لم تخفَ على حنين نظرات ياسمين الحاقدة عليها وهي تنظر إلى عنقها الذي طُبع بمحبة قاسم. مما جعل حنين تحمحم بإحراج وحاولت إخفاء عنقها بخصلاتها. فابتسمت ياسمين بتهكم وهي تقول بسخرية: _هو انتي مش بردوا محجبة؟ أغمضت حنين عينيها بضجر: _أيوة محجبة، خير بتسألي ليه؟ أشارت إلى هيئة حنين الخاطفة للأنفاس بغيرة واضحة: _وهي بردوا المحجبة تقعد كده وبالمنظر ده والرجالة محوطة البيت من كل ناحية.
ابتسمت حنين باستفزاز وردت بلهجة أشعلت النار بداخلها أكثر وهي تقول: _لأ اطمني، قاسم بيغير على أهل بيته أوي، وأكيد منبه عليهم إن محدش يدخل هنا إلا بإذن. ازداد لهيب غيرتها أكثر عندما دلفت صباح تحمل بيدها بعض الحقائب وهي تقول: _ست حنين، قاسم بيه بعتلك الشنط دي. لو كانت النظرات تقتل لوجدوا حنين ساقطة على الأرضية غارقة بدماءها من نظرات ياسمين الحاقدة. _طيب طلعيها فوق يا صباح لو سمحتي لحد ما أنيم الولاد.
حملت مالك الذي غفى على ذراعيها ونظرت لأمجد قائلة: _يلا يا حبيبي عشان تنام. رفض أمجد قائلاً: _لا أنا هستنى عمو. _بس عمو يا حبيبي هيأخر الليلادي ومش هييجي دلوقتي. رد برجاء: _طب هستنى معاكي شوية يمكن ييجي بدري. نهرته حنين بحزم: _أمجد وبعدين معاك، الوقت آخر ومش هينفع تسهر أكتر من كده. أومأ لها أمجد وصعد معها على مضض ونظرات ياسمين تصيبهم بسهام حقدها. وعندما تأكدت من ولوجهم، تناولت هاتفها لتتصل على فهد الذي رد قائلاً:
_أخبار زينة ولا إيه؟ تشنج فمها وهي ترد: _بكره، لا زينة ولا زفت، البنت دي مش سهلة زي ما كنت فاكرة ومسيطرة على قاسم بشكل غير طبيعي، ويظهر كده إن الموضوع هياخد مني وقت عشان بتظبط كويس. _لاااا، شدي حيلك شوية عايزين نخلصوا على طول. ردت بضيق ونفاذ صبر: _بقولك مش سهلة، وبعدين مين قالك إنها مراته على الورق بس؟ عقد حاجبيه بعدم استيعاب وقال: _كيف يعني؟ ضغطت على أسنانها بغل واضح:
_أنا اتأكدت النهارده إنها مراته، بس ده بردوا ميمنعش إني أقدر أفرق بينهم وقريب آوي كمان. _شكلك بتاعت كلام وخلاص ومش هتعرفي تعملي حاجة. أكدت قائلة: _لا متقلقش، أنا عارفة هعمل إيه كويس، بس واحدة واحدة عشان قاسم ميشكش فينا. ألقت ياسمين الهاتف بجوارها وهي تحاول السيطرة على رغبتها في الصياح بأعلى صوتها وتحطيم ما قد تطول يده. لكن عليها أن تتحكم في أعصابها أكثر من ذلك حتى لا يشعر بها أحد.
فقاسم معشوقها منذ الصغر ولن تتنازل عنه مرة أخرى. فكم صدمت عندما تزوج بزهرة، لكن وما هون عليها الأمر علمها بشأن مرضها. وظلت تنتظر وفاتها بفارغ الصبر حتى صدمها مرة أخرى بزواجه من تلك المرأة. والتي ستفعل المستحيل كي تتخلص منها. طرقات مترددة سمعها على باب مكتبه وهو يضع أشياءه داخل الحقيبة. سمح للطارق بالولوج فتفاجأ برؤيتها بعد غياب دام لسنوات حتى فقد الأمل في عودتها. _ممكن أدخل؟
قالتها بدلال لا يليق إلا بها، لكن الصدمة ألجمت لسانه وجعلته غير مدرك لما يدور حوله. ضيقت عينيها بمزاح وهي تقترب منه قائلة: _إيه مش هتقولي اتفضلي؟ حمحم باسم بإحراج وأشار لها بالجلوس قائلاً: _أه طبعاً اتفضلي، حمد الله على السلامة. جلست روان على المقعد بثبات تحاول به إخفاء اشتياقاً أرهقها وقالت وهي تنظر للمكان حولها باهتمام: _المكتب زي ماهو، متغيرش. نظر إليها باسم بعتاب: _القلوب هي اللي اتغيرت، لكن الأماكن زي ماهي.
بادلته أسيل نظرات العتاب وقالت: _القلوب مش بتتغير يادكتور باسم، بس مشكلتنا إننا بنستسلم لمصيرنا مش أكتر. نهضت روان عندما لاحظت وجومه وتابعت: _أنا جيت أسلم عليك وأقولك إني رجعت المستشفى من تاني بعد إذنك. همت بالخروج لكنه منعها قائلاً: _روان. التفتت إليه أسيل وهي تحاول كبت مشاعرها تجاهه وقالت بهدوء: _نعم. نظر باسم إلى عينيها التي دائماً ما تفشل في إخفاء مشاعرها تجاهه وأنها كانت ومازالت هي نبع عشقه فقال بثبات زائف:
_رجعتي ليه؟ ساد الصمت بينهم. بنظرات لا تعرف سوى العتاب حتى قاطعتها روان: _زي ما كل واحد بيرجع بلده. لم يجد باسم كلمات تصف ما بداخله من اشتياق ليس من حقه وقال: _جوزك رجع معاكي؟ ساد الصمت قليلاً بينهم ونظرات العتاب هي السائدة بينهم حتى قاطعته روان: _أه رجع معايا، بعد إذنك. غادرت مكتبه قبل أن تخونها عبراتها لتتركه يتخبط في مشاعره التي أحيتها بعودتها بعد أن ظن بأنه تخطاها وأصبحت ماضي أليم لا يريد العودة إليه.
وكم كان مخطئاً. فمن نظرة واحدة أحيت لهيب عشقه بكل جوارحه. وياليتها لم تعود. وقفت حنين في شرفة غرفتها تنتظر مجيئه وتفكر فيما يتعلق بحياتها التي تبدلت في يوم وليلة. لامس شغاف روحها وقلبها الذي أدماه الحزن وأعاد إليه السعادة التي فقدها منذ أمد طويل. لكن شعور بداخلها يخبرها دائماً بأنها لن تنعم بتلك السعادة فترة طويلة وأن هناك أشياء كثيرة تهدد صفوه.
نهرت نفسها على ذلك التفكير ونفضته من قلبها؛ لا تريد لشيء أن يؤثر على سعادتها بعدما نعمت بها وظفرت بقلب القاسم الذي أصبح ملازماً لروحها ولن تسمح لأي شيء أن يعكر صفو حياتهم. ظهرت ابتسامة عريضة عندما وجدت يديه تحاوطها بحب من الخلف مستنداً بذقنه على كتفها وهو يقول بصوت واهن: _وحشتيني. التفتت حنين بين يديه كي تنظر إلى ملامحه التي افتقدتها كثيراً وقالت بعتاب محب: _لو وحشتك صحيح مكنتش آخرت كل ده. اتسعت
ابتسامته وهو يقول بمكر: _ما انتي لما تعرفي سبب التأخير هتعذريني. رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة: _ياسلام، وايه بقى هو السبب؟ وضع أنامله في خصلاتها البنية وقال بعشق جارف: _أسبوع كامل في المكان اللي يعجبك. عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت: _مش فاهمة. أمسك يدها يقبلها ويضعها على موضع قلبه وقال بابتسامة يملؤها الحب: _يعني هخطفك من بكرة ونروح نقضي أسبوع في المكان اللي يعجبك، قولتي إيه؟
لم تجد الكلمات التي تصف بها ما شعرت به في تلك اللحظة. فاكتفت بمحاوطة عنقه بذراعيها ويشدد هو من احتضانه لها حتى سمعها تقول بهمس قاتل: _بحبك يا قاسم. أغمض عينيه منتشياً بسعادة بالغة عند سماعه تلك الكلمة التي خرجت من فمها كأنها سيمفونية من لحن الخلود تدق على أوتار قلبه المتيم بعشقٍ جارف. فيُبعدها عنه قليلاً كي ينظر داخل عينيها لكنها أبت ذلك وأخفت وجهها في صدره خجلاً منه.
لكنه أصر على رؤية عينيها فوضع أنامله أسفل ذقنها كي يجبرها على النظر إليه وقال بعدم استيعاب: _انتي قولتي إيه؟ حاولت حنين الهرب بعينيها من نظراته الهائمة لكنها وجدت نفسها بأسير عينيه ولم تستطع الهرب فقالت بدون وعي منها: _ب….بحبك يا..قاسم. رد عليها قاسم بطريقته الخاصة به، فلم يجد الكلمات التي تعبر بها عن وصف سعادته بتلك الكلمة التي توقّع لسمعها من فمها الذي كافئه بطريقته التي ينعموا بها.
وضعت حنين رأسها على صدره تستمع لنبضاته التي تدق كالطبول وتتغنى بعشقها. أما قاسم فقد ازدادت حيرته أثناء لقائه بها. فقد شعر بها بين يديه كفتاة عذراء لم تختبر العلاقة من قبل. وخاصةً أول لقاء بينهم والخوف الذي كانت تحاول إخفاءه والترقب لكل خطوة يخطوها معها وكأنها تخشى من شيءٍ ما. أراد التحدث معها في هذا الأمر لكنه لم يريد أيضاً الضغط عليها كي لا يذكرها بالماضي. شعرت حنين بشروده فرفعت وجهها إليه مستندة
بذقنها على صدره وقالت بحب: _سرحان في إيه؟ ابتسم براحة وقال: _فيكي طبعاً، هو أنا عندي غيرك أسرح فيه؟ ردت بغرور: _أكيد لأ. رفع حاجبيه بلؤم وقال: _ولما انتي عارفة كده بتسألي ليه؟ أجابت حنين بحياء: _عشان بحب أسمع منك الكلام اللي بيخليني أحس إني أجمل واحدة في الدنيا. شعر قاسم بسعادة بالغة من ردها الذي لمس قلبه وقال بمكر: _بس انتي لسه مسمعتيش مني حاجة. _لو لسانك مقالهاش فعيونك دايماً بتقول لي أحلى كلام.
ازداد مكره وهو ينهض ليميل عليها قائلاً: _طب هي دلوقتي بتقول لك إيه؟ ذابت حنين في سحر عينيه: _هي مين؟ رفع حاجبيه بخبث: _عيوني اللي بتسمعك أحلى كلام، انتي مش بتقري لغة العيون؟ لم تستطع الرد عليه فقرب وجهه من أذنها ليردف بهمس: _أغششك؟ هزت رأسها بالنفي وقبل أن تعترض أخذها لعالمه الذي لا يدخله غيرها.
مرت أيامها معه بسعادة لا توصف، رغم عصبيته التي تظهر في بعض الأحيان لكنها تستطيع بابتسامة ناعمة وحضن دافئ تهدئته وتجعله ينسى ويلين بين يديها. وازدادت سعادتها أكثر عندما عادت ياسمين إلى جامعتها، بعد محاولات كثيرة باءت بالفشل. لكنها أيضاً لم تيأس في محاولات أخرى أثناء عودتها في نهاية كل أسبوع. كانت زيارتها لعائلة سالم مختلفة عن ما قبلها. رحب بها الجميع بسعادة بالغة بعد طول غيابها.
ولم تخفَ على أم سالم السعادة الواضحة على وجه حنين، مما جعلها تخفي ذلك الحزن الذي عاد إلى قلبها مرة أخرى وهي ترى زوجة ابنها وحفيدها في دفء رجل آخر. هي تعلم جيداً أنها ما زالت في ريعان شبابها وأن من حقها أن تكمل حياتها مع شخص يكون لها سنداً ولن تجد لها أفضل من قاسم. رغم العداوة التي بينهم إلا أنها تعلم جيداً أنه جدير بتلك الثقة وهي من أقنعتها به. لكنها لم تكن تعلم بأنه سيكون موجعاً إلى تلك الدرجة.
وخاصةً محبتها لابنه الذي لا تقل عن محبتها لأمجد. مما جعل نور تتعجب أيضاً من محبتها له. حنانها الزائد. لهفتها عليه عند سماع بكائه. من يراها لا يصدق أنها زوجة أبيه. فقالت نور: _مالك محظوظ أوي بيكِ ياحنين، اللي يشوفك معاه ميصدقش إنك مرات أبوه. نظرت حنين إلى مالك الذي استكان بين ذراعيها وقالت بصدق: _بالعكس أنا اللي محظوظة بيه مش هو، وربنا يقدرني وأعوضه عن أمه اللي ماتت من قبل ما ينعم بحنانه. ردت أم
مراد بإعجاب شديد لطيبتها: _ربنا يا بنتي يقدرك على فعل الخير، انتي طيبة وبنت حلال وتستاهلي كل خير. ورغم شعور أم سالم بالشفقة على ذلك الطفل إلا أنها تخشى أن يقصر تعلقها بذلك الطفل على نفسية حفيدها فقالت: _بس ياريت يا بنتي علاقتك بمالك متأثرش على أمجد عشان ميحزنش. علمت حنين بما يدور بخلدها فأرادت زرع الطمأنينة بداخلها كي لا يتلاعب الشك بها:
_متقلقيش يا طنط، أمجد مش صغير وأنا فهمته كل حاجة، ويمكن أمجد بيهتم بيه أكتر مني لأني وطدت العلاقة بينهم. وبعدين أمجد ابني، أقل لمسة حنان مني بتكفيه. نظرت لمالك الذي غفى بين يديها وأردفت: _إنما مالك، حنان الدنيا كلها مش هيغنيه أبداً عنها، لأن حب الأم بيبقى غريزة جوه الإنسان. ومهما أديته من حناني هيفضل بردوا مشتاق ليها ولحنانها. قالت نور بتأثر: _خلاص يا حنين، متعرفيش مالك الحقيقة وخاليه يفتكر إنك أمه. هزت حنين
رأسها برفض وقالت بإصرار: _لأ طبعاً مستحيل أخليه ينسى أمه اللي ضحت بصحتها وحياتها عشانه. _بس هو ميعرفهاش. ردت بإصرار أشد: _مينفعش ألغي زهرة من حياة ابنها، مش من حقي ولا من حق أي حد إنه يعمل كده. أرادت أم سالم التأكد أكثر وقالت بترقب: _ولما ربنا يرزقك بعيل من جاسم هتفضل بردوا علاقتك بيه زي ما هي؟ اهتزت نظرات حنين وقد انحصر الدم عن وجهها بإحراج، وهي تهز رأسها بالنفي. وقبل أن تجيبها كانت أم مراد تنتشلها من
ذلك الإحراج وهي تقول بحزم: _الحنية مبتجزئش يا أم سالم. هزت أم سالم رأسها وقد أيقنت من صمتها أنها قد تناست حقاً ابنها وعشقت غيره. فشعرت بالحزن العميق ينتابها وندمت على إقناعها بالزواج منه، فاستأذنت منهم وصعدت إلى غرفتها. شعرت حنين باستياء أم سالم والتمست لها العذر، فمن المؤكد أنها شعرت بعشقها لقاسم ومحبتها لابنه، فهي دون وعي منها تذكر اسمه بعشق متناهٍ في كل حواراتها.
يبدو أنها أخطأت في المجيء إلى هنا بعد أن أصبحت زوجة حقيقية لقاسم الرفاعي. لا يحق لها المجيء إلى هنا بعد الآن مراعاة لمشاعرها. لكن لن تمنع أمجد عنهم، فهو عوضهم الوحيد عن سالم رحمه الله. أخرجها من شرودها صوت هاتفها يعلن عن وصول قاسم أمام المنزل فاستأذنت منهم وأخذت أمجد وخرجت له. وما أن رآه أمجد حتى أسرع إليه يحتضنه بسعادة تحت نظرات حسنه التي تساقطت عبراتها بحزن عميق وهي ترى حفيدها يحتضن رجل آخر غير ولدها.
وندمت أشد ندم على ذلك. كان الصمت حليفها أثناء عودتهم بالسيارة إلى منزلهم مما جعل قاسم يشعر بالقلق عليها فقال: _مالك يا حنين، في حاجة ضيقتك؟ انتبهت حنين لسؤاله وردت بإقتضاب: _لا مفيش حاجة، بس حاسة إني تعبانة شوية. ازداد قلقه عليها وقال: _نروح لدكتور؟ _لا أنا كويسة متقلقش، بس إرهاق مش أكتر. لم يقتنع قاسم بردها، لكنه لم يريد الضغط عليها وتركها حتى تخبره بنفسها وأكملوا طريقهم في صمت مطبق حتى وصلوا إلى المنزل.
أخذت حنين الطفلين ودلفت إلى الداخل لتقابل صباح في طريقها إلى الأعلى لتقارب منها وتهمس ببعض الكلمات ثم تكمل طريقها إلى الأعلى. أيقن قاسم أن هناك من ضايقها أثناء وجودها معهم، فأراد الاتصال بمراد حتى يعرف منه ما حدث لكنه تراجع حتى لا يكبر الأمر. فتجلل من سيارته متجهاً للداخل فصادف صباح تخرج من المنزل. تعجب من خروجها في ذلك الوقت فسألها: _رايحة على فين دلوقتي؟ ارتبكت صباح وأجابت:
_رايحة أجيب حاجة كده لست حنين وجاية طوالي. _خليكي انتي وابعتي حد من الرجالة اللي بره. ازداد ارتباكها وردت: _ها… لا أنا هروح بسرعة كده ومش هأخر. ذهبت صباح إلى وجهتها. ودلف هو للداخل يبحث عنها. ليجدها في غرفة الأولاد تبدل لهم ملابسهم كي يأووا إلى الفراش، فتركها جائداً غرفته ينتظر مجيئها وقد ازداد شعوره بالقلق ناحيتها. الصمت الذي أصبح ملازماً لها منذ أن خرجت من منزلهم حتى الآن يجعله يوقن أن هناك من ضايقها.
ما كان عليها الذهاب إلى هناك؛ وأخبرها بذلك. لكنها أصرت على الذهاب، فقد اختلف الوضع الآن بعد أن أتموا زواجهم فأصبح الموضوع أكثر حساسية من ذي قبل. أخرج تنهيدة قوية من صدره وقام بأخذ ملابس له ودلف إلى المرحاض. لم يمر الكثير من الوقت حتى خرج قاسم من المرحاض ليتفاجأ بها وهي تدلف الغرفة وتتهرب من نظراته التي تحمل قلقاً كبيراً يزداد بتهربها منه. فأخذت ملابس لها من الخزانة ودلفت إلى المرحاض دون النطق بشيء.
فلم يريد الضغط عليها وتركها كما تشاء. مر أكثر من نصف ساعة وهي ما زالت داخل المرحاض فلم يستطع الصبر أكثر من ذلك فطرق على الباب قائلاً بقلق: _حنين انتي كويسة؟ أخفت حنين ذلك الشيء بيدها وردت بارتباك: _اه….اه كويسة… أنا خارجة حالاً. أغمضت حنين عينيها كي تهدأ من روعها وخرجت من المرحاض لتجد قاسم مستنداً على عرضة الباب منتظراً خروجها.
وعند رؤيتها قال بابتسامة واسعة بث فيها ذلك الأمان الذي افتقدته لأول مرة منذ أن عادت إليه محاطاً إياها بيديه: _حنين انتي كويسة؟ أومأت له بصمت ليتابع: _اومال مالك بتهربي مني ليه؟ أخفضت عينيها كي لا يرى فيهما تلك العبرات التي تجمعت داخلها، لكنه رفع وجهها إليه ليجد دمعة حارة سقطت على وجنتها فيمسحها بإبهامه وهو يقول بصوت هادئ بث فيها الطمأنينة: _مالك يا حنين؟ حد زعلك من بيت المنشاوي؟ هزت رأسها بالنفي وقالت دون مقدمات:
_قاسم…. أنا حامل. ساد الصمت بينهم وقد تصلب جسده فرحاً من كلمتها التي تردد صداها في قلبه قبل أذنه. واراد أن يحملها بين يديه ويعبر لها عن سعادته بطريقته الخاصة لكنه تراجع عند نقطة معينة. مهلاً، هل هذا سبب بكائها؟ ألهذا السبب كانت تتجنبه؟ اختفت ابتسامته تدريجياً وحل مكانها شحوب يضاهي شحوب الموتى وهو يسألها بشك: _وهو ده السبب اللي خلاكي حزينة كده؟ _لأ طبعاً، بس شايفه إننا استعجلنا في النقطة دي مش أكتر.
أومأ لها قاسم بوجوم وقد شعر بنصل حاد يخترق قلبه. هل هذا يعد عقاباً أشد من قتلها له؟! هل يوجد ما يضاهي شعوره بالخذلان ممن أحبها وأراد أن يكتفي بها عن العالم أجمع. لكنها في المقابل ترفض روحاً تقربها إليه. وابتعد عنها ليرتدي عباءته ويخرج من الغرفة غير مهتماً بندائها صافقاً الباب خلفه بحده. جعلها ترتمي على المقعد وقد شعرت بأنها جرحته دون قصد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!