الفصل 16 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل السادس عشر 16 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
16
كلمة
9,990
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

تعجب عمرو من إصرار طبيبه على أن يرجئ إتمام زواجه، وأنه لابد له أن يأخذ وقته كافياً قبل التفكير في الخوض بتلك الحياة الزوجية، والتي يخشى أن يخفق بها منذ البداية. وعلى الرغم من أن الطبيب محق بكل مخاوفه، إلا أن كبرياء عمرو الذي تملكه جعله رافضاً الإنصات لما يقوله، مؤكداً له أن تلك الزيجة ستتم بشكل أو بآخر، وأن سهى ستصير زوجته وهذا مما لا شك فيه، وسيبذل قصارى جهده لتحقيق تلك السعادة التي ينشدها كدواء لندوبه الغائرة في روحه البائسة.

فصار كمن ظل حبيساً وقتاً طويلاً في نفق ضيق مظلم، وما أن وجد قبساً من نور ركض لاهثاً خلفه دون التروي بأن ربما ذلك النور سيتسبب في إيذاءه دون أن يدري. فدائماً للبدايات بريق لامع يجذب النفس الظمأنة لأي بارقة أمل، ولكن يبقى الندم والمرارة في الأخير، خاصة أن تم تشكيل طفولة عمرو وفق معايير خالية من الأمان والسلام النفسي، اللذان كانا من المفترض أن ينعم بهما وهو طفل صغير لم يكن يعلم شيئاً عن عالم الكبار المحفوف ببعض المحظورات، والتي تم جره إليها رغماً عنه ودون إرادته وهو في سن مبكر.

ارتسمت معالم الدهشة على وجه عمرو من إصرار الطبيب على رفضه الذي رآه متعنتاً به، فأشاح بوجهه عنه زافراً أنفاسه بضيق، وسرعان ما قال وهو يشير له بالانصراف: "أظن الجلسة كده خلصت، ممكن حضرتك تتفضل مع السلامة."

لم يكن الطبيب لينفعل بسبب صرفه له هكذا، فمهنته تحتم عليه اتباع الحلم والرشد في التعامل مع مرضاه، وربما كان عمرو أكثرهم أهمية لديه. ونبع ذلك الاهتمام لديه من أنه لم يواجه حالة كحالته من قبل، وهو أن يقوم بمعالجة شاب من سلوكه غير السوي، حتى إن كان ذلك الأمر بدأ بالظهور في بعض المجتمعات الشرقية، إلا أن هناك بعض التقاليد التي تحكم ذلك المجتمع الذي يعيشون فيه. خلع الطبيب نظارته ووضعها في جيب سترته ورد قائلاً بهدوء كعادته:

"عمر المشكلة ما بتتحل طول ما أنت بتحاول تهرب منها يا عمرو، وأنا بكلمك لمصلحتك. وأنا لو كنت شايف أن مصلحتك تتجوز حالياً أكيد مكنتش هقولك الكلام ده، أنا دكتورك وأدرى واحد بحالتك وظروفك. أنت عامل زي واحد كان قاعد بقاله سنين على كرسي متحرك ولما جتله الفرصة يقف على رجليه، بقى عايز يجري مش يمشي خطوة خطوة في الأول، وهو مش عارف أن تسرعه ده ممكن يخليه يقع تاني."

أولاه عمرو ظهره ورد قائلاً بعدم اقتناع لمحاولاته المتكررة في إقناعه بالتروي في التفكير بشأن زواجه: "وأنا برضه أدرى بنفسي ومصلحتي يا دكتور." انحنى الطبيب ولملم أغراضه قائلاً بعتاب: "أنت دماغك ناشفة، بس صدقني ممكن تندم. أنا هسيبك دلوقتي وأتمنى الجلسة الجاية تكون أهدى من كده، وياريت تفكر في كلامي."

دون أن يكلف نفسه عناء وداع طبيبه، كان يتجه صوب أحد أدراج مكتبه الخشبي وأخرج منه تلك الأوراق التي مفاداها أن سهى ستصبح مالكة لنصف أملاكه ما أن يتم عقد قرانهما.

أخذ الأوراق وخرج من المكتب ووصل لسيارته وهو بنيته الذهاب لزيارتها كما تم الاتفاق بينهما. وصل لمنزل عروسه يحمل الهدايا والورود، ويحمل في قلبه أيضاً شعورين متغايرين يتنازع كل منهما في السيطرة عليه. إلا أنه نفض ذلك عن عقله ما أن رأى زوجة والد خطيبته تفتح له الباب وهي باسمة تدعوه للدخول، فناولها ما يحمله بين يديه وولج لغرفة المعيشة، ينتظر مجيء والد سهى ومجيئها هي أيضاً.

ولم يكد يمر خمس دقائق حتى وجد سهى تلج الغرفة باستحياء وخجل لم يرى منهما سوى لمحة خاطفة اليوم وهو من دام معرفته لها أكثر من عامين. "منورة." هتفت بها سهى وهي تجلس على أحد المقاعد البعيدة عن تلك الأريكة الجالس عليها، وفتحت ذراعيها لشقيقها الصغير الذي اقتحم الغرفة صائحاً بسعادة يناديها قبل أن يهم عمرو بالرد على تحيتها، التي اقتصرت على كلمة واحدة.

أجلست شقيقها على ساقيها ولفت ذراعيها حوله، فيما كان ظهر الصغير يستند إليها بوداعة. ابتسم لهما عمرو قائلاً بمداعبة للصغير: "مفيش أزيك يا عمو عمرو ولا أنت بخيل زي أختك؟ شهقت سهى بصوت منخفض بينما ضيقت عينيها ورمقته بنظرة محذرة من أن يسهب في طرائفه، والتي ستنهال نتائجها عليه بما لا يريده، فرفع يديه باستسلام مستطرداً: "أنا بهزر بس، بلاش نظرة ريا وسكينة دي، كأنك هتقومي تكتمي نفسي كمان شوية."

وضعت يدها على فمها لتقمع صوت ضحكتها وهي تتخيل نفسها تعمل على سلبه أنفاسه، كساحفة تهوى القتل من أجل المال. إلا أنها عادت لرزانتها وملامحها الجادة والصارمة ما أن رأت أباها على وشك الدخول لغرفة المعيشة. فبعد أن تبادل معه عمرو المصافحة وعبارات التحية والترحيب، نظر والدها إليها قائلاً بأمر لطيف: "سهى قولي لماما تحضر العشا علشان عمرو يتعشى معانا النهاردة." إلا أن عمرو رد قائلاً برفض لطيف: "معلش يا عمي متتعبوش نفسكم."

وضعت سهى شقيقها أرضاً وهبت واقفة وهي تقول دون أن تنظر إليه، ولكن فضح صوتها ما تشعر به من خجل: "ده أنا اللي عاملة الأكل بإيدي النهاردة، علشان تقولي بعرف أطبخ ولا لأ." حاجباه المرتفعان بدهشة لم يكونا كافيين للتعبير عن دهشته مما سمعه من لطف حديثها، والذي لم ير منه إلا اليسير بمحادثات هاتفية قصيرة، لم تكن تغني ولا تسمن من جوع، ولكنها كانت كافية بالنسبة له في أن يبدأ في ترسيخ أولى دعائم التفاهم المتبادل بينهما.

فما كان من أمره من رفض قبول دعوة العشاء، صار بطيء النسيان، بعد أن أعاد والدها إلحاحه بأن يتناول معهم الطعام. فكانت تلك هي المرة الأولى في حياته تقريباً يجلس وسط دفء عائلي، تدور الأحاديث بينهما بين الجدية والتفكه والتندر والسؤال عن خطط المستقبل. ورغم عدم شعوره بالجوع، إلا أنه لم يترك طعاماً مما قامت زوجة والد سهى بوضعه له في طبقه. ولكن قبل انتهاء العشاء سمعوا صوت الجرس، فقام أحد الصغيرين بفتح الباب.

ضيق عمرو عينيه ما أن أبصر ذلك الزائر، والذي لم يكن أحد سوى ابن عم سهى المدعو "حاتم". ملأه شعور بالضيق العارم لرؤيته، فهما لم ينشأ بينهما سوى عدم قبول أحدهما للآخر، وبدأ الأمر منذ يوم الخطبة. اقترب حاتم من عمه وهو يقول مازحاً: "شكل حماتي هتحبني أوي." رمقه عمه بنظرة عطوفة، ورفع يده داعياً إياه للجلوس وهو يقول بحنان: "أكيد هتحبك، يلا بسم الله معانا." جلس حاتم ونظر لعمرو قائلاً بجفاء: "أزيك يا أستاذ عمرو."

ابتلع عمرو ما في جوفه من الطعام ورد قائلاً بابتسامة صفراء: "الحمد لله تمام، أخبارك إيه أنت يا أستاذ حاتم، منور إسكندرية، أنت لسه واصل من بلدكم ولا إيه." وضع حاتم ملعقة من الأرز في فمه وأجابه برنة صوت متشفية: "هو أنت متعرفش أن خلاص استقريت هنا في إسكندرية من حوالي أسبوعين كده، حتى اشتريت شقة في عمارة في نفس الشارع هنا علشان أكون جمب عمي ما هو من ريحة والدي الله يرحمه."

بهت عمرو مما سمعه منه، فسها لم تأت له على ذكر ذلك. وما أن نظر إليها وجدها تأكل بهدوء، كأن الأمر لا يعنيها. وظل حاتم يتحدث طوال الوقت ويضحك حتى وإن لم يكن هناك ما يستدعي الضحك. ولكن شعر عمرو بأنه لن يحتمل الجلوس معه دقيقة أخرى. فبعد انتهائهم من تناول العشاء انتقل عمرو وسهى لغرفة المعيشة مرة أخرى وتُرك الباب مفتوحاً، حدق بها ملياً ومن ثم سألها بإلحاح وصوته يفضح شعوره بالغيرة: "إنتي ليه مقولتيليش على موضوع ابن عمك ده؟

تجعد جبينها من شعورها بالدهشة لسؤاله اللحوح، فردت قائلة بعفوية: "وأنت إيه اللي يهمك في موضوع حاتم، يعيش هنا يعيش في البلد ولا حتى في المريخ، هو يخصك في إيه، ثم أنا مالي ما يقعد مكان ما هو عايز." ما أن رأت تغير ملامح وجهه من ردها، زفرت بخفوت وعادت مستطردة بهدوء قدر المستطاع:

"أنت عارف أن عمي الله يرحمه اتوفى بعد خطوبتنا بمدة بسيطة ومراته ماتت بعد منه بشهرين تقريباً، وفضل حاتم هناك لحد أخته ما اتجوزت وبعدين قسم الأرض بينه وبين بابا وكل واحد خد نصيبه، وهو قال حابب يعيش هنا لأن البلد من بعد موت باباه ومامته وجواز أخته مبقاش طايق يقعد فيها لوحده، فجه على اسكندرية علشان يبقى جمب عمه وكده يعني، بس هي دي كل الحكاية، وأنا مقولتكش لأن مش شايفة إن الموضوع مهم أوي يعني."

حاول تغيير دفة الحديث، خاصة أنه بدأ يشعر بالاستياء من أنها لا تبالي بالأمر، في حين أنه شعر بأن مجيء حاتم للسكن قريباً منهم ينطوي على شيء، من المؤكد أنه سيكون غير سار بالنسبة له. وضع يده في جيب سترته وأخرج منها ورقتان مطويتان بعناية، فبعد تأكده من أن بإمكانها أن تأخذ الورق منه، مد يده لها بهما وهو يقول بجدية: "سهى ده ورق التنازل عن نص ثروتي ليكي زي ما قولتلك قبل كده، خديه واقريه وشوفيه."

بللت سهى شفتيها بطرف لسانها بعدما عملت على ضمهما بقوة، كأنها تمنح نفسها الوقت الكافي لصياغة حديثها والذي تخشى أنه يترك في نفسه أثرًا سيئًا، لكونها ترى أن ذلك المال ربما حصل عليه بطرق غير مشروعة. نظرت للباب لتأكدها أن لا أحد يتلصص على جلستهما ومن ثم قالت بحذر: "عمرو الفلوس دي مقدرش آخدها وخصوصاً إن يعنى متأخذنيش أكيد هي فيها فلوس حرام، متنساش أن أول ما عرفتك كنت شغال في عصابة."

لفحه جوابها على ما قاله كلفحة هواء ساخن ألهب وجهه حتى كاد يشعر باحتراقه الوشيك، فرغم عدوله عن سلوكياته السيئة، إلا أنه لم يفكر بشأن ذلك الثراء الذي ينعم به، وأن أبيه الراحل جمع ماله من الإتجار في المخدرات والأعمال المشبوهة تحت إمرة أدريانو، وعلق الأمر أنه لم يكن مذنبًا بذلك، بل حصل على النقود كإرث طبيعي من والده.

حدق بالورقتان ومن ثم حملق في وجهها فاغرًا فاه دلالة على شعوره الطفيف بالدهشة والتعجب من رفضها وصراحتها، فأخفض وجهه قليلاً عنها متسائلاً: "يعني إنتي مش موافقة؟ هزت سهى رأسها رافضة قبول ذلك المال، وفركت يديها قائلة باعتذار لبق:

"لأ مش موافقة وياريت تحاول تخلص من أي شبهة في فلوسك لأن الحرام مبيجبش لصاحبه إلا الخراب والدمار، وإن كنا هنتجاور ونعيش مع بعض فأنا مش حابة أعيش من مال حرام يا عمرو وأنت فاهمني، عايزة جوزي يصرف عليا بفلوسه اللي كسبها بالحلال، وأنت بإمكانك تعمل كدا طالما قولت أنك خلاص بقيت إنسان تاني وتبدأ صفحة جديدة يبقى تحاول تتخلص من أي حاجة ارتبطت بالماضي."

أنصت لكل حرف منها بعناية ودقة، حتى أنه لم يحاول مقاطعتها أثناء حديثها بل تركها تقول كل ما لديها، لعله يشعر بصدق اهتمامها بأن يبدأن حياتهما الزوجية من منطلق التفاهم فيما بينهما.

وأن كل منهما يبدي حسن نواياه تجاه الآخر، ولم يحاول الإنكار أن حديثها بعث في نفسه الطمأنينة والسكينة، من أن سهى ستساهم باجتيازه اختباراته، التي لن تقف عند كونه برأ من سلوكه السيء أو أنه صار رجلاً مسئولاً، فالحياة لن تنفك عن وضعه باختبارات عدة وسيكون عليه اجتيازها، لذلك وعدها بأنه سيعمل جاهداً على العمل بنصيحتها والتخلص مما يراه يحمل شبهة المال الحرام، حتى وإن كان بذلك لن يحتفظ إلا بذلك المال الذي اكتسبه بالأونة الأخيرة من عمله المشروع.

وبعد انتهائهما من حديثهما، اكتسب وجهها ملامح الخجل الشديد عندما سمعته يستأذن أباها في أن يخرجوا جميعهم من أجل شراء ثوب الزفاف واختيار الفندق الذي ترغب في أن يقام به حفل عرسهما، على أن يفعلوا ذلك في آخر يوم من اختباراتها الجامعية، والتي أوشكت على الانتهاء، وكأن الوقت أصبح حليفه في أنه ينتهي سريعاً، من أجل مجيء ذلك اليوم، الذي ستصبح فيه سهى زوجته، ويأمل أن تمنحه الراحة النفسية، التي ظل يبحث عنها منذ نعومة أظافره.

تلك هي المرة العاشرة، التي تسمع بها تلك القصة من فم ابنة عمها، ومع ذلك تظل تضحك وتقهقه بصوت عالٍ حتى تدمع عيناها. وربما رغبتها بأن تبتهج نفسها اليائسة من انغماسها بذلك التوتر الذي يشوب علاقتها بزوجها هو ما يجعلها تضحك هكذا، رغم أنها لم تسمع شيئاً جديداً سوى تلك التفاصيل التي قصتها عليها بيرى في المرة الأولى. حتى أن تلك الفتاة التي تعمل على تصفيف شعرها في أحد صالونات التجميل، تعجبت من كونها تضحك هكذا، وهي من اعتادت أن تراها هادئة وصامتة بكل مرة كانت تأتي بها برفقة ابنة عمها.

والتي كانت لا تختلف طباعها كثيراً عنها من حيث الهدوء، ولكن أن تراهما الآن لا تكفان عن الضحك والتندر والدعابات، لشيء يثير الدهشة حقاً. وربما لم تأخذان حريتهما في الضحك هكذا إلا لتأكدهما من أن لا أحد غيرهما بصالون التجميل، فبيرى استأجرته اليوم كاملاً من أجلها وأجل حياء، لتنعمان باهتمام العاملات في المكان، خاصة أن مالكة صالون التجميل، تعلم أن حياء زوجة ابن رياض النعماني، والتي ما أن يعلم أحد بهويتها يتنافسون على تقديم الأفضل لها حتى دون أن تكلف نفسها عناء أن تطلبه.

وضعت حياء حبة فراولة طازجة في فمها وهي تقول باسمة: "ده أنتي طلعتي مصيبة يا بيرى أنا بس كل ما أتخيل اللي أنتي عملتيه مقدرش أمسك نفسي من الضحك، معقولة أنتي يطلع منك كل ده." تمطت بيرى بذراعيها وردت قائلة وهي مغمضة العينين:

"يعني أفضل متعذبة بحبه السنين دي كلها والأخر رايح يخطب ويتجوز، قولت مبدهاش بقى يا يكون ليا يا إما مفيش واحدة تانية تاخده مني، مش المثل بيقولك قبر يلمه ولا غيري تضمه باين، أنا مش عارفة بجيب الكلام ده منين."

ألح عليها الضحك أثناء تناولها الفراولة، فظلت حياء تسعل بشدة حتى دمعت عيناها، وكأنها ستلقى حتفها بعد أن علقت قطع الفاكهة في حلقها، ولكن إسراع إحدى العاملات بإعطائها كوب من الماء، ساعدها بأن تتخلص من تلك الحالة التي بدت عليها وكأنها تنازع للموت. تركت بيرى مقعدها الجلدي الكبير، واقتربت منها بخوف لتطمئن بأنها صارت بخير بعد زوال تلك الحالة، التي آلمت بها، فربتت على كتفها لتسترعي انتباهها قائلة باهتمام بالغ:

"حياء إنتي كويسة." هزت حياء رأسها ولكن لا تعلم لم واتتها رغبة في أن تبكي، ولم تستطع مقاومة رغبتها تلك وحدقت في وجه بيرى وقالت وعيناها تتهيأ لذرف الدموع: "يعني ترضي أنك تعيشي مع واحد كان بيفكر يرتبط بغيرك وأنه مكنش عايزك يا بيرى." فهمت بيرى ما ترمي إليه حياء، فنظرت حولها وأشارت للفتيات بتركهما بمفردهما، على أن يعودوا بعد قليل. وبعد اطمئنانها لذهابهن، سحبت مقعد وجلست قبالتها وأخذت كفي حياء بين راحتيها وقالت بتروي:

"لو ركزتي في الموضوع يا حياء هتعرفي أن الذنب مش واقع على عبد الرحمن وراسل في أن كل واحد فيهم بالرغم من حبه إلا أنه اختار طريق تاني يكمل بيه حياته علشان يبعد عن أي حاجة وجعاه واتسببتله في أذى نفسي، يعني أنا يمكن ذنبي الوحيد إن أنا بنت الراجل اللي أذاه، حتى لو عبد الرحمن عامل نفسه أنه خلاص مبيحبنيش وعايز ينساني، إلا إن عارفة ومتأكدة إن أنا لسه جوا قلبه، بس محتاج وقت ينسى فيه اللي حصل ومش هقولك إن هلاقيه مرحب بجوازنا، وأن إحنا هنعيش حياتنا في تبات ونبات، لاء عارفة أن ممكن أتعب معاه على ما أقدر أرجعه للصورة الأولى اللي خلتني أحبه وأعشقه، حبنا يستاهل علشان نعافر علشانه يا حياء."

ينقصها الكثير من شجاعة وإقدام بيرى، التي عزمت على خوض تلك المغامرة التي لا تأمن الفوز بها أو الخروج ظافرة بذلك العشق، الذي وضعها على أول طريق الخروج من لحدها المغلف بالبرود. ورغم التشابه بينهما من حيث معاناتهما بهذا العشق، والذي يبدو أنه كما وصفته مارجريت ذات مرة بأنه عشق ملعون ولا تأتي ثماره إلا بالندم والحسرة، إلا أن كل منهما تتبع نهجاً مختلفاً عن الأخرى في استرداد عشقها. فبيرى فضلت المواجهة والمصارحة وفرض حبها، وحياء فضلت أن تلقن زوجها درساً لن ينساه طوال عمره قبل أن تفكر في العودة إليه أو الانفصال عنه بصورة نهائية.

تنهدت حياء بصوت مسموع إذ قالت بتفكير وهي تمرر يدها بين خصيلات شعرها الطويل: "حتى لو اللي إنتي بتقوليه ده صح، بس ده ميدهوش الحق في أنه يعملني لعبة في إيده، لازم يعرف أنه زي ما هو اتوجع أنا موجوعة أنا كمان ومش هتنازل عن أن أعرفه أن اللي عمله ده مش هيعدي بالساهل كده، مع إن عارفة راسل جوزي بسلامته مفيش حد في بروده وتصرفاته المستفزة و .....

رفعت طرف إحدى خصيلات شعرها، وضيق عينيها تفكر لما تركته حتى الآن طويلاً هكذا وظلت تحافظ على تلك الصورة التي اعتاد أن يراها بها زوجها؟ فهي تعلم أنه مغرم بدفن وجهه بين طيات شعرها الحريري الطويل، لذلك وبدون أن تتروى بتفكيرها نادت لإحدى العاملات التي جاءتها على وجه السرعة. غرزت حياء يداها بين طيات شعرها وقالت ببرود:

"عايزاكي تقصيلي شعري ده عايزة قصة جديدة، خليه بس يا دوب واصل لحد كتفي مش أكتر من كده، علشان مبقتش حباه يبقى طويل."

شهقت بيرى متأسفة لتضحيتها بقص شعرها، والذي يضفي عليها مظهراً خلاباً، ولكنها لم تستطع مجادلتها، إذ أنها ما أن أصدرت أمرها للفتاة بدأت تباشر عملها، لتتساقط شعيراتها المقصوصة على الأرض. وبعد وقت ليس بالطويل كانت حياء حصلت على تصفيفة شعر جديدة لخصيلاتها الفحمية القصيرة، وباتت كأنها فتاة أخرى عنفوانية المزاج، كأن شعيراتها الطويلة التي تساقطت على الأرض، لم تنس أن تأخذ معها ملامح وجهها، التي كانت تنضح بالبراءة والطفولة دائماً، إذ أن مظهرها الجديد كلياً، صار يوحي بأنها ستتخلى عن سذاجتها، ولن تكون أداة من أجل إرضاء الآخرين.

مطت حياء شفتيها بإعجاب وهي تمرر يدها بين خصيلاتها القصيرة وما لبثت أن قالت باسمة: "كده بقى شكله أحلى كإني شلت هم تقيل من على دماغي."

حاولت إضفاء طابع المرح على حديثها، لعلها تخفف من ذلك الشعور بالندم الذي عاودها من أنها فعلت ذلك بشعرها، فباتت كمن يقدم على فعل شيء ويدركه الندم بوقت لاحق، ولكنها أبت الاعتراف بذلك، مبررة لذاتها أنها رغبت في المقام الأول أن تمحو تلك الآثار، التي اعتاد زوجها أن يراها بها، ولعلمها أيضاً افتتانه بشعرها الطويل، فأرادت أن تجعله يشعر بالسوء مثلما صار هو يتفنن بجعلها تشعر به، كلما تطلعت لوجه الوسيم واللعين.

بإتيانها على تذكر وجهه، نفخت بضيق وكأنها ستظل هكذا تتخبط في حياتها ولن تنال راحتها أبداً. فحركت بيرى رأسها بيأس وقالت وهي تتصفح إحدى مجلات الأزياء: "شيلتي هم من على دماغك ولا جبتي الهم لدماغك، من شعورك أنك ندمانة دلوقتي إنك عملتي كده." أبت حياء الإقرار بصحة قول ابنة عمها فحاولت تغيير دفة الحديث، فنظرت إليها قائلة وهي تقرصها من وجنتها:

"متحاوليش تخليني أحس بالندم ماشي، وخلينا فيكي أنتي، هو عبد الرحمن هييجي فعلاً النهاردة يخطبك ولا هيهرب علشان أبقى عاملة حسابي، لو كده أروح أنام." صفعتها بيرى على ظاهر يدها وردت قائلة بامتعاض: "عايزة تسبيني في وقت زي ده يا جبانة وأنا اللي بقول إن لما ييجوا ويشوفوكي أنك محجبة ويعرفوا إنك بنت عمي يطمنوا شوية، لأن شكل أخته كده مقلقة مني وخصوصاً لما عرفت إن مش مسلمة."

لم تستطع حياء الجزم كلياً أن بيرى وديفيد في المستقبل ربما يعتنقون الإسلام بسهولة، رغم أن بيرى لا تمارس طقوس ولا شعائر الديانة اليهودية، بل تحيا يومها دون محاولة منها للتفكير بشأن عقيدتها. فهذا ما يجعل حياء تأمل أن ذلك ربما سيساهم بجعلها سهلة الانقياد لزوجها إذا رغب في أن يجعلها تعتنق ديانته، ولكن الأمر لم يكن بتلك البساطة بالنسبة لشقيقها ديفيد، نظراً لانغماسه بتلك الأشياء التي يراها مباحة له، بينما الدين الإسلامي ينظر لها على أنها من المحظورات والمحرمات.

بعد خروجهما من صالون التجميل، وصعدت حياء لسيارة بيرى، سمعت رنين هاتفها، ولكنها ظلت تنظر للهاتف بخواء، كون أن من يهاتفها هو زوجها، ولم ترغب في أن تتحدث معه وأن يساهم بتعكير صفو مزاجها، الذي تحاول أن تحافظ عليه رائقاً من أجل ابنة عمها. فبعد مرور ساعتين تقريباً، أعلنت إحدى الخادمات عن مجيء عبد الرحمن وأسرته المألفة من عمه وشقيقته وزوجها. وأصرت حياء على أن تخرج هي وديفيد لمقابلتهم أولاً لحين استدعائهم لبيرى.

وصلت حياء وهي تتأبط ذراع شقيقها ديفيد، الذي لم يجد مانعاً من الموافقة على زواج بيرى ممن اختارته، فمن يكون هو حتى يفرق بينهما، وهو من ذاق لوعة ذلك العشق، ومثلما تمنى أن تنتهي زيجة بيرى على خير، تمنى لو أن يصيبه ذلك الحظ الحسن في أن تصبح معشوقته زوجته يوماً ما. ألقت حياء عليهم التحية وسرعان ما أعلنت عن صلة قرابتها بالعروس، وهذا ما استدعى دهشتهم جميعاً، إلا أن حياء تبسمت وهي تقول برصانة:

"أنا عارفة أن الموضوع غريب شوية بس فعلاً أنا بنت عمها وده أخويا وأنا زي ما انتوا شايفين مسلمة وحتى متجوزة ابن رياض النعماني لو تعرفوه." رد العم قائلاً بابتسامة هادئة: "ومين ميعرفهوش، فرصة سعيدة يا بنتي، وصدقيني إحنا برضه جينا علشان خاطر مرات عبد الرحمن، سواء كانت مسلمة أو لأ."

عقد ديفيد حاجبيه من قول الرجل الوقور، فما معنى قوله "مرات عبد الرحمن"، ونظر لحياء لعلها تكون فهمت شيئاً، ولكنه رآها جاحظة العينين، وقبل أن يسألها عما أصابها، ابتسمت وقالت بارتباك: "آه وهي بيرى مش هتلاقي أحسن من الأستاذ عبد الرحمن وخصوصاً أنهم بيحبوا بعض من زمان."

حاولت بقولها هذا أن توهم شقيقها بأن ما قاله عم العريس، ماهو إلا تقديم نواياه الحسنة، في أن تصير بيرى زوجة لعبد الرحمن، فلا أحد يعلم بما فعلته بيرى غيرها هي ولم ترغبان في إخبار ديفيد بشأن تلك الفضيحة، التي تسببت فيها من أجل أن تصبح له زوجة. ضم ديفيد كفيه وابتسم لعبد الرحمن قائلاً بتهذيب: "منور يا أستاذ عبد الرحمن."

بادله عبد الرحمن ابتسامته بابتسامة خفيفة، فرغم أنه تمنى أن تصبح بيرى زوجته، إلا أنه لم يكن يريد أن يأتي رغماً عنه، فعروسته الجميلة بعد ذلك اليوم الذي ادعت به كونها زوجته وتحمل في أحشائها طفله، وذهابه إلى مكتبها، ورغم أخذها عهداً بأن يتزوجها شرعاً، إلا أنها لم تكف عن زيارة عمه في منزلهم، ترجوه بأن يسرع في إتمام زواجهما، قبل أن تبدأ علامات ودلائل حملها في الظهور، وتصبح منبوذة وسط عائلتها والمجتمع بأكمله. فلا يعلم أي دهاء هذا الذي تملكه ويجعلها تفعل كل ذلك دون خوف أو وجل من انکشاف أمرها.

رمق عبد الرحمن شقيقته بنظرة مفادها أن تحاول تبتهج قليلاً، ومن ثم نظر لديفيد قائلاً بنبرة صوت هادئة خلاف لما يعتمل في صدره من غيظ وضيق: "هو إحنا جينا النهاردة نطلب إيد الآنسة بيرى يا أستاذ ديفيد وزي ما حضرتك شايف إحنا مسلمين، فمش عارف إذا كنتوا توافقوا أو عندكم تحفظات بالنسبة لاختلاف الديانات، بس في الأول والآخر القرار ليكم، ولو أنتوا رافضين تبقى فرصة سعيدة وهنقوم نمشي."

زاد القلق بقلب ديفيد أكثر، فما يراه على وجه عبد الرحمن لا ينبئ بأنه جاء بمحض إرادته، كأنه تم فرض الأمر عليه وجاء رغماً عنه. ولكن لم يفه بكلمة إذ وجدوا بيرى تلج لغرفة المعيشة بثوبها المحتشم، وعيناها منصبة النظرات على وجه عبد الرحمن، فجلست بجوار حياء بعدما رحبت بقدومهم. مالت حياء على أذنها هامسة بصوت منخفض: "بيرى ده شكل العريس جاي ومش طايق نفسه، ده أنا حاسة أن شوية ويقوم يجري." وضعت بيرى يدها تغطي فمها وردت قائلة بهمس:

"سيبك منه، يعمل اللي يعمله، المهم عمه في جيبه ومش هيمشي من هنا إلا لما يتفقوا على الجواز، أطمني أنا مظبطة كل حاجة." قطع ديفيد حديثهما الهامس وهو يقول بهدوء كأنه يقوم بدور ولي أمر ابنة عمه: "طالما هي موافقة ومش شايفة إن ده مانع فتمام أنا موافق المهم بيرى تكون مبسوطة." "خلاص إحنا نقرا الفاتحة ونتفق على ميعاد الفرح بقى وألف مبروك مقدماً."

قالتها حياء وسرعان ما رفعت يداها هي وأسرة عبد الرحمن وشرعوا بقراءة الفاتحة، ولكنها أدركت ما قالته عندما وجدت بيرى وديفيد يحدقان بها بحاجبين معقودين. ورغم ذلك لم يحاول أحد منهما أن يبدي اعتراضه لما يحدث، فبيرى تذكرت امتناع مارجريت عن حضور تلك الجلسة ورغم أنها لم تظهر لها رفضها لزواجها من شاب مسلم، إلا أنها أحست بمدى انزعاجها من الأمر. لذلك ما أن أعلنت مارجريت عن أنها مصابة بوعكة صحية ستمنعها من الخروج من غرفتها، لم تتشدد بيرى في أن تجعلها تقابل عائلة عريسها المنتظر، لكونها تخشى إفساد تلك السعادة، التي جاءتها بعد عناء وطول انتظار.

فبعد انتهاء قراءة الفاتحة التي اقتصرت على أسرة العريس وعلى ابنة عم العروس، تم الاتفاق على إقامة الزفاف في غضون أسبوع واحد. ولم تنس بيرى أن تغمز بعينيها لعبد الرحمن، الذي راح يحملق بها بدهشة، وأطرق برأسه أرضاً هرباً منها ومن عينيها، وكم بدا راغباً في أن ينهض من مكانه ويدق عنقها، ولكن تلك الوخزات المؤلمة التي راحت توخز قلبه بعد تفكيره بأن يقدم على إيذاءها، جعلته يدرك أنه لن يستطيع مسها بسوء، حتى وإن كان استياءه منها ومن أفعالها بلغ ذروته ولن يستطيع إلجامه وقتاً طويلاً.

خرج عمران من ذلك المختبر التابع للمشفى الخاص بإجراء جراحات الحقن المجهري وتأخر الإنجاب وما شابه، يكاد لو يفتك بزوجته، والتي اتخذت حذرها منه وجلست في الخارج لحين انتهاءه، لعلمها بأن ما أن يملي عليه الطبيب تلك الخطوات، التي سيتبعها لإجراء تلك الجراحة الخاصة بالإنجاب، ستراه خارجاً إليها كمارد الجن، خاصة وأن عمران ربما سيرى بأنها زادت قليلاً في مطالبها وأن تجعله يخضع لأمر كهذا، وهو بإمكانه تأدية تلك المهمة بسهولة، إذا

أعطته هي الفرصة المناسبة وعادت إليه ولمنزله وتعود حياتهما طبيعية ولما كانت عليه من أمور الحب والشوق بين الزوجين. فأن يتم إجباره على أن يرى أول أطفالهما جاء نتيجة لجراحة بحتة باردة، يتلقى بها الأوامر من الطبيب، سيجعله ذلك عصب المزاج وربما ستعود وتطفو طباعه الهمجية على سطح علاقتهما من جديد.

ولكن رغم أن عقلها لم ينفك عن التفكير في رد فعل زوجها، إلا أنها رأته يقترب منها بهدوء ولا يبدو على وجه ملامح الانزعاج أو الاستياء، بل إنه جلس بجانبها وأخذ كفها الرقيق بين يديه، وظل صامتاً بضع لحظات. وبعدما نجح في إخفاء ضيقه مما حدث له منذ قليل، ابتسم لها قائلاً بمرح:

"أديني عملت اللي إنتي عايزاه أهو يا ميس يلا بينا بقى نروح، الدكتور قالي هيتصل بيا لما نتيجة التحاليل تطلع، وكويس أن معملناش كده في مستشفى عمك راسل كانت فضيحتي هتبقى بجلاجل." عقدت ميس حاجبيها الأنيقين وردت قائلة بهدوء: "فضيحة ليه بقى، ما في ناس كتير بتعمل عملية الحقن المجهري دي عادي." نهض عمران عن مقعده وجذب يدها ليجعلها تترك مقعدها هي الأخرى فرد قائلاً بعصبية طفيفة:

"ده لما يكون الخلفة بالطريقة الطبيعية مستحيلة، لكن أنا ولا إنتي كنا محتاجين نعمل كده، أنا وافقت بس علشان خاطرك وعلشان تبقي مرتاحة." حاولت جذب كفها من بين يده، إلا أنه شد عليه بلطف، خاصة بعد أن رأى بوادر امتعاضها مما سمعته منه، فوضع يدها تحت ذراعه ليجعلها تتأبطه ليخرجان من المشفى، فنظر إليها قائلاً بابتسامة:

"يلا بينا وبلاش تزعلي بسرعة كده، أنا بفضفض بكلمتين معاكي، ويلا نروح بيت جدك حابب أقابل ابن خالك عاصم لحد دلوقتي مشوفتوش ولا اتكلمت معاه." سارت ميس بجواره وهي صامتة، حتى وصلا لسيارته، فجلست بالمقعد المجاور لمقعده وهي مازالت تشعر بالتخبط والحيرة أكثر من ذي قبل، كأنها عاجزة عن اتخاذ قرار صائب بحقها وحق زوجها، ولم تنتبه أنها أخذت وقتاً طويلاً في التفكير، إلا بعدما رأت سيارة زوجها تعبر البوابة الكبيرة لمنزل عائلتها.

ترجلت من السيارة ووجدت أدم وعماد جالسين في الحديقة، فتقدمت منهما قائلة وهي تشير لزوجها: "هاي، ده عمران جوزي يا أدم." ومن ثم أشارت لأدم مستطردة: "وده يبقى أدم اللي حكيتلك عنه يا عمران وصاحبه عماظ." تصافح أدم وعمران ومن ثم صافح عماد وجلس برفقتهما بينما ذهبت ميس للداخل، وظل ثلاثتهم يتجاذبون الأحاديث فيما بينهم، حتى رأوا راسل عائداً من مشفاه مبكراً، فأقترب منهم وربت على كتف عمران متسائلاً:

"هي فين مراتك زوغت من المستشفى ومحدش عارف هي راحت فين." أجابه عمران بتفكه بعدما رفع وجهه له ليتسنى له أن ينظر لهتمعن: "هي كانت معايا، كنا في مشوار مخطوبين بقى وبنزوغ من ورا أهلنا." ضحك أدم على ما قاله عمران ورد قائلاً بابتسامة: "حلو جدااا أن الزوجين يحاولوا يغيروا من نمط حياتهم علشان الملل." نظر إليه راسل من رأسه لأخمص قدميه ودون أن يكلف نفسه عناء قول كلمة أخرى، كان ذاهباً للداخل ليرى هل زوجته عادت من الخارج أم لا؟

صعد الدرج حتى وصل لغرفته، ولكن فكر برؤية الصغير، فطرق باب غرفة ساندرا وأخذه منها وذهب به لتلك الغرفة التي يقطنها، ولكن لم يدم لهوه مع الصغير سوى دقائق حتى غط في نوم عميق، فوضعه على الفراش وخرج للشرفة، ورأى أن تلك الجلسة التي اقتصرت على أدم وصديقه وعمران، اجتمع بها أفراد آخرون كميس ووالدتها ووفاء وساندرا، ولا يعلم سر ذلك الارتياح الذي اجتاح الجميع تجاه أدم.

لم يكن وجود ذلك الشاب في القصر مرحباً به من جانبه هو فقط، وكيف يأمن وجوده في المنزل، وهو يراه يذهب هنا وهناك ويجلس مع أفراد عائلته، بل استطاع أن يحوز على محبة الجميع عداه هو. ولكن ربما ذلك عائد لخوفه الشديد من تلك الخواطر والهواجس، التي بدأت تملأ رأسه، من أن يحاول جذب زوجته إليه، خاصة الآن والطرق بينهما صارت مسدودة وكأن ليس هناك سبيل للعودة ثانية.

خرج من دوامة أفكاره وشروده وتأمله، على صوت الصغير، الذي أوشك على إتمام عامه الأول بعد بضعة أيام، ويبدو عليه أنه استيقظ من نومه بعد غفوة دامت لمدة ساعتين. فأقترب من الفراش حاملاً إياه مبتسماً وقال: "صحيت يا حبيبي." رفع الصغير يديه الصغيرتين والناعمتين الملمس وجذب تلك النظارة الطبية الأنيقة الموضوعة على وجهه، فقهقه الصغير كأنه ألقى إحدى الدعابات، فما كان منه سوى أن ضحك هو الآخر وقبل وجنتيه المكتنزتين.

ولكن سمع "راسل" صوت طرقات على باب الغرفة، ففتح الباب وأخبرته الخادمة بأن والده يريده بشأن أمر هام، فصرف الخادمة مع وعده بالذهاب إليه. فبعد خمس دقائق هبط الدرج وهو يحمل الصغير، الذي لا ينفك عن العبث بنظارته وأزرار قميصه، التي ربما وجدها طيبة المذاق بفمه، الذي بدأت تتشكل به أسنانه البيضاء الصغيرة.

وصل "راسل" لغرفة المعيشة وجد أبيه ورجل لم يعرف من يكون، ولكن على أحد المقاعد كانت "حياء" جالسة بصمت تضم يديها كأنها بانتظار قرار مصيري. فما أن وقع بصرها عليه، حتى أرسلت إليه عيناها نظرات باردة، تنم عن مشاعرها المتبلدة بتلك اللحظة خاصة وهى تراه يحمل الصغير. فتبادل معها النظرات الباردة وهو يقول بصوت كالصقيع: "خير كنت عايزني في إيه، ومين الأستاذ؟ لم تكن نظرات أبيه ودية، إذ شمله بنظرة باردة هو الآخر رافعاً عصاه كأنه يشير

إليه وقال بأمر لا جدل فيه: "ده المأذون علشان تطلق "حياء" لأن مش هخليها على ذمتك دقيقة واحدة كمان وهي موافقة أنك تطلقها وكل واحد يروح لحاله، وكمان علشان لما عدتها تخلص هجوزها واحد تاني." انقبضت ملامح وجه راسل على الفور ما أن سمع ما تفوه به أباه، بل أنه لم يكلف نفسه عناء إخباره بأن سيقوم باستدعاء المأذون من أجل طلاقه لزوجته، وكأن عليه أن يقوم بتنفيذ أمر والده دون إبداء أي اعتراض.

فصاح منادياً بصوت جهوري لإحدى الخادمات، التي جاءت إليه تحني رأسها بأدب، فالتفت إليها قائلاً بأمر: "خدي ساجد خرجيه لمامته برا." حملت الخادمة الصغير وخرجت من غرفة المعيشة، بينما اقترب راسل من مقعد زوجته وانحنى إليها فجأة مما جعلها ترتعد بخفة ما أن سمعته يقول من بين أسنانه: "وده اسمه إيه بقى يا مدام راسل بتحطينى قدام الأمر الواقع مثلاً، مفكراني هسمع الكلام وهطلقك، دا إنتي بتحلمي." عقدت ذراعيها ونظرت في عمق عينيه

قائلة بنبرة خافتة فاترة: "إنت عايز إيه بالظبط يا راسل شوية تقولى هطلقك وشوية تقولى بحبك ومش هسيبك، إنت شكلك أصلاً مش عارف إنت عايز إيه فقولت أسهل عليك الموضوع ونفترق بالمعروف علشان كده كلمت باباك يجيب المأذون، جايز كل واحد فينا يلاقي سعادته مع حد تاني، طالما إحنا الاتنين مبقناش شاطرين إلا في أذية بعض، وزي ما قولتلك قبل كده لو كنت إنت غير رأيك أنا مغيرتش رأيي ومش عايزك، خلاص حكايتنا خلصت لحد كده."

استقام بوقفته وأولاها ظهره ورمق المأذون قائلاً ببرود: "معلش يا عم الشيخ هم حبوا يهزروا معايا بس أنا لا هطلق مراتي ولا في حد هنا هيطلق حد اتفضل خد واجبك وامشي." لم ينتظر الرجل سماع كلمة أخرى، فهب واقفاً ولملم أوراقه وأغراضه وخرج من الغرفة، فأشار رياض لأحد رجاله بأن يتبعه ليأمن وصوله لسيارته في الخارج. وبعدما اقتصرت الجلسة على ثلاثتهم، رفع والده عصاه يشير بها أمام وجهه وهو يقول بنبرة تفيض تسلية رغبة منه

في إثارة المزيد من حنقه: "إنت مشيت المأذون ليه، مش إنت قولت قبل كده أنك هتطلقها، لازمتها إيه بقى الممطالة، يعني لا بترحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل، إنت عايز إيه بالظبط." صرخ راسل احتجاجاً على تدخل والده في شؤونه: "والله دي حياتي أنا ومراتي وإحنا اللي نقرر مش إنت، ومش علشان إنت قولتلي طلقها يبقى هخاف منك يا رياض باشا وأقولك حاضر، وبلاش أسلوب الاستفزاز ده أحسن ما أسيبلك البيت وأمشي."

"إنت بتهددني يا راسل، مش هتبطل وقاحة وقلة أدب." هتف بها رياض وهو يوكزه بعصاه في منتصف صدره، فهو وصل لحافة صبره من أفعاله. وضع راسل يديه في جيبي بنطاله وأحنى رأسه قائلاً بتنهيدة عميقة: "أنا لا بهددك ولا حاجة يا رياض باشا، أنا مضغوط بما فيه الكفاية، وصدقني أنا ذات نفسي مش مستحمل النفس اللي بتنفسه، فبلاش الأمور توصل بينا لأسوأ من كده لأن إنت في الأول والآخر والدي وسيبني أحل مشاكلي مع مراتى بالطريقة اللي تريحنا."

انتفضت حياء من مكانها وبدون أن تفهم بحرف واحد، خرجت من الغرفة، فحتى محاولتها في الفكاك منه لم تأت بثمارها. صعدت إلى غرفتها وأرتتمت على فراشها وحلقت في سقف الغرفة، الذي تمنت بلحظة مجنونة أن يسقط عليها وتنتهي حياتها خيراً من تلك الحيرة والتشتت اللذين حفلت بهما حياتها منذ زواجها منه. فإلى متى سيظلان يدوران بتلك الحلقة المفرغة؟

لم تشأ أن تنغمس بتلك المشاعر المتضاربة حول زوجها، فتركت فراشها وخرجت للشرفة وفكرت في الذهاب لحظيرة الخيول، ولكن ما أن رأت أدم جالساً في الحديقة عدلت عن فكرتها، حتى لا يطاردها بكلامه المعسول والذي يخرج منه بعفوية، فهي تشعر بالضيق لسماعها ذلك المديح منه ولا تسمعه من زوجها، الذي لا يفعل شيئاً في تلك الأونة إلا أن يجعل غضبها يتفاقم من بروده وأوامره التي بدأ يمليها عليها من حين لآخر والنابعة من شعوره الجارف والعاصف بالغيرة.

ولكنها لم تشأ استغلال وجود أدم لإثارة غيرته أكثر، رغم أنها لم تغفل عن التفكير في ذلك، ولكن ما أن أمعنت تفكيرها بذلك الأمر الذي رأته مشيناً بعض الشيء، نحت أفكارها تلك جانباً، تاركة لعفوية أدم القيام بتلك المهمة دون تدخل منها أو منحه موافقتها على أن يستمر في إطرائها أمام زوجها.

بعدما تلقى ذلك النبأ الذي يفيد بأن ياسمين في ذلك الوقت متواجدة في المركز الخاص بالمكفوفين، وهو لم يتوانى ثانية واحدة وأخذ سيارته على الفور وذهب إليها. فتكليفه أحد رجاله بمراقبة منزلها ليلاً نهاراً أتت بثمارها بعد عدة أيام من انتظاره سماع أي خبر عنها، وبدا أنها ستظل حبيسة المنزل لما تبقى من عمرها، ولن يراها إلا إذا سطا على منزلها بغياهب الليل كأحد اللصوص، ولكنه لن يكون لصاً عادياً، إذ أنه لن يكون راغباً إلا بسرقة قلب تلك التي سلبته فؤاده ومنعته الراحة والهدوء، منذ علم بأنها مازالت على قيد الحياة.

وكلما يتذكر رفض أباها له تزداد نيران غيظه، لأنه يرى أنه الأحق والجدير بها، حتى وإن كانت بحالتها تلك ولن تتمكن من أن تبصر النور بعينيها، ولكن يكفيه أن تكون قريبة منه تأخذ وتعطي وتملأ قلبه بهجة وحبوراً بامتلاكها. فتخيله فقط أن ياسمين زوجته جعل انتشاء عجيب يسير في أوردته كأنه احتسى قنينة كاملة من الخمر المعتق. "أيوة هو ده العنوان."

قال ديفيد وسرعان ما صف السيارة أمام ذلك المبنى المتألف من ثلاثة طوابق وحديقة صغيرة، قد بناه أحد رجال الأعمال للمكفوفين، ليحصلوا على تعليم وعناية وأن يشرف على تعليمهم كيفية التصرف في حياة الظلام البصري التي يعيشونها، نخبة من أكفأ المعلمين والمعلمات.

ترجل من السيارة وبعدما تبادل حديث قصير مع حارس المبنى، ولج للداخل بحجة أنه يريد مقابلة أحد المسؤولين أو مالك ذلك المركز التعليمي، ولم تواتيه رغبة مقابلة أحد منهم، إلا من أجل أنه يريد شراء المركز حتى يصير هو المالك له بل ربما سيهبه لها، وأن يكون لديه الحرية التامة لرؤيتها، بل أنه سيترك كل أعماله ليضمن حصول معشوقته على أفضل خدمة ورعاية.

بعدما طرق باب غرفة مدير المركز ولج على الفور بعد سماع الإذن بالدخول، فصافح المدير ولم يلبث إلا ثوانٍ معدودة حتى أفصح عن رغبته الملحة: "حضرتك أنا جاي أشتري المركز ده وعندي استعداد أدفع أي مبلغ تطلبوه." قطب الرجل الذي نال منه المشيب حاجبيه متسائلاً بدهشة: "تشتري المركز! بس ده يا ابني مش للبيع ده زي وقف خيري كان عامله رجل أعمال الله يرحمه ووهبه لخدمة المكفوفين يعني مش للبيع، بس ممكن تتبرع بمبلغ مالي يساعدهم."

أخرج ديفيد دفتر الشيكات من جيب سترته متسائلاً: "حضرتك عايز فلوس تبرع كام؟ مليون جنيه كويس ولا عايز أكتر؟ فغر الرجل فاه مما تفوه به ديفيد، كونه لم ير في حياته من يهب كل هذا المال دفعة واحدة، بل ولديه الإصرار على أن يفى بما يقوله، حتى أنه حرر له الشيك وناوله له وهو مازال واقعاً تحت تأثير الدهشة من تصرف هذا الشاب. وضع الرجل كفيه على سطح مكتبه متسائلاً بفضول:

"ممكن أعرف إيه السر أنك كنت عايز تشتري المركز أو أنك تتبرع بالمبلغ ده كله مرة واحدة." نقر ديفيد بأطراف أصابعه على سطح المكتب ورد قائلاً بجدية: "في آنسة بتيجي هنا اسمها ياسمين والصراحة أنا يهمني أمرها جداً وعايز أضمن أنها مرتاحة لما تيجي هنا." هز الرجل رأسه ببطء وقال بعدما علم عن من يتحدث: "آه قصدك الباشمهندسة ياسمين مهندسة الديكور، ده والدها الشيخ أنا اعرفه كويس، بس أنت تقربلهم إيه أنا أول مرة أشوفك؟

أزدرد ديفيد لعابه محاولاً العثور على إجابة شافية تمكنه من الخروج من ذلك المأزق، فكون ذلك الرجل يعرف والد ياسمين، حتماً سيخبره بشأن تلك المحادثة التي حدثت بينهما. إلا أنه رد قائلاً بهدوء: "هو كنت أعرفها قبل الحادثة لما كانت مهندسة ديكور، واتأثرت جداً باللي حصلها وحبيت أساعدها هي دي كل الحكاية." ابتسم الرجل على ما قاله ديفيد، فأي تأثر هذا الذي يجعله راغباً في شراء المركز من أجلها؟ عاود هز رأسه قائلاً

كأنه اقتنع بحجته الواهية: "فيك الخير يا ابني، ربنا يكتر من أمثالك يا... رفع الرجل الشيك المصرفي ليعلم اسمه، إلا أن عيناه تسمرت على قراءة اسمه كاملاً، ولكن قبل أن يبدي دهشته أسرع ديفيد قائلاً بحذر: "في مشكلة عند حضرتك إن أنا مش مسلم مش كلنا بشر ولا إيه." لم يشأ الرجل الخوض في أمر الديانات والمعتقدات بذلك الوقت، وربما علمه بهوية ديفيد جعله يطمئن أن الأمر لا يتعدى سوى مساعدة منه ولا يمكن أن يفسره بشكل آخر.

نهض ديفيد من على مقعده متسائلاً بأمل يشوبه الرجاء: "هو ممكن أتفرج على المركز والأقسام بتاعته أخد فكرة جايز أعمل واحد زيه في يوم من الأيام." أومأ الرجل إيماءة خفيفة وترك مقعده ليصطحبه بجولة، فكل غرفة يدخلها يتمنى لو أن يراها، ولكن يصاب باليأس ما أن تتجول عيناه في الحجرة ولا يجده، حتى أنه ظن أنها ربما عادت لمنزلها أثناء جلوسه مع المدير في غرفة مكتبه.

ولكن علقت أنفاسه بصدره، ما أن أبصرها جالسة بتلك الغرفة الخاصة بتعليم المكفوفين القراءة بطريقة بريل ورأى معها فتاتان وشاب آخر ومعلمة ربما في سن الأربعين، تتولى تدريبهم على استخدام الطريقة الصحيحة للقراءة. تأمل أناملها الرقيقة والنحيلة، وهي تمررها على الكتاب المفتوح أمامها، فلو كانت أناملها تلك تمررها على وجهه لما كانت أصابته تلك القشعريرة، وكأن أي فعل يصدر منها يجعل قلبه يكاد يقفز من صدره.

وما أن أعلنت المعلمة عن انتهاء الوقت المحدد لهم، تحسست ياسمين عصاها الرفيعة الموضوعة بجانبها، وأخذت حقيبتها ونهضت من مكانها تتأهب للخروج ولتنتظر مجيء أباها ليعيدها للمنزل مثلما هي معتادة. رفعت يدها قليلاً بالعصا تتلمس بطرفها الأرضية، لتضمن خلو طريقها من أي عثرات أثناء خروجها، وكل هذا وديفيد مازال واقفاً أمام الغرفة، يصب كامل اهتمامه ونظراته عليها. فقبل عبورها من باب الغرفة، نظر ديفيد للمدير قائلاً بشكر تحدوه رغبته

في أن ينصرف قبل خروجها: "شكراً لحضرتك أنا لازم أمشي دلوقتي." ابتعد ديفيد عدة خطوات ورأى المدير يعود لغرفة مكتبه، فأنتظر حتى مرت ياسمين من جواره وخرجت للحديقة وهو يتبعها. وبعد أن جلست على إحدى الأرائك الخشبية، لم يمنع نفسه من الاقتراب منها وإلقاء التحية لعله يطيل وقته في الحديث معها وتشبع عيناه من رؤيتها المحببة لنفسه المشتاقة. "إزيك يا أنسة ياسمين."

هتف ديفيد بنبرة مختلجة شوقاً، متأرجحاً بين رغبته في أن يجثو على ركبتيه أمامها طالباً منها الصفح والغفران على ما تسبب به لها دون قصد منه، وبين أن يتجاذب معها أطراف الحديث كإثنين التقيا صدفة. أربكت ياسمين بعد سماع صوته، وتلك هي حالتها دائماً ما أن تسمع صوت رجولي ولا تعلم من يكون صاحبه، فردت قائلة بتلعثم: "ممـ مين حـ ـضرتك."

تجلى التوتر والإرباك على صوتها وجلستها إذ راحت تتحسس مكان وجود عصاها وحقيبتها كأنها تبحث عن شيء مفقود، فأشفق على ما أصابها، ولم يكن هذا ما جعله يشعر بتمزق خفقات فؤاده، إذ أنه رأى محاولاتها المتكررة في فرك يديها وكأنها تريد عصرهما لشعورها التام بالعجز. جلس ديفيد بأقصى طرف الأريكة الخشبية ورد قائلاً بحنان: "إنتي مش فاكرة صوتي." ابتلعت ياسمين لعابها وردت بعد جهد: "أسفة مش واخدة بالي حضرتك عايز مني إيه؟

طافت نظراته بعينيها الخاليتين من الإبصار ولكن بدتا كأنها تحدق به بتركيز، فلم يستطع إلجام لسانه عن قول تلك الجملة التي حتماً جعلت إرباكها مضاعفاً: "أنا بحبك يا ياسمين وعايز أتجوزك." ارتجفت يداها وسقطت عصاها أرضاً، فأسرع برفعها عن الأرض وقربها منها مستأنفاً حديثه:

"أنا آسف لو كنت ضايقتك بكلامي، بس بجد هي دي الحقيقة وأنا أعرفك من زمان ومش عارف إنتي فاكراني ولا لأ، بس أنا جيتلك مكتب الديكور مرة وحتى إنتي ضربتيني بالقلم واعتذرتلك بعد كده، وأنا مش عارف أنساكي ولا أحب واحدة غيرك." قطبت ياسمين حاجبيها وتساءلت بدهشة: "معقولة إنت؟ بس حاسة إن الصوت ده سمعته من وقت قريب." لم يجد حاجة بأن يومئ برأسه فهي لن تستطيع رؤيته، ولكن لسانه حاضر ليجيبها على ما سألته إياه، فرد قائلاً وبدت

اللهفة طاغية بنبرة صوته: "أيوة أنا، وأنا اللي عملت نفسي سواق عربية الأوبر يوم ما وصلتك إنتي ومامتك البيت لما كنتوا في المستشفى."

علقت أنفاسها بصدرها ما أن سمعت إجابته، حتى وإن كانت لم تعد تمعن التركيز في أصوات من حولها سوى أسرتها، إلا أن صوته كان حاضراً بشكل أو بآخر بغياهب عقلها، فازدراد لعابها لم يزدها سوى شعور بالإرباك والتوتر. أم مجنون هو ليستميت هكذا للزواج منها وهي بتلك الحالة من فقدان بصرها، فما لبثت أن تذكرت ذلك اليوم الذي علم به خطيبها أنها أصبحت فاقدة البصر، فلم يكد يمر يومان آخران حتى أعرب عن أسفه عن إتمام زواجها، وابتسمت حينها بمرارة، لعلمها أنه ربما يكون محقاً فمن سيكون راضياً أن يبتلى بزوجة عمياء، ومنذ ذلك الحين أخذت قرارها بأن تغلق باب قلبها وعقلها، ولم يعد يعنيها وجود أي رجل قريب منها سوى شقيقها ووالدها.

ولكنها لم تنكر تعجبها ودهشتها من ذلك الرجل الذي لم تستطع تذكر ملامحه جيداً، وعندما أعصرت ذاكرتها، لم تتذكر سوى أن ملامح وجهه تميل للملامح الأوروبية من حيث الشعر الأشقر والأعين الزرقاء وغير ذلك لا تتذكر شيئاً آخر. تعرقت يداها وهي تقبضها وتبسطها كأنها أصيبت بالتشنج، فهمهمت بنبرة صوتها الخافتة: "إنت غريب أوي على فكرة، يعني إنت مش شايف حالتي عاملة إزاي ورغم كده بتقول إنك بتحبني وعايز تتجوزني."

"أنا ميهمنيش أي حاجة من دي يا ياسمين وأنا مستعد أبقى عينيكي اللي تشوفي بيها الدنيا بس وافقي." نطق ديفيد بحديثه محموماً، كمن أعياه الشوق ولم يعد يملك صبراً للانتظار، ولم تأخذه الرحمة بها وهو يراها مرتبكة كطفلة صغيرة مما تسمعه منه وشعورها بالعجز أن تفر هاربة من ذلك العاشق المجنون، فراح يكمل حديثه معقباً:

"أنا عيني مش شايفة حد غيرك مهما كانت ظروفك وقلبي بيدق علشانك إنتي بس، أنا مش بس بعشقك أنا بعشق التراب اللي بتمشي عليه." لم يعد بإمكانها الاستماع لغزله، فأخذت عصاها وهبت واقفة لعلها تفلح في الانصراف قبل أن تسمع منه كلمة أخرى، ولكن كادت أن تتعثر بمشيتها لولا وجدت ذراعين تمتدان لها، فقبل أن تصرخ احتجاجاً لظنها أنه ربما هو من ساعدها بإستعادة توازنها، سمعت صوت والدها يقول بحنان: "حبيبتي معلش اتأخرت عليكي شوية."

وجدت ملجأها بين ذراعيّ أبيها، فترجته بصوتها الذي حمل غصة تمهيداً لبكاءها الوشيك: "ولا يهمك يا حبيبي بس يلا بينا نروح البيت بسرعة." اختفت ابتسامة أبيها ما أن أبصر ديفيد واقفاً على بعد عدة خطوات منها، فهتف به متسائلاً: "هو إنت؟ إنت بتعمل إيه هنا؟ عاد ببصره لوجه ابنته الممتقع، فخشي أن يكون قال لها شيئاً أثار به استياءها، فتخلى عن بشاشته وعاد ينظر إليه قائلاً بغضب:

"أحسن لك ابعد عن بنتي يا أستاذ إنت وإلا صدقني مش هيحصلك طيب." طوق أبيها كتفيها بذراعه وأخذها مبتعداً ليعودان لمنزلهما، فأطلق ديفيد سباباً لاذعاً بصوت هامس، وفكر في العودة لمنزله، وهو يكاد يموت قهراً وغيظاً من والد محبوبته، فما أن وصل للبيت وجد شقيقته وابنة عمه ومارجريت يجلسن في الحديقة. فأرتمى على المقعد المجاور لحياء قائلاً بدون مقدمات: "أنا نويت أغير ديانتي وأبقى مسلم."

رغم ابتهاج حياء مما سمعته منه، إلا أن ملامحها حملت الصدمة والدهشة مثلها مثل البقية، إلا أن مارجريت حدقت به بنظرة مطولة قبل أن تكون بنبرة مبهمة: "عايز تعمل زي أبوك وأمك ما عملوا يا ديفيد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...