استيقظت حنين صباحاً على صوت طرقات على باب غرفتها. انقبض قلبها خوفاً مما هو آت، فأسرعت بالنهوض لفتح الباب. فإذا بها صباح الخادمة تقول بخوف: "الحقي يا ست هانم. لست زهرة تعبت وقاسم بيه خدها وراح المستشفى. وسى مالك بشوفوا دلوجت لقيت جسمه نار وعمال يعيط ومفيش حد واصل في البيت." انقبض قلبها خوفاً على ذلك الصغير. أسرعت بالذهاب معها إلى غرفته لتجده يصرخ وحيداً.
حملته حنين بين يديها بقلق شديد فوجدته حرارته مرتفعة بشكل غير طبيعي. فنظرت لصباح قائلة بخوف: "الولد سخن آوي، لازم يروح لدكتور. جسمه نار." ردت صباح بخوف: "بس الدكاترة اللي هنه بعيدة جوي ومفيش عربية نروح بيها." صاحت بها حنين بخوف: "يعني إيه؟ السخنية دي ممكن تأثر على المخ وتعمله تشنجات." قالت صباح بخوف: "خلاص أكلم جاسم بيه." رفضت حنين قائلة: "لأ سيبيه. مينفعش يسيب زهرة في الحالة دي."
أخذت الطفل ودلفت به المرحاض ووضعته رأسه أسفل الماء البارد فتعلو صرخاته. فقالت صباح بخوف: "بس يا ست هانم أكده غلط عليه." نفت قائلة: "لأ متخفيش. الدكتور نفسه كان هيطلب مننا كده. المهم دلوقت جهزيلوا الهدوم عشان نوديه للدكتور." "هنروحوا إزاي؟ أخرجت حنين الطفل من أسفل المياه وتعود به إلى الغرفة وقالت: "هكلم مراد ييجي يودينا." اتصلت حنين بمراد الذي لم يتوانى بالذهاب إليهم وأخذهم بسيارته إلى الطبيب.
الذي عاين الطفل ودون الأدوية وهو يطلب منها تكرار وضع رأسه أسفل المياه الباردة حتى تساعد بشكل أسرع مع العلاج. ثم عادت به إلى المنزل. أصر مراد على أخذ أمجد حتى تتحسن حالة الطفل. وظلت هي طوال الليل مستيقظة بجواره. *** وقف الجميع أمام غرفة العناية منتظرين خروج الطبيب. وعند خروجه أسرع إليه قاسم قائلاً: "خير يا دكتور." هز الطبيب رأسه قائلاً: "للأسف يا جماعة حالة مدام زهرة ساءت آوي وكلها أيام معدودة وربنا يستلم أمانته."
أخذت أم زهرة تندب على ابنتها وأم قاسم التي اكتسى الحزن قلبها على زوجة ابنها وعلى ذلك الطفل الصغير الذي أصبح يتيماً. أما والدها فقد وقف جامداً وكأنها لم تكن ابنته يوماً. وعند قاسم فقد انفطر قلبه حزناً على من كانت له دائماً زوجة واخت وصديق. كيف تكون الحياة بدونها وهو اعتاد دائماً على وجهها الذي ينير ظلماته. "إنا بفضل إنها تفضل هنا في المستشفى بس لو عايزين تخدوها أنا هبعت معاكم ممرضة تلازمها اليومين دول.
والأدوية اللي هكتبها دي هتهدي الألم معاها شوية." لم ينتبه قاسم له حتى يرد عليه فقد كان في عالم آخر لا ينتبه لما يحدث حوله. فرد عاصم قائلاً: "هتعاود معانا إن شاء الله." أومأ له الطبيب وقال: "تمام تقدروا تنقلوها في سيارة الإسعاف وهبعتلكم الممرضة معها بعد إذنكم." *** عادوا جميعاً إلى المنزل وأصرت والدتها أن تبقى معها. لكن قاسم أصر على ذهابها قائلاً: "محدش هيبقى مع مراتى غيري. هي مش محتاجة حد منكم." ردت أم زهرة قائلة:
"حد! حد مين يا جاسم؟ أنا بردوا أبجى حد؟ حاول قاسم ضبط أعصابه حتى لا ينفعل عليهم جميعاً ضاغطاً على قبضته حتى ابيضت مفاصله وقال بحده: "دا آخر كلام عندي. محدش هيفضل معها غيري." صاح به عاصم قائلاً: "يعني إيه هتمنعني عنيها؟ لم يستطع قاسم السيطرة على أعصابه أكثر من ذلك فصاح بهم قائلاً بغضب: "أيوه بمنعكم عنيها. كانت فين حنيتكم جبل سابق وهي بتشوف الموت بعينيها كل يوم وانتوا ولا انتوا هنا.
ولا كأن ليكم بنت مريضة محتاجة لحنانكم اللي حرمنها ديماً منه. ليه دلوجت لما عرفتوا إن أيامها جليلة افتكرتوها. حتى ابني اللي في أشد الحاجه ليكم سايبينوا اغلب الوقت وتاركين مسؤوليته. فمتجوش دلوجت وتقولوا لينا بنت هنفضل معاها لحد ما تموت." زفر قاسم بضيق من انفعاله الذي أصبح غير مسيطراً عليه وقال: "أتفضلوا دلوجت عشان مسيبهاش لوحدها أكتر من كده." تركهم وصعد الدرج ليتفاجئ بحنين تقف وهي تحمل ابنه بين يديها وقد سمعت حديثهم
لتقول بدون إرادة منها: "مالك في عينيه متخفش عليه. خليك انت مع زهرة ولو احتجت حاجة أنا موجودة." أومأ لها قاسم بصمت وألقى نظرة على ابنه ليلاحظ احمرار وجنتيه فاقترب منه قائلاً بقلق: "باينه مريض." قالت حنين تطمئنه حتى لا ينشغل به: "لأ متقلقش. هو الحمد لله بقى كويس، تعب شوية الصبح وإديته للدكتور وبقى أحسن." رفع قاسم نظرة إليها قائلاً: "روحتي لحالك؟ نفت قائلة: "لأ. اتصلت على مراد هو اللي راح معانا."
ظل قاسم ناظراً إليها مما جعلها تشعر بالحرج منه وأرادت أن تختفي من أمامه حتى تهرب من نظراته التي لا تفهم مغزاها. وعندما لاحظ احراجها منه قال بامتنان: "كتر خيرك ، تعبتك معايا." هزت حنين رأسها بالنفي وقالت: "مفيش تعب ولا حاجة. خليك انت جنب ظهره وأنا هفضل معاه." أومأ لها قاسم وتركها دالفاً غرفته مغلقاً الباب خلفه تحت نظراتهم الحاقدة. فتصعد والدتها وقد شعرت بالغيرة عندما لاحظت نظرات قاسم لها فتقدمت منها قائلة:
"هاتي الولد." أزاحت حنين يدها عنه قائلة ببرود كي تستفزها: "لأ معلش أصل قاسم نبه عليه مادهوش لحد. واخد بالي منه بعد إذنك." ثم تركتها ودلفت الغرفة وبداخلها ألف سؤال يريد إجابة لكن عليها أن تصبر حتى يأتي الوقت المناسب. ظل قاسم بجوارها لا يستطيع مفارقتها. حتى عندما عرضت عليه الممرضة أن يذهب ليرتاح قليلاً أبى مفارقتها وظل بجوارها لا يستطيع النوم وهي بتلك الحالة. خرجت الممرضة لتدلف حنين بعد أن أطعمت مالك ونام على فراشها.
فوجدت قاسم جالساً بجوارها وقد شحب وجهه من الإرهاق. فبدون إرادة منها وجدت نفسها تقترب منه لتضع يدها على كتفه قائلة بحزن: "اتفضل ارتاح شوية وأنا هفضل معاك." نظر قاسم إلى يدها الموضوعة على كتفه لتسحبها سريعاً بإحراج مندهشة من فعلتها. فرد عليها قائلاً: "لأ أنا كويس، خليكى انتي مع أمجد ومالك." قالت حنين: "أمجد مع مراد. ومالك لسه نايم مش هيقوم دلوقتي. قوم انت ارتاح شوية. وبعدين الممرضة قالت إنها مش هتفوق إلا الصبح."
أومأ لها قاسم لينهض من مقعده وقد شعر بتيبس عضلاته فهو لم يذق طعم النوم منذ يومين. وقبل أن يخرج سمعها تقول: "تقدر تنام في أوضتي مع مالك عشان أكون مطمنة عليه." لاحت نظرة امتنان في عين قاسم فيخرج من الغرفة وهو يشعر بالاطمئنان على ابنه. وقد وجد له قلباً أميناً بعيداً عن قسوتهم. ظلت حنين مستيقظة طوال الوقت تذهب فقط لتطعم الصغير ثم تعود إليها مرة أخرى حتى سمعت أنينها فتسرع إلى الممرضة لتخبرها.
فتأتي الممرضة على عجل لتبدل لها المحاليل وتضع بها المخدر كي تخفف من حدة آلامها. فتحت زهرة عينيها بتعب شديد فتقع عيناها على حنين التي قالت لها بقلق: "زهرة عاملة إيه دلوقتي." شعرت زهرة بجفاف في حلقها حتى أنها لم تستطيع الرد عليها. فعلمت حنين بها ومدت لها يدها بالماء لترتشف قليلاً منه. ثم قالت زهرة بتعب: "مالك ابني." طمأنتها حنين قائلة: "مالك كويس وهو نايم دلوقتي. أول ما يصحى هتشوفيه." ردت عليها زهرة بامتنان:
"متشكرة قوي ياحنين تعبتك معايا." ربتت حنين على يدها وقالت بصدق: "متقوليش كده. إحنا أخوات. المهم تشدي حيلك وتقاومي عشان ابنك." نظرت لحنين بابتسامة يملؤها الحزن وقالت: "ابني خلاص. أنا مطمنة عليه وهو معاكي. خلي بالك منه وابعديه عنهم وعن قسوتهم. ربيه إنه يطلع راجل زي أبوهم. مش قاسي وجشع زيهم." قاطعتها حنين قائلة: "إن شاء الله مفيش حد هيربي ابنك غيرك." قالت زهرة بارهاق: "مت C قط عينيش واسمعيني كويس." ازدردت ريقها بصعوبة
مش شدة الألم ثم قالت: "قاسم مش زي ما انت فاكرة. قاسي وشديد. بالعكس، قاسم مفيش أطيب ولا أحن منه بس لازم يبان كده قوي وقاسي ومبيرحمش عشان الضعيف هنا بيكلوه. ملوش مكان وسطيهم. أرجوكي ياحنين خلي بالك منهم. هما دلوقتي محتاجينك انتي. أنا هسيبهم أمانة عندكوا وهموت وأنا مطمنة عليهم. اوعديني ياحنين." هزت حنين رأسها برفض وقالت: "مت C قوليش كده يا زهرة. إن شاء الله هتعيشي وانتي بنفسك اللي." قاطعتها زهرة قائلة:
"أرجوكي ياحنين اوعديني خلاص مبقاش فيه وقت." أومأت لها حنين: "أوعدك يازهرة بس كفاية كلام وارتاحي شوية." هزت رأسها قائلة وقد اشتد عليها الألم: "لأ أنا خلاص دقايق وهرتاح الراحة الأخيرة بس عايزة أودع ابني وقاسم." "زهرة." قاطعتها بإصرار: "أرجوكي عايزة أشوف ابني." أغمضت حنين عينيها لتتساقط العبرات بغزارة من عينيها وخرجت من الغرفة متجهة إلى غرفتها.
لتجد قاسم يخرج منها وهو يحمل ابنه فيقف قلبه عن النبض عندما وجدها تخرج من الغرفة وهي تبكي فأسرع بالدخول إليها ليجدها راقده على الفراش. لتنتبه لوجوده لتنظر إليه بسعادة وتقول بتعب: "قاسم." اقترب منها قاسم بلهفة وهو يقول بصوت مهزوز: "عاملة إيه دلوقتي يازهرة؟ ردت زهرة بصوتها الضعيف: "الحمد لله. كنت ديماً بتمنى إني أموت وتكون صورتك آخر حاجة تشوفها عيني."
جلس قاسم بجوارها ولم يستطع كتم عبراته أكثر من ذلك ليطلق لها العنان وتتساقط على وجنته بغزارة. لتمد يدها إليه تمسحها برقة وتبتسم إليه قائلة: "أنا حبيتك ياقاسم حبيتك قوي من واحنا لسه صغيرين. ورغم إني كنت عارفة إني بالنسبالك أخت مش أكتر بس فضلت أحبك. ولما اتقدمتلي حسيت إن الفرحة دي مش هتدوم واتاكدت لما اكتشفوا مرضي. ولما طلبت منك إننا نفترق كنت بقولها من ورا قلبي لإن كنت بتمنى أموت وأنا مراتك وأم ابنك."
قال قاسم بألم شديد: "هتعيشي يازهرة هتعيشي عشان خاطري وخاطر ابننا." هزت رأسها بالنفي لتقول: "صدقني الموت رحمة ليه من العذاب اللي عايشه فيه ده." ثم نظرت إلى ابنها وهو بين يديه فتطلب منه حمله فيأخذها قاسم على صدره ويضع ابنه بين يديها فتحمله بصعوبة شديدة وتودعه بنظرة أخيرة وترتخي بين يدي قاسم.
فيصرخ الطفل وتسمع حنين صرخاته لتدلف الغرفة وتجد قاسم يحتويها بين ذراعه ويخفى وجهه في عنقها وينتحب بشهيق مكتوم سانداً ابنه بيده الأخرى. فتسرع بأخذه حامله إياه وتخرج به من الغرفة. *** بعد مرور أسبوع. قضاه قاسم حبيس الغرفة بعد أن أمر بغلق غرفة زهرة كما هي والا يدخلها أحداً بعدها وأغلق على نفسه غرفة أخرى. حاولت حنين أن تكلمه لتهون عليه لكنه أبى أن يفتح بابه لأحد حتى والدته.
وذلك الطفل الصغير الذي لا يكف عن البكاء مشتاقاً لوالدته رغم تعلقه بحنين ورفض تركها. إلا أنه يبحث بعينيه دائماً عنها. ولم تتوانى حنين عن الاهتمام به ورفضت مساعدة أحداً لها وتحملت على عاتقها مسؤولية ذلك الطفل الذي انحرم من حنان والدته وأقسمت أن تعوضه عن حنانها لكن إذا بقيت في هذا المنزل. *** ارتمت على الفراش بسعادة بالغة وقد تخلصت من أول عقبة في طريقها وتبقى عقبة أخرى وتصل إليه.
ولن تتوانى عن فعل المستحيل حتى تصل إليه فهو مرادها منذ الصغر. حاولت كثيراً الوصول إليه والتحدث معه واستخدام كل الوسائل حتى تصل لعقله. نعم عقله وليس قلبه فهي لم تهتم بالحب يوماً ولا تريد منه حباً. بل تريد تلك الهيئة الخاطفة للأنظار وحضوره الطاغي الذي يجبر من أمامه على الطاعة رهبةً منه ومن قوته.
وكم آلمها زواجه من ابنة عمه وحاولت إفشال تلك الزيجة مع التقرب من أخيه ربما يساعدها في الوصول إليه لكنها فشلت بكل الطرق المؤدية إليه. وكم شعرت بالراحة عندما علمت بمرض زوجته زهرة مما جعلها تنتظر وفاتها حتى تعاود المحاولة. فتأتي حنين لتدمير كل شيء واستبدال خطتها بأخرى جديدة ستجعلها تهرب من عالمه دون رجعة. وسوف تبدأ خطتها من الآن فصاعداً. *** جلس يفكر في خطته الجديدة التي سيتخلص بها منه والأهم الآن أن يجعلها تثق به.
لكن كيف ذلك وهو يمنعه من دخول منزله. حتى أنه لا يراها تخرج من المنزل إلا في إطار الحديقة. ظل يفكر في كيفية الوصول إليها حتى تذكر أنه لم يخرج من غرفته منذ وفاة زوجته. وستكون هذه فرصته للدخول للمنزل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!