دلفت المنزل الكبير الذى يشبه إلى حد ما منزل عائلتها. فتسخر من عمها الذى رفض سالم لفقره، فليأتى ويرى ذلك الثراء الذى يعيش به أهله. انتبهت على صوت صغيرها الذى سألها وهو ينظر حوله بسعادة: ماما البيت دا كبير اوى. ابتسم مراد ثم حمله بين يديه وهو يقول بصدق: البيت ده يبجى ملك ياامجد بيه. نظرت إليه حنين بضيق لترد عليه باستياء: لا مش ملكه، احنا جايين فى زيارة وماشيين على طول، ياريت متعلقش أبنى بالمكان.
استغرب مراد من رفضها وقال: بس ده حقه ولازم ياخده، زى ما لازم يعرف أن ليه أهل وله عزوة وقت ما يحتاجهم يلاقيهم فى ضهره. مش هنغلط غلط مراتى عمى ومش هنسيبوا ابننا يعيش فى مستوى أقل من مستواه. صاحت به حنين بغضب: يعنى أيه؟ بتستغفلنى عشان تاخدوا أبنى منى؟ حاول الشيخ صالح تهدئة الأمور فقال لحنين: أهدى يابنتى الأمور متتخدش كده، أهدى وخلينا نعرف أيه الحكاية. ثم نظر إلى مراد: يعنى أيه كلامك ده؟ رد مراد بصدق:
لا ياجماعه أنا مجصدش حاجه واصل من اللى جات فى بالك، ولا أحرم ابن أخويه من أمه واصل ولا حتى أفرض عليه حاجه من كل الكلام ده. بس أمجد لازم يعيش فى المستوى اللى والده اتحرم منه وياخد حقه بما يرضى الله، ويعرف أن ليه عيلة كبيرة يتشرف بيه. مش نخليه يدور على عيلة تانيه مع الغريب. قالت حنين بغضب أشد: تقصد أيه بالغريب ده؟
الغريب اللى انت بتقول عليه ده هو كان كل عيلة سالم الله يرحمه، حتى لما مات محدش قام بدفنه ولا خد عزاه غيره هو. كان فين العيلة من باباه لما تكون ليه هو؟ لم يكن مراد يقصد شيئا من كلامه فقد خانه تعبيره فقط ليقول باعتذار:
أنا آسف، والله مقصدش حاجه أنا بس خانى التعبير ومش عايزه يعيش الظلم اللى أبوه عاشه. كل اللى انت شايفاه ده ملكه هو فمتأخذنيش يعنى ازاى يعيش فى المستوى اللى هو فيه حالياً. بس على العموم الكلام ده سابق لأوانه، تفضلوا الأول نشوف الحاجه أم سالم وبعدين نتكلم. دلفت حنين الغرفة لتجد امرأة راقدة على الفراش مستندة بظهرها على الوسادة.
لم تكن حنين تتخيل أن يكون الشبه بينها وبين ابنها إلى هذا الحد، وكأنها ترى صور مكبرة لسالم زوجها. قالت أم مراد: بسم الله ماشاء الله، انتى مرات سالم الله يرحمه مش أكده؟ لتسمعها حسنة وتفتح عينيها ليقع نظرها على حنين وهى تقف ببرود يتنافى تماماً عما بداخلها من ضيق. فتقول حسنة بتعب شديد: يامرحبا بريحة الغالي. ثم نظرت إلى أمجد، الصورة المطابقة لسالم رحمه الله، فتنهمر العبرات من عينيها وهى تقول بألم:
تعالى ياولد سالم، تعالى يابن الغالي. نظر أمجد إلى والدته يستأذنها فأومات له ليذهب إليها. وما أن اقترب منها حتى جذبته لحضنها وهى تبكي وتشم رائحته التى تذكرها بوالده. حتى أشعرته بالخوف. فقالت لها أم مراد: أهدي ياأم سالم، الواد خايف. أبعدته أم سالم عنها قليلاً لتنظر إليه تطمئنه وتقبل يديه: متخافش ياغالي، طول ما أنا عايشة متخافش واصل ولا حتى بعد ما أموت، وبدعي ربنا يطول في عمري عشان أعوض ابوك فيك ياابن الغالي.
قال أمجد ببراءة: انتي تعرفي بابا؟ قالها لتزداد العبرات انهماراً وقالت بحزن عميق: عز المعرفة ياولدي، ابوك ده يبجى ابني اللي انحرمت منه. سألها أمجد: طيب ليه مش بتيجي تزورينا؟ ردت بألم: غصب عني ياغالي، كنت فاكرة اني بكده بحميه بس ربنا عاقبني أشد عقاب وانحرمت منه العمر كله. وعادت للبكاء. اقتربت منها نور تحاول تهدئتها: كفاياكي بكى أكده غلط عليكي والحمد لله أن ربنا عوضك عنه بأمجد. مال أمجد ناحيتها يقبل
رأسها بفطرته ثم يقول لها: خلاص ياتيته، أنا ماما لما بتعيط على بابا لما ببوسها بتسكت على طول. اشتد بكاءها أكثر وهى ترجعه لأحضانها وقد لامست فعلته قلبها وأعاد إليه الحياة التى فارقته بفراق ابنها. مر الوقت بينهم وتطلب أم سالم خروج الجميع كي تتحدث مع حنين على انفراد. لينصرف الجميع وتأخذ نور أمجد وهى تقول بسعادة: تعالي نلعبوا في الجنينة شوية. أومأ لها أمجد بسعادة وذهب معها وتبقى حنين مع أم سالم ومازالت على جمودها.
فقالت أم سالم بصوت واهن: جربي مني يابنتي. اقتربت منها حنين بعد تردد لتجلس بجوارها وهى تقول بثبات حتى لا تتأثر بها: نعم. تنهدت حسنة بتعب ونظرت إلى حنين قائلة:
أنا خابرة انك زعلانة مني وليكي الحق، بس انتي أم وخابرة يعني إيه ضنا. القطة لما بتحس بالخطر على عيالها بتاكلهم وهي فاكرة أنها كده بتحميهم، وأنا عملت كده لصالحه وبهدف إني أنقذه من الثأر اللي مبيرحمش لا كبير ولا صغير. المهم في الوقت ده أنه يعيش ويبعد عن الموت اللي انكتب عليه. بس فضلت معاه ومتابعاه كل دقيقة وصورة بتتبعتلي من مدير الملجأ على طول، ومحرمتوش من حاجة واصل وكنت ببعتلوا مصاريفه ولبسه وكل حاجة محتاجها، غير
التبرعات اللي ببعتها للملجأ. بس لما خلص الثانوية وقرر أنه يترك الملجأ بعت فلوس للشقة اللي هيسكن فيها ومصاريف جامعته، بس هو يانور عيني كان نفسه عزيزة ورفض أي فلوس جاية من حد. اختار أنه يعتمد على نفسه. حاولت كثير مع المدير أنه يقنعه بأي طريقة بس معرفش واصل، لحد أبوه مات. وجلت وقتها أن الثأر خلاص انفض ولازم أرجع ولدي لبيته ولورثه، بس اتفاجأت بموته ومن يومها وأنا راقدة كده في فرشتي. بس الروح ردت في جَلبي من تاني لما
شوفتكم، أرجوكي يابنتي متحرمنيش منكم.
ثم تبدأ في البكاء مرة أخرى. حاولت حنين الثبات وعدم التأثر بها لكنها استسلمت عندما سمعتها ترجوها قائلة: أرجوكي يابنتي متهملنيش لحالي وتفارقوني بعد ما شوفتكم واتعلقت بيكم، ارجوكي يابنتي. وعادت للبكاء. لم تستطع حنين الرد بشيء فتقول بعد فترة: خلاص سيبيني أفكر وأرد عليكي. خرجت حنين من غرفتها وهى لا تعرف ماذا تفعل.
لا تنكر أنها تعاطفت معها وتريد التخفيف عنها لكن بقاءها هنا هو المستحيل بحد ذاته فهي لن تلقي بأبنها في التهلكة. وهذا ما جعلها تشعر حقاً بالتعاطف معها. ستبقى معها فترة تقرر فيها ما تود فعله. وقف ينظر إلى تلك الأرض التي راح ضحيتها أرواح كثيرة منها البريئة ومنها الظالمة. والده. هل لو علم أن فعلته تلك ستكلفه حياته وحياة ابن أخيه وربما أيضاً حياة ابنه، هل كان سيتمسك بها بتلك الطريقة؟
ألم يكن يعلم بأن قتله للآخر سيكون بداية لثأر يأخذ في طغيانه أجيال وأجياله؟ هل أعماه جشعه وجعله لا يفكر في عواقب فعلته؟ ظل مكانه يتساءل ويتساءل حتى تعب من التفكير وهم بالذهاب لولا هاتفه الذي صدع يعلن عن وصول رد عمه. عاد قاسم إلى منزله ومازال يفكر في مكالمة عمه والذي إذا وافق عليه سيكون بذلك يشارك في جريمة أخرى. دلف غرفته ليجد زهرة مازالت مستيقظة وهى تحمل ابنها الذي غفى بين يديها. فقال: السلام عليكم، لسه صاحية؟
ابتسمت له زهرة لترد قائلة وهى تحاول إخفاء ذلك الألم التي تشعر به: مالك مبطلش بكى انهارده تعب أمي كتير بس لما أخدته في حضني نام على طول ولساتها ماشية. جلس قاسم بجوارها ليأخذه منها عندما لاحظ شحوبها ووضعه في فراشه ثم التفت إليها قائلاً بحب: اتعشيتي؟ أومأت له بصمت عندما لاحظت عبوسه الذي لا يستطيع إخفاءه عنها فتعرف أن هناك ما يؤرقه. فتسأله قائلة: مالك ياقاسم في حاجة مضيقاك؟ نظر إليها قاسم بابتسامة لم تصل لعينيه:
لا ياجلب جاسم مفيش حاجة مهمة متجلجيش. لم تقتنع زهرة بكلامه لتصر عليه قائلة بعتاب: هتخبى عليا ياقاسم، على الأقل سيبني أشاركك همومك، متلغنيش من حياتي للدرجة دي. رد عليها قاسم بصدق وهو يحتويها بذراعيه: متجوليش أكده مرة تانية انتي خابرة غلاوتك عندي جد إيه. ردت عليه بإصرار: يبجى تحكيلي إيه اللي شاغلك. أخرج قاسم تنهيدة عميقة من صدره وبدأ بقص كل شيء منذ مجيء ابن المحامي إلى اتصال والدها:
بس ياستي هي دي كل الحكاية، ولو سكت هكون بشارك في جريمة جديدة وهظلم إنسانة مالهوش ذنب في اللي بيحصل. فكرت زهرة قليلاً ثم قالت: أنا هقولك تعمل إيه. مر أسبوع على أبطالنا منهم من يخطط للشر وهناك من يحتار بين الخوف والواجب. وهناك من يلزمه ضميره بالرضوخ إلى ما يرضي ربه. وذلك الطفل الصغير الذي أصبح ملازماً لجدته التي تحسنت صحتها بوجوده. وذلك المولود الذي أنار المنزل بمجيئه ليطلق عليه مراد اسم سالم ويسعد به أمجد كثيراً.
فيجتمع الجميع في منزل حسن المنشاوي والد مراد بفرحة عامرة بذلك المولود. فيقول حسن بسعادة لأمجد: من يوم ما دخلت بيتنا وانت جدمك جدم سعد علينا ياولد الغالي. أكدت نور كلامه قائلة: دي حقيقة والله ياعمي وحنين بردوا ربنا يكرمها مسبتنيش ثانية واحدة. ردت عليها حنين بابتسامة صافية: متقوليش كده أنا معملتش حاجة، أحنا أخوات. قالت أم سالم بسعادة وهى تنظر لحنين وأمجد:
مين كان يجول أني أقف على رجلي من تاني بعد ما كنت بين الحياة والموت، جيتكم أهنه ردت الروح فينا كلنا، ربنا يحميكم ويبارك فيكم ويبعد عنا الشر وناسه. آمن الجميع حولها وظلوا يتسامرون بسعادة ولم يخفى على نور نظرات سالمة الحاقدة لحنين وعلى سعادة الجميع بها وبابنها فيزداد حقدها عليها أكثر. أصرت حنين على المبيت مع نور رغم إلحاح الجميع عليها بالعودة إلى غرفته. لكنها أصرت على البقاء معها فيرحل الجميع وتبقى هي معه.
لم تنم حنين تلك الليلة بل ظلت مستيقظة تفكر فيما قاله لها الشيخ صالح قبل ذهابه: فكري يابنتى في مستقبل ابنك، أنا لو عيشت انهارده مش هعيش بكره وأنا عايز أطمن عليكي قبل ما أموت. قالت: بعد الشر عليك متقولش كده.
قال: الموت حق مش هنهرب منه، وأنا شايف أنهم ناس أفاضل وفرحانين جداً بيكي وبأمجد. وبعدين مينفعش تحرمي ابنك من أهله ومن عزوته وزي ما انتي شايفه الكل سهران على راحته، أنا عارف أن الحياة هنا صعبة بس فكري في مصلحة ابنك، توكلي على الله. {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}. ولو مش عجباكي الحياة هنا كلميني وأنا آجي آخدك.
نظر إلى أمجد وأردف: وربنا يصبرني على فراقكم. عادت من شرودها على صوت نور: حنين انتي لسه صاحية؟ التفتت إليها حنين وهى تقول بابتسامة: لا ياحبيبتي أنا بس قلقت شوية. فهمت نور سبب قلقها فقد انتهت المدة التي حددتها للتفكير. فقالت نور بتفهم:
أنا عارفه إيه اللي جالج نومك بس أنا رايدة أقولك كلمتين. الحياة في الصعيد مش صعبة زي ما انتي فاكرة ولا زي ما بتشوفيها في المسلسلات اللي بتقدم صورة سيئة عن الصعيد وتجارة السلاح والمخدرات وغير طبعاً أنهم مش بيعلموا البنات وبيجوزوهم وهم أطفال وحاجات كتير قوي. بس أنا عايزة أعرفك أن الصعيد في تقدم عالي جداً. أنا مثلاً من الصعيد ومعايا بكالوريوس تجارة، مراد جوزي بكالوريوس زراعة، غير كمان عندنا مدارس أزهرية ومدارس لغات
ومدارس للاحتياجات الخاصة، عندنا منتزهات ونوادي. بس المشكلة الوحيدة اللي بيعانوا منها هي الثأر. وهنا دور المشايخ اللي بيعملوا توعية دينية وبيحاولوا يصلحوا بين العائلات. وده اللي حصل معانا والحمد لله اتوقف الثأر وبقينا في أمان. يعني متخفيش على أمجد الكل هنا هيحميه بروحه وانتي هتعيشي معززة مكرمة من الكل. احنا خلاص اتعودنا عليكم. أنا عمري ما شفت أمي مبسوطة كده. أرجوكي ياحنين خليكي معانا.
خرجت تنهيدة عميقة من صدرها وهى تتمنى أن يكون كلامها صحيحاً: إن شاء الله. وفي اليوم التالي جلست حنين مع ابنها كي تعرف منه إذا كان يرغب في البقاء هنا أم يريد العودة إلى قشتم. ليجيبها قائلاً: مع أن تيته وجدو صالح هيوحشوني بس أنا عايز أفضل هنا. أرادت حنين أن تعرف إذا كانت رغبته في البقاء هنا توفير احتياجاته ونمط حياة منبهر بها أم حبًا وتعلقًا بتلك الحياة: طيب انت عايز تفضل هنا عشان إيه؟ رد أمجد بتلقائية:
عشان تيته بتحبني وعمو مراد بيخدني معاه وهو رايح الأرض وبيقولي إن الأرض دي ملكك ولازم لما تكبر تحافظ عليها وأنا وعدته إني أحافظ عليها. وجدو حسن بيقولي إني لازم أفضل هنا عشان أراعي أرضي، ماما يعني إيه أراعي أرضي؟ ضحكت حنين وردت قائلة: يعني تاخد بالك منها وتحافظ عليها. انهض أمجد من جوارها قائلاً وهو يسرع بالخروج من المنزل إلى منزل حسن: أنا هروح عند عمتو عشان ألعب مع سالم. أسرعت حنين خلفه وهى تناديه قائلة:
أمجد استنى أنا جايه معاك. وأن تنتبه تلك الأعين التي صادفتها وظلت تتابعها حتى اختفت من أمامه. لا يعرف لما شعر بالضيق عندما لاحظ نظرات الجميع عليها فيقول بغضب حاول إخفاءه: بينا ياشيخ حمدان. جلس كلاً من قاسم وأخيه فهد وعمه عاصم وبعض كبار البلدة في المضيفة الخاصة ببيت حسن المنشاوي الذي تسأل هو ومراد عن سبب زيارتهم. وقبل أن يتحدث عاصم سبقه قاسم قائلاً بحكمة:
طبعاً انت مستغرب وبتسأل عن سبب زيارتنا ياحج حسن بس صدقني احنا جايين في الخير. وأكبر دليل على كده. مد يده في جيبه ليخرج العقد ويناوله لحسن وتابع: دا عقد الأرض اللي مات ضحيتها أبوي وولد عمي وقصادهم مات اخواتك التنين. وبما إننا لحد انهارده مش عارفين إذا البيعة دي تمت بينهم ولا لا، فأنا برجع الأرض لصاحبها وان كان ليه حق أنا مسامح فيه. ودا حفظاً على حياة ولادنا اللي أرض الدنيا كلها متسواش ضافر فيهم.
رفع مراد حاجبيه متسائلاً: والمقابل؟ وقبل أن يتحدث فهد كان قاسم يسبقه قائلاً: المقابل هيكون نسب بين العيلتين وينفض الثأر نهائي. رد قاسم بتأييد: وفهد أخوي معندوش مانع يستناها وفي الوقت اللي تحددوه. بس أنا بطلب منك يد أرملة سالم الله يرحمه، وان شاء الله من بكره تتفضلوا تستلموا أرضكم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!