أومأت حياء برأسها دلالة على أنها ستجعل مطلب والد زوجها قيد التنفيذ. آه لو كان بإمكانها قراءة أفكار راسل وتعلم ما يفكر به. يبدو أنه لم يستحب تلك اللهجة الودودة التي تحدثت بها عن آدم. وما جعلها تتيقن أكثر من انزعاجه وضيقه تلك التقطيبة ذات الخطوط العميقة والعريضة التي رسمها على جبينه وعيناه المتقدتان بالنيران.
فليذق نتاج أفعاله، ويتجرع من كأس الألم الذي أسقاه لها حتى القطرة الأخيرة به، وليتلظى بنيران الغيظ حتى يفقد قدرته على التفكير. لعلها بذلك ترد له ولو جزء بسيط مما فعله بها. ليته يعلم تلك الحالة التي وصلت إليها من أفعاله معها.
فقلبها الحنون والذي لم يكن يحتوي إلا على الحب والنقاء، صار يتحالف مع عقلها في أن تكف عن كونها فتاة عاطفية. ولا بد لها من أن تسرق من الزمن بسمتها وسعادتها وألا تنتظر أن يأتيانها. بل ستكون طامعة وجشعة بأخذ حقها ونصيبها من الدنيا. فهي لم تربح شيئًا من طيبتها وسذاجتها سوى ذلك الحال الذي وصلت إليه.
أخرجت هاتفها من جيب ثوبها الفضفاض، وبحثت بالهاتف عن صور آدم على مواقع التواصل الاجتماعي. وما أن وجدت صوره التي حفل بها محرك البحث جوجل، مدت يدها بالهاتف لعاصم وهي تقول باسمة: –هو ده آدم، هو طبعاً الكل يعرفه باسم آدم جوزيف. هتلاقي كل الصور والمعلومات عنه.
بلهفة لم يستطع أن يداريها، أخذ عاصم الهاتف منها، وظل يتصفح الصور وبعض المعلومات الخاصة عنه. ومن شدة لهفته أن يعرف من يكون ذلك الشاب الذي ادعى أنه ابنه، ظل محتفظًا بهاتف حياء بين يديه وأمام عيناه التي راحت تلتهم الأسطر التي جاءت تعريفًا عن ذلك المطرب المحبوب في فرنسا. ومضة من السعادة لم تخفيها عيناه جعلت حياء تتيقن من سعادته بكونه يرى ابنًا له بمثل هذه الوسامة والشعبية. فترك مكانه واقترب من عمه ليريه الصور
وهو يقول بإعجاب حقيقي: –شايف يا عمي دا وسيم فعلاً زي حياء ما قالت ومشهور كمان. أخذ رياض الهاتف من يده ونظر للهاتف بتفحص، ولكنه لم يكن متسرعًا في إبداء مشاعره كابن شقيقه. فرد قائلاً بهدوء: –أه يا عاصم، هو فعلاً ما شاء الله شاب وسيم، بس بلاش الفرحة تاخدك كده لحد ما نشوف إيه الحكاية بالضبط وييجي ونعمل تحليل DNA.
أخذت حياء الهاتف من يد والد زوجها ونهضت من مكانها واقتربت من راسل ورفعت يدها بالهاتف لتجعله ليرى صورة آدم وهو يحمل الجيتار ويبدو بها أكثر وسامة. فهتفت به بصوت منخفض: –يا خسارة يا راسل، لو طلع آدم فعلاً ابن عاصم النعماني، هياخد اهتمام الكل منك وأنت هتبقى راحت عليك. حتى باباك هيبقى عنده فضول إنه يعرف مين الوريث الجديد للعيلة. التوى ثغر راسل ورد قائلاً بسخرية:
–مش فارقة كتير يا حياء، رياض النعماني من زمان وهو عنده البديل ليا في كل حاجة، يعني آدم أو غيره مش هتفرق. بتلعبي على الوتر الغلط. غمزته بإحدى عينيه قائلة بنبرة عابثة: –بس آدم بيلعب على الوتر المظبوط، وعازف جيتار هايل هيعجبك صوته وخصوصًا لما يغني.
فإن لم يكن يعلم طباعها جيدًا، لكان ظن أنها تحاول التلميح له بأن ربما أيامه القادمة ستحمل له مفاجآت غير سارة، وأن وجود ذلك الشاب في المنزل سيفضي بالنهاية لشيء لم يكن يضع بباله وحسبانه. ولكن هو على تمام الثقة واليقين بأن حياء ليست تلك الفتاة التي بإمكانها تجاوز الحد اللازم لها في التعامل مع الآخرين. بل دائمًا ما تضع حدودًا لها ولا تتخطاها.
وربما ذلك نابع من تربيتها ونشأتها السليمة التي تحتم عليها الالتزام بالآداب الواجبة بين الرجال والنساء حتى وإن كانوا يعيشون مع بعضهم البعض تحت سقف واحد يجمعهم. قطب حاجبيه متسائلاً: –تقصدي إيه بكلامك ده يا حياء؟ ابتسمت بسخرية وردت قائلة بعدم اكتراث: –بكرة تفهم لوحدك يا دكتور. هز راسل كتفيه وما لبث أن قال بلامبالاة: –وأنا مستني بكرة بتاعكم ده يا حياء، هطلع بقى آخد شاور وأنزل أتعشى قبل ما نفسي تتسد أكتر من كده.
هزت حياء رأسها قائلة بتأسف وتأثر مزيف: –يا خسارة نفسك اتسدت وأنا قولت لهم يعملوا لك رز بلبن علشان أنت بتحبه واحتفالًا بأنك بقيت عمو للمرة الثانية. أصل أظن آدم لازم يحترمك ما أنت أكبر منه بحوالي 13 سنة ولازم يقولك يا عمو. مط راسل شفتيه وأولاها ظهره خارجًا من غرفة المعيشة. فوضعت يدها على فمها لتكتم صوت ضحكتها بصعوبة وهي تراه يسرع بخطواته ليصعد الدرج حتى كاد يخطئ موضع قدمه ويسقط على وجهه.
كست الجدية ملامح وجهها ومن ثم عادت لمكانها قريبًا من والد زوجها. فإن كانت منذ قليل استمتعت بإثارة أعصاب زوجها بذكرها مجيء فرد جديد للعائلة، إلا أنها تشفق على غزل بعد معرفتها بذلك الأمر. رمقت عاصم وتساءلت بترقب: –بس أنت هتعمل إيه مع غزل؟ لأن أظن لما تعرف مش هتكون مبسوطة خالص.
تبخر كل شيء وعاد لما كان عليه من التفكير بشأن رد فعل زوجته بعد علمها بشأن آدم. حتى وإن كان ليس متيقنًا من نسب ذلك الشاب له، إلا أن من داخله يتمنى لو كان ولده. خاصة أنه لم ينجب حتى الآن، ولم يكن له أولاد يحملون اسمه وكنيته.
ولكن كل ذلك لا يجب أن ينسيه كيف سيكون شعور زوجته ومحبوبته، والتي يعلم خير العلم أنها تعشقه ولم تغفر له ما حدث في الماضي، إلا بعد تيقنها من أنه وقع بالفخ سهوًا. ولكن أن ترى نتيجة لذلك ليس بالشيء الهين، حتى وإن كانت متيقنة من براءته وأنه لم يفعل ذلك بإرادة ورغبة منه. وضع عاصم وجهه بين راحتيه وغمغم بنبرة مختلجة بالخوف من رد فعل زوجته: –مش عارفة أعمل إيه أو أقولها إزاي، أنا أكتر واحد عارف غزل وعارف إن زعلها وحش.
عادوا وصمتوا من جديد، ولم يسمع أحد منهم صوتًا إلا صوت بندول ساعة الجدار الضخمة وصوت نقرات عصا رياض على الأرض. فهم لم يتمكنوا من كشف سر راسل حتى جاءتهم مفاجأة أخرى تتطلب منهم اهتمامهم وتركيزهم. خرج رياض عن صمته وقال بصوته الرصين كالعادة: –أنا عايز اللي في البيت كلهم يجتمعوا بعد العشا، عايز الصغير والكبير. أزاحت حياء يدها التي كانت تستند بوجهها عليها وتساءلت: –وأنت عايزهم ليه يا عمي؟ علشان تقول لهم على الموضوع؟
هز رياض رأسه بالإيجاب. فالأمر لن يظل سرًا وقتًا طويلاً، لذلك من الأفضل أن يكون أفراد العائلة جميعهم على علم به، حتى يستطيع كل فرد منهم إبداء رد فعله. وعندما يحين مجيء آدم ويتأكدون من نسبه للعائلة تكون نفوسهم هدأت، حتى لا يثار مشهد درامي أو مأساوي إذا علموا بالأمر دفعة واحدة.
لم يجرؤ عاصم على الدخول لغرفة نومه ورؤية زوجته قبل ذلك الاجتماع الذي سيعده عمه. لذلك فضل الجلوس معه يتشاوران بهدوء. في حين أن حياء صعدت لغرفتها حتى يحين موعد العشاء والاجتماع ولتجري تلك المحادثة بينها وبين آدم وتخبره أن رياض النعماني يريد مقابلته على وجه السرعة. بعد انتهائها من استعدادها للنزول وتناول العشاء، أخذت هاتفها وفكرت في أن تتحدث مع آدم عبر إحدى مواقع التواصل الاجتماعي وتمنت لو أن يجيبها بسرعة.
فما كادت تبعث له بالرسالة النصية التي مفادها أنها هي حياء وتريده بأمر هام، حتى سمعت صوت رنين هاتفها برقم من خارج مصر. –ألو حياء، أنا آدم. هتف بها بنبرة مختلجة بسعادة كونها هي من بادرت بالاتصال به، ويتحرق شوقًا لمعرفة ذلك الأمر الهام الذي تريده من أجله. ردت حياء بصوتها الهادئ:
–أهلًا آدم، كويس أنك اتصلت عليّا بسرعة. أنا كنت عايزة أقولك أني قولت لباباك عاصم وعمي ورياض النعماني على اللي قولته لي، وأنك أنت بتقول إنك ابن عاصم النعماني. وهم طلبوا تيجي إسكندرية ويشوفوك. انتظرت رده على ما أخبرته به، ولكن تأخر بالرد. فعادت مستطردة: –آدم أنت سمعتني، ساكت ليه ومردتش عليا؟ سمعت حياء صوت زفرة عميقة منه تلاها صوته وهو يقول بيأس:
–ليه قولتلهم يا حياء، أنا مش عايز أظهر في حياتهم ويحصل مشاكل. أنا قولتك أنتي بس. وضعت حياء إبهامها بين شفتيها وقضمت ظفرها ومن ثم عادت تقول بتشجيع: –آدم لو أنت فعلًا ابن عاصم، هو من حقه يعرف وخصوصًا أنه معندوش أولاد حاليًا. ثم متقلقش، كبير عيلة النعماني راجل حكيم وذكي وهو هيتكفل بحل الموضوع لو ثبت نسبك ليهم. فعلشان كده لو تقدر تيجي في أقرب وقت تعال. لم تدوم حيرته طويلًا، إذ رد قائلًا بابتهاج:
–أنا هاجي إسكندرية يا حياء، هاجي في أقرب وقت. سلام. *** أنتهت المكالمة بين حياء وآدم، فاستشعرت مدى سعادته بأنه سيأتي ويقابل والده. فكم غريبة تلك الحياة، يدور البشر في فلك لا ينتهي، وكل منهم ربما يتقاسم ظروفه مع شخص آخر، يعاني ما يعانيه ولكن بنكهة ومذاق آخر.
خرج راسل من غرفته ورأى حياء قادمة عبر الردهة وتنظر بهاتفها ويبدو أنها بطريقها لتهبط الدرج، فاصطدم بها متعمدًا. شهقت حياء بخوف، كونها لم تنتبه لوجوده. وما أن وجدها بين ذراعيه ويديه حول خصرها، شد عليه برفق. فسحبت يديه وأفلتت نفسها من بينهما وهي تقول باشمئزاز: –إيدك يا دكتور، يووه هضطر آخد شاور تاني. رفع راسل حاجبه وشفته العليا وهو يقول بتسلية: –شاور عشان لمستك بالغلط؟ طب لو حضنتك هتعملي إيه؟ هتغيري جلدك؟ ابتسمت
حياء وردت قائلة بلامبالاة: –لأ، كنت هكسر لك إيدك يا راسل. قبض راسل على فكها وقال بنبرة تفيض بالإثارة: –قطتي الصغيرة كبرت وبقت شرسة قوي وعنيفة. –هو أنت لسه شوفت حاجة؟ قالت حياء وما أن لبثت أن رفعت قدمها وركلته بساقها مسببة له ألمًا خاصة بحذائها الأنثوي. ولم تكتفِ بذلك بل جذبته من ياقة قميصه بغتة وهي تقول بانتصار: –استعد عشان تقابل المنافس ليك يا طاووس يا مغرور.
طوقها بإحدى ذراعيه ورفعها عن الأرض وأسرع الخطى تجاه غرفته، ولم يفلتها رغم ضرباتها المتلاحقة على كتفيه وظهره. وما أن وصل الغرفة، أطلق سراحها من بين ذراعه، لعله يعتق نفسه من لسعات راحتيها وأسنانها التي تشبه لسعات النحل. غطى الاحمرار وجهها وتتابعت أنفاسها بغيظ من فعلته، فصرخت في وجهه وهي تقول بسخط: –إيه اللي أنت عملته ده؟ إزاي تشيلني كده وتحط إيدك عليا كمان؟ نظر إليها بطرف عينيه قائلًا بنبرة تفيض بالغيرة:
–إيه حكاية آدم ده كمان؟ وأنتي أساسًا تعرفيه منين؟ باين من كلامك أنك شوفتيه وتعرفيه. أنا مرضيتش أسألك قدامهم، فقولي لي إيه الحكاية يا حياء، قولي عرفتيه إزاي؟ مدت سبابتها ونقرت أسفل ذقنه وهي تقول ببرود: –وأنت مالك يا راسل؟ هو أنا بسألك على حاجة عشان تيجي أنت تسألني؟ كل واحد فينا حر في حياته، وطالما إحنا تقريبًا بقينا منفصلين فاضل بس حضرتك تطلقني، يبقى خلاص كل واحد يخليه في حاله.
قبض على سبابتها بكفه، ولا تنكر شعور الألم الذي داهمها من كونه كاد يسحق إصبعها، إلا أنها ظلت ترد نظراته النارية لها بنظرات باردة وغير مبالية. تكاد لو أن كان بإمكانها اقتلاع عينيه التي دائمًا ما تتسبب في تشتيت ذهنها، ولكنها تعلمت مؤخرًا كيف يمكنها أن تظهر عكس ما تخفيه. فإن كان القلب متقدًا بالنيران، فالوجه والنظرات باردة كإحدى العواصف الثلجية.
رغمًا عنها قضمت شفتها السفلى من شعورها بالألم، فأفلت إصبعها من بين كفه، وظنت أنه سيتركها بحالها لتخرج من الغرفة. ولكن أثناء انشغالها بتدليك إصبعها وجدت أنه يجلس على طرف فراشها وضم كفيه متسائلًا بإلحاح: –أنا سألتك سؤال، يبقى تجاوبي عليه يا حياء، لأن أنتي عرفاني صبري بينفذ بسرعة وصدقيني مش هتبقي مبسوطة من اللي ممكن أعمله دلوقتي.
لم ترد جوابًا على حديثه أو سؤاله، بل ظلت تنظر لسبابتها وتحركه لتتأكد من أنه لم يصبه التواء من قبضته القاسية. وما أن طال صمتها وجدته يجذبها من ذراعها بغتة حتى سقطت بجواره على الفراش. وقبل أن تعي على ما يفعله وجدته يطل عليها بوجهه من علياء، مقيدًا لحركاتها وسد عليها منافذ الهرب منه. اتسعت حدقتاها بفزع وحركت رأسها يمينًا ويسارًا، حتى لا تمنحه الفرصة بعناقها، وكلما أفرطت في حركتها عاد وأحكم سيطرته عليها.
فهتفت به بصوت مختنق: –سيبني وابعد عني. –هششش اهدى واسكتي يا حياء. قال وهو يعنفها برفق حتى تكف عن حركتها المفرطة، ولكنها لم تستمع لما يقوله، وعادت لدفاعها المستميت بأن تتحرر منه، ولكن لم تزدها محاولتها سوى الشعور بالألم الناتج عن إحكامه لسيطرته عليها، فلم تجد سوى استخدام الحيلة والخداع. أطلقت أنات خافتة وهي تقول بأنين وصوت خافت كأن ألمها نابعًا من عدم قدرتها على مجابهته: –أنت وجعتني وهتكسر لي إيدي يا راسل.
ما أن ختمت حديثها ذاكرة اسمه بلكنتها الجذابة حتى وجدته يفلت يديها المكبلتان أعلى رأسها، وظنت أنه سيبتعد عنها ويترك لها مساحة كافية لأن تستقيم بجلستها، ولكن جاءها قيد آخر، إذ وجدته يضع رأسه على كتفها وهو يقول بحنين واشتياق: –وحشني أحط راسي على كتفك وأشكيلك عن وجعي، وحشتيني أوي يا روحي. –أنت اللي بعتني وبعت كل اللي كان بينا.
قالتها حياء بتأثر وانفعال وهي تحدق بسقف الغرفة، معنفة ذاتها على تجمع تلك العبرات بعينيها ما أن سمعت نبرة صوته المتعبة. ولم تكتفِ بذلك بل مدت ذراعيها ودفعته عنها واستقامت بوقفتها مستأنفة حديثها: –متجيش دلوقتي يا راسل وتلعب دور الضحية، مش لايق عليك.
خرجت من الغرفة وهبطت الدرج وجدت أفراد العائلة مجتمعين حول المائدة، فأخذت مكانها وبعد ثلاث دقائق وجدت راسل قادمًا وجلس هو الآخر على مقعده. وظلت طوال وقت العشاء تتحاشى النظر إليه، في حين أنه هو لم يرفع عينيه عنها. وما أن رُفعت الأطباق من على المائدة، هتف رياض بهم قائلًا بأمر: –أنا عايزكم كلكم في أوضة الصالون، في حاجة عايز أقولكم عليها. ردت ميس قائلة باهتمام: –خير يا جدو؟ في إيه؟ أنا كمان كنت عايزة أقولكم على حاجة مهمة.
أومأ رياض برأسه لها، لعل يساهم حديث ميس بمنحه الوقت الكافي، قبل أن يلقي عليهم ما لديه. سبقهم بمشيته وتبعه الباقين. وما أن وصل لغرفة المعيشة الكبيرة، جلس على أريكته المفضلة، داعيًا عاصم وغزل بأن يجلسان قريبًا منه، بينما جلس الآخرون على باقي المقاعد الوثيرة. وفضلت سجود الجلوس على ساقي راسل، ولكن لاحظت حياء بأن وفاء تجلس بمكان بعيد عنه، بل أنها لم تنظر إليه أو توجه له كلمة. وانتبهت على ذلك منذ ذلك اليوم الذي تحدثتا به سويًا وقطع عليها راسل استرسالها بحديثها.
أشار رياض لميس بأن تخبرهم بما لديها، فطافت نظراتها بوجوههم وابتلعت لعابها وقالت بجدية تتنافى مع حقيقة الأمر المتفق عليه بينها وبين عمران، إذ لم تملك الشجاعة الكافية لتخبرهم بأنها جعلت شرط عودتها لزوجها أن يقومان بعمل حقن مجهري لتعود وتحمل طفلاً في أحشائها من جديد: –هو الموضوع يا جدو إن أنا وعمران هنرجع لبعض تاني بس الأول همهد لرجوعي له بأن نعمل فترة خطوبة بينا لحد ما أقدر أسامحه ونرجع لبعض تاني.
أول من أبدى رد فعل على ما سمعه من ميس كان راسل، إذ حاول كبت ضحكته لما سمعه منها. فرمقته بغضب وصاحت به مستاءة: –أنت بتضحك على إيه يا راسل؟ هو أنا قولت حاجة تضحك أوي كده؟ ابتسم لها ورد قائلًا بهدوء: –أنا مش قصدي حاجة على فكرة، أنا بس استغربت من اللي قولته، تتخطبوا وأنتم متجوزين؟ وهو عمران وافق على كده عادي يعني؟ رمقته حياء بنظرة مستاءة وقالت بسخرية ردًا على قوله:
–على الأقل بيحاولوا أنهم يصلحوا حياتهم، مش زي ناس مش شاطرين غير إنهم يخربوا علاقاتهم بكل اللي حواليهم ومفكرين إنهم هم بس اللي صح وبيفهموا، مع أنهم عارفين أنهم غلطانين. قبل راسل رأس ابنته ورد قائلًا بسماجة: –وأنتي بتلقحي بكلامك ده على مين يا حياء؟ رأى رياض أن يفض النقاش بينهم قبل أن تتحول جلستهم لمشادة كلامية هو غني عنها بوقته الحالي، فدب الأرض بعصاه قائلًا بأمر:
–يا ريت كلكم تسكتوا، مش هتتخانقوا وأنا قاعد كمان، وإن كان على اللي قولتي يا ميس لو أنتي وجوزك موافقين وشايفين إن ده هيصلح حياتكم ماشي مفيش مشكلة، بس ليه عمران مجاش يقابلني ويقولي؟ تركت ميس مكانها واقتربت من جدها وقبلته وهي تقول بابتسامة: –هو كان هيجيلك بس قولت له لما أقولكم أنا الأول وبعدين هو يجيلك يا جدو، يعني سابني أنا أمهد لكم الموضوع.
عادت ونظرت لوالدتها التي لم يبدُ منها رد على ما سمعته بشأن عودتها لزوجها، فازدردت ميس لعابها وسألتها بارتياب: –وأنتي يا ماما رأيك إيه؟ خصتها سوزانا بنظرة هادئة بعدما تبادلت حديث الأعين الصامت مع عمها، فهي ما أن سمعت رأي رياض بما قالته ميس، علمت أنها لن تستطيع أن تبدي اعتراضًا أو رفضًا إذا أصدر كبير العائلة رأيه بذلك. فشبكت يديها وردت قائلة بنبرة فاترة على غير العادة بشأن أي أمر يخص ابنتها:
–اللي يريحك يا ميس اعمليه، بس متجيش بعد كده وتندمي ولا تقولي ياريتني ما رجعت له. *** انتشل صوت سوزانا وردها الفاتر انتباه غزل الشاردة، إذ كانت جالسة تفكر في سبب اجتماع ساكني المنزل، ولكن ما أن شعرت بردها البارد الذي يخص في المقام الأول ابن شقيقها، كان ذلك أدعى لأن تحدق بها باهتمام بالغ وردت قائلة مداعبة عمران من تلميح سوزانا المبطن الذي يدور حول معتقدها بأن زوج ابنتها همجي: –وإيه اللي يخليها تندم يا سوزانا؟
على فكرة عمران مش زي ما أنتي متخيلها، ده حنين جدًا وإذا كان على اللي حصل منه أكيد بسبب أنه انفعَل وياما بيحصل بين الراجل ومراته. وأظن ميس خدت وقتها كفاية في أنها تعرفه غلطه في حقها. لم تستساغ سوزانا دفاع غزل المستميت عن عمران ومحاولتها لإبراز خصال الحميدة، فاستياؤها العارم مما فعله بحق ابنتها جعلها تتخذ قرارها بأنها لن تغفر له ما فعله بها. فهتفت بحدة ممزوجة بالسخرية: –ومين هيشهد له غيرك يا غزل؟
ما هو عشان ابن أخوكي بتدافعي عنه، بس متنسيش إن بنتي برضه تبقى بنت أخت جوزك، ولازم تبقي خايفة على مصلحتها. –بس بقى أنتي وهي، خلصنا من الكلام في الموضوع ده، أنتوا مالكم كده النهارة نفسكم تتخانقوا مع بعض؟ أنا مش عايز أسمع كلمة من حد فيكم لحد ما أخلص كلامي، فاهمين كلكم؟
صاح رياض بقوله بعدما رأى أن الحديث بينهما سيأخذ منحنى آخر غير مُرضٍ. فهو قد وصل لحافة صبره من أحاديثهم الجانبية والتي ستجعله ينسى سبب اجتماعهم اليوم. فبعد نجاحه بفض النقاش المحتدم بين حياء وراسل وميس، جاء حديث سوزانا وغزل ليصل لأوج غضبه منهم، فما بالهم اليوم يريدون جميعهم الشجار فيما بينهم، حريصين على أن يكون متواريًا خلف أحاديثهم الساخرة.
دلك رياض جبهته كأن شعر بصداع مفاجئ. فأشفق عليه عاصم والذي لم ينبس بكلمة منذ جلوسه بجواره، كأنه يختزن كل حديثه من أجل تلك اللحظات العصبية التي ستأتيه ما أن تسمع غزل بما سيتفوه به عمه. ولكن لم يدم انتظاره طويلًا، إذ سمع صوت حمحمة خفيفة من عمه وما لبث أن قال بهدوء وحرصًا على أن يقول ما لديه وألا يصدر أحد منهم رد فعل قبل انتهائه من حديثه:
–الموضوع اللي جمعتكم علشانه النهاردة، هو إن عرفنا بالصدفة إن فيه شاب فرنسي مغني كان هنا في إسكندرية، بيقول إنه يقرب لنا وإنه من عيلة النعماني وإن عاصم يبقى أبوه. وأنا طلبت ييجي هنا علشان نعرف الحقيقة.
بما أن راسل على علم مسبق بذلك الأمر، لم يصدر منه رد فعل، بل ظل جالسًا يداعب ابنته التي لم تهتم بما يدور سوى أنها جالسة على ساقي أبيها. فحتى طولها وعمرها الذي يقارب السابعة الآن لم يمنعها من التخلي عن تلك العادة. ولكنها ارتعدت بين ذراعي والدها ما أن سمعت صيحة الاحتجاج من غزل. فرمقت أباها بذعر وتساءلت: –هو فيه إيه يا بابي؟ طنط غزل بتزعق ليه كده؟ ربت عليها راسل قائلًا بابتسامة هادئة:
–مفيش حاجة يا حبيبة بابي، روحي العبي مع ساجد وساندرا.
امتثلت الصغيرة لقوله، خاصة أن ساندرا بعد انتهاء العشاء وعلمها بأن رياض يريد الاجتماع بأفراد عائلته، ذهبت بالصغير لغرفته. فهي لا تمت بصلة لتلك العائلة سوى أن أحد أفرادها قدم لها يد العون والمساعدة في أشد أوقاتها الحالكة التي كانت فيها بحاجة إلى المساعدة. ولا يجمعها براسل سوى الامتنان لصنيعه بحقها وحق صغيرها. وقبل أن يوجه لها أحد منهم كلمة، كانت تنسحب بهدوء لغرفة الصغير.
بعد ذهاب ابنته عاد ببصره لغزل التي راحت تهتف بزوجها متسائلة بذهول ووجه ممتقع: –إيه الكلام ده يا عاصم؟ هو عمي بيتكلم جد؟ لم يكن يتمنى أن يقع بمأزق معها مرة أخرى، فبالمرة الأولى دام الفراق بينهما اثنين وعشرين عامًا، فماذا ستفعل معه الآن بعد علمها بأن لديه ابنًا من تلك المرأة؟ حدق في وجهها قائلًا بهدوء ينافي ذلك الخوف بداخله:
–غزل إحنا لسه منعرفش إذا كان فعلًا ابني أو لأ، عمي حب يقولكم علشان لو فرضًا طلع ابني يكون عندكم خبر، لأن ده موضوع مش هينفع يتسكت عليه، وبرضه لسه مش متأكدين، ده كله افتراضات.
ظنت ما أن توجه سؤالها له، ستسمع منه ما يجعل قلبها يطمئن وأن ما سمعته ما هو إلا دعابة أو مزحة ليس أكثر. ولكن أن يتحدث معها هكذا بهدوء ويزوغ بعينيه عن عينيها حتى لا يلتقوا سويًا وترى نظراته الراغبة في أن يكون حقًا ذلك الشاب المزعوم هو ابنه، خاصة أنه حتى الآن لم يرزق بأبناء منها. وها هي قد جاءته الفرصة دون أدنى جهد منه ولن يخسر شيئًا سوى أن يمنح ذلك الشاب اسمه وبذلك يصبح ابنًا شرعيًا. ولكن ماذا عنها هي؟
خذلتها قدماها فسقطت جالسة مكانها، وعيناها دامعتان ومتسعتان تحملق في وجه زوجها لعله يقول شيئًا ينفي تلك الحقيقة التي رأتها بارزة في عينيه وعلى وجهه. حركت رأسها ببطء كأنها تحاول القيام بتلك المهمة التي رأتها مستعصية عليه، ولكن هل سينفي رفضها لتصديق ما أخبرهم به رياض حقيقة أن ربما في القريب العاجل سترى خطيئة زوجها في الماضي، حتى وإن لم يكن أقدم على فعلها بإرادته. ***
تركت حياء مقعدها واقتربت منها وجلست بجوارها وهي تمسد على ذراعها بإشفاق لكونها قد عاشت تلك اللحظة الأليمة من قبل عندما عاد راسل يحمل صغيرًا بين ذراعيه. فناشدتها أن تكف عن البكاء بصوتها الرقيق الذي لم تستطع إخفاء تلك الغصة العالقة به ما أن تلاقت عينيها بعيني زوجها الذي راح يرمقها بهدوء كأنه ينتظر سماع ما ستقوله. فسرعان ما أشاحت بوجهها عنه وعادت تنظر لغزل وهي تقول كأنها توجه حديثها لراسل:
–غزل أتمنى أنك تهدئي، حتى لو فعلًا طلع إن الشاب ده ابنه، فأنتوا بتقولوا أن ده مكنش بمزاجه وحصل غصب عنه، يعني مكنش قاصد أنه يوجعك ويكسر قلبك ويكسر قلبك ويهدم أحلامك ويخليكي تحسي أنك مالكيش أي قيمة عنده، ولا أن حبك ليه ملوش أي لازمة. هو لحد اللحظة اللي عرف فيها كان خايف على زعلك وكان خايف يقولك بس عمي رياض اللي أصر أن الكل يعرف. لم يعلم راسل هل تواسي غزل بحديثها هذا أم أنها تعاتبه على ما فعله؟
ولكنها مخطئة بشأن عدم تقديره لقيمتها أو حبها له، فربما كان ذلك هو الأدعى لأن يجعله يفكر بأن يطلق سراحها.
ما أن نظرت إليه مرة أخرى أبى أن تخسر عيناه ذلك الصراع العنيف بين نظراتهما، فبندقيتيها اللتان كانتا تشعان عشقًا وهيامًا صارتا ممتلئتان بالعتاب والغضب. ورغم من أنه بات متيقنًا من أنها صارت تعلم بحقيقة أمر الصغير وساندرا وأن أباه ربما لم يتردد بإخبارها بتلك الحقيقة التي علمها عنه، إلا أنها لم تأتِ على ذكر ذلك، بل ظلت كما هي تتقاتل معه بحديثها وسخطها على أفعاله وأقواله ويشعر أحيانًا بأنها تريد أن تثأر لقلبها منه بأن تقدم على طعنه بسكين بارد وحينها ستشعر بالسلام وأنها أخذت ثأرها منه كاملاً.
استرعى انتباهه ترك عاصم لمقعده مقتربًا من مجلس زوجته وهو يغمغم بأسف: –عارف إن اللي سمعتيه صعب، بس اهدي عشان خاطري، والله أنا ما كنت أعرف حاجة ولا أعرف كل ده حصل إزاي.
تكتل بعيني عاصم شعور طاغٍ بالحزن على أنه تسبب بإيلامها رغماً عنه، فتقدم منها وأخذ بيديها بين راحتيه، لعله يحاول التخفيف عنها، ولكن ما أن رأى الجميع ينظرون إليهما، أخذها وذهب لغرفتهما، فلم يختلف حالها كثيرًا عما كانت عليه أثناء وجودها في غرفة المعيشة، بل ترجمته أن يتركها تلك الليلة بمفردها رغم محاولاته العديدة في جعلها أن تكف عن البكاء متذرعًا بأن ربما الأمر بالنهاية سيفضي إلى أن ذلك الشاب ماهو إلا مدعيًا كونه ابنه ولا ينتمي له أو لعائلة النعماني.
***
تدفق الأدرينالين بشرايينه ما أن حطت الطائرة بالممر الخاص بالهبوط، وأسرع بترك مقعده وهو يوكز صديقه "عماد" في كتفه بابتسامة عريضة، فها هما قد عادا للإسكندرية مرة أخرى، ولكن تلك المرة عاد بدعوة صريحة من كبير عائلة النعماني، والتي علم نسبه إليها من قصة أخبرته إياها والدته وهي على فراش الموت. وإذا كان قبل الدعوة بكل ترحيب وسرور، فليس هذا معناه أنه جاء من أجل تخريب حياة والده، ولكن دفعته رغبته في أن يشعر بتلك العاطفة التي
عاش محروماً منها ولم يعلم كيف يكون طابع الحياة بين الوالد والابن. فحتى والدته لم تفكر في الزواج، بل ظلت امرأة عزباء تعتني به وتدلله حتى صار شابًا ومطربًا مشهورًا، والعلاقة بينهما كانت على خير ما يرام حتى يوم وفاتها. وبالرغم من علمه بحقيقة ما فعلته بماضيها إلا أن ذلك لم يتسبب في زعزعة حبه لها، وحافظ على ذكرياتهما سويًا ولم يجعل أي شيء ينال منها.
بعد انتهاء معاملتهما في المطار وجدا رجلًا يحمل لافتة صغيرة كتب عليها بالعربية والفرنسية "السيد آدم جوزيف". فرفع آدم يده باسمًا وصاح بتهليل: –ده جاي عشاني أنا يا عماد، أكيد جاي من قصر النعماني. سعادته البادية على وجهه وصيحته المتهللة، جعلت بعض الأفراد الذين جاءوا من أجل استقبال العائدين من الخارج، ينظرون إليه وهم يضحكون، كمن وجد كنزًا وصار يهلل إعرابًا عن سعادته. جذبه عماد من مرفقه وهو يهتف به:
–اهدى يا آدم الناس بتتفرج عليا، كويس أن محدش أخد باله منك وعرف أنت مين كانت هتبقى فضيحة على السوشيال ميديا. ما أن سمع آدم قول صديقه، مد يده على الفور يتحسس نظارته الشمسية والقبعة الموضوعة على رأسه، كونه حرص على أن تكون عودته للإسكندرية تلك المرة بنطاق السرية، وحتى لا تثار الأقاويل والشكوك حوله. بهدوء اقترب من الرجل الحامل اللافتة، والذي لم يكن إلا أحد رجال رياض النعماني المخلصين، فهتف به آدم بصوت خافت:
–أنا آدم جوزيف. أحنى الرجل رأسه قائلًا باحترام وهو يشير إليه بأن يرافقه: –أهلًا آدم بيه، اتفضل معايا، رياض باشا بعتني عشان أوصلك لحد عنده في قصر النعماني. رافقه حتى السيارة السوداء الفارهة، والتي تم صفها بالخارج، فأسرع الرجل بفتح باب السيارة ودعاهما لصعودها. وما أن انتهى من وضع حقائبهما وأغراضهما وتأكد من أخذهما لأماكنهما، جلس خلف المقود، ليقود السيارة ويصل بهما لمنزل سيده.
انتبه آدم على شرود عماد وأنه يتحاشى النظر إليه وأكتفى بأن يراقب الطريق من نافذة السيارة. فحمحم آدم قائلًا بلهجة المعتذر: –عماد أنت زعلان مني؟ التفت إليه صديقه وعاتبه بعينيه قبل لسانه، وما لبث أن قال بضيق: –أنت مش شايف دي حاجة تزعل؟ يعني إحنا أصحاب العمر ده كله وتخبّي عليا حاجة زي دي؟ زفر آدم زفرات متتالية ووضع يده على عيناه وضغط على كلتيهما كأنه شعر بألم مفاجئ بهما، فرد قائلًا بتيه:
–صدقني أنا لحد دلوقتي مش مصدق اللي بيحصل، أو أن أنا فعلًا زي ما ماما قالت لي إن ابن عاصم النعماني، ومقدرتش أقول لحد، لأن في البداية كنت ناوي أنسى الموضوع كأني معرفتش. رمقه عماد وهو يقول بحذر وصوت خفيض خشية سماع السائق لهما: –طب إيه اللي خلاك دلوقتي وافقت تيجي تقابل اللي بتقول عليه والدك؟ أوعى يا آدم تكون رجعت عشانها، دي دلوقتي المفروض مرات عمك وهنا مجتمع شرقي، أنت فاهمني؟
حرك آدم رأسه بيأس، وأراد تغيير دفة الحديث، فصاح قائلًا وهو يشير بيده لذلك القصر المنيف، الذي بدا على بعد عدة أمتار: –شفت قصر بالجمال ده قبل كده؟ أثنى عماد على رُقي القصر، كأنه تحفة معمارية رائعة الجمال تم بناؤها لتناسب أحد الملوك من تلك العصور الذهبية. وما أن وصلوا للباب الداخلي، ترجل آدم من السيارة وتبعه صديقه.
ضيقت ساندرا عينيها وهي واقفة في شرفة غرفتها بعدما رأت هذين الزائرين، واللذين لا تعلم أي شيء بشأنهما، إلا أنها غمغمت بدهشة وتعجب ما أن دقدقت النظر في وجه آدم: –مش ده آدم جوزيف؟ بيعمل إيه هنا وجاي ليه؟ وجدا آدم وعماد الباب مفتوحًا على مصراعيه وإثنتان من الخادمات تبتسمان لهما وتشيران إليهما بالدخول، ومن ثم اصطحبهما رجلان آخران حتى وصلا لمجلس رياض النعماني.
طافت نظرات آدم في الجالسين، وكأن تم جمع أفراد العائلة لاستقباله هو وصديقه. ورغم التوتر الذي بدأ بإرسال ذبذبات بمعدته، جعلته يشعر بتقلصات من تلك الرهبة التي تملكت ما أن وجد نفسه وجهًا لوجه مع عائلة والده الحقيقي. ولكن ذلك لم يمنعه من أن يرفع يده قائلًا بابتسامة: –السلام عليكم.
طوال طريقه كان يبحث عن تحية ملائمة يلقيها عليهم، وما أن علم أن تلك هي التحية الخاصة بهم، ظل يرددها حتى لا يخطئ في نطقها أثناء إلقائها على مسامعهم. رد رياض تحيته قائلًا برصانة كعادته: –وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا بك منور البيت يا آدم.
لم ينبس أحد غيره ببنت شفة، ولم يفعلوا شيئًا سوى أن راح كل منهم يحدق به ليرى وجه التشابه بينه وبين عاصم. فأخفض آدم يده وقضم شفتيه من استقبالهم الفاتر له، ورغمًا عنه راحت عيناه تبحث عنها، لعلها هي تساهم بتخفيف حدة التوتر السائد بالمكان على الرغم من أن لا أحد منهم أظهر له مظاهر الرفض أو العداء. رفع رياض يده وأشار إليه بالاقتراب والجلوس بجواره وهو يقول بهدوء وابتسامة: –تعال يا آدم اقعد.
جلس آدم على يمينه وضم كفيه وراح يفركهما بتوتر وينظر لأباه بطرف عينيه. فمنذ أن وطأ المنزل بقدميه، لم يظهر له أي رد فعل سوى أنه جالس يحدق به باندهاش. قطع عليه رياض أفكاره إذ بدأ الحديث معه حول ما ادعاه من كونه ينتمي لتلك العائلة، فأخبره آدم بكل ما علمه من والدته وسبق وأخبر به حياء. وظل رياض يتجاذب معه أطراف الحديث ويستمع إليهما باقي أفراد العائلة. وانتهى المطاف بالحديث إلى ضرورة إجراء DNA للتأكد من نسب آدم لعاصم.
رأى حياء قادمة ومالبثت أن قالت بابتسامة صافية: –حمد الله على السلامة. انتفض آدم من مكانه قائلًا بتهليل: –الله يسلمك يا حياء، كنت لسه هسأل عليكي.
انتفاضه من مكانه بتلك الطريقة، وتلك السعادة التي ملأت وجهه، جعلا راسل يوزع نظراته بينهما، وهو يتساءل عن سر معرفتها به والتي رفضت هي سابقًا إخباره عن كيفية تم التعارف بينهما. ولكنه لم يكن ذلك الرجل، الذي يرى شابًا حتى وإن كان بصدد معرفته أنه سيكون فردًا جديدًا بعائلته أن يبدي سعادته لرؤية زوجته ويتحدث معها بتلك الأريحية. ترك راسل مقعده، قائلًا بامتعاض: –وأنت تسأل عليها بتاع إيه إن شاء الله؟ –أنت تبقى جوزها؟
تبقى زي ما بتقولوا عمي راسل؟ تساءل آدم بعفوية، فطارت صواب راسل من مناداته له بلقب العم، وهم لم يتأكدوا بعد من صدق قوله. حدق به راسل بتقييم ورد قائلًا بسخرية: –أه أنا هبقى عمك يا ننوس دا لو أنت فعلًا طلعت ابن عاصم، بس متبقاش تقول لي يا عمي، مبحبهاش الكلمة دي، قول لي يا راسل.
لا يمكن أن يتصور أحد من الجالسين، كم تشعر حياء بالانتشاء من محاولات آدم العفوية بإزعاج زوجها البارد. فلو كانت بمفردها لقفزت فرحًا وصفقت بيديها على أن رأت بوادر خروج زوجها عن طوره. ورغم ذلك ظلت محافظة على رباطة جأشها وابتسامتها الأنيقة. ورغبةً في سكب المزيد من مواد الاشتعال على نيران زوجها، إذ قالت وهي تدعي البراءة:
–آدم معلش، هو بالرغم من أن فرق السن بينكم ييجي حوالي 13 سنة بس راسل زي ما أنت شايف كده سبور أوي في تعامله مع اللي حواليه، حتى ميس بنت أخوه بتقول له يا راسل، فعايزك تبقى زيها وتناديه باسمه. آدم رأسه وهو يقول بهدوء: –تمام يا حياء، وأنت برضه هقولك يا حياء، عشان أنتِ مراته. وقف راسل بالمنتصف بينهما قائلًا بسماجة: –لا أبقى قولها طنط حياء يا حبيبي. فهم آدم تلميح راسل له من فوره، فرد قائلًا بدهاء:
–بس دي هي أصغر مني، أه هي المفروض مرات عمي، بس ده ميمنعش أن أناديها باسمها. كأنها مسرحية بين ثلاثة أشخاص، يؤدي كل منهم دوره، في حين أن باقي الأفراد جالسون يشاهدون ما يفعل هؤلاء الثلاثة، والذين اتخذ الحديث بينهم منحنى آخر، كأنه تمهيد لبدء مشاجرة بين رجل وشاب يحاول كل منهما وضع قواعده وقوانينه ليلتزم الآخر بها، تفاديًا لحدوث مشاكل في المستقبل.
ولكن رغبة رياض في فض ذلك النقاش والذي يبدو عليه أنه لن يفضي بالنهاية إلا بمزيد من السخط والسخرية من جانب راسل، جعلته ينقر الأرض بعصاه لعله يستقطب سمعهم وبصرهم. فحمحم بصوت رخيم يتماشى مع هيبته المتوارثة من أسلافه: –آدم اتفضل اقعد وسيب مسألة الألقاب دي لبعدين، أو ممكن أنك تطلع الأوضة اللي خلتهم يجهزوهالك عشان ترتاح شوية قبل العشا، أكيد أنت مرهق من السفر، وصاحبك كمان يرتاح.
فمنذ وصولهما كان عماد جالسًا بصمت يتابع الحديث بين أفراد العائلة، والذي اقتصر على ثلاثة منهم في حين أن ظل الباقين جالسين بصمت مطبق كأنهم تماثيل من الشمع. فما أن سمع قول كبير تلك العائلة، أسرع بترك مكانه واقترب من آدم يجذبه من ذراعه بعد مجيء الخادمة التي سترافقهما إلى الطابق الثاني حيث سيمكثان.
وما أن اختفيا آدم وصديقه بأعلى الدرج، واطمأن الجميع أنه لن يكون بإمكانهما سماع ما سيدور بينهما من حديث خاص بأن يقول كل منهم ما شعره تجاه ذلك الشاب الذي زعم بأنه يحمل دماء عائلة النعماني. فكان أول من بادر بقول رأيه هي سوزانا التي قالت بإعجاب لم تستطع نبرة صوتها الرقيقة إنكاره: –ما شاء الله شاب وسيم وكاريزما، ياريت فعلًا يطلع ابنك يا عاصم.
ما أن تفوهت سوزانا بأمنيتها وليدة اللحظة، حتى حدقت بها غزل بقوة كأنها تستنكر قولها، ولكنها لم تفوّه بكلمة، بل هبت واقفة وتركت مجلسهم وهرعت تجاه غرفتها. نظر عاصم لشقيقته بيأس ووضع وجهه بين يديه مغمغمًا بما يشبه الإرهاق: –يعني كان لازم تقولي كده يا سوزانا قدام غزل؟ نقرت سوزانا بأصابعها على طرف مقعدها وردت قائلة بهدوء يناسبها كثيرًا:
–أنا مكنتش أقصد حاجة يا عاصم، الكلام طلع مني كده عادي، ومتنكرش أنك أنت كمان نفسك أنه يطلع ابنك. طغى التوتر على تلك الجلسة التي راح كل فرد يعبر عن رأيه سواء مؤيدًا أو معارضًا، حتى هتف رياض بعبارته التي كانت الفيصل لفض تلك النقاشات الجانبية منهم: –على العموم بكرة هنعرف إذا كان آدم فعلًا ابن عاصم ولا لأ. ولو أن عرفت إنه فعلًا ابنك يا عاصم، حتى من قبل ما نعمل تحليل إثبات النسب.
رفع عاصم رأسه ونظر لعمه مطولًا، تحمل تعبيرات وجهه السؤال عن كيف صار متيقنًا هكذا من أن آدم ابنه، فما كان من رياض سوى أنه ابتسم قائلًا بهدوء: –لو ركزت فيه هتشوف نفسك فيه لما أنت كنت لسه في سنه يا عاصم، دا غير الشامة اللي في دراعه الشمال زي اللي موجودة عندك في نفس المكان. بس الظاهر محدش منكم أخد باله منها.
ارتفعا حاجبا راسل دلالة على تعجبه من قوة ملاحظة والده، كأنه ما زال كما هو يستطيع التدقيق بكل الأمور الصغيرة منها قبل الكبيرة، وربما هذا سر تميزه ودليل حنكته وحكمته وذكائه الحاد والذي شهد له بذلك كل من يعرفه حق المعرفة. ولكن لم يكن هذا ما أثار اهتمامه وانتباهه فقط، بل تبادل الحديث بين ذلك الشاب وزوجته لم يثر به سوى الامتعاض والاستياء والغيرة، التي عصفت به ما أن رآهما يتحدثان كصديقين يعرفان بعضهما البعض منذ سنوات، في حين أنه الآن لا يلاقي منها سوى الجفاء، ولكنه يعلم أنه الملام بكل ما يحدث.
***
ما أن انتهى آدم من الاغتسال وخرج من المرحاض، سمع صوت طرقات على باب الغرفة، فأسرع بفتح الباب وهو يجفف رأسه بالمنشفة، فابتسم ما أن وجد الطارق لم يكن أحد سوى عاصم، والذي استأذنه في الدخول، لرغبته في أن يتحدث معه قبل العشاء، فهو لم تسنح له الفرصة للحديث معه، إذ لم يكن تخلص نهائيًا من شعور الدهشة والصدمة وهو يرى بعد مرور تلك السنوات الطوال، نتيجة لتلك الخطيئة التي لم يفعلها بإرادة منه، بل أنه لا يتذكر ما حدث بليلتها سوى رد فعل غزل بعد اقتحام الغرفة ووجدته هو وتلك المرأة بفراش واحد.
أشار آدم إليه بالدخول وهو يقول برنة صوت مليئة بالحماس: –اتفضل. ولج عاصم الغرفة وجلس على تلك الأريكة المواجهة للفراش، فضم كفيه قائلًا بهدوء:
–طبعًا الموقف اللي إحنا الاتنين فيه غريب شوية، المفروض إن إحنا أب وابنه محدش فيهم كان يعرف التاني طول السنين دي كلها. بس دلوقتي الوضع مختلف ولسه هياخد شكل تاني بعد ما نعمل تحليل DNA. ولو أنت فعلًا طلعت ابني مش هكذب عليك وأقولك إن مش هبقى مبسوط وخصوصًا أنا لحد دلوقتي ربنا مرزقنيش بأطفال، بس عايز أقولك برضه أن غزل مراتي دي حب عمري كله، واتمنيت أن أولادي كلهم يكونوا منها، بس لو ربنا رايد إنك تكون ابني، فأنت هتبقى آدم عاصم النعماني وهيبقالك حق في اسمي وفلوسي وكل ما أملك، بس هطلب منك طلب، أنك متزعلش من غزل، لأنها مش هتقبلك بسهولة.
هز آدم رأسه موافقًا على أبداه عاصم من نصائح له، فرد قائلًا بهدوء: –تمام، وأنا مش حابب أسبب لك مشاكل، ولو فعلًا طلعت ابنك ولو مش عايزني أقعد هنا، أنا هرجع فرنسا، بس اسمح لي إن آجي أزورك أو أنت تيجي تزورني وبكده أكون بعيد عن مراتك عشان متضايقش. نهض عاصم عن الأريكة واقترب منه رابتًا على كتفه قائلًا برفق: –متفكرش في الموضوع ده دلوقتي، هسيبك تجهز عشان العشا.
نهض آدم هو الآخر، فكان قريبًا من عاصم إلى ذلك الحد، الذي أغرته نفسه المشتاقة للشعور بحنان الأب بأن يلقي بنفسه بين ذراعيه، ويحصل على عناق الأب والابن الأول في حياته، وربما بتلك اللحظة تحالفت أمنياته مع أمنيات عاصم، فلم يتردد بجذبه له والربت على ظهره بحنان، فرفع آدم ذراعيه وربت على ظهر عاصم، وابتسامته تزداد اتساعًا، من شعوره بذلك الود من ذلك الرجل المفترض أنه والده.
بعد مرور بضع ساعات وعندما حان وقت العشاء، وجلس الجميع حول المائدة الطويلة، كانت ميس هي أول من بادرت بجذب أطراف الحديث مع آدم، فرمقته بابتسامة ودية وتساءلت: –هو أنت دارس إيه يا آدم غير أنك مغني؟ بادلها آدم ابتسامتها بابتسامة أشد حلاوة ورد قائلًا بحماس غير معهود: –أنا معايا شهادة في الهندسة المعمارية، بس طبعًا مش بشتغل مهندس حاليًا، أنا مغني بس. رفع راسل شفته العليا قائلًا بسخرية: –وهو أنت كل طموحك تبقى مغني وخلاص؟
لم تشأ حياء أن تجعل فرصة جديدة تهرب منها بأن تجعل دماء زوجها تصل لدرجة الغليان، فوضعت الملعقة من يدها واستندت بمرفقيها على حافة الطاولة وأسندت ذقنها لكفيها المضمومين قائلة بمكر: –الصراحة آدم في الغناء وعزف الجيتار ممتاز جدًا، من أجمل الأصوات اللي سمعتها. حسنًا...
فهي يبدو عليها التصميم الكامل بأن تصل به لأقصى درجات الغضب من مديحها المستمر بآدم، ولا تعلم أن كل كلمة تتفوه بها تجعله راغبًا في أن يقبض على فكها ليخرسها عن الكلام، فأن تمدح غيره ولم تعد تبالي به؛ لهو شعور مميت، وربما علم الآن كيف كانت تشعر بالسوء من محادثته لساندرا وأنه كان متصنعًا اللامبالاة تجاهها، فهو لا يلومها ولا يمكن أن يضع عليها أحد اللوم بأنها تحاول الثأر لكبريائها الجريح من أفعاله معها.
فتلك النيران التي نشبت بداخله من علمه بأن ديفيد كان سيمكث معهم بالمنزل، لا توازي أو تعادل ذلك الشعور بالاحتراق الذي يشعر به الآن من أن ذلك الشاب سيقيم معهم في القصر، فالكل على علم ودراية بأي مشاعر مكنونة لدى راسل تجاه عاصم وشقيقته سوزانا، فما بالهم الآن وهو يرى شابًا يحمل دماء عاصم وليس هذا فقط ولكن يبدو عليه متبجحًا في التفكه والمزاح مع الجالسين على الرغم من أنه لم يتجاوز الحدود المتعارف عليها من أن يكون مهذبًا ولطيفًا بحديثه معهم، وأن لا يبادر بالتصرف على أنه أحد ملاك ذلك القصر قبل أن يتيقن من ذلك الأمر.
–اللهم طولك يا روح. غمغم بها راسل بصوت منخفض وهو ما زال مستمعًا للحديث الدائر بين الجالسين حول مائدة الطعام، فتمنى أن تنتهي تلك الجلسة العقابية، قبل أن يقدم هو على ارتكاب فعل أحمق يتنافى مع هيبته وبروده المعتاد. بعد انتهاء جلستهم بغرفة المعيشة، ودقت الساعة الحادية عشر تقريبًا، أصدر رياض أمرًا لطيفًا وهو يقول بصوته الرصين:
–اتفضلوا كلكم عشان تناموا وترتاحوا، وأنت كمان يا آدم عشان الصبح هتروح مع عاصم مستشفى راسل عشان تعملوا تحليل DNA.
انقضت الليلة بعدما كان وصل راسل لحافة صبره، ونفذت طاقته على احتمال سماع الحديث الدائر بين أفراد العائلة، ومما زاد بامتعاضه رؤية تلك الابتسامات والوجوه التي تشع بالبهجة في تلك الجلسة التي تندروا بها حول عدة أمور، متحاشين ذكر السبب الأساسي لاجتماعهم، ولكن أقر بقراره نفسه أن آدم لديه حضور طاغٍ، وإلا ما كان استطاع جعل الجميع يتناوبون على سؤاله عن أي أمر يخص حياته الشخصية أو الخاصة بشهرته كمطرب لديه العديد والعديد من المعجبين والمعجبات.
ما أن وطأ الغرفة بقدميه صفق باب غرفته خلفه بقوة، وبالحقيقة هو لم يلج لغرفته إلا بعدما تأكد أن آدم خلد للنوم بتلك الغرفة القريبة من غرفته، كأن لم يكن يكفيه أن من الممكن أن يصبح أحد ساكني القصر حتى يسكن إحدى الغرف القريبة منه، ولكن جفاه النوم وظل ليله بأكمله مسهدًا متنقلًا من الغرفة للشرفة وظل فراشه مرتبًا كما هو، أي منذ عملت إحدى الخادمات على ترتيبه بصباح ذلك اليوم الذي شعر أنه لن ينتهي.
ولكن واتته رغبة ملحة بأن يرى حياء ولن يكون هناك ضير من أن تسمح له بالمبيت لديها الليلة، فهو يريد أن يتحدث معها وحسب، ولكنه لم يستطع فعل ذلك لعلمه بأن زوجته ربما اتخذت احتياطاتها اللازمة لتضمن عدم اقتحامه لغرفتها.
انبلج الصباح، وبعد انتهائه من روتينه اليومي، خرج من الغرفة يشعر بنشاط خلاف لذلك الإرهاق والذي لابد أن يشعر به نتيجة عدم خلوده للنوم بالأمس، ولكنه معتاد على ذلك الأمر منذ سنوات، وحمد الله أنه اليوم لن يكون لديه جراحات عاجلة، حتى إذا حدث ذلك سيجعل أي طبيب آخر يلج لغرفة الجراحة نيابة عنه، فهو لا يستطيع المخاطرة بحياة المرضى إذا لج لغرفة الجراحة ولم يكن بكامل طاقته ووعيه المطلوب.
لدهشته وجدهم انتهوا من تناول الإفطار ووجد عاصم وآدم على أهبة الاستعداد لمرافقته إلى مشفاه، ولكنه تجاهلهما عمداً وجلس على المائدة التي لم تبدأ الخادمات بتنظيفها وحمل أطباق الطعام والذهاب بها للمطبخ. رمقهما بنظرة مطولة ولكن قال ببراءة وهو يضع قطعة من الجبن بفمه يمضغها ببطء: –أعذروني بس لازم آكل قبل ما أخرج، مينفعش أروح المستشفى على لحم بطني. بادر آدم بالرد قائلًا بابتسامة عفوية: –براحتك يا راسل، إحنا هنستناك.
ما أن ختم عبارته لراسل نظر لعاصم ومازالت ابتسامته تزين محياه الوسيم، فابتسم له عاصم ابتسامة متوترة نابعة من شعوره بالامتعاض لعلمه بأن أفعال راسل ناتجة عن محاولته لإغاظته، وكأنهما لن يلتقيا بنقطة تفاهم أبدًا، فإن كان فشل بفعل ذلك مع أباه، هل يظن أن الأمر معه سيكون مختلفًا؟
بعد نجاح راسل بأن يجعل مخزون صبر عاصم ينفذ نهض من مقعده وأخبرهما بأنه على استعداد لمرافقتهما، فذهبوا ثلاثتهم للمشفى، ومن ثم بدأ راسل بالإشراف على إجراء اللازم لإثبات النسب. وبعد انتهائهم نظر راسل لآدم نظرة عابرة وقال ببرود: –أول النتيجة ما تظهر هجيب لكم التقرير على البيت، فدلوقتي ممكن تتفضلوا تروحوا. –شكرًا يا دكتور راسل.
نطق بها عاصم بلهجة طفيفة من السخرية، فلا أحد يعلم كيف يصبح الأمر بينهما عندما يبدأ ابن عمه بمضايقته، ولكن نظرًا لوجود آدم والذي لم يريد له أن يطلع على خفايا المشاعر بينه وبين راسل المتسمة دائمًا بالبرود والنفور، أخذه وخرج من إحدى غرف المشفى، قبل أن تبدأ مشادة كلامية بينهما.
في مساء اليوم التالي، عاد راسل للمنزل وهو يحمل التقرير الطبي الخاص باختبار إثبات النسب، وكأن كان الجميع بانتظاره في غرفة المعيشة، فبعد أن ألقى عليهم التحية، اقترب من عاصم قائلًا وهو رافعًا التقرير أمام عينيه: –التحليل أثبت أن آدم فعلًا ابنك.
وكأن بعبارته تلك أشعل فتيل إحدى القنابل أو المفرقعات، فحتى تلك اللحظة كانت غزل تأمل بأن كل ذلك ما هو إلا وهم وادعاء من ذلك الشاب، ولكن هدم راسل أمانيها، فلم تمنع نفسها من أن تشهق بصوت مسموع وعيناها دامعتان ولم تكتفِ بذلك بل فرت هاربة من غرفة المعيشة لتلتجأ لغرفتها لعلها تستطيع البكاء والنواح بحرية، فتبعها عاصم للغرفة وجدها تجلس على المقعد بجوار الفراش دافنة وجهها بين راحتيها وصوت بكائها مسموع له بكل وضوح.
–غزل حبيبتي اهدئي أبوس إيدك كفاية عياط عينيكي الحلوة دبلت من كتر ما عيطتي يا حبيبتي. قالها عاصم وجثى راكعًا على إحدى ركبتيه أمامها، يرمقها بتوسل أن تكف عن بكاءها الذي مزق نياط قلبه فلم تبرح الدمعات عينيها منذ سماعها بشأن أنه من المحتمل أن يكون لديه ابنًا شابًا من امرأة أخرى، حتى وإن كانت تعلم بشأن أنه ليس مذنبًا بذلك الأمر بإرادته الحرة ولكن يكفي أن ترى تلك الخطيئة تمشي على قدمين ومتجسدة بشاب بالغ.
حدقت به غزل مليًا ومن ثم مسحت وجهها وهي تقول بصوت مزقه كثرة نشيجها ولوعتها: –دلوقتي بقى عندك ابن كبير يا عاصم من واحدة غيري، حتى الفرحة دي كمان مكانتش من نصيبي، كان نفسي أكون أنا أم أول أولادك، ويوم ما افتكرت إن أمنيتي دي اتحققت ضاعت فرحتي. لم يفته تلميحها الذي بدا له للوهلة الأولى مبهمًا، ولكن ما أن أمعن التفكير بشق جملتها الأخير، حملق بها فاغرًا فاه قائلًا وهو مشدوهًا: –أنتي تقصدي إيه بكلامك ده يا غزل؟ أنتي...
لم يكمل حديثه فتولت هي تلك المهمة عنه، إذ مسحت وجهها قائلة بصوت استجمعت شجاعتها لكي يخرج متزنًا دون تلك الرجفة التي خلفها بكاؤها: –أيوة يا عاصم أنا حامل. ***
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!