الفصل 15 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
17
كلمة
10,918
وقت القراءة
55 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

إجتاحت قشعريرة مفاجئة جسده، وبدأت يده التي وضعها على ساقها وهو راكع أمامها ترتجف بشكل ملحوظ، حتى أن رجفتها انتقلت إليها. خشيت أن تصيبه إحدى نوبات الإغماء التابعة لزيادة انفعاله الذي لم يعد يسيطر عليه. فمن بمثل حالته لابد أن يصاب بالدهشة والصدمة التي خلفتها معرفته بأن اليوم حمل له مفاجآت لم يكن يضعها في باله.

إذ صار لديه ابن شاب بالغ، وهناك آخر في طريقه إليه بعد بضعة أشهر. وكأن قد اختُزنت أمانيه بأن يصير لديه أبناء لتلك اللحظة التي يعيشها لتنهال عليه الأنباء الواحد تلو الآخر. حتى إن كان ابنه البكر لم يتعرف إليه إلا منذ بضعة أيام. لم ينكر عليه عاطفة الأبوة، وأن أمر أنه سينسبه إليه ويجعله يحمل اسمه واسم عائلته صار مفروغًا منه بعد تيقنه من أنه حقًا ابنه ويحمل دماءه.

ولكن أن تتفوه معشوقته، والتي لم تستطع أنثى غيرها أن تستحوذ على قلبه وعقله، بنبأ أنها تحمل في أحشائها طفلهما، كان ذلك أدعى لأن يطفح وجهه بالبشر، وأن تملأ السعادة جنبيه. وتلقائيًا راحت يداه تمسد على بطنها بحرص شديد، كأنه يخشى أن يفرط في لمساته لها خشية إيذائها. وبعد أن امتلأت مقلتاه بدموع الفرح، التي جرفت معها كل شعور آخر كان يشغله سابقًا قبل علمه بنبأ حملها، رفع وجهه إليها قائلًا بذهول وأنفاسه تتسارع بوتيرة عالية:

–بجد يا غزل، أنتي حامل؟ يعني أنا هبقى أب؟ قطبت غزل حاجبيها بعد سماعها لما تفوه به، كأنه نسي فجأة أنه صار أبًا لآدم. ولكن لم تستطع أن تنكر أنها رأت في وجهه ما كانت تنتظر رؤيته بعد أن تخبره بشأن حملها. وربما هذا ما شفع له قليلًا عندها من أنها شهدت على كيف طار صوابه بعد علمه بأنهما سيصير لديهما ابن أو ابنة يشهدان على تلك الأسطورة من العشق الفريد.

قبل أن تفوه بكلمة، وجدته ينتصب واقفًا. ولم يكتفِ بذلك، بل رأته يخرج من الغرفة على عجالة. فتبعته لتعلم أين هو ذاهب. وما أن وصل لغرفة المعيشة الكبيرة التي ما زال الجميع جالسين بها، حتى سمعته يصيح قائلًا بعفوية وسعادة تجلت في وجهه: –غزل حامل، غزل حامل يا عمي! أنا هبقى أب! هيبقى عندي أولاد! أنا مش مصدق نفسي!

على الرغم من أن الجميع انتبهت لهم الدهشة مما قاله، إلا أن نظراتهم تحولت تلقائيًا لآدم الذي انزوى في مقعده، شاعرًا بدفقات من العرق البارد تجتاحه فجأة. كأن والده استثناه سريعًا ولن يعود في حاجة إليه لسد حاجته من كيفية الشعور بأنه أب. إلا أنه حاول الحفاظ على ابتسامته الهادئة، والتي توارى خلفها شعوره بالتوتر والإرتباك. ترك مكانه وكان أول المهنئين والمباركين لوالده، إذ رفع يده وربت بها على كتف أباه قائلًا بابتسامة:

–مبروك مبروك يا با... لم يستطع أن يكمل مناداته له بتلك الصيغة التي تمنى دوماً أن يقولها. فهو في حياته بأسرها لم ينطق كلمة "بابا" لأن ببساطة لم يكن له أب يومًا، ولم يعلم بوجوده إلا منذ وقت قريب. وربما هذا ما دفعه للمجيء إلى الإسكندرية، ومن أجل أن ينعم ببضعة أيام برفقة رجل من المفترض أن يكون والده. جذبه عاصم إليه مطوقًا إياه بقوة، مشددًا من احتضانه له، هامسًا بأذنه:

–قولها يا آدم، قول يا بابا. أنتي دلوقتي ابني برضو. وأخويا أو أختي اللي جاي في السكة هتبقى انت أخوه وأبوه. لأن أنا مش ضامن ألحق أربيه وأشوفه شاب زيك كده. فانت اللي هتقوم بالمهمة دي. لمس عاصم قلبه بما تفوه به سرًا في أذنه. فار تفعت ذراعاه وطوقه بهما وهو محاولًا دفن وجهه بكتف أبيه لينعم بذلك الشعور الذي حُرم منه منذ الصغر. تمتم رياض بابتسامة وهو يرمقهما بهدوء: –ألف مبروك يا عاصم.

انهالت التهانى والمباركات عليهما. فحمد رياض ربه أن الله قد أنعم على عاصم وغزل بأنهما سيرزقان بطفل. وربما ذلك سيساهم بتخفيف الحزن والضيق عنها، نظرًا لأنها ستكون مشغولة بأمر حملها ولن تفكر كثيرًا بشأن آدم، أو كيف زوجها أصبح والدًا لشاب لم تكن هي والدته. استطاعت ميس إضفاء جو من المرح وهي تصفق بيدها قائلة بطرافة: –مبروك يا خالو، بقيت أب مرتين في نص ساعة تقريبًا.

قهقه عاصم واقترب منها جاذبًا أذنها بشيء من الدعابة. وسرعان ما قبل وجنتيها وهو يدعو لها بصلاح أحوالها هي وزوجها. ولكنه انتبه على أن الوحيد الذي لم يقدم له مباركته هو راسل، الذي كان كما هو جالسًا بمكانه يطوف بنظراته بين الجميع. على الرغم من أن حياء تقف بجوار غزل تبتسم لها ويبدو على وجهها سمات السعادة من أجلها. ولكن لم تدم جلسته طويلًا، إذ هب واقفًا ومر من جواره مهنئًا له تهنئة عابرة:

–مبروك، ييجي ويتربى في عزك إن شاء الله. لم يزد كلمة أخرى على عبارته المقتضبة نوعًا ما. ولكن عزز عاصم الأمر لكون راسل دائمًا فظًا ومتعجرفًا في حديثه معه. فاكتفى برد تهنئته بكلمة شكر واحدة.

خرج من المنزل وهو لا يلوي على شيء، تسوقه قدماه حيثما تريد. فوجد نفسه أخيرًا عند حظيرة الخيول. استند بذراعيه على السياج الخشبي الممتد بطول الحظيرة، وظل يتأمل الجياد بأعين جوفاء. فمن يراه يظنه يتأمل الخيول بتمعن، في حين أنه ينظر في الفراغ. كأنه ينتظر بزوغ أمل جديد من العدم، أو من ذلك الظلام المخيم على السماء حاجبًا ضوء القمر، مكتفيًا بأن يترك له بعض النجوم ليستسترشد بها في السير في الحديقة الشاسعة.

من حين لآخر تتنازع بعض الزفرات في أيهما ستسبق الأخرى في الانفلات من معقلها إذا سمح لها بذلك لينفس عن ضيقه. ولكن أثناء انهماكه في التفكير فيما يحدث، سمع رنين هاتفه. فأخرجه من جيبه. وربما ابتهجت نفسه قليلًا لعلمه بهوية المتصل، لكون أن تلك المكالمة جاءته في وقتها. فتح الهاتف قائلًا بهدوء: –لقد اتصلت بي في الوقت المناسب، كنت بحاجة للتحدث معك. جاءه الرد على الطرف الآخر متسائلًا: –ماذا حدث؟

يبدو من صوتك أنك تعاني من القلق أو الضيق. هيا أخبرني؟ ضغط راسل بأصابعه على عينيه قائلًا بحيرة: –لا أعرف ماذا أقول لك، لأنني أشعر بالجحيم على الأرض، ولم أعد أمتلك الطاقة للتحمل والصبر. لذلك بالتأكيد لو لم يكن الانتحار ممنوعًا في ديننا، لما كنت أتردد في فعل ذلك.

أنهى راسل عبارته وقبض على كفه حتى برزت عروق يده الزرقاء. رافق ذلك احتدام نظراته كلما تذكر ما حدث منذ مجيء آدم. وزوجته التي لم تعد تفوت مناسبة إلا وتذكره بحقارة أفعاله، وأنها لم تعد كما كانت في السابق، بل صارت نموذجًا للمرأة التي حملت مشعل الانتقام لكل فتاة وامرأة لاقت الخيبة والخذلان من حبيبها، ولن تهدأ قبل أن ترد حق كل امرأة عانت القهر والحسرة. سمع راسل منه صوت زفرة خافتة تلاها قوله الهادئ، الذي لم يخلو من التأنيب:

–لقد حذرتك من قبل، وقلت لك أن خير ما تفعله مع زوجتك أن تخبرها الحقيقة. ولكنك تصلبت برأيك وظللت تدور في الفراغ. ولا تنس تحذيري لك من أن تقدم على الكذب بشأن ساندرا والصغير. ولكن رأسك اليابس هو ما أودعك هكذا بين شقي الرحى. فعليك تحمل نتائج أفعالك. اهتاج راسل لقول محدثه، فهو كان بحاجة لأن يطمئنه بحديثه، وليس أن يأتي هو الآخر ليأنبه على تصرفاته. فصاح به بحنق:

–أتعلم أنت على حق، وخطئي هو معرفتي بك أيها السمج السفيه التافه. لعنة الله عليك! تعالت صوت الضحكات على الطرف الآخر، مما زاد في شعوره بالحنق والنزق. إلا أنه سمعه يقول بهدوء مغلف بالبرود: –ستظل كما أنت يا راسل. فمنذ معرفتي بك وأنت هكذا. إذا لم تسمع مني ما يرضيك تشعر سريعًا بالسخط. ولكنك تعلم أنني لن أكون مثل الآخرين وأتملقك. وإن لم تكف عن شتمي، سأسمعك أنا أيضًا ما لا يرضيك. صمت لبرهة ومن ثم عاد مستطردًا:

–دعنا من هذا الآن، وأخبرني كيف تجري الأمور. يبدو أن زوجتك بدأت في أخذ حق هذان العامان على أكمل وجه، وإلا لما كنت عصبي المزاج هكذا. فهل أنت ما زلت مصرًا على تطليقها؟ صرخ راسل قائلًا برفض قاطع: –لا، لن أطلقها ما دمت على قيد الحياة. فحتى وإن كنت فكرت في هذا بوقت سابق، فالآن لن أفعلها. لن أفعلها! أفهمت؟ لن أترك زوجتي تصير ملكًا لرجل آخر إلا بموتي.

–اهدأ راسل، فالصراخ لن يفيدك بشيء. وعوضًا عن أن تصرخ في أذني المسكينة هكذا، اذهب وأخبرها هي بذلك. كان الله في عونها، فأنا حقًا أشفق عليها كونها زوجة لك. ما أن انتهى من قوله، ضحك بخفوت. وهذا ما زاد في جنون راسل. وسرعان ما أجابه بعدما هدأ قليلاً:

–أصبحت لا تترك لي مجالًا للحديث معها، ودائمًا ما تهرب من بين يدي كالحلم. فلا أعلم كيف كنت أتصور أن بإمكاني أن أحيا بدونها. ففراقها كالموت تمامًا بالنسبة لي. فأنا حائر، تائه، وكأنني سأظل غريقًا ولن أصل لشاطئ آمن أبدًا. أخبرك بشيء؟ هيا أغلق الهاتف، فأنا قد سئمت منك أنت الآخر.

لم يدع له مجالًا للرد، إذ أسرع بإغلاق الهاتف. ويعلم أنه سيعاود الاتصال به في وقت قريب. فلا شيء يؤثر في علاقتهما. على الرغم من الصراع اللفظي بها، إلا أنهما معتادان على هذا منذ دراستهما سويًا في إنجلترا. وعادت أواصر الصداقة بينهما عندما عادا والتقيا مرة أخرى في كندا. في الداخل...

انفض مجلسهم في غرفة المعيشة، فمنهم من ذهب لغرفته، ومنهم من فضل الخروج للحديقة كحياء التي رأت أن الوقت ما زال مبكرًا على خلودها للنوم. أو إذا صح القول والتعبير، ما زال لديها الليل بأكمله لتشكو دمعاتها الفياضة لوسادتها عما لاقته في يومها من جهد مبذول لأن تحاول إرضاء كبريائها. وافاها آدم عند الباب متسائلًا بوجه باسم: –أنتي رايحة فين يا حياء دلوقتي؟ التفتت إليه حياء برأسها وردت قائلة بهدوء:

–كنت هخرج أشم شوية هوا في الجنينة قبل ما أنام. سكتت لهنيهة وسرعان ما عقبت: –كنت عايز مني حاجة؟ وضع آدم يديه في جيبي بنطاله وخفض نظراته أرضًا، كأن هناك شعورًا خفيًا لن يستطيع البوح به لأحد غيرها. فغمغم قائلًا بصوت خفيض: –كنت عايز أتكلم معاكي يا حياء. حاسس إني تايه. حاجات كتير جوايا مش فاهمها.

تتفهمت هي حالته لكونها سبقته في ذلك الأمر عندما وجدت ذاتها وجهًا لوجه مع عائلتها التي لم تكن تعلم عنهم شيئًا. وتعلم أيضًا كيفية الشعور بالغربة وسط أناس لم يجمعها بهم في البداية سوى رابط الدم فقط، دون وجود أي مشاعر وعواطف أخرى. أشارت بيدها ليسبقها في الخروج من الباب وهي تقول بتفهم: –فاهمك يا آدم، تعال نقعد في الجنينة وقول عايز تقول إيه.

خرجا للحديقة حتى وصلا لذلك المجلس القريب من حظيرة الخيول، والذي اعتاد مالك هذا القصر الجلوس به دائمًا. وهناك العديد من الرجال المنتشرين في الحديقة وقريبًا من الحظيرة، لذلك لن يكونا بخلوة وحدهما. وهذا الذي لن تقبل به يومًا، سواء معه أو مع أحد غيره. فالوحيد الأحق بخلوتها أو أن يقتحمها وقتما يشاء هو زوجها فقط، حتى وإن كانت الأمور بينهما الآن تجري على نحو سيئ.

جلست قبالته على مقعد يفصل بينهما منضدة عريضة، وشبكت يديها ووضعتهما على ساقيها قائلة وهي تنظر لذلك الجواد الأبيض الذي اعتادت على أن تمتطيه عندما تشعر بالضيق: –اتفضل قول يا آدم، مالك في إيه؟ سمعاك. أسند آدم ظهره لمقعده وحدق في النجوم المتلألئة بالسماء. وصدرت عنه آهة تعبر عن لوعة نفسه من شعوره بالحيرة والتخبط:

–بالرغم من إني كنت فرحان جدًا إن جيت هنا وشفت بابا وعرف إن أنا ابنه، إلا أنا دلوقتي حاسس إني هتسبب في خلافات بينه وبين مراته، أو إن وجودي في قصر النعمي مش هيبقى قرار صائب. تفتكري أرجع فرنسا تاني وأبقى أجي أزوره، أو هو يزورني؟ لأن لاحظت إن فيه حاجة مش مفهومة بين الكل. هو ده كله بسببى؟ عند سؤاله الذي ختم به حديثه، نظرت إليه حياء نظرة خاطفة، وما لبثت أن قالت بابتسامة أليمة:

–لأ يا آدم، اللي هم فيه مش بسببك ولا حاجة. دي مشاكل موجودة من زمان بس زي ما تقول لسه كلنا عايشين في وجعها. فما تشغلش بالك، وصدقني وجودك مش هو السبب. بكرة تعرف الكل على حقيقته، سواء عمتك سوزانا أو غزل أو ميس. بس عايز فعلاً تعيش في البيت ده مرتاح، يبقى أكتر واحد تبقى قريب منه غير باباك هو عمي رياض. وهتعرف قد إيه هو راجل ذكي وحكيم في تصرفاته.

انحنى آدم قليلًا للأمام، وألصق كفيه ببعضهما ووضعهما قريبًا من فمه. تأملها مليًا لبضع لحظات، كأنه يحاول إيجاد صيغة ملائمة ليصيغ بها كلماته، والتي يعلم أنها ربما ستثير استياءها قليلًا. ولكن ما لبث أن سألها بحذر: –بس ليه مذكرتيش اسم جوزك يا حياء؟ عمي راسل؟

زمت حياء شفتيها، بل حاولت أن تمطهما لعلها تبرر عدم ذكر اسم زوجها وأن ذلك جاء سهوًا منها. ولكن ما أن حاولت فتح فمها لتتحدث، سمعت صوت حوافر أحد الجياد وهي تضرب الأرض ركضًا. فاستدارت برأسها للخلف وجدت زوجها قادمًا يمتطي جوادًا أسود لم يكن يلائم أحد غيره بمزاجه المتقلب والكئيب معظم أوقاته. اقترب راسل منهما بجواده متسائلًا بشيء من الإلحاح: –انتوا قاعدين هنا بتعملوا إيه؟

ما زال كما هو يأسرها بجاذبيته القاتلة، والتي دلت عليها بتلك اللحظة هندامه المبعثر قليلًا من ضرب نسمات الهواء له مسببة بذلك بعثرة خصيلاته الفحمية وقميصه المفتوح مبرزًا عنقه الطويل وجزء من صدره بعدما ترك أزرار قميصه الأولى مفتوحة كأنه كان يشعر بالاختناق. أجابته حياء ببرود: –مبنعملش حاجة، قاعدين بنتكلم عادي. وكنت بعرف آدم حقيقة اللي عايشين في البيت علشان يعرف يتعامل معاهم.

أشاحت بوجهها عنه وأعادت رأسها الملتف للخلف لوضعه الطبيعي، بعدما غمرها ذلك الدفء المفاجئ من تفرسها به. لعلها تجد مبررًا لذلك الضعف الذي يغزو أوصالها كلما كان قريبًا أو سمعت صوته. قفز راسل من على جواده واستقرت قدماه على الأرض، وأشار بيده لذلك الرجل الذي يعتني بالخيول بأن يأتي ويأخذ الجواد للحظيرة. وبعد ذهاب الرجل جلس على المقعد المجاور لها، ليستطيع مراقبتها عن كثب. فبعد سأمه من توزيع نظراته بينهما، حدق بآدم قائلًا

بفظاظة: –أنا بتهيألي إنك محتاج تطلع تنام وترتاح شوية. ومتخافش إحنا مش هنهرب وقاعدين معاك وهتعرفنا لوحدك كويس. بدت طريقة صرفه له تحمل طابع العداء منذ البداية. إلا أن آدم لم يكن ذلك الشاب الذي يبادر أحد برد سلوكه المهين له. بل ربما طباعه الأوروبية الباردة تساهم بجعله متحفظًا في إظهار مشاعره من جانب الرجال فقط، خلافًا لتعامله مع بنات حواء.

ابتسم آدم ابتسامة سمجة أراد منها أن يعلم راسل أنه قادر مثله على إزعاجه وقتما يريد، وقال بنبرة صوت غلب عليها طابع التسلية: –بس أنا مش بنام بدري. زي ما تقول مليش وقت محدد للنوم. يعني ممكن أفضل أتكلم كده للصبح من غير ما أتعب أو أزهق.

لم يجادله راسل كثيرًا، إذ هب واقفًا وجذب حياء من مرفقها حتى جعلها تترك مقعدها رغماً عنها. ولم يأبه لمحاولتها المتكررة بجذب ذراعها من بين كفه القابض عليه كالسوار. بل أنه زاد في الأمر وسار بخطوات واسعة وسريعة، مما جعلها تهرول بخطواتها حتى تستطيع اللحاق به وأن تجاري مشيته. صاحت به بنزق لعله يفلت ذراعها: –هو في إيه؟ أنت ساحبني وراك كده ليه؟

لم يختلف الأمر كثيرًا عندما وصلا للدرج. حتى أنه تلك المرة لم يكلف نفسه عناء جرها خلفه، بل حملها بين ذراعيه وصعد درجات السلم حتى وصل لغرفتها. وهي ما زالت مشدوهة من تصرفاته، وكأن صار أمر حمله لها كلما اشتد النقاش بينهما أمرًا حتميًا. وصل بها لغرفتها، وخلافًا لتلك المرة التي حملها بها وظلت تضربه على ظهره، كانت هادئة بشكل يثير الريبة. بل أنها عملت على تطويق عنقه لتأمن عدم انزلاقها من بين ساعديه ويتسبب ذلك في ضرر لها.

حدقت في وجهه ببرود وقالت ما أن صارا في منتصف الغرفة وأغلق الباب خلفه بقدمه: –خلاص خلصت جنانك؟ نزلني بقى. أنت إيه حكايتك كل شوية تشيلني وأنا قولتلك متلمسنيش. –نفسي أعرف إيه حكاية اللي اسمه آدم ده بالظبط؟ وسألتك قبل كده تعرفيه منين؟

اتسمت ملامح وجهه بالعنف والوحشية. وتنازعت قلبها مشاعر مضادة ومتناقضة. من جهة شعرت بالضيق من محاولاته الهجومية عليها وكأنه الوحيد الذي لديه الحق بأن يعاتبها. ومن جهة أخرى كانت مسرورة لأنه بات يتلظى بنيران الغيرة، والتي ربما تلك هي المرة الأولى التي تختبرها معه. فدائمًا كانت حكرًا عليها من رؤيتها له مع أي أنثى غيره. ولكن ربما حان الوقت لتذيقه كيف يكون الشعور بالغيرة مرًا، بل ويتسبب في إحراق خفقات القلب الملتاعة.

ضمها إليه بقوة بعدما رآها تتململ بين ساعديه مرسلة له إشارات الانتباه من أنها تريده أن يفلتها من سجن ذراعيه. فدفن وجهه في عنقها وسمعته يتمتم قائلًا بلوعة: –أنتي ليه دايما بتبقي مصرة تجننيني ومش بتريحيني في أي سؤال أسألهولك سواء كان زمان أو دلوقتي. وجايز عنادك ده اللي وصلنا للحالة اللي إحنا فيها دلوقتي. ظهر الغضب في صوتها المتألم عندما سألته بحدة: –وأنت ليه هربت أول ما جاتلك الفرصة؟ قول لي هربت ليه وسبتني؟

ولا كنت بتردهالي لما سبتك أنا أول مرة؟ فجاوبني أنت يا راسل، هربت ليه؟ ليييييه؟ قول لي سبب مقنع للي عملته. صياحها في وجهه جعله يحدثها بعنف شرس في حين أنه كان يحملها برقة وحنان: –متعليش صوتك كده تاني، أنتي فاهمة؟ ومش عايز أشوفك قاعدة مع اللي اسمه آدم ده، حتى لو كان بقى واحد من العيلة. مش عايز أسمع اسمه على لسانك، وإلا هنسيب البيت ده ونرجع بيتنا القديم.

بطت الهواء بقدميها حتى أفلتها من بين ذراعيه، فهي سئمت كون أنه يظنها دمية التي ما عليه سوى أن يقوم بنقلها من مكان لآخر دون أن تبدي اعتراضًا. وما أن وطأت الأرض بقدميها دفعته في صدره وهتفت به بشراسة: –أنت مفكرني إيه لعبتك؟ تقول لي أعملي ده هقول لك حاضر ومش هفتح بوقي ولا أتكلم. أنا إزاي كنت عمية وحبيت وعشقت واحد زيك أناني ومبيهمش غير نفسه وبس وعايز الكل يمشي على مزاجه. أنت...

أغرق بقية كلماتها في عناق حنون. لم تكن تعلم ما الداعي له بذلك الوقت وهما يتشاجران كعادتهما بالأونة الأخيرة. كانت تعرف تمامًا أنها لن تقدر على مقاومة راسل إذا بلغت منه عواطفه حدًا ينسيه غضبه واستياءه. فأسدلت جفنيها ونعمت بشعور القرب منه وسمعته يتمتم قرب أذنها: –إن كان حبي وعشقي ليكي وغيرتي عليكي بقوا أنانية، فأنا أناني بشكل ما تتخيلوش يا حياء.

تلك المقولة التي قرأتها مرة بطريقة عابرة وهي إن لم يدفعك الحب للجنون فذلك لم يكن حبًا حقيقيًا. ها هي ترى تطبيقها على واقعها المرير من جنون زوجها الذي لديه قدرة عجيبة وفائقة لتغيير مجرى الحديث بينهما لصالحه كالعادة.

تعثرت قدماها كأنها ضعفت فجأة أمام حملها، فأمسكها بيدين قويتين بدتا وكأنهما ترفعانها عن الأرض. وقفت مذهولة بين ذراعيه خشية إقدامه على عناقها مرة أخرى، وبذلك يقضي على ما تبقى لديها من قوة وصمود لمجابهته حتى يستطيع الإقرار بخطئه وفداحة أفعاله في حقها. مرر إبهامه على وجنتها قائلًا بثقة لم يشوبها الشك أو الريبة:

–إن كان على موضوع طلاقنا، فانسيه يا حياء. أنا مستحيل أسيبك، مستحيل. وأنا عارف إنك دلوقتي عرفتي إن أنا مش متجوز ولا إن ساجد ابني. أنا قلبي ليكي أنتي، أنا كلي ليكي، مش قلبي بس. أنتي روحي وحبيبتي، ومقدرش أعيش من غيرك.

تأمل وجهها بعناية ودقة بالغة، وكأن قراراته السابقة والتي أخذها بحقها من أن ينفصلان بهدوء، لم يعد لها وجود. بل ملأ أوردته شعور طاغٍ بالتملك والأنانية من أنه لن يتركها مهما بلغت الأمور بينهما سوءًا. فهو علم الآن أن التفكير في أمر الطلاق سهل، ولكن التنفيذ بالغ الصعوبة، بل يندرج تحت بند المستحيل. فماذا كان يظن؟

هل ظن أن بإمكانه أن يراها أمامه ولم يعد يملك حقًا بها وأنها لن تحمل اسمه كزوجة له، وأن يأتي اليوم ويرى زوجة لرجل غيره؟

فالموت دون أدنى شك راحة له قبل أن يرى كل هذا. حتى وإن ظن لوهلة في السابق أنه بإمكانه تحمل ألم فراقها من أجل سعادتها. ولكن مع احتمال ظهور أول غريم لم يضعه بباله يومًا، انقلبت كافة موازين أفكاره. وخلال بضعة أيام فقط، استطاع محو فكرة الانفصال عنها. فما باله إذا استمر الحال على هذا المنوال وقتًا طويلاً، فربما سيفقد صوابه. أفاقت على حالها وأنسلت من بين ذراعيه وقالت وهي تشير للباب:

–روح على أوضتك يا راسل وسيبني أنام. حتى لو كنت عرفتك أنك مش متجوز، وأن عمي رياض عرف من جوازات السفر والأوراق أن ساندرا مش مراتك ولا ابنها يبقى ابنك، فده برضه ميغفرش أنك فكرت في وقت من الأوقات تكسر قلبي بكذبتك دي. علشان أنت عارف ومتأكد من حبي وغيرتي عليك. كأنك أخدت الغيرة سلاحك اللي دايما تعرف توجعني بيه. يعني الأول كانت إيلين ودلوقتي ساندرا. كأنك بتبقى مبسوط بحرقة قلبي. حتى مش قادرة أفهم إيه طبيعة العلاقة بينك وبينها

وايه السر اللي بينكم. على الرغم من إن باباك عرض عليا إن طالما عرفت انت كنت فين يدور وراك ووراها ويعرف إيه الحكاية، بس أنا اللي قلت له لأ. مش عايزة أعرف. وطالما أنا هنت عليك، ومكنش هامك وجعي، يبقى أنت كمان هتهون عليا، ومش هيهمني تعيش موجوع ولا لأ. خليك تجرب وجع القلب وحرقته، علشان تعرف أنت عملت فيا إيه ووصلتني لإيه. اتفضل بقى اخرج، وحتى لو أنت رجعت في كلامك ومش هتطلقني، فأنا مرجعتش في كلامي خلاص. أنا دلوقتي اللي مش

عاوزاك، لأن مش هفضل عايشة مع واحد مزاجه متقلب والمفروض إني أسكت وأتقبل عمايلك.

أنهت حديثها بنبرة مفعمة بالبرود، في حين أن قلبها كان يخفق بقوة كأنه يريد الإفلات من جسمها وأن يلتحم بقلبه لتعاتب الخفقات بعضها البعض بصمت دون تدخلهما. أخذ وجهها بين راحتيه وحدق في عينيها قائلًا بنبرة لا تخلو من الألم: –لو مفكرة إن كنت سعيد وأنا بعيد عنك، تبقى غلطانة. أنا كنت عايش زي الأموات، ومكنتش صورتك بتفارقني. إني والله موجوع زيك يا حياء، ويمكن أكتر كمان.

ما أن شعرت بتلك الموجة من الضعف التي ستنسيها ما كان من أمره بحقها، حتى ارتدت بخطواتها للخلف وعادت تشير له بالخروج. ولكنه لم يقبل صرفها له بتلك الطريقة. فظل يخطو بخطواته تجاهها حتى وجدت نفسها تلتصق بالجدار. ورغم من أنه لم يعاود عناقها، بل اكتفى بالتحديق في وجهها، إلا أنه قرأت رغبته في عينيه القاسيتين واللامعتين ببريق متوحش. الأمر الذي جعلها تزدرد لعابها مرارًا خشية أن يتطرق الأمر بينهما لما هو أكثر من العناق. كذلك

الوصال الذي كان آخره بتلك الليلة التي مر عليها أكثر من عامين. فكل ذرة بكيانها ما زالت متذكرة ما حدث بيومها وما تلاه من لوعات ودمعات لم تجف من مجراهما إلا عندما تتصنع الثبات والقوة. أغمضت عينيها وأشاحت بوجهها جانبًا مطبقة على شفتيها بقوة كادت تدميهما. فما كان منه سوى أن ابتسم على فعلتها وقبلها على وجنتها وهمس لها بأمنيته بأن تنعم بنوم هادئ وأحلام سعيدة وخرج من الغرفة. ولم تتجرأ على فتح عينيها إلا بعدما سمعت صوت الباب

يفتح ويغلق. فبعد تأكدها من ذهابه، رفعت كفها الناعم وتلمست وجنتها حيث ترك قبلته الرقيقة والتي لم تحمل إليها سوى أنه كان سليم النوايا ولم يكن يريد استغلال الوضع القائم بينهما.

زاد فضولها بأن تذهب وترى زوجها في مقر عمله بتلك الشركة التي يعمل بها. ففكرت في أن تخرج تتنزه وتعرج عليه لتراه على عجالة قبل أن تعود للبيت. فمنذ عودتهما للأقصر، وباتت أمورهما آخذة بالتحسن أكثر من ذي قبل. بعدما صرح لها كرم بكل ما يعتمل بقلبه. واستطاعت هي احتوائه واحتواء الموقف. وهما بصدد التيقن من أن ثمرة عشقهما ربما نبتت في أحشائها، والتي تأمل بأن تتيقن من وجودها في القريب العاجل، وأن تخبر والديها بأنهما سيصبحان أجدادًا لحفيدهما الأول بحياتهما.

انتهت من تمشيط شعرها وارتدت ثوبًا محتشمًا بأكمام طويلة ويصل طرفه لكاحليها. فهي تخلت عن ارتداء الثياب القصيرة منذ أن جاءت للأقصر برفقة زوجها. ولكن الخطوة التي لم تجرؤ على اتخاذها حتى الآن هي ارتداءها الحجاب. ولم يتعنت معها كرم بذلك الشأن ولم يفرض رأيه عليها. حبًا بأن تتخذ تلك الخطوة بنفسها وعن اقتناع تام حتى لا ترتديه وتعود وتتخلى عنه.

أخذت حقيبتها وخرجت من البيت وذهبت للمنزل المجاور الخاص بالحاج سويلم. فطرق الباب وفتحت والدة سويلم الباب وابتسمت لها قائلة بترحيب: –أهلًا يا هند، ادخلي واقفة عندك ليه؟ اتفضلي. رفضت هند دعوتها بتهذيب وردت قائلة بابتسامة صافية: –تسلمي، أنا بس كنت جاية آخد سويلم الصغير نتمشى سوا شوية لو معندكيش مانع. كأن جاءها الخلاص متمثلًا بهند، إذ هتفت بها ممتنة وابتسامة عريضة تملأ وجهها من أنها ربما تتخلص من إزعاج

سويلم لشقيقته الصغرى: –بس كده، ده أنتي هتعملي فيه معروف دا مش ساكت وعايز يأكل أخته بالعافية. ضحكت هند بصوت عالٍ لعلمها بتلك المعاناة التي تعانيها والدة سويلم من أفعاله الجنونية بحق شقيقته الصغرى والتي لم يتعد عمرها بضعة أشهر. ودائمًا ما تتطوع هي بأخذه لتمنح والدته بعض الراحة مما يفعله بها وبشقيقته.

لم تدوم ثوانٍ معدودة حتى وجدت والدة سويلم تنطلق للداخل تنادي صغيرها بإلحاح من أن يخرج ليرى هند، بل وأنه سيذهب معها في نزهة كالعادة. فطارت الصغير فرحًا بعد سماع ما أخبرته به والدته، لعلمه أنه سيحصل من تلك النزهة على بعض الحلوى التي تبتاعها له هند بسخاء رغم تحذير والدته لها من أن لا يكثر من تناولها. ولكن هند دائمًا ما تضعف أمام إلحاح الصغير ورجائه، وتيقنت من أنها عندما تنجب لن تستطيع رفض مطلبًا لأبنائها إذا كانوا يتمتعون بتلك اللطافة والجمال اللذان جذباها لسويلم الصغير وشقيقته.

وصل الصغير عند باب المنزل وهو يقفز ويصيح بسعادة: –يلا يا طنط هند علشان نتفسح. وضع يده بيد هند وسرعان ما لوح بيده الأخرى لوالدته وهو لا يطيق صبرًا لأن يتجول مع من يراها بمثابة جنية أمنياته التي تكون محرمة عليه بعض الأوقات من والدته شديدة العناية به وبصحته كونها بالأساس طبيبة أطفال وتعلم ما يضره ويفيده من المأكل والمشرب.

لم يكد يمر خمسة عشر دقيقة حتى كان الصغير يلعق المثلجات التي ابتاعتها هند من أجله وأجلها. فرمقته هند بابتسامة قائلة بتحذير للمرة العاشرة تقريبًا قبل أن يدلفان لمبنى تلك الشركة التي يعمل بها كرم: –سويلم، أنت مش هتقول لمامتك إن إحنا أكلنا آيس كريم، صح يا حبيبي؟ هز الصغير رأسه مؤكدًا: –حاضر يا طنط هند مش هقولها. أنا هقولها إحنا ما أكلناش آيس كريم يا ماما ومعملناش حاجة.

شهقت هند بعد انتهاءه من حديثه، والذي إن تفوه به بعفويته تلك فهو دليل على أنهما فعلاً ما تم تحذيرهما منه. فجلست القرفصاء أمامه ومسحت على ذراعيه قائلة بدعابة: –أنت كده يا سويلم بتسلمنا تسليم أهالي يا حبيبي. أنا عايزك...

داهمها دوار قوي، فوضعت يدها على جبهتها لعل ذلك الدوار يرحل عنها وتستطيع أن توازن جسدها الذي بدأت تشعر بارتخائه. ولكن لم يدم الأمر طويلًا، إذ سقطت مغشيًا عليها أمام مبنى شركة السياحة. فأسرع أحد أفراد الأمن بالاقتراب منهما بعدما رأى هند تفقد وعيها والصغير جاثيًا بجوارها يحاول تحريك جسدها وهو يبكي ويناديها: –طنط هند اصحي.

ولكن لم يكن فرد الأمن بمفرده من اقترب منهما، إذ انضم إليه رجل كهل آخر ما أن رآه حتى أبدى احترامه له. فيبدو عليه أنه رب عمله ومالك تلك الشركة، الذي راح يتفرس بوجه هند لعله يعلم إذا كانت إحدى العاملات في الشركة أم أنها امرأة أجنبية جاءت مع أحد الأفواج السياحية. فنظر للعامل متسائلًا: –هي مين دي؟ تعرفها أو شفتها قبل كده؟

حرك العامل رأسه نفيًا، وذهب لإحضار زجاجة مياه. فبعد أن رشها بقطرات الماء على وجهها، حركت هند رأسها وبدأت باستعادة وعيها المسلوب نتاج إغمائها. ولكن ما أن رأت هذان الوجهان المطلان عليها حتى انتفضت جالسة مكانها وحاولت أن تستقيم بوقفتها فلم تسعفها قدماها بحملها. وبعفوية ودون قصد منها استندت بكفها على ذراع ذلك الرجل القريب منها، الذي لم يبدِ اعتراضًا لمساندة تلك الفتاة الجميلة والتي انتابه الفضول لمعرفة من تكون وماذا تفعل هنا أمام مبنى شركته؟

ولكن ما أن انتبهت هند لما فعلته سحبت يدها سريعًا وأخذت الصغير وانصرفت على الفور تخشى أن تخونها ساقيها وتسقط مرة أخرى. لم تلتفت خلفها بل إنها أشارت لسيارة أجرة لتقلهمًا للمنزل. ورغم شوقها لرؤية زوجها، إلا أنها صرفت تفكيرها عن الأمر وفضلت العودة للبيت. ولا تعلم ما الذي دهاها اليوم، فهل هذا إحدى علامات ودلائل حملها، أم أنها تعاني من وعكة صحية؟

ما أن صعدت للسيارة وجلس الصغير بجوارها، هتفت بالسائق أن ينطلق بسرعة لعلها تتخلص من ذلك الشعور القوي بالإحراج والذي تسبب في جعلها تشعر بحبات العرق الباردة تكسو جبينها كلما تذكرت ما حدث لها. عادت للمنزل وقامت بتوصيل الصغير لوالدته، التي تعجبت من عودتهما سريعًا من تلك النزهة التي ظنت أنها ستستغرق وقتًا أطول. ولكنها انتبهت على شحوب وجه هند، فحدقت بها وتساءلت باهتمام: –مالك يا هند؟ وشك أصفر ليه كده؟ حصل حاجة؟

زفرت هند زفرة عميقة وردت قائلة وهي تدلك جبهتها: –أغمي عليا في الشارع وحاسة بصداع جامد. دا غير إن كل ما أفتكر إني وقعت على الأرض قدام حد بحس بإحراج، كأن نفسي الأرض تنشق وتبلعني. ركزت والدة سويلم اهتمامها على ما أخبرتها به بشأن إغمائها. فابتسمت وهي تقول رابتة على وجنتها بلطف: –إيه؟ هنقول مبروك قريب يا ماما ولا إيه؟ انتفض كل عرق بها وهي تتذوق حلاوة أنها من الممكن أن تصبح أمًا في القريب العاجل. فردت قائلة بتمني:

–يارب يكون ده فعلاً من الحمل. على العموم هعرف إذا كان حمل ولا لأ. هدخل البيت أرتاح شوية على ما كرم يرجع من الشغل. عن إذنك.

ذهبت هند ورافقتها دعوات والدة سويلم بأن يمن الله عليها بالذرية الصالحة. وما أن ولجت للمنزل اتجهت لغرفة نومها وخلعت عنها ثوبها وارتدت منامة وذهبت لفراشها على الفور، قبل أن يعاودها الدوار الذي بدأت تشعر به يعيث برأسها تأرجحًا خفيفًا تمهيدًا أنه من الممكن أن يزورها مرة أخرى. ارتتمت على الفراش واعتصرت جفنيها بقوة حتى تمر تلك اللحظات من الألم الذي بدأ يفتك برأسها. ولكنها كانت سعيدة الحظ إنها لن تكون بمفردها إذا أغمي عليها، إذ سمعت صوت زوجها يناديها من الصالة بعد عودته مبكرًا من عمله.

ولكن صوتها لم يسعفها بأن تجيبه على ندائه. فوجدته يلج الغرفة متسائلًا بابتسامة وحب: –حبيبتي مالك؟ مش بتردي عليا ليه؟ رفعت هند يدها تشير إليه بالاقتراب. فشحب وجهه وهو يرى يديها تسقط بجوارها كأنها أصيبت بمرض مفاجئ جعلها منهكة القوى وغير قادرة على الحركة. ساقته قدماه إليها وجثا بجوارها وأخذت كفها بين يديه يدلكهما برفق متسائلًا بخوف: –في إيه يا هند؟ مالك، أنتي تعبانة ولا إيه؟

ابتسمت هند بوهن وهي ترى بوادر الخوف التي ملأت قسمات وجهه المليح. فأجابته بصوتها العذب: –متخافش يا حبيبتي، أنا بس حاسة بصداع ودماغي لفت شوية. بس متقلقش هبقى كويسة دلوقتي. الظاهر كده إني وأنت هنبقى بابي ومامي قريب. بس أتأكد الأول. مررت يدها بلطف على بطنها، والأمل يحدوها أن تكون محقة بظنونها. فزادت ابتسامة كرم اتساعًا، بل أنه انحنى برأسه واضعًا قبلة محبة على جبينها. وسرعان ما قال بهمس:

–ده أنتي هتبقي أحلى مامى في الدنيا كلها. طب يلا نروح لدكتورة وتطمنا.

استطاعت إقناعه بأن يذهبان للطبيبة في المساء، على أن تنال الآن قسطًا من الراحة. لعلها عندما تفيق من نومها تكون شعرت بالتحسن. فهي لا تضمن خروجها معه الآن دون أن يحدث ما حدث لها أمام الشركة. حتى أنها لم تخبره بما حدث لكونها لا ترى داعيًا أن تثير قلقه أو امتعاضه من أنها كانت في طريقها لرؤيته بمكان عمله. وهذا ما حذرها منه سابقًا. كأنه يخشى أن يراها أحد من زملائه في العمل، وأن تبدأ أحاديثهم السخيفة عن امتلاكه زوجة بمثل

فتنتها، وأنها تنافس بجمالها هؤلاء السائحات اللواتي تتوافدن على الأماكن السياحية، والتي توجد بكثرة بتلك المدينة الأثرية. فكم من مرة أخبرها بأحاديثهم المتبجحة من أن كل منهم يتمنى قضاء وقتًا لطيفًا مع إحدى الفتيات اللواتي جئن بمفردهن وكأنهن طرائد يتنافس كل منهم في الحصول عليها.

أراد لها أن تأخذ غفوتها بهدوء لحين موعد ذهابهما للطبيبة. فخرج من الغرفة وفكر في الجلوس في الصالة ومشاهدة التلفاز لحين استيقاظها. ولكن قبل أن يستلقي على الأريكة سمع صوت طرقات على باب المنزل. فأقترب من الباب ووجد الصغير الذي راح يرمقه بابتسامة وبراءة. فانحنى إليه كرم قائلًا بابتسامة بعدما قبل وجنته: –أستاذ سويلم بذات نفسه جاي يزورنا. تغضن جبين الصغير ورد قائلًا بتأثر:

–أنا جاي أزور طنط هند علشان كانت تعبانة ووقعت في الشارع بعد ما أكلنا الآيس كريم وكنا رايحين نشوفك في الشغل بتاعك يا عمو كرم. تجمدت يداه التي كانت تمسد على ذراعيّ الصغير. فما معنى حديثه هذا؟

ولكنه لم يفعل شيئًا سوى أن أعطاه بعض الحلوى وأخبره بأن زوجته نائمة. وما أن انصرف الصغير، ولج كرم غرفته كالعاصفة. ولكن رق قلبه لها ما أن رآها غافية. وانتظر أن تستيقظ من نومها ليسألها عما سمعه من سويلم. ولكن من داخله استشاط غضبًا. فهل هي خالفت أمره لها بألا تفكر بزيارته في مقر عمله؟ ولو صح ذلك لن يمرر لها الأمر مرور الكرام.

بعد ساعتين تقريبًا نهضت هند من فراشها ولكنها شهقت بخفوت ما أن رأت زوجها الجالس في الظلام. ولكن ضوء شحيح قادم من الخارج سقط على رماديتيه مما جعلهما تلمعان كعينيّ الهررة. مسحت وجهها وقالت بصوت ناعس: –الله يسامحك يا كرم، رعبتني. أنت قاعد في الضلمة ليه كده؟ ضغط كرم على زر الإنارة وبدأ هجومه عليها مبكرًا. إذ اقترب منها وقبض على ذراعها وهو يقول بنبرة تفيض بالغضب: –هند، أنتي فعلاً كنتي جاية ليا الشغل النهاردة؟

أنا مش حذرك متفكريش تعملي كده. قولت ولا مقولتش؟ هز ذراعها قليلاً كتأديب لها على مخالفتها لأمره. فنفضت يده عنها وهتفت بصوتها الغضوب: –في إيه يا كرم؟ لده كله عجبك كده؟ صوابعك علمت على دراعي. أشارت لأثار أصابعه التي تركها على بشرتها الغضة الملساء. ولكنه لم يرَ أن هذا سيشفع لها عنده. ولكن أراد إكمال دوره في تأنيبها للنهاية إذ انحنى إليها بجذعه العلوي صائحًا: –هند، أنا بسألك فتردي عليا. أنتي عملتي كده فعلاً؟ أسندت ظهرها

للوسائد وردت قائلة بصراحة: –أه يا كرم، كنت جيالك الشغل علشان أشوفك. كنت عايزة أشوف المكان اللي بتشتغل فيه عادي يعني مش قضية هي علشان تعمل كل ده. أهتاج أكثر من ردها العفوي. فرفع سبابته في وجهها محذرًا: –اللي حصل ده ميتكررش تاني. أنتي أصلًا مشوفتيش الرجالة اللي بتشتغل في الشركة دي أخلاقهم عاملة إزاي، علشان كده بحذرك يا هند. مش عايز حد يتطاول عليكي أو يبصلك حتى. مفهوم؟

أنا بغير عليكي، مش بطيق حد غريب عينه تيجي عليكي. لولا إن مش عايز أفرض عليكي حاجة كنت خليتك اتنقبتي علشان أترحم من نار الغيرة. لم يكن يجب أن تتعامى وتتغاضى عن أن غيرته كرجل مغرم بها تجعله يفكر بأن يجعلها بمنأى عن أعين الرجال. جلست في الفراش على ركبتيها ووضعت يدها على صدره لتهدأ من ثورته وقالت بوداعة مألوفة لديها:

–حبيبي قلبي الغيور أوي واللي بموت في غيرته. خلاص مش هعمل كده تاني يا كرم، بس متزعقليش. أنا لو حامل هتخض البيبي اللي جوا كده، ويقول لي بابي صوته عالي يا مامى مش عارف أنام في هدوء.

ضحك كرم رغماً عنه. فمهارتها في سلبه كل دفاعاته آخذة في الإزدياد. استقرت أنامله بين طيات شعرها الأسود وشفتاه تتمتم لها معربة عن أن شعور الغيرة ما أن يتملك من حواسه يجعله عاجزًا عن التفكير إلا بشيء واحد وهو أنه يريد أن يضعها بمنأى عن أعين المتطفلين. فاستمعت لحديثه وكل كلمة تعزز ثقتها بنفسها وبجمالها. علاوة على شعورها المتزايد بالفخر من هوسه وعشقه بها، ذلك العشق الذي تمنته منه في وقت سابق. فعلى الرغم من ذلك لم يكن كرم

ذلك الرجل الذي يضيق عليها الخناق بغيرته العمياء والزائدة عن الحد المطلوب بين الزوجين. ولكن دائمًا ما يثير عتابه الغيور بنفسها رغبتها في أن تعانقه. تأوه قلبها شوقًا إليه، فراحت تغمره بعناقها الدافئ، وذراعيها الناعمين مطوقان عنقه كأنها لن تفلته أبدًا. ولكن رغم ذلك حاول كرم أخذ حذره من إغراقها بفيضان عشقه، فربما هي حقًا حامل بوقتها الحالي ولا يريد التسبب لها بضرر. وما أن وضع حدًا لعناقهما الشغوف ظنت أنه ما زال مستاءً

منها. ولم يعلم كرم سر رغبته في أن يتركها على معتقدها لينعم بالقليل من دلالها له، تلك الفاتنة الآسرة التي لم تكتفِ بسلب قلبه وعقله بل تتفنن الآن بسلبه أنفاسه. فكم من مرة عندما كان شابًا أعزب حلم بتلك اللحظة التي تكون بين يديه وينهل من نهر عشقها الممزوج بخمر فتنتها التي تسكره حد الثمالة.

منذ ذلك اليوم الذي تسببت به في فضيحة له، وهو لا يشعر بالهدوء والراحة. بل كأنها أطلقت قوة وحش ثائر، كان متواريًا خلف جدران البرود وعدم الاكتراث. فأسرتُه الصغيرة لا تكف عن تأنيبه وتقريعه على ما فعله من زواجه العرفي بفتاة من عقيدة أخرى. ربما من يعلم حقيقتها سيشعر بالخوف وعدم الاطمئنان، لما ورد عن أتباع تلك العقيدة منذ قديم الأزل. وكلما حاول إفهامهم أن كل هذا افتراء منها عليه، وأنه لم يمس فتاة في حياته. ورغم اقتناع

شقيقته وزوجها بحديثه، ونبع ذلك من رغبتهما في عدم اقتحام تلك الفتاة حياته، وربما سيكون ذلك ذا مردود سلبي على عبد الرحمن. إلا أن عمه كان أكثر حكمة منهما. ورغم اقتناعه الظاهري ببراءة ابن شقيقته من تلك التهمة المشينة، إلا أنه علم مدى حب بيرى له، وإلا ما كانت أقدمت على اختلاق فضيحة كهذه من أجل أن تحصل عليه. على الرغم من أنه لم يستحب الطريقة، إلا أنه يعلم كيف أن الحب أحيانًا يجعل المرء يفقد صوابه ولا يحسن التفكير بأي شيء

سوى الحصول على قلب المحبوب. ولم يفته تلك النظرة التي رآها بعينيّ عبد الرحمن في وقتها، عندما كان يتحدث هو وبيرى بصوت منخفض وتلا ذلك احتضانها لوجهه كأنها تحاول إفهامه أمرًا صعبًا. فرأى تلك النظرة العاشقة المتوارية خلف سحابة الغضب والسخط التي ملأت عيناه. لذلك أراده أن يخمد لهيب قلبه، الذي جعله يتركهم ويترك منزله سنوات طوال قضاها مغتربًا في بلد آخر.

حملق عبد الرحمن في وجه عمه وشقيقته وزوجها ومن ثم قال بتبرم: –على فكرة أنا مش هتجوز بيرى يا عمي، أنا بريء ومعملتش حاجة وهي بتتبلى عليا. أسرعت شقيقته في الرد قائلة بتأييد لقراره: –ده عين العقل. يهودية مين دي اللي تتجوزها كمان؟ من قلة البنات يعني؟ وإن كان على العروسة، فأنا هجيب لك ست ستها يا حبيبي ولا يهمك. أشار لها عمها بالالتزام الصمت وهو يقول باستياء طفيف: –اسكتي أنتي. أقولك على حاجة؟

يلا خدي جوزك وروحي على شقتك، شوفي ابنك زمانه صحي من النوم. مطت شفتيها بتبرم ولكنها لم ترد كلمة عمها. وأشارت لزوجها بالنهوض للذهاب إلى شقتهما الواقعة بالطابق الثالث بذلك المبنى الذي يعود لعائلتها. وكل منهم يسكن به. فعمها يقيم بالطابق الثاني وعبد الرحمن في الرابع. في حين أن الطابق الأرضي، به ثلاث متاجر، يدرون دخلاً لا بأس به. بعد ذهاب شقيقته وزوجها، نظر إليه عمه مليًا ومن ثم قال برجاحة عقل:

–بص يا عبد الرحمن، أنا عارف ومتأكد إنك معملتش حاجة. أنت برضه تربية إيدي وأخلاقك يحلف بيها الصغير والكبير. بس أنا عرفت واتأكدت إنك برضه بتحبها ومن جواك نفسك فعلاً إنها تكون مراتك وإنك مقدرتش تنساها ولا تنسى حبك ليها. –مش صحيح، أنا خلاص مبقتش أحبها. قال عبد الرحمن بإصرار ضعيف، وتلك الغمغمة ذات الوقع غير المؤثر في أذن المستمع له، تجعله يجزم أنه كاذب في ادعائه. ابتسم عمه بخفوت وربت على ساقه. ومن ثم قال وهو يتذكر ماضيه:

–أنت عمرك ما سألت نفسك يا عبد الرحمن أنا ليه فضلت طول عمري من غير جواز ومتجوزتش أبدًا؟ طبعًا الكل عارف إن بعد موت أبويا وأمي كان لازم آخد بالي من أخواتي الاتنين الله يرحمهم اللي هم أبوك وعمك اللي يبقى أبو جوز أختك. بس ده مكنش السبب بس، لأ، علشان أنا حبيت مرة ومقدرتش أحب تاني بعدها. مكنش ليا حظ في الحب. بس أنت الفرصة قدامك متبقاش نسخة تانية مني يا ابن أخويا.

حتى وإن لم يجرؤ عبد الرحمن يومًا على سؤال عمه عن سبب عزوفه عن الزواج طوال حياته حتى أدركه المشيب، إلا أنه كان يشعر بأن الأمر ربما يعود لعشق مستحيل انتهى نهاية غير مرضية للحبيبين. خرج من شقة عمه بعدما قدم له النصح بشأن عدم تركه لحبه. ولكنه لم يصعد لشقته، بل فكر في الذهاب إلى بيرى بعدما علم أين يقع مكتبها الخاص بتنظيم حفلات الأعراس وما شابه.

وصل لمكتبها فأقتحمه دون استئذان. فأرتعدت بيرى من دخوله المفاجئ كالعاصفة. فقبضت حاجبيها وقالت بابتسامة ماكرة: –في حد يدخل على حد كده من غير استئذان يا حبيبي؟ تركت مقعدها ودارت حول المكتب الخشبي الأنيق وأقتربت منه وطوقت عنقه بذراعيها وأضافت: –بس ولا يهمك يا جوزي يا حبيبي، أنت تيجي في أي وقت. نفض عبد الرحمن إحدى ذراعيها عنه وهو يصيح في وجهها: –أنا عايز أعرف بقى إيه اللي عملتيه ده، وليه تعملي كده؟ كسا الحزن عينيها

الجميلتين وأجابته بشجن: –لسه بتسأل يا عبد الرحمن؟ سنين الفراق دي كلها موجعتش قلبك زي ما وجعت قلبي. أنا قولت إنك جاي دلوقتي علشان تقولي إنك هتيجي في أقرب وقت علشان تاخدني على بيتك، وإنك هتحاول تعوض السنين اللي ضاعت مننا واحنا بعاد عن بعض.

تأثر بحديثها ورنة صوتها المشبعة بالحزن والأمل. أزدرد لعابه لعله يصد ذلك الشوق الذي تقافز بصدره. إلا أنه نجح بمهارة في أن يظل ثابتًا وعيناه ترسل لها تعبيرات الغضب مما فعلته وأن قلبه لم يعد لها مكان به. فقال محاولًا الظهور بمظهر القوة وأن يضفي على حديثه بعض التهديد لعلها تتخلى عن تصميمها في إتمام زواجهما: –يعني أنتي مصرة يا بيرى إن إحنا نتجوز؟

يبقى استحملي اللي هيجرالك مني، لأن اللي عمله فيا أبوكي هاخد حقه منك وأنتي اللي جبتيه لنفسك. أنا قولتلك ابعدي عني وأنتي اللي اخترتي. يبقى تستحملي نتيجة اختيارك. ابتعدت بيرى عنه قليلًا وجلست على حافة مكتبها قائلة بابتسامة غير مبالية بتهديده:

–أممم، أنت شكلك بتحاول تخوفني منك. بس شكلك نسيت حاجة مهمة يا حبيبي، إن أنا عارفاك أكتر ما أنت تعرف نفسك كمان. ولو شايف إنك لما تاخد حقك مني ده هيبرد نارك ويريح قلبك، أنا قدامك أهو يا عبد الرحمن، ومستعدة لكل اللي هتعمله سواء حلو أو وحش. خلينا نتجوز وأعمل اللي تعمله. ولو إن عارفة إنك مش هتعمل فيا حاجة وحشة. رفع شفته قائلًا بسخرية ووعيد: –واثقة من نفسك أوي يا بيرى؟ عايزانا نتجوز؟

تمام، هاجي أنا وأهلي وهخطبك ونتجوز. بس مترجعيش تندمي.

ما أن رآها تهم بترك مكانها، لتقترب منه من جديد، ارتد بخطواته للخلف. ورفع يده السليمة ليحذرها من مغبة الاستمرار في عنادها. إلا أنه لم يستطع أن يفوه بكلمة بعدما مدت يدها وشبكت أصابعها بأصابعه. وكلما حاول فك تشابكهما عادت وتقبض على ظاهر يده بقبضة فولاذية. فكم بدت عنيدة ذات إرادة قوية في أن تحصل على مبتغاها، سواء كان ذلك سيتم برضاه أو رغماً عنه. ولكي تأمن هدوءه، عادت لتهتف باسمه برنة جذابة رقيقة لطالما أشاد بها وهي تنطق به. وكلما رأت تحرك عظمة نحره صعودًا وهبوطًا، تعلم أنه يبتلع لعابه محاولًا السيطرة والحد من تلك المشاعر، التي عادت من جديد تتدفق بأوردة فؤاده.

للأحق أنه لم ينسَ مشاعره وعواطفه تجاهها يومًا. بل كان يطفو على سطحها شعوره بالغضب والسخط على ما فعله به أبوها. فحتى وإن حاول الآن أن يضفي على رغبته في أن يتزوجها طابع الانتقام، إلا أنه من داخله يعلم أنه لن يستطع أن يمسها بسوء. وربما هي على علم بذلك، لذلك تتصرف على هذا النحو غير المبالي بتهديداته وتحذيراته. وما أن علم أن قلبه في طريقه أن يعلن راية الهزيمة، كان حازمًا في إبعادها عنه. بل شعر بالندم ما أن دفعها عنه واصطدمت بحافة المكتب متأوهة من خشونته في رد فعله. ولكن ظلت قسمات وجهه جامدة، كأنه ينبئها أن الحياة في قربه لن تجني منها سوى الجفاء والألم.

خرجت كالمعتاد من كليتها بعدما أنهت اختبارها لليوم. فوجدت سيارته أمام مبنى الكلية. وخلافًا لتلك المرات التي كانت تراه بها وتسرع بإبداء استيائها من رؤيته، ابتسمت ابتسامة خجولة وهي تراه يقف مائلًا قليلًا يستند على أحد جانبي سيارته الفارهة. كأنها تعاود اكتشافه من جديد. فبعد تلك المكالمة الهاتفية التي أجريت بينهما ووصلا بها لاتفاق أن تمهله الفرصة لأن تعرفه جيدًا، وهي صارت هادئة نوعًا ما، ولم تحاول أن تجعله يشعر باليأس

والإحباط من عدم حصوله على رضاها. بل أن مكالمتهما الهاتفية والتي كثرت بالأونة الأخيرة تحت إطار أن يكون التفاهم بينهما قائمًا في الحدود المتعارف عليها وكأنهما صديقان يحاول كل منهما اكتشاف ميول وهوايات الآخر. استطاعت اكتشاف إنه متحدث لبق، وبإمكانه كسب ودها بجهد لا يذكر. ولكنها لن تكون متسرعة في أخذ قرارها النهائي بشأنه من عدة مكالمات هاتفية يحاول كل طرف فيها أن يظهر لباقته ولطفه في الحديث.

ما أن لمحها قادمة استقام بوقفته وهو يبتسم ملء فاه بعدما وقعت عيناه على يدها اليمنى ووجد خاتم خطبتها يزين بنصرها. ولكن قبل أن تصل إليه اعترض طريقها ذلك الشاب الذي رآه عمرو في المرة الأولى التي جاء بها لهنا. فسألها الشاب باهتمام: –عملتي إيه في الامتحان النهاردة يا دكتورة سهى؟ أجابته سهى بابتسامة بشوشة كتلك التي توزعها على أصدقائها من باب الابتسام في وجه أخيك صدقة:

–الحمد لله، كان الامتحان كويس وعدى على خير. وشكرًا على المحاضرات اللي أنت اديتهالي وكانت شاملة المنهج فعلاً، استفدت منها جدًا. لمس الشاب إطار نظارته وبادلها ابتسامتها بابتسامة خجولة. ولكن اختفت ابتسامته ما أن وقع بصره على يدها اليمنى ووجدها بها خاتم الخطبة والذي لم يراه قبل الآن. فرفع عينيه عن التحديق بيدها ونظر إليها متسائلًا بدهشة: –هو أنتي اتخطبتي يا دكتورة سهى؟ حركت سهى رأسها وردت قائلة بعفوية:

–أنا مخطوبة من أكتر من سنتين وكمان هتجوز بعد الامتحانات ما تخلص. عقبالك إن شاء الله. تأسف الشاب على وقته الذي ذهب سدى وهو يحاول استمالتها. فتجلت ابتسامة متوترة على وجهه وهو يقدم تهنئته لها. وما لبث أن انصرف من أمامها وهو يسب ويلعن في خاطره على فشله في جذب أول فتاة وقعت عليها عيناه منذ بدء دراسته في الكلية.

لم تنتبه سهى لذلك الذي استشاط غضبًا من رؤيتها وهي تتحدث مع ذلك الشاب الذي لم ينس وجهه حتى الآن. ولم ينس تصريحها الغبي في وقتها من أنها ربما تفكر في الارتباط به والزواج منه بعد انتهاء تحصيلهما الدراسي بالجامعة. وكأن لم يكن قرارها بالاقتراب منه بتلك اللحظة قرارًا حكيمًا. إذ أن ما وصلت إليه سمعته يهتف بها بنبرة حادة: –كان بيقولك إيه الواد ده؟ وضعت سهى يدها على فمها تحركها دلالة على أن يخفض صوته أثناء حديثه:

–بس وطّي صوتك شوية، أنت هتلم عليا الطلبة ولا إيه؟ ثم في إيه؟ ده كان بيسألني عملت إيه في الامتحان مش أكتر. هو أنت هتعمل فيها غيور من أولها؟ كز عمرو على أسنانه قائلًا بغيظ: –اركبي يا سهى العربية. عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول برفض: –مش راكبة. وأركب معاك العربية لوحدنا ليه إن شاء الله؟ هو أنت جوزي؟ حتى لو كنت خطيبي مش هيجمعني بيك مكان واحد لوحدنا. ريح دماغك.

رغم أن نواياه لم تضمر لها شرًا، إلا أن إعجابه بها يزداد كلما تمنعت عن إجابته لأي شيء يريده وتراه هي لا يصح قبل أن تصير له زوجة. وضع يديه في جيبَي بنطاله الضيق قائلًا بنبرة عابثة رغبة منه في إثارة أعصابها: –طب هنقعد نتكلم فين يا حرمي المصون المستقبلية؟ أجابته وهي تمر من جواره: –أظن ليا بيت ممكن تيجي تزورنا وتتكلم يا عمرو باشا براحتك. –خلاص هاجي أزورك النهارده بالليل يا قمرى ومجننانى أنتي.

قالها وهو حريص على أن تصل لمسامعها وحقق مراده بعدما رآها تخفض رأسها بعدما اصطبغ وجهها بحمرة الخجل. ولكنها لم تلتفت إليه لتجعله يرى تأثير عبارته على نفسها التواقة لأن تحيا قصة حب كقصص الحب التي قرأت عنها أو شاهدتها في الأفلام الرومانسية المفضلة لديها دائمًا.

بعد إطمئنان وصولها لمنزلها بأمان عاد لمنزله بعدما تذكر موعد طبيبه النفسي والذي ألح عليه في مقابلته لإمتناعه عن حضور جلستين. وربما ذلك سيكون له مردود سلبي على التقدم الملحوظ الذي بدأ يشعر به. ولكن انشغاله بتحسين أحواله مع سهى ووالدها ورغبته القوية في أن تمنحه الفرصة بأن يتقرب منها، جعله يؤجل أمر زيارة طبيبه له معللًا ذلك بأنه منغمس في أعماله. ولكنه قرر أن اليوم سيخبر الطبيب بشأن زواجه المرتقب.

ما أن وصل لمنزله ولم يكد يمر خمس دقائق حتى أعلن حارسه المخلص بأن الطبيب ينتظره كالعادة في غرفة المكتب. فولج عمرو الغرفة مرحبًا بطبيبه. ارتدى الطبيب نظارته قائلًا بوجه بشوش: –أخبارك إيه يا عمرو دلوقتي؟ إيه اللي كان شاغلك عن جلسات العلاج مع أنك في الوقت ده محتاجهم جدًا؟ حك عمرو ذقنه وأجابه بهدوء: –كانت مشاغل يا دكتور بس دلوقتي أنا تحت أمرك اتفضل ابدأ.

بدأت الحديث بينهما هادئًا قائمًا على السؤال من جانب الطبيب والجواب من جانب عمرو حتى تطرق إلى موضوع خطبته المزيفة والتي أعلمه بها في وقت سابق. نقر الطبيب بالقلم نقرة خفيفة على دفتره متسائلًا: –احكي لي بقى عن خطوبتك المزيفة وإيه اللي دفعك من الأول إنك تساعدها مع أنك قلت لي إن أول مرة قابلتها فيها اتخانقتوا وكل مرة كانت تقريبًا عدائية معاك في الكلام.

أغمض عمرو عينيه وأخذ نفسًا عميقًا زفره على عدة مرات وما لبث أن قال بابتسامة نبتت على شفتيه ما أن طاف وجه سهى في عقله: –يمكن لسانها الطويل ده هو اللي جذبني إن أساعدها. علشان بالرغم من أنها تبان قوية ومبتخافش، بس حاسس إنها من جواها طفلة بتخاف وبتداري خوفها وضعفها ورا لسانها وكلامها. –يعني كان عندك إحساس بالمسؤولية من ناحيتها؟ هتف بها الطبيب متسائلًا، فما كان من عمرو سوى أنه أومأ برأسه مؤكدًا لقوله.

فضم كفيه وانحنى قليلًا للأمام قائلًا بحماس لا محدود: –ومش بس إحساسي بالمسؤولية ناحيتها، لأ، دا كمان حاسس إني بحبها وهنتجوز كمان قريب يا دكتور، وهي موافقة كمان على الجواز. ترك الطبيب القلم من يده وحدق به متسائلًا بشيء من الجرأة: –وأنت شايف نفسك مستعد إنك تتجوزها يا عمرو؟ لأن الجواز مش لعبة تفرح بيها يومين وخلاص، فاهمني؟ انتفض عمرو من مقعده وصاح بصوته منفعلًا: –تقصد إيه بكلامك ده يا دكتور؟

وفيها إيه يعني لو اتجوزتها دلوقتي؟ حرام يعني؟ أشار إليه الطبيب بالجلوس وهو يقول بصوته الرصين:

–اقعد يا عمرو وبطل انفعالك ده اللي ملوش لزوم. مش دايما التسرع في الأمور دي بيدعم حالتك ويبين لك إنك خلاص بقيت تمام. لأ، ده ممكن يعمل لك انتكاسة أنت في غنى عنها في الوقت الحالي. ثم أنا حاسس إن لسه جواك أسرار معرفش عنها حاجة أو أنت اللي مصر تخبيها وده مش كويس علشانك. لأن لو أنت عايز تتعالج صح لازم تقول كل اللي جواك وأعرف اللي أنت مخبيه. عقد عمرو ذراعيه ورد قائلًا بشموخ وتحدي:

–أنا قلت لك كل حاجة وأنا مش مخبي عنك أسرار. وإن كان على جوازي فهو هيتم في ميعاده وأنت معزوم يا دكتور. نهض الطبيب عن مقعده وخلع نظارته قائلًا بمهنية: –وأنا يؤسفني أن أقول لك إن جوازتك دي مش لازم تتم في الوقت الحالي يا عمرو. أنار الله دروبكم وأسعد قلوبكم وفرج كروبكم ورزقكم سعادة الدارين ❤️❤️❤️

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...