الفصل السادس عشر
___عريس في الأفق___
_مين ده اللي عايز يتجوزني؟ جواد الجمال؟ جارنا؟!
قال الجد بفرح:
_آه والله يابنتي.. زي مابجولك إكده.. جالي وانتِ مع مرزوق بتجيبوا الشتلات من السوق وطلب يدك مني، قالي انه شاف فيكِ شريكة حياته من اللحظة اللي عينه جت فيها عليكِ وان أنغامك سحرته ومن وجتها لا عارف يهدا ولا يرتاح قبل ماتكوني معاه.. شريكته ومراته طول العمر.
_لأ ده أكيد اتجنن.. شافني مرة واحدة وسمع عزفي علي الكمان فوقع في غرامي.. مش كدة؟ آل وانا اللي كنت فاكراه انسان عاقل وطبيعي من الكلام اللي كنت بسمعه عنه، تعالي ياخديجة شوفي الراجل اللي كنتِ فاكراه عازف عن الجواز ومحتاج حد يشوفله عروسة، ماهو ان عُرف السبب بطل العجب.. البيه طلع أهبل ومحتاج مستشفي أمراض نفسية.
_ليه بس إكده ياريم.. جواد شافك وعجبتيه وعايز يتجوزك.. ايه المشكلة دلوكيت ؟
_انت شايف ياجدي ان مفيش مشكلة! واحد شافني مرة واحدة فجأة شاف فيا مراته وجه يتقدملي من غير مايعرفني ويعرف أطباعي وأفكاري وهل هنتفق أو نختلف ويبقي طبيعي؟ مستحيل طبعاً.
_علي فكرة بقي أني اتجوزت جدتك بنفس الطريجة كنها هي هي.. شفتها عند صاحب محل الموبيليا اللي جبنا من عنديه فرش البيت، كانت بته.. من أول لحظة شفتها فيها وأني حسيت ان هي دي وبس اللي ممكن أعيش وياها.. خجلها طيبة جلبها اللي كانت عتفط من ملامحها.. كل حاجة خليتني من غير تفكير اتقدمتلها طوالي ولحسن حظي وافقت وعشنا أسعد زوجين، أمك كماني الله يرحمها حبت أبوكِ وحبها من اول نظرة وعاشت سعيدة معاه.. جواد برضيك شافك وحبك طوالي.. الظاهر ان احنا عيلة تتحب من أول نظرة.. هنعمل ايه بقي في قدرنا؟
_انت بتهزر ياجدي؟ انا مستحيل أتقبل الفكرة وحتي ياسيدي لو هو حبني من أول نظرة.. أنا بقي مش من البنات اللي ممكن تقبل بوضع زي ده، شريك حياتي لازم أقبله بده وده.
أشارت إلي قلبها وعقلها وهي تردف:
_وبعدين بصراحة كدة أنا مش عايزة أتجوز خالص.
_وه وه عتترهبني إياك؟
انتفخت أوداج الجد واحمر وجهه فأدركت أن عليها الحذر في حديثها كي لا يصاب بأزمة أخري تودي بحياته لتقول بهدوء:
_أكيد لأ.. أنا بس محتاجة وقت عشان أفكر في خطوة كبيرة زي دي محتاجة تفكير وعدم تسرع.
_تفكير ايه يابتي؟ انتِ اللي في سنك اتجوزوا وخلفوا كماني.
_ياجدي افهمني....
قاطعها قائلاً بحزم:
_معاوزش أفهم أيوتها حاجة، هجاريكي في كلامك وأجول انك محتاجة عجلك وجلبك يوافجوا علي شريك حياتك.. يُبجي تجابليه اللول، تديله فرصة مش تجفلي الباب في وشه من غير ذنب.. جواد الجمال راجل زين وأني عحبه وشايفه عريس لجطة خسارة يضيع من يدك لكني مش هغلط غلطتي زمان وأحاول أجبرك تتجوزيه.. بس عترجاكي تديله فرصة.. جابليه مرة واحدة بس مش يمكن تلاجي أحلامك واللي اتمنتيه فيه.
مستحيل ياجدي فالروح قد وجدت شريكها وباتت مفعمة بحبه حتي أنها لا تستطيع عن ذكراه انفصاماً، ان استطاعت ذات يوم أن تبرأ من العشق ربما تمنح الفرص أما الآن....
_جولتي ايه يابتي؟
لا تستطيع الرفض أمام الإلحاح في صوت جدها، ستقابل هذا الجواد لأجل جدها وسترفضه لأجلها هي، وستجعله يقوم بهذه المهمة عوضاً عنها حين ستخبره أنها تحب رجلاً آخر وأنها لن تكون له أبداً.. مهما حدث.
________________
كانت تتأمل هذا الكأس أمامها بعيون التمعت عبراتهما، تتعالي فيه قطرات الصودا ثم تهبط كعلو حياتها ثم سقوطها في القاع تماماً، كيف انتهي بها الأمر هنا؟ في هذا الملهي الليلي تجالس زبائنه كمهنة لها؟ بعد أن كانت سيدة قوم صارت ذليلته وكل هذا لإنها وثقت في بعض الخونة الذين طعنوها بسكين الغدر ثم تركوها تنزف علي قارعة الطريق لينقذها بعض السيارة ثم يستعبدونها رداً للجميل.
هكذا أنقذها _صلاح_صديق زوجها الأول ودفع عنها ديونها ثم صارت مدينة له وحده، ليطالبها بعد ذلك برد دينه والعمل عنده في هذا الملهي الليلي، تبيع نفسها لرواد الملهي كل ليلة دون ثمن.. فالمال يقبضه دائنها ويتركها دون مال.. لا تستطيع الشكوي وإلا أرسلها لغياهب السجن، تُغرق نفسها في الخمر حتي تنسي ماحدث ويحدث لها، لتعود إلي الحجرة التي أجرها لها صاحب الملهي، تغط في سبات عميق ماان تضع رأسها علي الوسادة.. نزلت عبراتها تباعاً فمدت يدها تمسح دموعها بأناملها المصبوغة، رفعت رأسها قليلاً فلاحظت عيون أحدهم تحدق بها، يظهر ثراء صاحبها من بذلته غالية الثمن وساعته الألماسية واهتمام صلاح الشخصي به..مال الرجل علي أذن الأخير يحدثه فحانت من صلاح نظرة لها، أشاحت بوجهها تتظاهر بعدم الاهتمام، جاءها النادل بعد قليل يطلب منها الانضمام لطاولة هذا الرجل بأمر من صاحب الملهي، سألته سندس عن الرجل فأخبرها أنه تاجر عقارات ثري ومعروف.. هزت سندس رأسها تخبره أنها قادمة، تتساءل بداخلها عما أثار اهتمام الرجل بها رغم أنه يستطيع الحصول علي من هي أجمل منها وأصغر سناً، لتدرك أنه علي الأغلب قد تأثر بعبراتها وظن أنها نقية الروح مُجبرة علي العمل هنا.. حسناً إن كانت عبراتها وقصة نسجها بخياله هما السبيل إليه فستبدع في نسج خطوط روايتها وستسكب المزيد من الدموع لعلها تستطيع ايقاعه في شباكها بدوره ثم الحصول علي ماله وفي هذه المرة ستكون حريصة وستجعله يدفع الثمن قبل الحصول عليها.... كاملاً.
_________________
_زي ماسمعتي بالظبط
_يعني ايه الكلام ده؟ جواد اللي قالوا عنه العازب الأشهر في المجتمع المخملي قرر خلاص التخلي عن لقبه والدخول بكامل قواه العقلية لقفص الزوجية من نظرة واحدة ياريمو، سرك باتع ياشيختنا، ماتدينا بركاتك.
_انتِ بتهزري ياخديجة، بقولك جدي محكم رأيه أتجوزه، انتِ عارفة يعني ايه أتجوز واحد طلب ايدي من غير مايعرفني ولا يتأكد اني مناسبة ليه أولأ، من غير مايعرف اذا كان قلبي مشغول بغيره ولا لأ.. راجل فاكر بفلوسه انه يقدر يشتريني واني مستحيل أقاوم جاذبيته واسمه وشهرته.
_حيلك حيلك ياريم، معتقدش راجل سمعته بين الناس زي سمعة جواد وأخلاقه يكون ده تفكيره، وبعدين راجل زي جواد بشهرته وفلوسه اللي بتتكلمي عنهم دول ايه اللي يخليه متمسك بيكي إلا لو كان شاف فيكي اللي كلنا شفناه.
_وهو لحق يشوف مني ايه؟ أنا أصلاً مقعدتش ولا اتكلمت معاه.
_طب ماتقعدي هتخسري ايه يعني؟
قالت بحنق:
_انتِ هتعملي زي جدي؟ طب جدي ميعرفش حاجة عن جهاد لكن انتِ عارفة كل حاجة..عارفة اني لسة بحبه رغم اللي عمله معايا وعارفة اني مش ممكن هبتدي قصة جديدة قبل ماأتأكد اني قدرت أتخطي القصة القديمة ودي مش بسهولة هقدر أنساها.
_لازم تنسيها ياريم، قصتك مع جهاد خلصت خلاص في اللحظة اللي اكتشفتي فيها انه بيخدعك.
_عقلي بيقوللي الكلام ده وبيحاول في كل وقت يقنعني بيه لكن قلبي رافض يصدقه، لسة بيحن ليه رغم اني سمعت بوداني كلامه، لسة بيحاول يخليني أديله فرصة يبرر اللي سمعته، بس خوفي ليردد كلام كدب أصدقه عشان عايزة أكمل معاه هو اللي موقفني ياخديجة، هو اللي مخليني بتعذب وعايشة صراع مفتكرش هينتهي أبداً.
_لا حول ولا قوة إلا بالله.. ياحبيبتي ياريم الله يكون في عونك.
_بقولك ايه سيبك مني وقوليلي عاملة ايه مع يحيي؟
_اسكتي مش كنت هضيع بسبب اللي ميتسماش جارك.
_ميتسماش!
_حرمت أجيب اسمه علي لساني تاني من بعد اللي حصل آخر مرة.
_حصل ايه؟أنا مش فاهمة حاجة.
_هفهمك ياأختي..هفهمك.
______________
_بتتكلم جد ياحبيبي.
_أيوة ياأمي، أنا خلاص مش هرجعلك غير وعروسة ابنك في ايدي.
_الحمد لله ياحبيبي، الحمد لله.
_كل حاجة حلوة في حياتي كانت بفضل دعواتك ياأمي.. ربنا يباركلي فيكي وميحرمنيش منك أبداً.
_ولا يحرمني منك ياحبيبي، خد بالك من نفسك ومن عروستك ومتنساش تبوسهالي.
قال بمرح:
_انتِ عايزاها ترفضني من قبل حتي ماتقبل، استني لما نكتب الكتاب الأول عند عمه المأذون وتطل بالأبيض.
_انت بتهزر ياواد انت.
_سيبيني ياأمي أهزر، أنا ماصدقت الفرحة تدخل حياتي من تاني، ادعيلي بس فرحتي تكمل علي خير ومفيش حاجة تاني تبوظها.
_يارب ياابني يسعدك ويتمم فرحتك ويهنيك انت وعروستك.
_يارب ياأمي.. ياااااارب.
____________
تحسست القفل علي الباب بحسرة، تدرك أن قاطني الشقة قد غادروها ربما للأبد، تتساءل بوجل.. هل رحلا كليهما أم رحل أحدهما بعدما انتقلت والدته إلي الرفيق الأعلي؟ نفضت هذه الفكرة علي الفور وقد أصابتها بغصة مريرة بالحلق لا تبغي التفكير في رحيل هذه السيدة الطيبة إلي الأبد، تؤمن بطيبة قلبها لا تريد أن تجمعها مع ولدها في خدعته، ربما ورطها بالأمر دون علمها فمن المستحيل علي امرأة أن تخدع أخري بمشاعر الأمومة، فحين تشعر يتيمة الأم بأمها تُبعث من جديد في صورة أخري، لا يمكن لهذه الأخري أن تكون سوي ملاك بعثه الله ليمنح الحب لأيتام الأرض.
اذاً ماالذي جعله يرحل هكذا مع والدته ويغلق المنزل، كما أغلق هاتفه سابقاً.. تُري هل وجد عملاً في بلد ما؟ أم ربما وجد أخري ليخدعها وانتقل مع والدته للسكن معها؟ أصابتها الفكرة الأخيرة بالحزن والمرارة فنفضت الفكري لا تبغي أن تدينه مرة أخري قبل أن تراه وتستمع إليه، سيخبرها عقلها ان كان صادقاً أم يخدعها وحينها ستمنحه غفراناً أو تمحوه من قلبها للأبد.
هبطت الدرج بحذر وتوجهت إلي سيارتها تركبها وتستند برأسها إلي الكرسي تغمض عيناها علي دموع ربضت بمقلتيها تقول بحزن لسائق جدها:
_علي بيت جدي لو سمحت.
•تابع الفصل التالي "لا تشبهين احدا " اضغط على اسم الرواية
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!