد تلك النيران، لكن لا فائدة ترجى. ظل مكانه حتى جاءه
عمران وهو يدنو منه بحرج: "جاسم بيه." نظر له قاسم بصمت، ليخفض عمران عينيه وهو يقول: "أنا خابر إني غلطان إني مخبرتكش في وقتها، بس الهانم طلبت مني…" قاطعه قاسم باحتدام: "إنت غلط يا عمران لما خبيت عليا، ودي حاجة صعبة جوي أسامح فيها." أومأ عمران وقال بصدق: "أنا بخدمك بمحبة يا جاسم بيه، مش بس بعملي. وديماً بكون عند حسن ظنك، وإن كنت غلط المرة دي فهي الأولى والأخيرة."
تنهد قاسم بضيق وشعر بأنه أخطأ عندما ان فعل على الجميع بتلك القسوة، فقال بتحذير: "خلاص يا عمران، أنا هعدي المرة دي بس لو اتكررت تاني هيكون حسابك واعر جوي." "تحت أمرك جنابك." أشار له قاسم بالانصراف وعاد بظهره للوراء ليخرج تنهيدة قوية من صدره، وقد شعر بأنه تمادى حقاً في غضبه. فقرر العودة إلى منزله، لكنه لن يسامحها. *** ظلت حنين طوال الوقت تعاتب نفسها على فعلتها. ما كان لها أن توافق على مقابلته وهي تعلم جيداً نواياه.
وهو محق في غضبه مهما يكن. هو رجل يغار، وخاصةً أنه يعلم رغبة فهد أخيه فيه. نظرت في ساعتها التي تعدت الواحدة صباحاً ولم يعد إليها. أمسكت هاتفها كي تتصل عليه، لكنها توقفت عندما وجدت أنه يدلف الغرفة وملامحه لا تبشر بالخير. تجاهل وجودها وأخرج ملابس له من الخزانة ودلف المرحاض دون النطق بشيء، واكتفى بثفق الباب خلفه بحدة. جلست هي على المقعد بكمد وحاولت كبت تلك العبرات التي تجمعت داخل مقلتيها.
فهي دائماً ما يستخدم التجاهل عقاباً لها بعد أن يخرج ما بجعبته فيه. لم تعد تستطيع تحمل عصبيته. تشعر أحياناً أنه ليس قاسم الذي عرفته وأحبته. وبعد ذلك تلتمس له العذر بما فعلته به وتلك الوحدة التي عانى منها بعد فعلتها. حاولت هي أيضاً رد الإساءة بأخرى مثلها وتترك له الغرفة، لكنها لم تستطع. هي من أخطأت وعليها التحمل. خرج من المرحاض ومازال يتجاهل وجودها. فأرادت هي كسر ذلك الجمود فقالت بهدوء: "أحضر لك العشا؟
استلقى قاسم على الفراش وجذب الغطاء عليه وهو يرد باحتدام: "مليش نفس." نظرة إليه بعتاب قاسٍ شعر به دون النظر إليها. وحاول كبت مشاعره التي تدعوه إلى أن ينهي خلافاتهم ويحتويها داخل أحضانه، ساحباً آلامها وأحزانها التي جعلتها تنظر إليه بذلك العتاب. لكنه أصر على مواصلة تجاهلها حتى لا تكرر فعلتها. أغلق عينيه بغضب من نفسه عندما سمع شهقتها المكتومة تهز قلبه. حاول الثبات وتجاهل رجاء قلبه، لكنه لم يستطع الصمود أكثر من ذلك.
فأطاح بغضبه عرض واعتدل في فراشه، لينظر إليها قائلاً بثبات: "ممكن أعرف إنتي بتعيطي ليه؟ مسحت عبراتها بظهر يدها وقالت بألم: "يفرق معاك آوي." زفر بضيق وقال: "يعني إنتي شايفة إني مليش حق في اللي عملته ده؟ هزت رأسها بالنفي وقالت: "ليك حق تزعل بس مش بالقسوة دي. قاسم، إنت طبعك بقى صعب أوي، مبقتش قاسم اللي عرفته وحبيته." نهض قاسم من فراشه ودنى منها لينظر إلى عينيها التي احمرت من شدة البكاء، وقال بهدوء:
"بلاش نفتح في الماضي لأنه قاسي جوي. وجاسم القديم خلاص انتهى، معدش ليه وجود ومش ممكن يرجع تاني." رمشت بعينيها عندما علمت مغزى كلماته، وقالت بتلعثم: "قاسم أنا…" قاطعها قاسم قائلاً بهدوء يتنافى تماماً عما بداخله من نيران لم تخمد بعد: "خلاص ياحنين، متجوليش حاجة. بس لازم تعرفي زين إن مفيش حاجة بتفضل على حالها. إنتي نفسك اتغيرتي، وياريت نقفل على الماضي بكل أوجاعه وخلينا في النهارده." علمت حنين من حديثه أنه لم يغفر لها بعد،
فقالت بندم: "قاسم أنا عارفة إني غلطت بس والله…" "وبعدهالك عاد مجولنا خلاص، بلاش نفتح في القديم. ويلا ننام دلوقتي والصباح رباح." نام مولياً ظهره، وظلت هي تنظر إليه وأحداث الماضي تعاد أمامها. لم يخطئ معها يوماً، بل كان متفاهماً صابراً عليها، يحاول إرضاءها بكل الطرق. كان سنداً وحصناً وأماناً. وهي من كانت صلبة وعنيدة معه. كانت تتصيد له الأخطاء وكأنها تنتقم منه مما فعله الجميع معها.
وتجمعت الخصوم عندما سمعت اتهامه بقتل سالم. لم تتركه يدافع عن نفسه، بل أصدرت الحكم على الجميع فيه هو. ولولا فضل الله عليها وعليه لكان الآن في عداد الأموات. تعاني من قسوة ضميرها. عليها الآن أن تنسى الماضي بكل آلامه وأن تثبت له أنها جديرة بتلك الفرصة التي فازت بها. *** جلست بجواره تضع ساقاً فوق الأخرى منتشية. من بداية فوزها وهي الإيقاع بين قلبين أرهقهما الفراق. "إيه رأيك بقى في تخطيطي ده؟ رفع فهد حاجبيه بمكر وهو يقول:
"بس ده مش تخطيط، دي مجرد بداية. التخطيط اللي على حج بصحيح اللي ينهي زواجهم، إنما كل دي تفاهات أي حد ممكن يعملها." ضحكت بسخرية وقالت: "صبرك عليا بس، كل حاجة لازم تاخد وقتها عشان نهيئ للضربة اللي هتنهي كل حاجة. أحنا كده بدأنا نزرع الشك جواه، وخطوة منك على خطوة مني كل حاجة هتمشي زي ما إحنا عايزين." قال فهد بقلق: "بس أنا بردك خايف لجاسم يتهور ويعمل فيها حاجة ويبقي أنا اللي خسرت وقتها." ابتسمت بسخرية وقالت:
"لا متخافش، مش هيقدر يعملها حاجة ولا حتى يفكر يأذيها. بكثيره آوي هياخد منها الولاد ويطلقها ويرميها في الشارع ومش هيكون قدامها في الوقت ده غيرك إنت. فغصب عنها هتروح معاك." "مفتكرش بعد اللي هنعمله فيها ده ممكن توافق تيجي معايا." ردت ياسمين بملل: "والله أنا في الوقت ده هكون عملت اللي عليا والباقي عليك. بس المهم إننا منتسرعش. ياريت نهدي كده ومتعملش حاجة من ورايا. اتفقنا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!