أخترقت جملتها أذانهم، وبدت كأنها كانت تهمس بها لذاتها، ولكنها انتبهت على أن صوتها فضح ما تضمره من خبايا وأسرار ربما لم تكن تريد أن يعلموا عنها شيئاً. فهي وإن كانت تميل بالحب إليهم، إلا أن هناك بعض الأسرار التي فضلت أن تظل طي الكتمان، بل وحاولت نسيانها طالما كان المعنيون بها صاروا من الذكريات.
ولم يخرجها عن تكتمها للأمر، سوى أنها عادت لتعيش تفاصيل ما حدث في الماضي ولكن بصورة أخرى أقوى وأعنف من التي حدثت سابقاً. فها هو ديفيد يحاول فعل ما فعله والداه قبل موتهما، والذي لم يكن أحد يعلم به سواها هي وأدريانو، والذي ما زالت متذكرة رد فعله العنيف والشرس على شقيقه عندما أعلن عن رغبته هو وزوجته باعتناق الإسلام وترك اليهودية. بل وكان يفكر جدياً بمنح أطفاله أسماء جديدة تتناسب مع اعتناقهم للدين الإسلامي.
ولكن لم يكن الحظ حليفه، إذ أنه لقي حتفه هو وزوجته وثلاثة من أطفاله في ذلك الحادث الذي تم تدبيره لهم. رغم دهشة وصدمة ديفيد وبيري مما سمعاه، إلا أن حياء ابتهجت نفسها وتساءلت بفرح اختلج بنبرة صوتها الملحة بسؤالها: –هو بابا وماما اعتنقوا الإسلام يا مارجريت؟ يعني ماتوا مسلمين مش يهود؟ حاولت مارجريت التهرب من إجابتها، فراحت تمضغ قطعة من الحلوى التي تتناولها مع الشاي، ومن ثم قالت وهي تنظر لبيري: –مين اللي عمل الكيك ده؟
ده ما فيهوش سكر. لم تعلم بيري ما الداعي لها بأن تبدي امتعاضها من عدم طيب مذاق الحلوى، إلا أنها أخذتها منها ووضعتها على الطاولة، وأخذت كفيها الهرمين بين يديها وهي تنظر إليها بعمق، لعلها تشعر بالعطف نحوها ولكي تجيب حياء التي بدت كأنها تجلس على جمر محترق وتريد إجابة لسؤالها. مسحت بيري على ظاهر يد مارجريت وقالت وهي تبتسم لها ابتسامة صافية:
–مارجريت ما تحاوليش تتهربي من سؤال حياء. لو في حاجة ما نعرفهاش قولي لنا عليها، وأظن من حق ديفيد وحياء يعرفوا كل حاجة عن باباهم ومامتهم. تنازعت الزفرات بصدر مارجريت، تريدها أن تطلق سراحها، فلن يعود بالإمكان حجزها أكثر من ذلك. فتنهدت بصوت مسموع قائلة بتمهل ولكن لم يخلو صوتها من الضيق وهي تأتي على ذكر ما حدث بالماضي:
–دانيال كان مهتم جداً بأنه يقرأ عن الدين الإسلامي، والظاهر اهتمامه ده كان تأثير صداقته لـ مراد الزناتي ووجدي النعماني. فحب أنه يبقى مسلم. فلما عرض على مراته أنهم يعتنقوا الإسلام، وافقت هي كمان من غير ما تتردد. وقبل الحادثة اللي حصلتلهم بكام يوم، كان دانيال ومراته أعلنوا إسلامهم، حتى فكروا يغيروا أساميهم وأسامي ولادهم. بس قبل الموضوع ما يتعرف من باقي العيلة والناس، كانوا ماتوا.
حتى بعدما ختمت حديثها، لم يبدُ على وجه أحد منهم ما يخالف دهشته منذ سماعه ما قالته، قبل أن تأتي على ذكر التفاصيل القليلة التي تلتها عليهم، كأنها مرغمة على قول ذلك. فهي وإن كانت ما تزال تحفظ ذكرى حبها لابن شقيقتها الأكبر، إلا أن ذلك الأمر بالأخص خلق بنفسها فجوة، جعلتها تمتعض من سلوكه ذلك الدرب الذي جعله ينسلخ عن ديانتهم، وفضل اعتناق ديانة أخرى.
ويعود امتعاضها لتزمتها الواضح باعتناق اليهودية، حتى إنها ما زالت تمارس شعائرها. ورغم أنها لم تجبر بيري وديفيد على فعلها، ولكن كأنها أخذت أمر أنهما ما زالا يعتنقانها كافياً لأن تشعر بأنهما من بني جلدتها. –الحمد لله يا رب، الحمد لله.
شفتيها الباهتتين واللتين نضبت منهما الدماء، لم تحسن إخراج سوى تلك الهمهمات الحامدة والشاكرة، كمن تعرب عن مدى دهشتها الممزوجة بسعادتها البادية بوهج مقلتيها منذ علمها بشأن اتباع والديها للدين الإسلامي. فصاح ديفيد كمن وجد حلاً لمشكلة مستعصية الحل، إذ قال بتصميم وإصرار: –خلاص، أنا كمان هعلن إسلامي وهغير اسمي طالما بابا وماما عملوا كده وكان نفسهم إن إحنا كمان نبقى مسلمين.
قضى ديفيد بحديثه على ما تبقى لدى مارجريت من هدوء. فليس معنى إخبارها لهم بما حدث في الماضي، أن يأتي هو ويسير على تلك الخطى، التي لم يسير منها أبواه سوى خطوة البداية. فتصميمه وعزمه البادي على قسمات وجهه التي غزتها سعادة غير متوقعة، خاصة لتيقنها من أن ديفيد يحيا حياته بحرية، دون تلك القيود التي ستُفرض عليه إذا اتبع ذلك الدين الذي سيجعل كل أفعاله محرمة ويجب أن يقلع عنها.
لم تستطع كتمان امتعاضها أكثر، فصاحت به قدر ما ساعدتها أحبالها الصوتية، التي بدت وكأنها ستتمزق بتلك الصيحة: –إيه اللي أنت بتقوله ده يا ديفيد؟ معنى كلامك ده إن عيلة إسكندر شمعون خلاص مش هيبقى ليها وجود. أنت ناسي إنك أنت آخر وريث ولد للعيلة دي، يعني المفروض تتجوز وتخلف أولاد يشيلوا اسمك واسم عيلتك مش عايز تمحيه خالص. أنت لازم تفكر كويس في اللي عايز تعمله.
قلب ديفيد عيناه بملل من محاولة مارجريت في إحباط مخططه للفوز بمعشوقته. فهو لا يعنيه من كل هذا سوى أنه يريد أن يكون زوجاً لياسمين، ويرى أن العائق الأكبر بينهما هو اختلاف عقائدهما. لذلك سيعمل على هدم ذلك الجدار الأول بينهما، وربما تتوالى مخططاته ليظفر بها بالأخير.
أشاح بوجهه عنهن وتعلق بصره بذلك الطائر الذي حط على أحد فروع تلك الشجرة الكبيرة، والتي تشبه أغصانها الجافة تلك الخطوط المحفورة بعمق في وجه مارجريت، فقال بصوت بارد خالٍ من أي شعور: –أنا أخدت قراري يا مارجريت وخلاص. وكمان ناوي أتجوز، ما تقلقيش. أطاحت مارجريت بتلك المزهرية الصغيرة الموضوعة على الطاولة أمامها، وقالت بنبرة تفيض امتعاضاً مختلطة بصياحها:
–عايز تنجح في اللي فشل فيه جدك. ما غلطتش لما قلت مات وساب لعنته لأحفاده. دلوقتي بقيتوا عايزين تغيروا جلدكم وتبقوا شبههم. العشق خلاكم عايزين تنسوا أصلكم عشانهم.
ارتعدت حياء من صيحتها، التي ساهمت في جعلها تعي أي استياء تكون لديها منذ إفصاح ديفيد عن رغبته، التي لا تعلم سر إصراره عليها بذلك الوقت، خاصة إنه لو كان يرغب باعتناق الإسلام، لكان فعل ذلك منذ زمن. فالأمر شيء مبهم لا تستطيع فهم كنه. ولكن لم يكن هذا ما يشغل عقلها فقط، بل ظهور تلك الطباع المتشددة لمارجريت كانت أدعى بأن تجعلها ترى الأمور من منظور آخر. وربما الآن فهمت سر عزوفها عن الحضور وقت مجيء عبد الرحمن وعائلته لخطبة
بيري، بل وفهمت أيضاً تحفظها الظاهري في التعامل معها، رغم أنها لم تظهر لها مظاهر العداء. لذلك كانت تجد برفقة بيري سلوى لها بأنها تستطيع جعلها تشعر بأنها ما زالت تملك عائلة. فرغم صياحها واحتجاجها، إلا أن ديفيد كان لديه التصميم الكامل على تنفيذ ما قاله، بل إنه نهض وترك مجلسهن ليفض ذلك النقاش.
ما أن وصل للداخل، وجد أحد رجاله يخبره بمجيء اثنين من الرجال، الذين ضرب لهما موعداً مسبقاً لمقابلته، فأخبره بأن يجعلهما ينتظرانه في غرفة المعيشة لحين مجيئه. أخرج ديفيد حقيبة جلدية من أحد أدراج تلك الخزانة الخشبية الصغيرة الموضوعة في غرفة المكتب، وأخذها وخرج متجهاً لغرفة المعيشة، وما أن وصل إليها، نظر للرجلين قائلاً ببرود ونبرة عميقة توحي بالقوة والنفوذ:
–كويس إنكم جيتوا دلوقتي، لأن كمان عشر دقايق كنت هعمل الصفقة مع ناس غيركم. نهض أحد الرجلين قائلاً بهدوء محاولاً استرضاءه: –ديفيد بيه، هدى نفسك. إحنا كنا عاملين اجتماع لكل تجار السلاح، علشان نعرف كل واحد هتبقى حصته قد إيه. وضع ديفيد الحقيبة من يده، وبعدما فتحها أخرج منها سلاحين ناريين حديثي الطراز، ويبدو أنه من تلك الفئة التي تعمل، سيفعلان المستحيل للحصول عليها. نظر للرجلين تباعاً قائلاً بابتسامة ماكرة:
–حصة كل واحد أنا اللي أحددها، مش أنتم. يعني السلاح ده أنا اللي هدي كل واحد نصيبه منه، مش عايزكم تنسوا إن أنا الزعيم دلوقتي، لأن اللي هينسى… أطلق رصاصة حطمت زجاج النافذة، كتمهيد لإطلاقه النيران عليهما إذا دعته الحاجة، ومن ثم استأنف حديثه قائلاً ببرود:
–تخيلوا انتوا لو الرصاصة دي انضربت في دماغ حد فيكم، هتقتله في ثواني. ودي ميزة السلاح ده إنه سريع في ضرب النار وإنه يقضي على حياة أي حد بسهولة. ودلوقتي خلونا نتكلم في السعر والتسليم.
نظر الرجلان لبعضهما البعض، وهما يقارنان بينه وبين عمه الراحل الذي كان ذا مزاج مجنون ومتقلب مثله. فيبدو أن ديفيد ورث طباعه علاوة على زعامة المافيا، التي جاءته دون أن يسعى إليها. فكونه متمرساً في استخدام الأسلحة النارية، تم جعله المختص بتجارتها لرفضه الإتجار في المخدرات أو بيع الفتيات مثلما كان يفعل أدريانو. وبعد أن انتهى من اجتماعه وتم الاتفاق بينهم على موعد لجلب تلك الأسلحة النارية التي يتم تهريبها دون علم الشرطة، انصرف الرجلان.
بينما عاد ديفيد للتفكير فيما سمعه من شقيقة جدته، فهو لن يجعل شيئاً يحيده عن تفكيره مهما حاولت مارجريت ثنيه عن قراره، ومهما بلغت أهمية ذلك الهراء الذي تفوهت به من أنه يجب الحفاظ على نسل تلك العائلة وأن يظل اسمها قائماً طالما كان هو على قيد الحياة ويحمل على عاتقه مهمة تخليد اسم عائلة إسكندر شمعون.
رغم ذلك الهدوء الذي يكتنفها، إلا أنها لم تحاول بمرة أن تتجاذب معه الحديث، رغم أن وجوده في المنزل وحياتها هي وزوجها صار أمراً حتمياً. ولكن كأنها فضلت أن يكون الأمر بينهما مقتصراً على تحية الصباح اللطيفة أو ابتسامة وإيماءة من الرأس إذا تقابلا سوياً وسريعاً ما ينتهي الأمر بأن يذهب كل منهما بطريقه.
ولكنه اليوم كان أكثر تصميماً وإصراراً على أن يكون بينهما لقاء حتى وإن كان قصيراً، ولكنه سيكون كافياً لأن يتعرف إليها عن قرب. فما سمعه عن أسطورة عشقها هي وأبيه، أثار لديه الفضول من أن يرى تلك المرأة عن كثب، ليعلم سر افتتان وعشق والده لها. وهو ليس بأعمى لكي لا يرى جمالها الخلاب الذي تستطيع به جذب القلوب قبل العيون، علاوة على إتقانها لتأدية دور سيدة المجتمع الراقية، والتي تجعل من ينظر إليها يجزم بأنها ملكة من إحدى الأسر الملكية، والتي نشأت وترعرعت على أن تكون صورة حية للجمال والعذوبة والأرستقراطية. وربما علم الآن أن أي امرأة أخرى ستنافسها ستكون خاسرة أمام تلك التي اسمها "غزل".
ما أن رآها تسير في حديقة القصر بعدما أصدر عاصم قراره بأن لا تبرح البيت إلا من أجل أمر ضروري حفاظاً عليها وعلى جنينها، خرج إليها وأسرع بخطواته حتى صار يقف بجوارها تقريباً. فابتسم آدم قائلاً بمودة: –عاملة إيه دلوقتي؟ ممكن أتمشى معاكي شوية؟
انتفضت غزل بعد سماع صوته، إذ لم تضع بحسبانها أن ينضم إليها أحد خاصة بهذا الوقت ومعظم ساكني القصر انصرفوا لأشغالهم. ولكن يبدو أنها لم تنتبه أن هناك من يقطن معهم ولا ينصرف من المنزل إلا من أجل التنزه ويقضي الباقي من أوقاته في توطيد علاقاته بأفراد العائلة. ابتسمت غزل ابتسامة أنيقة ولكنها فاترة ولا تحمل ترحيباً ولا دفئاً، إلا أنها رفعت يدها تشير له بالسير وهي تقول بفتور:
–أنا الحمد لله تمام، اتفضل اتمشى معايا. بس إيه السبب لكده؟ عايز تتعرف على مرات باباك، ولا تتأكد إن مش شريرة زي ما مفهوم مرات الأب التقليدي.
ضحك آدم حتى بانت أسنانه الناصعة، والتي يبدو عليه أنه يعتني بهما كاعتنائه بمظهره العام من تصفيفة شعر ملائمة لوجهه الوسيم وثياب شبابية تبرز بنيته الجسدية القوية، والتي لم ير أحد ينافسه بها هنا في المنزل سوى "راسل". حتى أن فارق الطول بينهما ملحوظ، ناهيك عن أن راسل يفوق جميع من بالمنزل في طول القامة، ولا يعلم لما أتى على تذكره الآن. ربت آدم على صدره بحركات متتابعة ورد قائلاً بصدق:
–هتصدقيني لو قلتلك إن عايز أتمشى معاكي علشان أتعرف عليكي أكتر وإني معجب جداً بقصة حبك انتي وبابا. التوى ثغر غزل بابتسامة جانبية وردت قائلة وهي تنحني لقطف إحدى الورود: –وانت بقى عايز تعرف قصة الحب مع إنك تبان لأي حد إنك دليل خيانة عاصم ليا. استقامت بوقفتها وحدقت في وجهه وهي رافعة إحدى حاجبيها وأناملها تتحسس بتلات الوردة البيضاء التي قطفتها، فما كان منه سوى أن ركل بقدمه حفنة من العشب، ومن ثم رمقها بهدوء قائلاً
بتنهيدة عميقة: –عارف إنك ممكن تكوني مضايقة من وجودي في البيت، بس أنا معملتش حاجة تخليكي تفتكري إني جاي أخرب علاقتكم ببعض. يعني لولا اللي حصل زمان، كان ممكن أكون أنا ابنك إنتي. –بس انت مش ابني يا آدم.
قالت غزل وسرعان ما أولته ظهرها، لعلها تخفي تلك الدمعات التي عادت توخز عينيها كالأشواك. تعلم أنه ليس مذنباً كأبيه، ولكنها لن تستطيع التظاهر بأن الأمر عادي ولا يشكل لديها فارقاً، بل وتوهمه بأنها تقبلت وجوده في المنزل. فالتظاهر بمشاعر ليس لها وجود لن يكون في صالح أحد منهما. تنفست غزل بعمق لعلها تخفف من ضغط العبرات على جفنيها، ولكنها عادت تنظر إليه مستطردة بهدوء:
–مش هكدب عليك يا آدم وأقولك إن هتقبل وجودك بين يوم وليلة، بس بالرغم من كده أوعدك إن لا هضايقك ولا إن مثلاً أقولك كلمة تزعلك، لأن انت برضه ملكش ذنب في اللي حصل. بس أهو هنحاول نتقبل بعض.
رفعت طرف سبابتها لتسرع بمحو تلك الدمعة التي نجحت في الفرار من حاجز جفنها الأيمن، فأومأ آدم برأسه متفهماً لقولها. ورغم ذلك لم ينصرف بل أكمل تجوله معها في الحديقة، وهما يتحدثان حول بعض الأمور العامة كصديقين حديثي العهد بتلك الصداقة التي يأمل آدم بأن تكون بداية للتفاهم بينهما. بعد عودة غزل للداخل، وصل آدم للمسبح وجد صديقه عماد يتمدد باسترخاء على المقعد الخشبي الطويل واضعاً قبعة تغطي النصف الأعلى من وجهه.
سحب آدم القبعة من على وجهه قائلاً وهو يوخزه بكتفه: –اصحى، هو أنت نمت؟ انت بتقوم من النوم علشان تنام. مسح عماد وجهه بكفيه وفتح عيناه النعستين قائلاً بكسل: –ما أنا من ساعة ما جيت هنا مش لاقي حاجة نعملها. يلا بينا نرجع فرنسا تاني ونشوف شغلنا بدل الأنتخة اللي إحنا فيها دي. تمدد آدم على المقعد الآخر ورد قائلاً برفض: –لأ، مش هرجع فرنسا دلوقتي. عايز تسافر انت سافر مع السلامة.
رفع عماد إحدى المناشف البيضاء الموضوعة قريباً منه، فألقاها على وجه آدم بحنق، وعندما لم يبدِ حراكاً أعاد الكرة مرة أخرى، ومن ثم قال: –إيه الوطينة دي؟ يعني علشان خلاص لقيت أهلك بعتني؟ قليل الأصل بجد، خسارة صداقتي فيك يا ندل.
قهقه آدم ما أن سمع ما تفوه به صديقه، فلو لم يكن يعلم أمور مزاحه خاصة، لكان ظن أنه مستاء حقاً منه وسأم من تلك الرفاهية التي يتنعم بها، بعدما حل ضيفاً على مالك ذلك القصر لارتباطهما بتلك الصداقة القوية، والتي تجعله يضع آدم بأولوياته وما أن يريد دعمه يسرع بتقديمه له على الرحب والسعة. تنفس آدم تلك النسمات التي داعبت أنفه محمولة بأريج عطور تلك الزهور بالحديقة، ومن ثم غمغم بكسل:
–أنا بجد كنت محتاج إجازة أرتاح فيها. بقالنا فترة بنسافر من بلد لبلد وشغل شغل، لازم نرتاح شوية. رفع آدم رأسه عن مقعده، بعد سماع صيحة الصغير القادمة من إحدى شرفات المنزل، فوخز عماد لينظر إلى ما ينظر إليه، حيث وقفت ساندرا في شرفة غرفتها تداعب صغيرها الذي راح يقهقه بصوته الطفولي وبدا مسموعاً لهما بكل وضوح. رفع آدم نظارته السوداء عن عينيه قائلاً بحيرة:
–غريبة أوي ساندرا دي. من ساعة ما جينا البيت وهي مبتظهرش إلا صدفة. ده ساعات بنسى إنها عايشة معانا في البيت. ياترى إيه حكايتها وليه مبتتحاولش تتكلم مع حد؟ أنا حتى معرفش تقربلهم إيه ولا حد راضي يقولي كأنه سر. لوى عماد ثغره من قوة ملاحظته الخاصة بالإناث، كأنه لن يترك امرأة بهذا المنزل إلا وسيعمل على دراسة ردود أفعالها، ويبدي استغرابه كلما انتبه على فعل لا يتوافق مع باقي ساكني القصر، فنفخ خديه قائلاً بملل:
–يا سلام على بعد نظرك يا آدم. سايب الرجالة اللي في البيت وشغال تحليل في شخصيات الستات اللي موجودين. أرحم نفسك بقى يا أخي، أوعى تخلص على ستات البيت وتدخل على الشغالات.
ببطء ترك آدم مقعده، وهو ينوي القيام لتأديبه على ما قاله، إلا أن عماد قفز على قدميه، كأنه علم بنواياه، ولم يكتفِ بذلك بل أطلق لساقيه الريح، قبل أن تمتد إليه يد آدم، ولكنه لم يكن يقبل بفعلته، إذ ركض خلفه في الحديقة وحول المسبح، فإنتبهت ساندرا على ما يفعلانه، فشقت ابتسامة عريضة شفتيها، وخرج صوت ضحكتها عالياً، ورن بأذنيها وكان ذو وقع غريب. فهاتان الشفتان لم تمسهما ضحكة أو ابتسامة نابعة من القلب منذ وقت طويل.
تمنت لو كانت قادرة على محو تلك الأيام، التي لم تفشل في عدها، بل تحسب الدقائق بها، وكل دقيقة تمر عليها تذكرها بقسوة ومرارة ما حدث. فما أن جال بخاطرها، تلك الفاجعة التي حرمتها ابتسامتها، بل وحرمتها أن تحيا حياتها كما كانت معتادة، تسربت دموعها الفياضة على وجنتيها. فيكفي تلك الصرخات والصيحات التي مزقت فؤادها، كأن تلك الأصوات ما زالت تدوي في أذنيها، وجعلتها تغلق عينيها في محاولة منها أن تحافظ على هدوئها قدر المستطاع.
فراحت تأخذ أنفاسها وتزفرها ببطء كما نصحها راسل بأن تفعل إذا داهمتها تلك الحالة من معايشة تلك الذكرى الأليمة، وتذكرت كيف ساهمت دون أن تدري بحدوث ذلك الصدع في حياته، حتى باتت غير قادرة على أن ترحل أو أن تظل مقيمة هنا بمنزل عائلته وترى زوجته كيف ترمقها بنظرات الاستفهام عن ماذا بينها وبين زوجها ويحرصان على إخفائه عن الجميع.
لم تجد ليالي حلاً آخر لبيع قطع الألماس التي بحوزتها، إلا أنها تحاول الوصول لذلك الرجل، الذي تعلم أنه يعمل بما يطلقون عليه "السوق السوداء" من حيث الاتجار بالعملات الأجنبية والآثار القديمة والمصوغات والمشغولات الذهبية والماسية. فإن كانت تعلم أن الذهاب إليه كالذهاب لجحر الشياطين، إلا أن ذلك لم يحد من اندفاعها بأن تبيع قطع الألماس؛ لتعمل على شراء المطعم، بعدما حاول عمران إقناعها بأنه فرصة ذهبية لها لكي تصبح سيدة أعمال.
ولم تنسى أيضاً أن تحاول استخدام سحرها وإغراءها كأنثى لكي تحصل على أفضل العروض منه. فما حدث بينهما بسنوات شبابها الأولى، يجعلها تعي أي الأوتار لديه تستطيع العزف عليه لتحصل على ما تريد. فماضيها المحفوف بالكوارث والعلاقات غير المشروعة، لن يكفي مجلد لأن تخط به ذنوبها الماضية والحالية، ورغم ذلك لم تفكر بيوم أن تقلع عن كل ذلك، وتلك اللمحة الخاطفة من التوبة لم تزورها إلا عندما رغبت في الزواج من عمران، والذي علمت مؤخراً أنه
متزوجاً من فتاة سليلة أثرياء وعائلتها تستطيع محو وجودها بلمح البصر.
أغمّت ملامحها ما أن تذكرت زوجة عمران، فدمدمت بغيظ: –وإيه يعني حفيدة النعماني؟ يا بختها متجوزة راجل أنا أدفع نص عمري وأتجوزه ولو لليلة واحدة، بس يلا كلها حظوظ، ومين عالم بكرة يحصل إيه؟ ما قريب أوي هبقى زيها وهبقى سيدة أعمال والكل هيعملي ألف حساب زيها.
وضعت القرطين الذهبيين بأذنيها وقسمات وجهها ما زالت تنضح بامتعاضها واستيائها، وكأن بفعلتها تلك ستنجح بأن تعزز ثقتها بنفسها من أنها بيوم تستطيع منافسة ميس على قلب عمران، والذي لم تعد ترى رجلاً غيره. حتى وإن كانت الآن تفكر بإقامة علاقة مع ذلك الرجل الذي ستذهب إليه، ولكنها سترفع الحرج والذنب عن عاتقها بحجة أن ليس لديها مشاعر تجاه ذلك الرجل، وإنه لمنطق عجيب وعقيم من أن يستحل بعض الأفراد حدود الله متذرعين بأن ذلك يصب في
النهاية لمصالحهم الخاصة وأن كل شيء سيمر ويصبح بطي النسيان، وتلك هي قواعد المجتمع المنفتح، الذي لم يعد بعض أفراده يلتزمون بتقاليده وكأنها صارت بالية ولابد من تجديدها، كأن ثوب العفاف صار مهترئاً وحان الوقت لشراء ثوب جديد ولكنه لا يستر النفوس.
أخرجت قطع الألماس من الصندوق الخزفي الموضوع به باقي حليها الذهبية، ووضعت قطعة ألماس واحدة بحقيبتها وظلت يدها متمسكة بالحقيبة وكأنها لن تفلتها إلا بعدما تصعد روحها. ولما لا وهي ترى متاع الدنيا بتلك القطع الصغيرة البراقة، فهي على استعداد لدفع ثمنها كقربان لأن تمحو سجل حياتها القديم الحافل بالعلاقات المشبوهة، من أجل شراء حاضر ومستقبل يضفي عليها رونقاً من أنها باتت سيدة مجتمع راقية، لديها من المال ما يكفي عن حاجتها،
وربما يكون قادراً على سد تلك الفجوة بينها وبين ذلك الرجل الوحيد القادر على جعل خلاياها تهتف باسمه، وتُمنى ذاتها بأن يأتي ذلك اليوم، الذي تستحل فيه قربه دون وجود عائقاً بينهما، فجموح أمانيها يجعلها تنسى أحياناً كثيرة بأنه يمتلك زوجة. إذا تبارتا في نزال عن من ستكون الأحق به، ستكون زوجته هي الفائزة دون جهد.
صوت صرير أسنانها المتصكة ببعضهما، لم يكن كافياً بجعلها تبلع إهانة عقلها لها، فخرجت من الغرفة وأشارت للحراس بأن يتبعوها. وما أن أخذت مكانها بالمقعد الخلفي لسيارتها، أمرت السائق بالانطلاق لتلك الوجهة التي ستقصدها. فبعد خمسة عشر دقيقة، كان السائق يصف السيارة أمام ذلك المنزل، الذي لم يختلف في رفاهيته عن منزل سيدته، لذلك لم يساوره هو أو أحد من الحراس الشكوك حول مجيئها لهذا البيت، واستطاع كل منهم حبك سبباً وجيهاً لمجيئها.
خرجت من السيارة وهي قابضة على حقيبتها كالقابضة على ذرات من الجمر، حتى أن يداها بدأتا تتعرقان، وشعرت بتلك الرجفة الخفيفة بسيقانها، إلا أنها رفعت وجهها وأكملت سيرها حتى وصلت إلى غرفة المعيشة التي اصطحبتها إليها إحدى الخادمات. جلست واضعة ساقاً على الأخرى، وعيناها تتجول بهما في أرجاء الغرفة، ولم يقطع عليها تأملها سوى ذلك الصوت الذي صدح من أمام باب الغرفة:
–ليالي، عاش من شافك. ده أنا قولت إن مش هشوفك تاني من ساعة ما ضربتلك الباسبور اللي طفشتي بيه على بلاد برا، بس إيه الأبهة دي كلها. لم تهديه إلا ابتسامة فاترة، غير ودية، خاصة بعد إتيانه على ذكر خدماته الجليلة من أجلها، ولم تكلف نفسها عناء الوقوف، إذ قالت بسخرية: –ده على أساس إنك أنت اللي كنت مولود في بوقك معلقة دهب. الله يرحم أيام سرقة العربيات من الجراجات، أنت كمان نضفت أوي.
قالت ما لديها اقتصاصاً لما قاله بحقها، فلم يمتعض أو يستاء بل جلس على المقعد المقابل لها قائلاً بجدية: –سيبك بقى من الذكريات دي كلها وقوليلي بقى إيه الموضوع اللي خلاكي تجيلي لحد هنا. وضعت حقيبتها على ساقها وفتحت سحابها وأخرجت العلبة التي تحتوي على قطعة الألماس، وبعدما فتحتها حدقت به بقوة قائلة برجاء مبطن بنبرة صوتها الناعمة:
–جيتلك علشان تبيعالي كام حتة ألماس ودي واحدة منهم. جبتهالك علشان تشوفها وتعاينها وعايزة فيهم سعر كويس. فغر الرجل فاه ما أن لمع بريق الماسة في عينيه، ولكن لم تصل يده إليها، إذ عملت على إغلاق العلبة وسحبها بعيداً عن يده، فابتسم قائلاً وهو يومئ برأسه: –عيوني يا ليالي هبيعلك. بس طبعاً ليا نصيب في الفلوس، ما تنسيش إن الألماس ده مشموم وزمان ريحته فايحة عند اللي أخدتيه منه، وإلا ما كنتيش جيتي لحد عندي. وضعت العلبة بحقيبتها
وقالت وهي تهم بترك مقعدها: –وقت ما تجهز المشتري أديني خبر، ومتنساش نصيبك هتاخده كامل ومش ناقص جنيه. سلام.
لم تشأ أن تطيل في زيارتها القصيرة، إذ لم تكن تنوي مجالسته أكثر من ذلك، وتيقنت من أنه سيسعى لإحضار المشتري، بعدما رأت كيف كان لعابه سيسيل بعد رؤية قطعة الألماس، فمن أجل أن يحصل على نقوده، سيكون على استعداد لإحضار من هو أكثر ثراءً ويستطع دفع المبلغ المطلوب ثمناً له. وما أن وصلت لسيارتها، أخبرت السائق بأن يعود بها للمنزل، فأندهش من مطلبها وهي التي لم يمر على مجيئها لهنا سوى عدة دقائق لا تكفيها لأن تحتسي كوباً من الماء البارد، ولكن منذ متى وهو يستطيع فهم تصرف سيدته المحير أحياناً كثيرة، فقاد السيارة حتى وصل بها للمنزل.
ما أن تركت ليالي السيارة، سمع السائق رنين هاتفه، فنظر من النافذة ليتأكد من دخولها للبيت وإنه بإمكانه أن يتحدث بحرية ودون قيد مع من يهاتفه. وبعدما تبادلا بضعة كلمات، أغلق الهاتف وخرج من السيارة، وأخذ يفكر في كيفية تنفيذ تلك المهمة المطلوبة منه. وما أن تقدم بخطواته تجاه باب المنزل، رأى أحد الحراس قادماً من الداخل، فأسرع بالعودة إلى جوار السيارة، وأخرج هاتفه ليوهم الحارس بأنه يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، كإحدى سبل الترفيه عن الذات وقت فراغه.
منذ ما علمته بشأن والديها وهي بحالة أقرب للانتشاء، فذلك الشعور الغريب، الذي ملأ حواسها من كونها إذا كانت عاشت بكنف أبويها الحقيقيين كانت ستنشأ على الدين الإسلامي كحالها الآن، جعلها تبتسم إذا دعتها الحاجة أم لا. حتى إنها لم تنس نصيب زوجها من تلك الابتسامات على الرغم من المشاحنات المستمرة بينهما، إلا أنها بدت كأنها لم تجد ضرراً من أن تهديه ابتسامة مشرقة ما أن قابلته بعد عودتها من منزل عائلتها. ولم تكتفِ بذلك، بل ظلت
سابحة في بحر سعادتها وتنظر إليه بعينيها اللتان راحتا تفيض حلاوة وعذوبة، كمن تريده أن يشاركها تلك اللحظة الثمينة. وعندما هم بمعانقتها لم تمانع، بل عملت على تطويقه كمن حصلت على الجائزة الكبرى قبل عودتها للمنزل، وتعرب عن مدى سعادتها بأن تهديه عناق المغرمين، كأنها نسيت ما كان بينهما من خصام، ولم تنتبه على ما يحدث بينهما إلا عندما وجدت راسل يهمس في أذنها عن مدى اشتياقه لها وإنه بأمس الحاجة إليها. فعند هذا الحد كانت نافضة
عنها كل ما اعتراها من مشاعر وعواطف وهي تحت تأثير تلك الحالة من السعادة، التي جاءتها لتخفف عنها ضيقها بتلك الأونة، ولم تنس كيف تبدلت قسمات وجهه، وبلغ حنقه منتهاه، بعدما أوصلته إلى باب جنة العشق وسرعان ما أوصدته في وجهه.
–يا خبر، أنا شكلي اتأخرت على بيري. هتفت حياء ما أن قطع رنين هاتفها تحديقها المستمر بصورتها المنعكسة بالمرآة.
فصفعت جبينها بخفة، بعدما تذكرت أنها يجب أن تسرع في الذهاب لتلك القاعة التي تنتظرها بها بيري. فذلك الحفل المقام بها والذي تشرف على إعداده ابنة عمها سيكون الأخير قبل زفافها، لذلك أرادت منها المجيء لمساعدتها كالعادة. ولم تنس أن تخبرها بأن تصطحب آدم معها من أجل إحياء الحفل نزولاً عند رغبة العروسان، لذلك أسرعت في أخذ هاتفها وحقيبتها لكي تخرج من الغرفة.
وبالأسفل، كان راسل جالساً في الصالة، بعدما أصرت عليه ابنته أن يطعمها بعض قطع الفاكهة، كأحد أمور دلاله لها، والتي لم تعد تحصل على الكافي منها بتلك الأونة. إذ كان هناك ما يشغله كتفكير في تلك الحالة التي وصلا إليها هو وزوجته، ولم ينس وجود آدم، الذي أضحى فرداً جديداً في تلك العائلة. انتهت سجود من تناول قطع الفاكهة، فأشارت عليها بأن تذهب لغرفتها على أن يوافيها فيما بعد ليقص عليها قصة قبل النوم.
ما أن ترك مكانه، رأى ذلك الجيتار الخاص بآدم، وظل يتأمله بضع لحظات وهو يقول ببرود: –ياترى سايب الجيتار بتاعه هنا وراح فين؟ لعنة حلت عليه تجسدت بذلك الشاب المدعو "آدم"، فمن أين ظهر له هذا المخنث، مثلما اعتاد أن يطلق عليه منذ أن رآه؟ جن جنونه وانتفخت أوداجه عندما أبصرها تهبط الدرج بدلال لا يناسب أحداً غيرها "صبيته الحسناء". فأين هي ذاهبة بهذا الوقت من المساء؟
فهي لم تخبره بشأن خروجها من القصر، أو بالاصح لم تعد تحدثه أو تخبره بشيء يخصها أو يخص غدواتها وروحاتها، وهذا ما يوشك على أن يفقده صوابه. ولكن اكتملت الصورة سوءاً برؤيته "آدم" يخرج من غرفته ويهبط الدرج خلفها، ويبدو عليه أنه بصدد الخروج من المنزل هو الآخر. فصاح آدم قدر ما أسعفه لسانه الذي صار معتاداً على النطق باللغة العربية منذ مجيئه لهنا من وقت قريب: –حلوة كتير مليكتي النهاردة.
تشنجت أطراف راسل واقترب منه قابضاً على تلابيب ثيابه صارخاً في وجهه: –هي مين اللي حلوة ياض؟ أنت ما تحترم نفسك. –اهدى يا راسل، مش ينفع تتعصب. قالها آدم ببرود، فكم يحب إغاظته. فإن كان يعلم بأنه لا يصح أن يبدي إعجابه بامرأة متزوجة خاصة أمام زوجها، إلا أن طباعه الفرنسية ونشأته جعلته محباً للجمال باختلاف أنواعه، ولا يستطيع إلجام لسانه عن قول عبارات الإطراء لكل فتاة جميلة يراها.
رأت حياء أن شجاراً جديداً يلوح في الأفق، فأرادت فض النزاع بينهما، فهي ليست بمزاج للاستماع لتلك الترهات من كلا الجانبين، فهتفت بآدم بلين وشعور عارم بالإرهاق: –آدم بليز اتفضل اسبقني على القاعة هتلاقي بيري مستنياك وأنا هحصلك بعربيتي وعلشان تجهز نفسك قبل ما تبدأ تغني في الحفلة. إيماءة خفيفة من رأس آدم أبلغتها أنه سيجعل حديثها محط التنفيذ، فهو بعد أن ابتعد عن يديّ راسل، عدل هندامه وخرج متجهاً لسيارته.
أرادت حياء الخروج هي الأخرى، فوجدت يد راسل تقبض على رسغها بقوة. استدارت برأسها إليه، فوجدت عيناه كجمرتين مشتعلتين بغضب قادر على أن يحرقها حية. –انتي راحة فين انتي وهو؟ وليه مقولتيش إنك خارجة؟ صاح راسل بها بحدة، فما كان منها سوى أن رفعت يدها الأخرى، لتحل وثاق أصابعه الغاضبة عن رسغها. فأجابته ببرود مدروس:
–بيري كانت عايزاني أساعدها في حفلة النهاردة وطلبت آدم يغني في الحفلة خصوصاً لما العرسان عرفوا إن المغني العالمي آدم جوزيف هنا في إسكندرية وطلبوه بالاسم. ما انت عارف آدم مغني محبوب وعالمي، ومعشوق البنات زي ما بيقولوا. أطاحت بصوابعه بالتشديد على ذكر اسم آدم، خاصة بالجزء المتعلق بشهرته كمغني ولديه الكثير من المعجبين خاصة الإناث. فرد قائلاً باستنكار: –على إيه إن شاء الله؟ عيل ماسخ ومايع كده عامل زي الفراخ البيضة.
تريد معجزة لإلجام تلك الضحكة، التي تريد الإفلات من بين شفتيها، فبجهد استطاعت قمعها، وإرادت استكمال سيرها، فلم يتبقى إلا القليل وسيبدأ حفل الزفاف، وهي لا تريد أن تجعل بيري تنتظرها طويلاً. أطبق راسل جفنيه، وهو يحاول استدعاء هدوئه، الذي لم يعد بالإمكان الحفاظ عليه. فما كادت تبتعد خطوتين، حتى وجدته يسحبها معه لإحدى الزوايا المظلمة أسفل الدرج اللولبي. فأطلقت شفتيه تلك الأنات الخافتة المعبأة بالألم:
–انتي عايزة تعملي فيا إيه تاني يا حياء؟ حرام عليكي. فأكمل عبارته المتألمة بتجويف عنقها حيث دفن وجهه فغمغم مستطرداً: –للدرجة دي كرهتيني ومبقتيش عايزاني؟ نسيتي حبنا خلاص؟ ابتعد عنها واقترب رأسه منها ثانية، ولفحت أنفاسه الحارة وجنتيها، على شفتيه طيف ابتسامة، خاصة بعدما التقت أعينهما، وكانت بحالة شبه مغيبة عندما شعرت بإبهامه يلامس وجنتها، فأرتعدت عندما خاطبها بصوت يفيض حناناً: –وحشتيني أوي يا قلب راسل.
طرأ تحول غريب على مشاعرها جعلها تحول الحنين الجارف الذي يجتاحها إلى إحساس أقوى من الرغبة في الاستسلام صاغرة بين ذراعي زوجها الفظ، الذي كان ذا مزاج متقلب، فتارة خشناً بمعاملتها وتارة حنوناً. إنه يشعر بالظمأ ولا يرويه سوى الشعور بوجودها بين ذراعيه، ولكنها لا تريده بغطرسته، التي جعلته يتوهم أنه سيجدها راغبة مطيعة له بعد أن طعن قلبها، فهي تفضل البقاء من دونه على نيل جزء منه فقط، خاصة ذلك الجزء المتعلق بغروره.
فسيطرت على دموعها وحبستها وعملت على دفعه عنها وهي ترمقه بعينان ينبعث منها الغضب والاشمئزاز وقالت: –حبنا ووحشتك! وانت مفكرتوش ليه يا راسل؟ ولا انت بس اللي من حقك تكسر قلبي؟ بس خلاص حياء اللي انت كنت بتعاملها على إنها طفلة دلوقتي كبرت و…
لم يجد جدوى من ثرثرتها، فما من حل أنسب بهذا الوقت سوى أن يخرسها ويجعلها تكف عن الحديث، فهو يتحرق شوقاً لذلك العناق المختزن بقلبه وذاكرته وألهب ذكرياته بسياط الهجر والفراق، كأن روحه انسكبت بين ذراعيه المحملتين بالحب والعشق، تحاول بثها تلك العاطفة الجياشة التي يشعر بها، فكم تاق هو للقائها، فحواسه تواطأت مع لهفة الشوق لينتج بالأخير عناق صاخب، كاد ينسيها ما كان من أمره بحقها.
فزمجر بتهديد ووعيد عندما سنحت له الفرصة بفصل العناق، الذي كاد يقضي على كل ما اختزنته رئتيهما من هواء: –أنا مش هسيبك لحد ولو اللي اسمه آدم ده مبعدش عنك هقتله يا حياء.
ولكن إلى هنا وأفاق على حاله المزرى من كون أن ما حدث الآن لم يكن سوى حلم نسجه بمخيلته، فهو لم يعاتبها ولم يلقِ بتهديده في وجهها، لأن لابد لها أنها وصلت لمرآب السيارات لتستقل سيارتها وتخرج من باب القصر، وتركته هنا مكانه يتخيل كيف سيكون الحوار بينهما إذا سنحت لهما الفرصة وكانا بمفردهما، طالقاً العنان لقلبه ولسانه، كتلك المرات القليلة التي اجتمعا بها سوياً، وكانت أحياناً متمردة وأحياناً أخرى هادئة تثير بقلبه الشوق لأن يضمها بين ذراعيه وينعما بلحظات باتت وكأنها ستظل من المحال أن تستمر على المنوال ذاته.
نفرت عروقه التي تجمعت بها دماءه الحارة، والتي ألهبت حواسه من فرط ضيقه وحنقه كونها ستجتمع هي وذلك المخنث المسمى آدم بمكان واحد، حتى وإن كان سيجتمع معهما العديد من الضيوف والمدعوين، ولكن حتى لو اجتمع معهما سكان الكرة الأرضية قاطبة، لن يسمح بوجودها معه تحت سقف واحد. –لأ لحد كده وكفاية بقى.
نطق بها وقدميه تسوقه مهرولاً تجاه ذلك المرآب الكبير، وما أن وصل إليه وجدها بصدد الانطلاق بسيارتها، فوقف أمام السيارة عاقداً ذراعيه ويطالعها بعينان تأمرانها بأن تخرج من سيارتها على الفور، وإلا ستكون النتائج غير مرضية لها، ولكن ستكون بأكثر من ذلك له هو.
أطلقت حياء زمور السيارة عدة مرات، لعله يتنحى جانباً ويسمح لها بالمرور، ولكن بدا كأنه أصم ولم يستمع لذلك الصوت المدوي والذي أثار أعصابها حد الانفجار، فلم تجد مفر من أن تترجل من السيارة، وأغلقت بابها بعنف محدثاً صوتاً عالياً، دل على مدى شعورها بالاستياء مما يفعله. رفعت يدها تشيح بها أمام وجهه وهي تقول بصوت عالٍ: –فيه إيه؟ أنت واقف ليه كده؟ مش سامع صوت الكلاكس؟ أنا كده هتأخر على بيري، أنت عايز إيه يا راسل؟
تهدل ذراعيه بجانبه وخطى خطواته بتؤدة تجاهها، ولكنها شعرت بدنو الخطر منها وهي ترى بياض عيناه استحالا لونه للون الأحمر، بل وبدا أنه يأخذ أنفاسه بصعوبة، إذ راح صدره يعلو ويهبط وتتسع طاقة أنفه كالثور الهائج، والذي وجد نفسه هو وفريسته بالحلبة بمفردهما ولن يتركها إلا إذا استعرض قوته الهجومية عليها.
رأت أنه من الحكمة أن تحكم سيطرتها على مشاعر الغضب المتأججة بداخلها، إذ أن ذلك لن يوصلهما إلا لمزيد من الشجارات، التي بدأت تسأم منها، لشعورها الدائم بانتصاره عليها، حتى وإن كانت هي التي عملت على تجريده من كبريائه، ولكن يكفيها أن بعدما يذهب عنها تظل رائحته المميزة عابقة بأنفها، بل وتضم ذراعيها حول جسدها، كأنها تحافظ على ذلك الدفء الذي ترك بصماته عليها، فكانت وما زالت تشتاقه كأنه تركها بالأمس وهي بأوج مراحل العشق.
–ادخلي جوه يا حياء، وما فيش خروج من البيت، أو بمعنى أصح ما فيش خروج تاني من غير إذني. خلاص كفاية عليكي لحد كده.
قالها وهو يشير بيده لباب المنزل الداخلي، ولم يرف له جفن وهو يحدق في وجهها، يكاد يلتهم ملامحها بعينيه العاصفتين، بل أن جسده تأهب لأي حركة منها، حتى إذا أعلنت تمردها وعصيانها، لن يجد مشقة في حملها والذهاب بها لغرفتها، فلو تطلب الأمر سيجعلها سجينة الغرفة، ولن يجعلها ترى أحداً غيره، حتى لو نعتته بالمستبد والطاغي، فلن يشكل ذلك فارقاً لديه.
تلاحمت حاجبيها الأنيقين بدهشة من أوامره التي يمليها عليها، دون مراعاة لأخذ رأيها بما يقوله، بل أنه أصدر قراره وعليها هي القبول به دون احتجاج أو معارضة. ولكن من يظن نفسه ذلك الطاووس المغرور، والذي لم تقابل أحد في حياتها بأسرها يملك تلك الشخصية المحيرة، والتي تجعلها تفشل دائماً في فهمه أو فهم ما يفكر به. ولكنه مخطئ إذا ظن أنها ستنصاع له بسهولة وتتركه يفرض سيطرته وهيمنته عليها، والتي إن قبلت بهما سابقاً كان يظلها غمامة من العشق، تجعلها تأخذ كل أفعاله على أنها غيرة عاشق على معشوقته ورغبته في الاستئثار بها لنفسه، وأن لا تراها عين رجل غيره.
حركت رأسها كأنها لم تسمع ما تفوه به وتريده أن يعيد حديثه مرة أخرى ورفعت حاجبها قائلة بلامبالاة: –قول تاني كده علشان ما سمعتش. صمتت لبرهة ومن ثم أضافت: –الظاهر إنك مش لاقي حاجة تعملها يا راسل وجاي تتسلى عليا. بس يا خسارة أنا مش فاضية ولازم أخرج دلوقتي وسع السكة كده علشان أعدي.
قبل أن تعود وتستقل سيارتها كان قابضاً على ذراعها، بل ودفعها حتى اصطدم ظهرها بالسيارة، ويده الأخرى قبضت على عنقها وأحنى رأسها للخلف وحدق في عينيها قائلاً من بين أسنانه بتهديد: –أنا مش بتسلى يا حياء، أنا بتكلم جد، وأحسن لك تسمعي الكلام، لأن مبقاش عندي صبر كفاية علشان أستحمل عمايلك. أنا سيبتك تعملي اللي في دماغك وتثبتي لنفسك إنك قوية وتقدرى تعارضيني براحتك، بس دلوقتي خلاص كل ده انتهى، فاهمة؟
كل حرف تفوه به وخرج من فمه وصل لمسامعها بكل وضوح، بل أنفاسه الساخنة التي تململت على بشرتها، أنبأتها بأن الجحيم سكن جوفه، وربما سيقذفها بحمم بركانية، قادرة على إذابة عظامها ولحمها، ولكن لا تعلم لما ظلت مقاومتها خاملة، ولم تسعفها وهي واقفة بين يديه حاكماً يداه إحداهما على ذراعها والأخرى ملتفة حول عنقها. ولكن رغم ذلك لم يحاول إيذاءها، فما زال كما هو حتى وإن كان بأوج غضبه، لا يفكر في مسها بأذى أو مكروه، بل تفضحه عيناه وتظهر ما يحاول إخفاءه خلف قناع البرود والقسوة، الذي يحاول ارتدائه أمامها وأمام الآخرين.
–أنت عايز تخنقني وتموتني يا راسل؟
هتفت بعبارتها همساً وهي تزدرد لعابها وبتردد رفعت يدها اليمنى وحطت بها على صدره، وزحفت ببطء حتى وصلت لعنقه، فأدهشتها تلك الحرارة التي شعرت بها أسفل كفها وهي واضعة يدها على إحدى جانبي عنقه، كأنه مصاب بحمى. ولكن تلك الحرارة لم تكن سوى نتيجة لتلك العواصف التي تهدر بقلبه معلنة أنه أطلق شيطانه ولن يعود بالإمكان السيطرة عليه وإعادته لسباته، بل عليها هي أن تحاول الهروب من جحيمه قدر استطاعتها. سألها بنبرة خافتة:
–تفتكري إن أنا ممكن أعمل فيكي كده؟ ارتخت أصابعه الملتفة حول عنقها ما أن باغتته بفعلة مماثلة ولكنها لم تحاول أن تغرز أصابعها بعنقه وتغوص بهما حتى تحرمه ذلك الهواء الذي تلتهمه رئتيه بشراهة دلت عليها محاولته أخذ أنفاسه بتتابع كأن الهواء نضب منهما، بل مرت إبهامها على عنقه وتجولت يدها مروراً بذقنه حتى حطت بإبهامها على طرف شفتيه، فأغمض عينيه منتشياً من فعلتها، وقبل أطراف أناملها حتى شعر بارتجافها.
ففتح عينيه بعدما سمعها تقول بأنفاس كادت تشعر بذوبانها: –أنت عملت فيا اللي أكتر من الخنق والموت. راسل سيبني أروح لبيري، دي آخر حفلة هتعملها قبل فرحها فخليني أروح أساعدها، ده لو كان لسه ليا شوية غلاوة ولو صغيرين في قلبك.
جردته من تعنته وتسلطه، وجعلت تلك الكبرياء التي كانت بادية عليه تتلاشى، كأنها رياح عاصفة حل محلها نسمات الهواء الرقيقة، نجاح ساحق يحتسب لها، بل جعلتها تتيقن من أنها ما زالت تملك ذلك السحر والتأثير عليه ما أن تخاطبه بنبرة هادئة تكثف بها ضعفها وأنها ماهي إلا نصفه الآخر، طفلته التي لن يستطيع رفض طلبها، بل سيحاول إرضاءها وصرف حزنها. وهذا ما كان، إذ سمعته يقول وهو يومئ برأسه إيماءة خفيفة، كأنه يشعر بثقلها المفاجئ:
–ماشي يا حياء، هو النهاردة وبس علشان خاطر بنت عمك.
هزت رأسها وحاولت إخفاء وجهها لكي لا يرى بسمة الانتصار التي غزت شفتيها من أنها حققت مرادها، وها هي نالت موافقته دون بذل جهد يذكر سوى أنها ترجته بصوتها الناعم، وأن يدها ساهمت بإتمام مهمتها بعدما ربتت بها على وجنتيه. ولكن رغم ما تشعر به من انتصار بأنها أخذت موافقته على خروجها، إلا من داخلها شعرت بالبغض لنفسها على أنها مارست عليه تلك الخدعة واستغلت ضعفه تجاهها، ولكنها لم تشأ أن تفكر كثيراً بذلك، فصعدت للسيارة وأدارت محركها وانطلقت بها بعدما أخرجت يدها من النافذة ولوحت له بها.
وما أن رأى راسل السيارة تعبر من الباب الخارجي للبيت، التوى ثغره الرجولي ببسمة ذات مغزى. فكم هي ساذجة وحمقاء إذا ظنت أنه أخذ بأعالي حواء خاصتها، فعندما ستعود ستجد مفاجأة أخرى بانتظارها ستدهشها على الأغلب، ولكنها ستكون مرضية له، فإن أرادت ممارسة ألاعيبها، فليكن ذلك بساحتهما الخاصة والتي سيعمل على إعدادها منذ الليلة. قضم شفته السفلى قائلاً بصوت منخفض ملأه الحماس: –زي ما انتي متغيرتيش يا حياء، بتفتكري إنك ضحكتي عليا؟
بس اللي متعرفوش إن أنا اللي سايبك تضحكي عليا بمزاجي ولما ترجعي هتنبسطي من المفاجأة اللي هعملهالك.
وصلت حياء لتلك القاعة التي تنتظرها بها بيري والتي سبقها آدم إليها، بل أنه بدأ الغناء بحفل الزفاف، فاكتفت بالوقوف بجانب ابنة عمها بصمت، ولم يكن بنيتها أن تتجاذب الحديث مع أحد، إذ أنها كانت تفكر فيما حدث قبل مجيئها، ولكنها اضطرت للخروج من صمتها وبلادتها عندما بدأت بيري بإخبارها بما ستفعله حتى ينتهي حفل العرس بسلام، فتنقلت من مكان لآخر تبتسم كما تقتضيها الحاجة ولكنها لم تحاول أن تبتسم لآدم الذي راح يطاردها بعينيه بكل مكان تذهب إليه، كأنه يرغب في سؤالها عن تأخيرها في موافاته عند القاعة.
بعدما انتهى حفل الزفاف، تأبطت بيري ذراعها وخرجتا من القاعة بعد أن أنهت إصدار أوامرها للعاملين لديها بسرعة تنظيف وتنظيم القاعة قبل تسليمها لإدارة الفندق التابع لها. وكزتها بكتفها بخفة وتساءلت: –مالك كده من ساعة ما جيتي وأنتي ساكتة؟ حصل حاجة؟ تنفست حياء بعمق ومن ثم ردت قالت بشعور عارم من التيه:
–مش عارفة ليه حاسة كأن أنا واحدة مستغلة. تخيلي أني ضحكت على راسل علشان يرضى يخليني أجي هنا عملت نفسي الكيوتة والغلبانة ولعبت بمشاعره علشان أقدر أخرج من البيت. لم تفهم بيري معظم ما تفوهت به، فحدقت بها بشيء من البلاهة، علها تقدم تفسيراً لما قالته، ولكن حياء لم تكن بوضع يخولها قص ما حدث بينها وبين زوجها قبل مجيئها، لذلك أخبرتها بأنها ستعود للمنزل على أن تتقابلا بالغد لشراء ثوب زفافها.
أخذت سيارتها وانطلقت بها عائدة للمنزل قبل أن يلحق بها آدم، إذ كانت سعيدة الحظ بأن التف حوله جمع من المعجبين والمعجبات لأخذ صور تذكارية. وصلت للمنزل ووضعت سيارتها بالمرآب ومن ثم ولجت للداخل وهي لا تسمع صوتاً في القصر، فيبدو أن الجميع بغرفهم ولم يتبقى سوى هي وآدم الذي يبدو أنه وصل بسيارته، فذلك الضجيج الذي تسمعه من زمور السيارة لا يحسن أحد غيره فعله.
صعدت الدرج حتى وصلت غرفتها، فتحت الباب ومن ثم ولجت بخطى متثاقلة كأن شعور بالذنب والندم يثقلان كاهلها، فبفتور وصلت لجانب الفراش وألقت هاتفها وفكرت في الذهاب إلى المرحاض، لعل اغتسالها بالماء الدافئ يزيل عنها كآبتها. فما أن أخذت ثيابها من غرفة الثياب واتجهت للمرحاض، حتى وجدت باب المرحاض يفتح ويخرج منه راسل يجفف وجهه ورأسه بالمنشفة بعدما أنهى اغتسالها على ما يبدو، ودل على ذلك تساقط قطرات الماء منه بعدما خرج إليها لم يكسوه سوى سروال بيتي قصير بالكاد وصل لركبتيه، وخصلات شعره رطبة وتفوح منه روائح عطور الاستحمام.
فغرّت حياء فاها وحملقت به ومن ثم تساءلت بدهشة: –أنت كنت بتعمل إيه هنا في حمامي أو بتعمل إيه في أوضتي أساساً؟ أنهى راسل تجفيف صدره ووجهه، ومن ثم وضع المنشفة على مقعد طاولة الزينة، وأخذ قنينة عطره ونثر منها، لحبه الشديد للتطيب بعد الاستحمام، بينما ظلت حياء تتابع ما يفعله في الغرفة كما لو أنه المالك لها بالأساس، بل لم يكتفِ بما يفعله إلا هذا الحد، فاستلقى على الفراش واضعاً يديه أسفل رأسه قائلاً بنبرة خافتة عابثة:
–روحي خدي الشاور بتاعك زمانك راجعة تعبانة ومتقلقيش هتلاقيني مستنيكي، أصل نويت خلاص هقعد معاكي هنا في أوضتك يا روحي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!