الفصل 4 | من 17 فصل

رواية لا تشبهين احدا الفصل الرابع 4 - بقلم شاهنده سمير

المشاهدات
26
كلمة
2,861
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

استمعت إلى هاتفها الذي يردد رقم ماجد خطيبها. أغمضت عينيها في حركة لا إرادية تبغي تجاهلاً في جوف ظلام تعيشه بالفعل. لا تريد وهي في هذه الحالة أن تستمع إلى حوار لا فائدة ترجى منه، هكذا حواراتها الهاتفية مع ماجد، تدور كلها حوله وحول إنجازاته اليومية والتي أكبر إنجاز فيها أنه استطاع تحقيق الرقم القياسي في صد ضربات الجزاء بالنادي، أو كسب رهاناً مع صديقه استطاع فيه حبس أنفاسه تحت الماء لمدة أطول من كل رفقائه.

زفرت بقوة وهي تشعر بالملل الشديد بعد أن ألغت درس الموسيقى لهذا اليوم تأثراً بما حدث بالنادي صباحاً حيث تركت كلمات الرجل القاسية أثراً سيئاً في نفسها وأحدثت جرحاً مازال يقطر دماً. فتحت عينيها حين تناهى إلى مسامعها صوت هاتفها يعلن عن اتصال جديد من رقم غريب. كادت أن تتجاهله بدوره ولكنها وجدت في نفسها شعوراً قوياً يخبرها أن عليها الإجابة عليه ففعلت دون تردد. تناهى إلى مسامعها صوت رجولي عميق النبرات يقول:

_مساء الخير يا آنسة ريم. _مساء النور.. مين حضرتك؟ _أنا جهاد الجرسون اللي... قاطعته قائلة: _أيوه أيوه.. خير يا أستاذ جهاد؟ صمت من جانبه للحظة قبل أن يقول: _أنتِ بخير يا آنسة؟ هل أخبره صوتها بما تمر به الآن من سوء وألم أم أخبرته طريقتها الجافة في الحديث معه؟ هل جرحته؟ أكان يريد منها شيئاً؟ ربما مالاً أو دواءً لوالدته؟ شعرت بالذنب على الفور فأسرعت تقول: _أنا بخير الحمد لله.. مامتك كويسة؟ أجيب لها حاجة؟

تسللت نبراته الحانية إلى قلبها وهو يقول: _ماما بخير الحمد لله، الحقيقة أنا بكلمك مخصوص عشان أبلغك شكرها وامتنانها ليكي على اللي عملتيه معايا. _أنا معملتش حاجة.. الموضوع بسيط متكبرهوش. _بسيط بالنسبة لك لكنه كبير قوي بالنسبة لنا.. اللي زيك في الزمان ده بقوا قليلين قوي يا آنسة ريم.. تقريباً يتعدوا على الصوابع. _مش قليلين صدقني.. اللي زيي كتير، رسولنا الكريم قال الخير في أمتي ليوم الدين. _عليه أفضل الصلاة والسلام. صمت

للحظة أخرى قبل أن يقول: _آنسة ريم. _أفندم. _أنا لو طلبت أكون قريب منك، صديق يعني وقت ما تحتاجيه متتردديش في طلبه أكون بكده طمعت زيادة في كرمك. _إنك تعرض عليا صداقتك وخدماتك ده كرم منك أنت يا أستاذ جهاد. _آنسة ريم.. _نعم..

_ربنا خلق ما بينا ناس بيبقوا مصدر للسعادة والخير لكل اللي حواليهم، الناس دي مش بتشبه حد من البشر.. بيبقوا شبه الملائكة.. وأنتِ من الناس دول اللي ربنا بيحبهم، واللي بيحبه ربنا مفيش حاجة في الدنيا ممكن تسبب له حزن لإنه بيكون متأكد إن أي ابتلاء هو خير من عند ربنا.. عسر بعده يسر، ربنا عايز يقولك إن الدنيا مهما ضاقت بيك يا ابن آدم فأنا جنبك ومش هتخلي عنك أبداً مهما حصل.. فاهماني؟ _فاهماك.

_يبقى امسحي دموعك دلوقتي وانفضي عنك حزنك وبكرة لو حبيتي ممكن نتقابل قبل الشيفت بتاعي أو بعده ونتكلم أكتر. مسحت دموعها لا إرادياً وهي تتعجب من إدراكه أنها تبكي رغم محاولتها المستميتة إخفاء ذلك. لتقول بهدوء: _متشكرة قوي على عرضك الكريم ده بس الحقيقة أنا بكرة مشغولة ومش هقدر أقابلك. أدرك محاولة تهربها منه فلم يضغط عليها قائلاً بهدوء: _مفيش مشكلة.. وقت ما تحتاجيني كلميني.. تصبحي على خير. _تلاقي الخير.

أغلقت الهاتف تشعر ببعض الندم على رفض عرضه وقد بدا طيب القلب يبغي رد معروفها دون إلحاح رغم أنها تشعر أنه التصرف السليم، فلا حاجة لها لتعقيدات جديدة بحياتها وقد بدا مهتماً بها حريصاً على راحة نفسها وقلبها على عكس خطيبها الذي لم يعاود الاتصال بها مجدداً وكأن الاتصال بها هو واجب يقوم به على مضض. انتفضت على صوت رنين هاتفها يعلن عن رقم خطيبها.

في هذه المرة أجابت وياليتها ما فعلت فقد ضج رأسها بحديثه العقيم عن حفلة الليلة التي كان يحضرها وكم كانت رائعة وسؤال الجميع عنها ثم رغبته في اصطحابها المرة القادمة حتى لا يلومه أصدقائهم مجدداً. اختتم المحادثة دون أن ينتبه لصوتها أو يشعر بحزنها لتعقد مقارنة على الفور بينه وبين النادل جهاد الذي أدرك مابها من أول كلمة.

لتتأكد أنها كانت محقة حين أغلقت الأبواب أمامه فربما أن تعمقت صلتها به وجدت نفسها تقارن بينه وبين ماجد مجدداً ليخسر الأخير دون شك. *** كان يستمع بكل حواسه إلى هذه المعزوفة الجميلة التي تذكره بها، ليغمض عينيه ويرىها أمامه تمسك كمانها وتقف بشموخ مغمضة العين بدورها كلوحة فنية رائعة تخطف الأبصار. يغمره دفق أنغامها بارتواء بعد عطش وكأنه يناجي السماء ونجوم الليل.

كم تمنى في هذه اللحظة لو كان إحدى نغماتها التي تبثها بعشق، أو طيفاً يلازمها فتبعث في روحه الدفء. قد حُفرت أنغامها في قلبه وعقله وروحه فهدهدت كيانه الثائر ليظل وهج ألحانها وعذوبة روحها ورقة ملامحها، ملاذاً يلجأ إليه بعد يوم عصيب. انتهت معزوفته ولكن صوت ألحانها المليئة بالشجن ظلت تدوي بأذنه وصورتها تسكن بمقلتيه تضمها أهدابه فلم يقو على فتح عينيه وإطلاق سراحها حتى يدوم السحر إلى أن يغرق في سبات عميق. ***

كان يقف في المصعد مع صديقه مؤنس، حين توقف بهما وصعد إليه رجل ألقى التحية على الأخير بود وطلب منه أن يبلغ سلامه لوالده. قبل أن ينتبه لماجد ويلقي عليه تحية مهذبة ثم يدير لهما ظهره. مال ماجد على صديقه يسأله عن الرجل فأخبره أنه صديق قريب لوالده. ما إن خرجوا من المصعد حتى بادره ماجد قائلاً: _أستاذ مسعود، أنت مش فاكرني؟ قطب مؤنس حاجبيه بحيرة بينما يقول مسعود: _فاكرك طبعاً، خير يا أستاذ...

_ماجد، الحقيقة الموقف اللي حصل معايا من الويتر اللي شغال عندكم في الكافيه لسه حارق دمي لحد دلوقتي وبصراحة أكتر غيرت رأيي وعايزه يتعاقب على تطاوله عليا. _أيوه بس.... تدخل مؤنس في هذه اللحظة يقول: _من فضلك ياعمي لو تقدر تحقق رغبة ماجد هبقى مبسوط قوي، مش معقول هتسمح لويتر حقير يتطاول على أسياده يشتغل في الكافيه عندكم ويضر بسمعتكم.. وكمان أنت متعرفش ماجد، ومتعرفش والده من عيلة مين وزعله ممكن يوصلنا كلنا لفين؟

واحنا برضه أكيد هنقدر خدمتك وهنقدم تعويض عن خسارة الكافيه لحد ما تلاقوا ويتر تاني بداله. حين ذكر مؤنس المال لمعت عينا مسعود بطمع يعرفه ماجد جيداً ليبتسم وهو يشعر أنه على وشك الفوز حين قال مسعود: _طب تعالوا أوصلكم في طريقي عشان نتكلم في التفاصيل. اتسعت ابتسامة ماجد ومسعود يتقدمهم ليميل على صديقه قائلاً: _شكراً ياصاحبي. وكزه مؤنس بابتسامة قائلاً: _أي خدمة يا كبير بس متنساش تظبطني مع ميار. _اعتبرها تحت أمرك.

التمعت عينا مؤنس بينما يتبعان مسعود بابتسامة شيطانية اعتلت ثغرهما فرحاً بقرب تحقيق الأمنيات. *** آه والله زي ما بقولك كده. _إيناس صاحبتي اللي بلغتني وقالتلي إن صاحب النادي طرده منه وحرمه من دخول النادي هو وأي فرد من عيلته. _معقول!

_معجبوش ياستي اللي عمله معاكي وسمعه كلمتين إنما إيه في الجول، وبعدين طرده.. على فكرة اللي اسمه طاهر ده طلع فعلاً حكاية، فلوس وعلاقات مقولكيش.. إن صاحب النادي يطرده هو وعيلته دي حاجة مش سهلة أبداً لكن قصاد انعدام الأخلاق مترددش ثانية واحدة، النادي كله ملوش سيرة غير الموضوع ده أصلاً. _لسه الدنيا بخير زي ماقلت. ذكرتها عبارتها بحديثها مع جهاد فوجدت نفسها تردد كلماته بعقلها. ربنا خلق ما بينا ناس مش بتشبه حد من البشر

بيبقوا شبه الملائكة أنتِ من الناس اللي ربنا بيحبهم اللي بيحبه ربنا مفيش حاجة في الدنيا تضره أو تسبب له حزن عايز يقولك إن الدنيا مهما ضاقت بيك يا ابن آدم فأنا جنبك ومش هتخلي عنك أبداً مهما حصل. عادت من شرودها تستمع لصديقتها التي قالت بحماس: _الراجل ده بصراحة الكل بيتكلم عنه وعن أخلاقه وعن فعله الدايم للخير، ماشي على نهج والده الله يرحمه ووالدته المعروفين في المجتمع الراقي بأخلاقهم العالية وكرمهم الحاتمي.

_مش قصدك جواد الجمال؟ أنا فعلاً سمعت عن والده كتير من بابا الله يرحمه وانه من الأوائل اللي رفضوا استيراد البن أو غشه وعشان كده اشتري أرض في البحيرة وقرر يزرع البن في مصر، ولأن بذور القهوة وأوراقها مبتحبش الشمس عمل حاجة اسمها الزراعة المظللة، يزرع البن يعني تحت شجر المانجا عشان توفر الضل للبن وفعلاً نجح وبدأت الناس تقلده، في توشكى وفي محافظة القليوبية كمان.

_أهو ابنه بقي مكمل وراه، اتوسع في شغله وخلي اسم عيلته علامة تجارية للي عايز يشرب بن حقيقي مظبوط وبسعر بيضارب بيه كل الأسعار العالمية.. ده غير إن كافيهاتهم مالية البلد وكل واحد فيهم ماشي زي التاني بأعلى مستوى خدمة.. أنا سمعت إنه زارع في كل كافيه عيون ليه بتعرفه لو فيه أي تقصير ووقتها عقابه بيبقى عالمي. _ماجد دايماً ياخدني لكافيه من كافيهاتهم.. الحقيقة بشرب هناك فنجان قهوة مشربتهوش في أي مكان تاني.

_اللي مزعلني إنهم بيقولوا إن الواد مز كده ولا ممثلين السينما ولسه عازب لحد دلوقتي.. مش عارفة أهله ساكتين عليه إزاي مع إنه وحيدهم؟ هي البنات راحت فين طيب؟ مفيش واحدة قادرة توقعه في حبها وتدخله عش الزوجية.. طب يقولولي بس وأنا أتصرف. ابتسمت ريم قائلة: _وإحنا مالنا يا ديجا؟ وبعدين ماتركزي شوية مع يحيي ولا ناوية تغيري؟ اتسعت عيناها باستنكار قائلة: _أغير إيه بس؟

ده يحيي اللي في الحتة الشمال.. ساكن ومقيم كمان.. أنا بس نفسي أخدم لو مش لاقي عروسة أجيبله. اتسعت ابتسامة ريم وهي تهز رأسها في يأس. *** أصبحت الآن أدرك سر تجنبي الحضور إلى هذا المكان. أخشى اقتراباً منه يعلقني بروح طيبة توسمتها فيه. بات اللقاء بشخص كهذا يرعبني وكيف لا أرعب ولم أعد حرة لأكون مع صديق قد يتسلل لقلبي دون إرادة مني؟

لا تنكر أيها القلب ولا تستبعد مخاوفي فلم تره سوى مرة واحدة ولم تتحدث إليه سوى مرتين وها أنت من وقتها ولا يمر يوم دون أن تردد كلماته وتستعيد الحنان والاهتمام بصوته. تقارن بينه وبين هذا الجالس جوارك فيخسر الأخير وتنتابك الحسرة. حتى أنك تتساءل عن مكانه الآن وهل يراك؟ أتراه قريباً؟ إذا ما الذي يؤخره؟ أفاقت من أفكارها على صوت ماجد الذي أغلق هذه المحادثة التي كان يجريها وهو يقول بحماس:

_أهم جايين ياستي، قلتلك هايدي متقدرش ترفضلي طلب.. هنقعد شوية ونقوم نروح النادي نكمل قعدتنا. _مش هقدر ياماجد أنا ورايا تدريب..... قاطعها قائلاً بحنق: _تدريب إيه بس اللي يخليكي تفوتي فرصة زي دي؟ أنا مش عارف فايدته إيه التدريب مادام في الآخر مش هتعزفي؟ فلوس بتترمى في الأرض وخلاص وبعدين أنتِ لازم تشوفيني وأنا بكسب أصحابنا كلهم في لعبة الكريكيت. _أنا مبشوفش ياماجد. قالتها بسخرية مريرة جعلت ماجد يقول بسرعة:

_أنا آسف ياريم أكيد مقصدش. _ولا يهمك. تأمل ماجد المكان قائلاً: _تعرفي أحلى حاجة النهاردة في المكان ده إيه؟ إن الجرسون المستفز ده مش موجود. انتبهت لكلماته تعقد حاجبيها متسائلة عن سر غيابه، كانت تتوقع أن يحمل لها هذا الخبر ارتياحاً ولكنه على العكس جعلها تتوجس خيفة من إجابة سؤالها حين أردف ماجد بنبرات متشفية وهو يقول:

_إمبارح قابلت مدير المكان، طلع جار مؤنس صاحبي وصديق والده.. عرضت عليه مبلغ عشان يطرد الجرسون ووافق.. عشان تعرفي بس إن محدش ممكن يقف قصادي من غير ما ياخد جزاؤه وإني دايماً بكسب في الآخر. _وتفتكر لما قطعت عيش الغلبان ده وخليته دلوقتي بيدور على شغل عشان يقدر يجيب أكل وعلاج لوالدته تبقي كسبت؟ أكيد خسرت وخسرت كتير كمان. قال ماجد بضجر:

_وأنا مالي ومال قصصه دي، ياستي غلبان زي مابتقولي كان مشي جنب الحيط وموقفش قدام أسياده، على فكرة ياريم أنتِ قلبك رهيف قوي وعشان كده الناس بتعرف تستغلك.. الحمد لله إن عندي موجود دلوقتي في حياتك عشان أوقف كل واحد عند حده وأحميكي من النصابين دول. همست بحنق: _احمي نفسك الأول. أشار للنادل قائلاً: _بتقولي حاجة؟ نهضت تقول بعصبية:

_بقول إني لازم أقوم أمشي عشان اتأخرت عن التدريب بتاعي اللي انت شايفه ملوش لازمة لكن أنا شايفاه مهم جداً في حياتي، ابقي سلملي بقى على هايدي وشيري وقولهم كان نفسها تكون معاكم بس قلبها رهيف ومش هتستحمل تشوفني خسران قدام الكل. _أنا مبخسرش أبداً. _النهاردة هتخسر.. سلام ياماجد. ابتعدت يتابعه بعيون متسعة من الصدمة قبل أن يقول بحنق: _بتقولي إني هخسر في وشي، ريم الظاهر اتجننت.. مش عارف اتعصبت عليا كدة ليه؟

كل ده عشان كنت السبب في طرد الجرسون؟ وإيه يعني؟ ماقلتلها هو اللي وقف قصادي وكان لازم أعلمه الأدب.. مثاليتها دي تخنق والله.. لولا فلوسها وزن خالتي كنت كبرت منها خالص واتجوزت هايدي أو حتى شيري الاتنين فرافيش كده وحلوين.. مش خنيقة زي ناس.. والله ما أنا عارف شايفة نفسها على إيه، أمال لو مكنتش عمية؟ _بتقول حاجة يابيه؟ _وانت مين انت كمان؟ _أنا الجرسون.. حضرتك شاورتلي.

_آه.. طب روح هاتلي قهوة مظبوط بسرعة، عايز خدمة فوق المستوى.. أنا مش هستنى حضراتكم اليوم بطوله عشان تجيبولي القهوة.. مفهوم؟ هز النادل رأسه قائلاً: _تحت أمرك يافندم. وما إن ابتعد قليلاً حتى قال الجرسون حانقاً: _والله لو عليا هجيبلك قهوة فيها ملح ولا سم هاري، مش كفاية قطعت عيش الراجل السكرة اللي ملحقش يتهني بالوظيفة، كمان بتكلمني وكأني بشتغل عندك.. صحيح تيوس معاها فلوس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...