الفصل 29 | من 33 فصل

رواية لا تلتمس مني حبا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
18
كلمة
5,305
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

انتهى أخيرًا من تجهيز تلك الشقة الصغيرة التي استأجرها من أجلها. ورفض اقتراح والدها بأن يقيموا في منزله حتى انتهاء مدة إقامته التي تتراوح بين عامين أو ثلاثة أعوام. وعندما رفض باسم، انسحب والدها وقرر تركهم هانئين دون التدخل في حياتهم كما فعل من قبل ودمر حياتها مع من لا يستحق. دلف غرفته كي يهاتفها ويخبرها بأنه انتهى أخيرًا من تجهيزها وينتظر مجيئها على أحر من الجمر.

لم يجد منها ردًا، لكنها طمأنته برسالة تخبره فيها بأنها في اجتماع وسوف تهاتفه بعد الانتهاء. وضع هاتفه وقد عاد إليه ذلك الخوف الذي يراوده منذ فترة على أخته. ظل يلعن ذلك الحظ الذي أوقعه مع هؤلاء المجرمين الذين قاموا بمهاجمته وأخذوا الهاتف، ومن وقتها وهو لا يعرف شيئًا عنها. حتى عندما وجدت الشرطة سيارته بعد أن قام بالإبلاغ عن سرقتها، وجدها دون هاتفه.

فكلف روان بتلك المهمة بأن أعطاها العنوان وطلب منها الوصول إليها والاطمئنان عليها. فبعث إليها رسالة: "عرفتي حاجة عن حنين؟ انتظر إجابتها التي تأخرت قليلاً، ثم أخبرته: "متقلقش، أنا كلمت بابا وهو بعت حد من الأمن بس لسه مرجعش." "تمام، لما تخلصي كلميني." وضع الهاتف على المنضدة وما زال ذلك الشعور يأرقه، لكن سينتظر قليلاً وإن لم يأته خبر عنها، سينزل بنفسه كي يطمئن عليها. *** وقف أمام غرفة الحضانات ينظر إلى ابنته.

التي تسارع الموت كوالدتها بقلب ممزق. تلك الوردة البيضاء التي أضاءت حياته المظلمة وأسكرته برائحتها التي عطرت دنيته، ليدهسها هو بكل جبروت فينطفئ نورها ليسود الظلام حياته. دمعة حارة سقطت على خده عندما حركت صغيرته يدها. وضع يده على زجاج الغرفة يريد أن يلمسها، أن يطلب العفو منها، فهو بشكه وتهوره كاد أن يزهق روح من يحيى لأجلهم. من قال إن أشد عذاب هو عذاب الجسد، فعذاب الروح أشد وأقوى بكثير.

ابتسم قاسم عندما حركت يدها مرة أخرى وتذكر عندما أخبرته بأنها تود أن تكون فتاة. وكم انزعج وقتها، ليس بغضًا لكونها فتاة، ولكن لم يرد في حياته أنثى غيرها. لم يكن يعلم وقتها أن بنظرة واحدة منها تجعل قلبه ينبض بحبها. انكمشت يده على الزجاج. مغمضًا عينيه بحزن عندما تذكر الاسم الذي انتوته حنين وهو اسم "زهرة". خرج من شروده عندما سمع صوت عمران. "جاسم بيه."

التفت قاسم إلى عمران الذي وقف ينظر إليه بعينين مشفقتين، فهو أكثر من يعلم بحالته الآن، لكنه يعلم سيده جيدًا، كعادته لا يظهر حزنه أمام أحد. فقال بثبات: "عملت إيه؟ رد عمران: "عملت زي ماجولتلي وهي دلوقتي في المخزن، وبالنسبة للدكتور عرفت إنه بعد ما خرج من عندنا رجالة فهد أخوك سابوه على الطريق وخدوا منه التليفون والعربية." اتضح لقاسم كل شيء الآن، فقد استطاعوا بمهارة الإيقاع بينهم، وهو بغبائه وقع في فخهم.

فعليه الآن أن يقطع رأس الحية التي دبرت لكل ذلك ثم يعود إليها يطلب منها الصفح والغفران بكل وسيلة ممكنة حتى تعفو عنه. نظر إلى عمران وقال: "اسمعني كويس ونفذ اللي هأقولك عليه... *** دلف قاسم الغرفة بعد أن سمحوا له بالدخول وقاموا بتعقيمه، فوجدها مستلقية بلا حراك تحاوطها الأجهزة من كل جانب. جلس على المقعد بجوارها وأمسك يدها يقبلها بحب، ثم نظر إلى وجهها الذي يعشقه وقال بألم:

"خابر إنك سامعاني وحاسة بوجودي، زي ما إنتي حاسة بالقهر والندم اللي بيكوي قلبي." "ارجعيلي ورحمي كسرتي وضعفي، متسبنيش لعذاب القلب اللي مابيرحم." أخذ يدها ليضعها على قلبه الذي يخفق بشدة خوفًا ولوعًا عليها. "عارف إني ظلمتك وجسيت عليكي بس كان جسوتي على نفسي كانت أشد بكتير وأنا بجسي عليكي." "سامحيني وأرجعي، أنا مليش وجود من غيرك." "غلطت في لحظة غضب وندمت." أخرج آه عميقة من صدره.

"آآه لو تعرفي بالنار اللي جايدة جواتي هتسمحيني وتغفريلي." "أرجوكي يا حنين ارجعي وأنا هعوضك عن اللي شوفتيه سواء مني أو من غيري." دلفت الممرضة الغرفة متعاطفة مع حزنه على زوجته، لكن عليها إخراجه لصالحها هي. فقالت برجاء: "لو سمحت يا فندم، لازم تخرج دلوقتي." أومأ لها بتفاهم ثم ترك يدها بصعوبة بعد أن مال عليها مقبلاً جبينها بحب. خرج من الغرفة كي يبدأ ما انتوى فعله.

ذهب إلى الطبيب المتابع لحالتها وطلب منه نقلها إلى مشفى أخرى في القاهرة. فرد الطبيب: "بس أنا شايف إن حالتها متسمحش بنقل من مكان لمكان دلوقتي، مخبيش عليك الحالة حرجة جداً وأنا مضمنش المضاعفات اللي ممكن تتعرض ليها لو نقلناها دلوقتي." رد قاسم بثبات: "أنا كلمت المستشفى وهما دلوقتي جهزوا غرفة عناية ليها وهيبعتوا عربية إسعاف مجهزة وإن شاء الله خير." رد الطبيب باستسلام:

"زي ما تحب، وأنا هخلي دكتور يكون معاها تحسبًا لأي ظرف لأن المسافة طويلة جداً وربنا معاها." *** دلف قاسم المخزن ليجدها ملقاة في إحدى الزوايا ترتعد خوفاً من انتقامه. فور أن رأت رجال قاسم حتى أيقنت أنه قد علم بأفعالهم. وعند رؤيته أسرعت إليه تطلب منه العفو. "قاسم أرجوك أنا معرفش حاجة، بابا وفهد هما اللي عملوا كده في حنين عشان...

قاطعها قاسم بصفعة حادة من يده أسقطتها أرضًا وبدأ فاقدًا السيطرة على أعصابه وهو يزمجر بها قائلاً كأسد غاضب: "اخرسي متنطقيش اسمها على لسانك بدل ما أقطعها لك." كمال عليها ليجذبها من خصلاتها حتى كاد أن يقتلعها وهي تصرخ بفزع من هيئته التي ترعب من يراه. وقال بصوت هادر: "بقى واحدة... زيك تضحك عليا وتستغفلني." تلقت صفعة أخرى جعلتها تصرخ وتستنجد بمن ينجدها من براثينه. لكنه كان كالبركان الثائر من يقترب منه هالك.

"وحياة مرتي وبنتي اللي بيسارعوا الموت دلوقتي لأخليكي تتمني الموت اللي هيرحمك من يدي ومش هتلاقيه." مالت ياسمين على قدمه وهي تطلب منه الرحمة، لكنه أبعدها عنه باشمئزاز. ثم أمسكها من عنقها قائلاً من بين أسنانه: "حق مرتي وشرفها اللي اتلاعبتوا بيهم وبنتي اللي كنت هأقتلها بإيدي دي تمنها واعر جوي." "هخليكي تشوفي الذل وجحيم جاسم الرفاعي اللي استهونتوا بيه."

دفعها قاسم عندما لاحظ اختناقها، لا يريد أن تموت بتلك السهولة، سيذيقها العذاب الذي عانت منه حبيبته على يدها. وصراخاتها التي يتردد صداها في أذنها حتى الآن تكوي قلبه. "قاسم أرجوك ارحمني أنا عملت كده عشان بحبك." "عمرررران." نادى قاسم بصوته الجهوري على عمران الذي أسرع إليه. "نعم يا جاسم بيه." "نفذ اللي جولتهولك عليه." *** "إيه اللي بتقوله ده يا حضرة الظابط، المحصول سليم وزي الفل، مين جالك الكلام الفارغ ده."

قالها عاصم بحدة عندما داهمت الشرطة محصوله بناءً على بلاغ تم إبلاغه عن استخدامه مواد غير صالحة للزراعة. فقال الضابط: "الكلام الفارغ ده جالينا في أخبارية و فيه فيديوهات وصور بتأكد استخدام المواد دي." ارتبك عاصم وقال: "الكلام ده مش حقيقي." قال الضابط بإيحاء: "كل حاجة هتتعرف بعد تحليل العينات اللي بعتناها المعمل واتمنى إنه يكون كلامك صحيح." "وياريت تتفضل معانا من سكات." "لو سمحت يا حضرة الظابط."

التفت الجميع إلى صاحب الصوت الذي لم يكن سوى قاسم دالفًا المنزل بهدوء ونظرات قاتلة إلى عمه. وتابع: "إذا سمحتلي قبل أي حاجة أتحدت مع عمي في كلمتين." رد الضابط بمهنية: "عندك حاجة عايز تقولها يبقى في المركز مش هنا." تقدم قاسم من الضابط وقال: "هي دقيقة واحدة وهأخليه يمشي معاك من غير شوشرة." وافق الضابط وأشار قاسم لعمه بالدخول معه غرفة مكتبه. وعندما رفض عاصم، همس له قاسم بجوار أذنه:

"ادخل معايا لصالحك وبلاش عناد مش هيفيدك بشيء." أومأ له على مضض ودلف معه المكتب قائلاً: "خير يا جاسم جاي تشمت في عمك؟ ابتسم قاسم متهكماً ودنى منه قائلاً بمغزى: "بالعكس أنا جاي أنجدك مش جاي أشمت لا سمح الله." ضيق عاصم عينيه مستفهماً، فتابع قاسم: "أولاً أحب أعرفك إن فهد أخوي وشريك في جرايمك اتتنازل عن أرضه ليا." قال عاصم بصدمة: "انت بتقول إيه؟ رفع قاسم حاجبيه وقال:

"مالك اتخضيت كده، أهدى يا عمي ليجرا لك حاجة قبل ما تعرف الخبر التاني." نظر عاصم إليه بعدم اقتناع، فيخرج قاسم بعض الأوراق من جيبه وقال وهو يريه إحداهما: "دي عقد بيع وشري من فهد أخوي ليا والفلوس اتحولت لحسابه خلاص وانتهينا." اتسعت عينيه ذهولاً ليردف قاسم وهو يريه ورقة أخرى: "أما دا بقى فعقد بيع وشري بردك بس منك ليا." ضحك عاصم باستهزاء وقال:

"وأنا إيه اللي يخليني أعمل كده، وإن كان على الكلام الفارغ اللي قاله الظابط ده فأنا هخرج منها زي الشعرة من العجين." قال قاسم بتلاعب: "هو انت متعرفش يا عمي؟ "أصل أنا اللي بلغت عنيك، لأ وكمان أنا اللي صورت رجالتك وهم بيرشوا الأرض بالمواد دي." "وأنا بردك اللي هأكد الكلام ده في المحكمة مع رجالتك اللي واثق فيهم آوي كده." أمسكه عاصم من تلابيبه وصاح به قائلاً: "يا... قاطعه قاسم بوعيد:

"أوعاك تغلط وانت خابر زين اللي بيغلط في جاسم ولا بيلعب معاه بيجراله إيه." ظهر الارتباك واضحاً عليه وقال بخوف لم يتقن إخفاءه: "تقصد إيه يا ولد أخوي؟ تحولت نظرات قاسم الهادئة إلى شراسة وغضب جحيمي وهو يقول: "أقصد إن لعبتك... انت وفهد وبنتك انكشفت خلاص وجه وقت الحساب." ازدرأ ريقه بصعوبة بالغة وقال: "أنا معرفش حاجة عن اللي بتجوله ده." قال قاسم بغضب: "لا تعرف، وانت اللي زجيت بنتك عليا." "خرج بنتي بره الموضوع."

"انت اللي دخلتها فيه وانت اللي تتحمل نتايجه." "يعني إيه؟ أدار قاسم ظهره وقال: "يعني بتي دلوقتي في يدي، يا تمضي على أرضك زي فهد، يا إما هأكد الاتهام ده وتتحبس وبتك أجوزها لأي واحد من رجالتي." التفت ليرى وقع كلماته عليه، ثم يردف: "ها جول إيه يا عمي؟ هز عاصم رأسه قائلاً: "طول عمرك وأنت غدار يا جاسم."

"طول عمري وأنا مع الحق يا عمي معرفش طربج غيره، إنما انتوا اللي الجشع عمي قلوبكم وخلاكم متبصوش تحت رجليكم ومرعتوش إنكم بإكده دوستوا على أجرب الناس ليكم، حتى بناتك اللي من لحمك ودمك." "زهره اللي دمرتها بجسوتك، وياسمين اللي عشان مصلحتك مشيتها في طريقك ال... ده، يا توافق زي ما جولتك وتهمل البلد دي وترحل منها، يا إما... اقترب قاسم منه ليهمس في أذنه بتلاعب: "يا إما نبلغ بالمرة عن...

لم يتمالك عاصم نفسه عند ذكر تلك الكلمة وأمسك بتلابيبه قائلاً بغضب: "هقتلك يا جاسم." أزاح قاسم يده عن تلابيبه وقال بتحدي: "ولا تقدر تعمل حاجة، واتفضل اختار قبل صبري ينفد وسيبك ليهم." نظر إليه عاصم بغضب هادر ليرده قاسم بابتسامة ساخرة. خرج قاسم مع الضابط ومن معه من منزل عمه وهو يقول: "أنا متشكر جدًا يا حازم على وقفتك دي." ابتسم حازم قائلاً: "متقولش كده إحنا أخوات دي أقل حاجة أردلك بيها جميلك." ربت قاسم على كتفه وقال:

"لا جميل ولا حاجة، المهم أنا هأعدم المحصول زي ما اتفقنا، وبالنسبة للي حصل ياريت ميسببش ضرر ليك." رد حازم بعقلانية: "إحنا مش همنا نلم مجرمين ونرميهم في السجون وخلاص، إحنا مهمتنا نقضي على الفساد نفسه ونقطع الإيد اللي بتأذي أولادنا." "هو ده الأهم." *** أخذه الحنين عندما علم بذهابها وساقته قدماه إليها يريد أن يطلب منها البقاء معه. فيجدها تنزل على الدرج في وجوم وقد حملت الخادمة حقائبها لتضعها في السيارة.

تقدم منها قاسم قائلاً: "رايحة فين؟ أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وقالت: "رايحة لولدي اللي طردته من أرضه وبيته، رايحة أكون معاه مطرح ما يكون." اقترب منها وعينيه تعاتبها قائلاً: "وتسيبيني أنا كمان؟ اهتزت نظراتها بضعف تحاول إخفاءه. "انت اللي سبتنا كلنا واستغنيت عنينا واكتفيت بيها في حياتك." رد قاسم بصدق لامس قلبها: "بس انتي بالذات عمري ما أقدر استغنى عنيكي، وإنتي اللي بعدتي مش أنا وشاركتيهم في مؤامرتهم عليا." رفعت

نظرها إليه لتقول بلهفة: "لا متظلمنيش، أنا بس خفت عليك منها وعشان كده كنت عايزة أبعدها عنك." "بس عمري ما شاركتهم أبداً." قال قاسم بعتاب: "مدام سكتي يبقى شاركتيهم." ألزمت الصمت بخزي ليردف قاسم: "أنا عارف معزتي في جلبك جد إيه، وعارف إنك عملتي كده خوف عليا مش أكتر." "بس بردك شاركتيهم وإنتي خابرة زين إني مجدرش أعيش من غيرها، سبتيهم يشككوني فيها لدرجة إني كنت هأقتلها بإيدي واقتل روحي معاها." هزت رأسها بالنفي وقالت:

"لا أنا مكنتش أعرف حاجة عن كل ده." "كل اللي عرفته منهم إنهم خايفين عليك وعايزين يبعدوها عنك، وإن ياسمين هي الأولى بيك وبمالك." "بس والله ماكنت أعرف شيء عن عمايلهم دي." أومأ لها قاسم بتغاضي وتسامح وقال: "خلاص اللي حصل حصل وأنا مسامحك، بس متستنيش مني إني أسامحهم مهما حصل." "عمي وأخوي ملهمش مكان في البلد دي تاني ولو في يوم عودوها يبقى هما اللي جنوا على روحهم." "عايزة تمشي مش همنعك، بس بيت ابنك مفتوح ليكي في أي وقت."

وضعت يدها على خده بحب وقالت: "ودا عشمي فيك يا غالي." "أنا صحيح مش أمك اللي خلفتك، بس أنا اللي ربيت وكبرت لحد ما بقيت راجل الكل يهابك." "وكنت أتمنى أن فهد أخوك يطلع زيك بس هو طلع لابوك وعمك وشرب طبعهم." "أنا مش بتخلي عنيك زي ما بتقول بس فهد مهما كان هو بردك ولدي اللي معزته من معزتك مجدرش أسيبه." قبل قاسم يدها وقال بحب: "عارف ومجدر، بس بردك هستناكي تاجي من حين للتاني في بيت ولدك." احتضنته بحب وقبلته يتمزق خوفًا

عليه وقالت: "إن شاء الله ربك هيشفيها وهترجع لحضنك من تاني." "إن شاء الله." *** تم نقل حنين إلى مشفى القاهرة ونقل أولاده بصحبة صباح إلى شقته التي اشتراها بجوار المشفى كي يكونوا بجانبه. دلف غرفة المدير كي يسأله عن الحالة بشكل أدق فقال: "لو سمحت يا دكتور أنا عايز أعرف حالة مراتي بالضبط." نظر الطبيب إلى التقارير وقال: "للأسف التقرير اللي قدامي بيقول إن النزيف كان شديد جدًا، وده خلى القلب وقف مرتين."

"ده في حد ذاته شيء مقلق جدًا وخصوصًا إنها مفقتش لحد دلوقتي." انقبض قلبه بخوف وقال: "طيب أنا مستعد أسفرها بره لو... قاطعه الطبيب قائلاً: "مش هيعملوا أكتر من اللي عملناه معاها ولو فعلاً الحالة مستدعية لكده إحنا اللي هنطلب بنقلها." "وبعدين إحنا عندنا هنا دكاترة ممتازة يعني متقلقش." طرق الباب لتدلف روان ليشير إليها بالجلوس قائلاً: "تعالي يا دكتورة روان." جلست روان على المقعد. "حضرتك طلبتني."

أومأ لها قائلاً ثم أعطاها التقارير الطبية الخاصة بحنين وقال: "الحالة دي تخصني وعايزك تتبعيها بنفسك، غيبوبة نتيجة عن توقف القلب... نظرت روان إلى التقارير وقالت: "تحت أمرك يا فندم أنا هاخد التقارير وأراجعها وإن شاء الله خير." "بعد إذن حضرتك." خرجت روان من المكتب ثم قال الطبيب لقاسم: "متقلقش يا قاسم الدكتورة روان من الدكاترة الممتازين وإن شاء الله قريب آوي مراتك هتفوق وتبقى زي الفل." "طيب وبالنسبة لبنتي."

"بنتك كويسة جدًا متقلقش واحتمال أسبوع بالكتير وتخرج من الحضانة." أومأ قاسم وخرج من المكتب متجهاً إلى غرفتها كي يتحدث معها كعادته ويقص عليها صعوبة الحياة بدونه. دلف الغرفة وهو ينظر إليها باشتياق ثم جلس على المقعد ممسكاً يدها ليقبلها ثم يقول بحب: "وحشتيني يا حنين وحشتيني آوي. غيابك عننا خلانا نحس بفراغ كبير آوي." "الدكتور طمنا النهارده على زهرة وقال إن كلها أسبوع بالكتير وتخرج من الحضانة."

"وأمجد مش بيبطل سؤال عليكِ بيقولي ماما هترجع امتى." "ومالك اللي حاسس باليتم في غيابك." "ارجعي يا قلبي قاومي وارجعي ونوري حياتنا من تاني أرجوكي يا حنين." كانت روان تراجع التقارير الطبية الخاصة بحنين عندما اتصل عليها باسم فأجابته مسرعة: "باسم معلش يا حبيبي آخرت عليك." قال باسم وهو مازال مستلقياً في فراشه: "لأ عادي أنا أصلاً نمت بعد ما قفلت معاكي." "المهم مفيش أخبار؟ "أنا مستنية بابا لما يرجع عشان أسألهم."

"متقلقش إن شاء الله هطمنك عليها." "هتروح المستشفى دلوقتي؟ تثاءب باسم قائلاً: "آه يا حبيبتي هقوم آخد شور سريع وأمشي." "في حاجة؟ "في حالة الدكتور محمد طلب مني أتابعها، حالة غيبوبة بقالها أسبوع." "نتيجة إيه؟ نظرت إلى التقارير وقالت: "توقف قلب بسبب نزيف حاد." "طيب صوري التقارير وابعتيها وأنا هراجعها وارد عليكي." قامت روان تصور التقارير ثم أرسلتهم إليه. *** وفي اليوم التالي.

وأثناء حديثه معها شعر بحركة مفاجئة من إصبعها مما جعله ينتفض بسعادة وهو يقول: "حنين حبيبتي إنتي سامعاني؟ لم يجد منها استجابة، أسرع قاسم بالضغط على الزر فتأتي الممرضة مسرعة. "خير يا فندم." نظر إليها قاسم بسعادة وقال: "حركت إيديها." سعدت الممرضة بذلك الخبر ثم أسرعت لتخبر روان التي أتت مسرعة وطلبت من قاسم أن ينتظر بالخارج حتى يتم معاينتها. وقف أمام الغرفة وهو يدعو ربه أن ينجيها ويعيدها إليهم. حتى خرجت روان بعد قليل فيسرع

إليها قاسم يسألها بلهفة: "خير ويادكتورة؟ هزت روان رأسها بأسف وقالت: "للأسف مفقتش." عقد حاجبيه بدهشة وقال: "بس هي حركت إيديها." "كل دي حركات لا إرادية بتحدث مع مريض الغيبوبة وقد تكون أيضاً استجابة للألم لأن اللي اتعرضت مكنش هينام." أغمض عينيه بألم ثم قال: "يعني مفيش أمل؟ ردت روان: "في أمل طبعاً وخصوصاً إن مؤشراتها كلها جيدة والمخ بيعمل بشكل كويس." "ومدام الغيبوبة معداش عليها فترة طويلة يبقى الأمل موجود."

"أنا كلمت دكتور زميلنا في أمريكا وبعتله التقارير وإن شاء الله هيرد عليا الليلادي اطمن." جلس باسم ليتناول قهوته في كافتيريا المشفى وكى يراجع تقارير الحالة التي حدثته عنها روان. قام بفتح الصور وقبل الاطلاع عليها سمع النداء يطالبه بالتوجه إلى غرفة الطوارئ. أغلق الهاتف وتوجه إلى غرفة الطوارئ مقرراً مراجعته في وقتٍ آخر. *** عاد قاسم إلى المنزل ليجد أمجد جالساً وحيداً في جوم. ألمته رؤيته بتلك الحالة التي يعلم جيداً سببها.

اقترب منه ليجلس بجواره قائلاً: "مالك يا أمجد؟ لم يجبه أمجد بل التزم الصمت، فعاد قاسم يسأله: "في حاجة ضيقتك؟ هز رأسه بالنفى مما جعل قاسم يشعر بالذنب تجاه ذلك الصغير الذي لم يعرف أحد سواها. ماذا سيكون مصيره إذا فارقته؟ لن يستطيع التعايش مع هذا الذنب. لقد كان سبباً في موت والده والآن في موت أمه. فقال له قاسم: "اومال مالك؟ "ماما وحشتني آوي، انت قولتلي إنها هترجع قريب ولحد دلوقتي مرجعتش، أنا عايز أروح عندها." شعر قاسم

بنصل حاد يخترق قلبه وقال: "طيب لو طلبت منك تساعدني على رجوعها هتوافق؟ التفت إليه أمجد قائلاً بسعادة: "بجد؟ أومأ له قاسم وقال: "بجد، بكرة إن شاء الله هنروح عندها بس الأول لازم تجوم تصلي وتدعي ربنا إنها ترجع." نهض أمجد قائلاً: "حاضر يا عمو هصلي كتييييير خااالص عشان ترجع." ربت قاسم على كتفه وقال: "طيب يلا يا بطل بسرعة." أسرع أمجد تاركاً قاسم لأحزانه التي لا ترحمه.

ثم خلع سترته ليلقيها بأهمال على أحد المقاعد واستلقى على الأريكة بتعب شديد فلم يذق طعم الراحة منذ ذلك اليوم الذي ظلمها فيه. لن تكون له راحة بدونها. *** عاد باسم إلى شقته تكاد لا تحمله قدماه من شدة التعب. قام بأخذ حمامًا دافئاً لعله يريحه ولو قليلاً. ثم استلقى على فراشه كي يراجع التقارير قبل نومه. قام بفتح جهازه وبدأ في قراءة محتوى التقرير.

ليجدها غيبوبة متوسطة وقد ينتج عنها إما شللاً في بعض الخلايا العصبية أو فقدان ذاكرة. ولذلك يجب تكثيف الأدوية التي تعمل على تنشيط خلايا المخ والأعصاب كي لا تتضرر أثناء استمرار الغيبوبة لوقت أطول من ذلك. قام بالاتصال على روان التي كانت تنتظر اتصاله. "صباح الخير." رد باسم بنعاس: "صباح النور يا حبيبتي معلش آخرت عليكِ بس النهارده كنت مشغول آوي ومعرفتش أشوف التقارير غير دلوقتي." "عادي يا حبيبي، طيب قريتهم؟ أومأ باسم: "أمم."

"والنتيجة؟ تنهد باسم بتعب وقال: "زي ما شخصتيها بالظبط بس مش هقدر أحكم من غير ما أشوف الحالة على الطبيعة." "هي عمرها كام سنة؟ "مش فاكرة بس تقدر تشوف في التقرير." نظر باسم ناحية الاسم ليصطدم فجأة بما يراه، هل ما يراه حقيقة أم يخيل له من شدة قلقه عليها. قرأ الاسم مرة أخرى ليتوقف قلبه عن النبض وهو يردد اسمها بصدمة: "حنين عزام السمري!! "حنين أختي!! لم تفهم روان شيئًا مما يقول فقالت: "بتقول إيه؟ انتبه باسم لصوتها وقد توقف

عقله عن التفكير وقال بحده: "إنتي عارفة وخبيتي عليا؟ اندهشت روان من سؤاله وقالت مستفهمة: "عارفة إيه؟ في إيه يا باسم؟ نظر باسم إلى الاسم مرة أخرى كي يتأكد أكثر ثم صاح بها: "عارفة إن دي حنين أختي عشان كده كنتي بتتهربي مني لما أسألك عليها." ازداد اندهاشها وقالت: "هي حنين اختك! والله ماكنت أعرف." صاح بها باسم بغضب: "يعني حالة بتتابعيها بقالك يومين ومتعرفيش بياناتها؟ قالت روان:

"والله ما أعرف غير اسمها بس، انت عارف مبهتمش بباقي الاسم." ألقى باسم الهاتف وعاد إلى جهازه يدقق في التقارير بدقة متناهية. ثم عاود الاتصال بها مرة أخرى وقبل أن تتحدث قال بحده: "إنتي فين؟ ردت روان وهي تدلف للمشفى: "أنا داخلة المستشفى دلوقتي ليه؟ قال آمراً: "ادخلي دلوقتي أوضة حنين وخليني أشوفها فيديو." وبالفعل توجهت روان إلى غرفة حنين وهاتفه بالفيديو وقالت: "أنا في أوضتها دلوقتي عايز تعرف إيه؟ قال باسم بقلب ملتاع:

"وجهي الكاميرا ليها." أغمض عينيه بألم شديد عندما تأكد منها وهي ملقاه على الفراش دون حراك. ثم طلب من روان أن تسجل ما سيطلبه منها كي يعرض حالتها على أحد الأطباء المتخصصين في حالتها. وبالفعل أسرع باسم بالعودة إلى المشفى بعد أن قام بالحجز في أول طائرة متجهة إلى القاهرة كي يعود لها. وتوجه مباشرةً إلى مدير المشفى الذي لم يتوانى عن مراجعة الأوراق بدقة وشاهد الحالة عن طريق الفيديو الذي بعثته روان فقال بعملية:

"لا تقلق دكتور باسم الحالة التي أراها الآن ليست خطيرة بل ما أراه من ردات الفعل التي تحدث من بؤبؤ العين واليد تأكد بأنها نفسية وليست عضوية بمعنى أدق أنها هي من ترفض العودة للحياة." "وبذلك عليك أن تستخدم دافع قوي يجعلها تقاوم لأجله." خرج باسم من غرفة الطبيب لا يرى أمامه من شدة الغضب. سيعود إليها وسيأخذها منه مهما كلفه الأمر، لن يترك أخته بين يدي تلك القلوب التي لا ترحم.

منذ أن رآها بتلك الحالة وأخبرته روان بما حدث لها وهو ينتوي لهم بأشد العذاب. سينتقم حتى من عمه الذي ألقاها دون رحمة لتلك الذئاب الغادرة. ومن والدته التي فضلت تلك الحياة الرغيدة على ابنتها. وذلك القاسم الذي استطاع بسهولة خداعه وجعله يتركها ظناً منه أنها هنيئة بحياتها معه. هو من أخطأ في حقها وعليه التكفير عن ذنبه. ستنطلق طائرته في السادسة صباحاً عائداً إليها.

يفعل المستحيل حتى يعيدها للحياة التي ترفض العودة إليها مرة أخرى. *** طالت غيبتها وازداد الفراغ بداخلة، إلى متى سيظل يتعذب بنيرانها التي أشعلها ليحرق قلبه بها، وإذا عادت ترى هل ستعفوا عنه؟ هل ستنسى ما فعله بها؟ هل تسامح حتى ولو من أجل أولادهم؟ اقترب منها كانت نائمة تتنفس بهدوء من خلال الأجهزة التي تبقيها على قيد الحياة. دقات قلبها كانت رتيبة كالساعة، تخطيط المخ يشير إلى ذبذبات كثيرة ربما كانت تحلم.

تنهد بتعب وهو يحمل ابنته بين يديه ليضعها بجوارها ربما تكون زهرتهم دافعاً لها للمقاومة. فقال بألم: "حنين حبيبتي دي بنتنا زهرة، خرجتها من الحضانة وجبتها عشان تحسي بيها وتعرفي إن في روح محتاجالك." "الدكتور طمنا عليها وقالي إنها ممكن تخرج بعد يومين، ومينفعش تخرج من غيرك." "زهرة محتاجالك، كلنا محتاجالك، أمجد ديماً بيسأل عليكي ومالك بيتلفت عليكي في كل مكان، بلاش تتخلي عنهم، أرجوكي يا حنين ارجعي وكفاية عذاب بقى."

"الحياة من غيرك صعبة آوي." شعر قاسم بحركة يدها مرة أخرى لكن تلك المرة أوضح بكثير. تراقص الأمل بداخله وأكمل مشجعاً إياها: "حنين أرجوكي لو سمعاني قاومي وارجعي ونوري حياتنا من تاني بلاش عشانى أنا، عشان خاطر ولادنا أرجوكي." بكت الطفلة وكأنها تطالبها هي أيضاً بالعودة لأجله. دلتفت الممرضة كي تأخذ الطفلة وتعيدها مرة أخرى إلى الحضانة. وقالت: "دكتورة روان عايزك ضروري مستنيكِ في مكتبها."

أومأ لها قاسم وخرج من الغرفة متجهاً إلى غرفة روان ليتفاجئ بذلك الصوت الهادر الذي أوقفه قائلاً: "قاسم." التفت قاسم حيث مصدر الصوت ليجد باسم يتقدم ناحيته بغضب هادر موجهاً له لكمة قوية إلى وجهه جعلته يترنح في وقفته. وقبل أن يعيدها مرة أخرى منعه ثابت الذي أسرع خلفه ما أن رآه وقال: "في إيه يا باسم أهدى." "سيبني أخلص عليها." حكم ثابت تقييده وهو يقول: "طيب أهدى الأول وفهمني في إيه؟ ومين ده؟

هم قاسم بالرد لكن ذلك الصوت الذي صدح من غرفتها جعلهم جميعاً يهرولون إليها عندما صدح ذلك الإنذار معلناً عن توقف نبضها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...