الفصل 26 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
15
كلمة
11,063
وقت القراءة
56 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

خشى أن يسمع منها ما يفسد سعادتهما، التي جاءت بعد عناء. ورغم ذلك، أرهف سمعه ليلتقط حروفها بدقة. بل ضغط على ظهرها بحنان ليبقي عليها بين ذراعيه، كأنها ما إن ستبتعد عنه سيصبح مزاجها أشد سوءاً، كتلك الأيام التي قضاها معها في معاناة، محاولة منه أن يصرف عنها حزنها الشديد.

واليوم هو يومهما الأول خارج قصر النعماني، بعد محادثتهما في مشفاه وإخبارها له بقرارها النهائي في عدم تركه أو الانفصال عنه. وحرص على أن ينعمان بيومهما كتلك الأيام الخوالي، عندما كانا عاشقان حديثي العهد بالزواج. لذلك أعد لها مفاجأة أراد أن يخبرها إياها في تلك الغرفة، التي سبق لهما قضاء ليلة بها عندما أراد إخبارها بكل ماضيه. وأراد اليوم أن تكون ليلة أكثر دفئاً ويخبرها بذلك الأمر الذي تمنى أن يساهم في تحسين مزاجها.

فسألها بحيرة: –طلب إيه ده يا روحي؟ أبتعد عنها لكي ينظر إليها بوضوح، ولكن ما طمأنه قليلاً أنها تبتسم وهادئة، ولا يبدو عليها أنها ستطلب المحال. فأجابته باسمة: –متخافش كده، مش هطلب منك حاجة صعبة يعني ولا مستحيلة.

إستمتعت حياء بحيرته في التكهن بما تريده منه، مما جعله يحاول إستعطافها، لعلها تكون رحيمة به وبمطلبها منه. كما يفعل الآن من أنفاس دافئة سخية راح يوزعها على وجهها وهو يهمهم بأنه على إستعداد تام لتلبية كافة مطالبها، التي سيفعل المستحيل من أجل تحقيقها. فضحكت حياء بخفوت، كون أن مطلبها لن يكون عسيراً ولن يطلب منه جهداً، سوى أن يمنحها موافقته ويكون برفقاتها. أطرب أذنيها بعبارته التي جاءتها همساً في أذنها:

–عايزة إيه يا حبيبتي؟ انتي لو طلبتي روحي مش هأخرها عنك. أغمضت عينيها إستمتاعاً بحديثه، ولم يقتصر إستمتاعها على عذب حديثه، بل وقوفها بين يديه بعث بها الدفء، خاصة أن ضآلة حجمها مقارنة به جعلته لا يجد جهداً في إحتوائها. فردت قائلة بعد لحظات وهي واضعة رأسها على كتفه:

–عايزة نسافر نعمل عمرة سوا. إحنا شهر عسلنا مكملنهوش، فعايزة نسافر السعودية وبعد كده نروح أي مكان تاني نقضي فيه يومين. عايزة أسافر. أنا لما كنت زعلانة منك كنت بفكر أسافر أنا وديفيد نعمل عمرة، بما أنه أعلن إسلامه. بس مش عارفة ليه أتهرب مني وقتها. حتى دلوقتي من ساعة ما قال لي إنه مسافر معرفش حاجة عنه ولا حتى بيرد على رسايلي ليه. وبجد أنا محتاجة العمرة دي جداً. زفر راسل براحة بعد سماع مطلبها، فقال وهو يقبل رأسها:

–بس كده، أنتي تؤمري يا روحي. هظبط شغلي وكل حاجة ونسافر. لأن عندي جدول عمليات كتير الفترة الجاية، يعني ممكن نسافر على بداية الشهر الجاي. وبالنسبة للمكان التاني اللي هنسافره، أنا هقولك نسافر فين، ودي من ضمن المفاجأة اللي كنت هقولك عليها جوا.

إستقرت قدميها أرضاً بعدما أرخى عنها ذراعيه، وأخذ يدها ليجعلها تسير معه إلى تلك الغرفة بالحديقة. فكأنما غادرتها بالأمس، وجدت كل شيء بها كما تم تنظيمه بتلك الليلة، التي لم تستطع نسيانها. جذب نظرها تلك الطاولة التي تتوسط الغرفة، وعلى سطحها شموع ملونة من ذلك النوع المفضل لديها دائماً. أقتربت منها ولمستها بطرف سبابتها وبحثت عن قداحة لإشعالها، ولكن وجدت راسل يخرج من جيبه ورقة إعلان عن إحدى المستشفيات في لندن.

فناولها إياها، وأولته ظهرها لتضع حقيبتها على الطاولة وقلبتها بين يديها لتعلم سبب وجودها معه. فخطى راسل بخطواته تجاهها حتى صار ملاصقاً لها، فوضع رأسه على كتفها قائلاً بابتسامة: –إيه رأيك في المفاجأة دي؟ حركت حياء رأسها وإستدارت إليه وتساءلت: –مش فاهمة. إيه علاقة ورقة الإعلان ده بالمفاجأة؟ مستشفى إيه دي؟

أخذ راسل منها ورقة الإعلان ووضعها على الطاولة، فدعاها أولاً للجلوس على ذلك المتكأ الموضوع قريباً من المدفأة. وبعد جلوسهما، أخذ يديها بين كفيه ورمقها بنظرة مطولة قبل أن يقول بهدوء:

–هي المفاجأة اللي قولتلك هقولك عليها إن في مستشفى في لندن وصاحبها دكتور كبير مختص في مشاكل الإنجاب والعقم. إتواصلت معاه وشرحت له حالتنا بالظبط. فطلب إننا نروح له علشان ممكن يقدر يعالج السبب اللي ممكن يخلي الحمل ما يكملش لو حصل. بس العلاج هيتطلب منك أنتي يا حياء أن تكوني نفسياً مهيأة لأي حاجة ممكن تحصل، وخصوصاً أن العلاج هيعتمد عليكي أنتي بالأكثر. فقولت أقولك ونسافر، لعل وعسى ربنا يكرمنا ونقدر نخلف بيبي. وكمان علشان ما يبقاش حرام عليا إن يكون فيه فرصة تخليكي مبسوطة وأنا ما أقولكيش عليها. فقولتي إيه؟

مستعدة لكده؟ والطب كل يوم فيه جديد، يعني ممكن الفرصة من سنتين كانت شبه مستحيلة، جايز دلوقتي تبقى الفرصة أحسن. وفي الأول والآخر إرادة ربنا فوق كل شيء. إحنا هناخد بالأسباب والباقي على ربنا.

ظلت تحرك رأسها بعنف وعيناها دامعتان، فهي الأخرى كانت على وشك إخباره بأنها تريد خوض تجربة العلاج اللازم لحدوث الحمل. فوجدته هو يسبقها في التفكير والتخطيط والتنفيذ. ورغم علمها بأن ربما ستؤول الآمال لسراب في النهاية، إلا أنها تثق بقدرة الله العظيم من أنه سيرزقها ما تتمنى وتتكلل سعادتها مع زوجها بأن يكون لديها طفل منه. ألقت بنفسها بين ذراعيه قائلة بصوت خافت جاء نتيجة لتجمع دمعات التمني والرجاء:

–أنا كنت هقولك إن إحنا نحاول في موضوع الحمل. وطالما قولت فيه أمل أنا حابة أتمسك بيه، حتى لو كان في آخر الدنيا. وأنا واثقة في قدرة ربنا إن هيبقى عندي طفل منك يا حبيبي. مسد بيده على ظهرها ليهدئ من إنفعالها، فحتى وإن كان لم يبخل عليها بالفرصة، إلا أن من داخله مرتعباً من أن تخفق محاولاتهما وفي النهاية تكون هي الخاسرة لإستقرارها النفسي. رفع وجهها له ممرراً إبهاميه على وجنتيها قائلاً برجاء:

–بس أرجوكي يا حياء لو حسيتي بأنك نفسياً مش قادرة تكملي في الموضوع قوللي ومتضغطييش على أعصابك علشان خاطر نفسك مش علشان خاطر حد.

هزت حياء رأسها ومن ثم عادت تضع رأسها على صدره. فموجة الأمل التي ضربت أعماق قلبها، جعلتها تشعر بإنتشاء من تخيلها أنها ربما ستعود وتحقق أمنيتها، التي لن تستطيع تحقيقها إلا معه. حتى أنها راحت تعرب عن سعادتها وتفاؤلها بما أخبرها به بأن وزعت عطاياها تارة على وجهه وتارة على جانب عنقه حتى أفقدته صوابه. وأنقلب السحر على الساحر ولم يدرك أي منهما كم قضيا من الوقت في تلك الغرفة، إلا بعدما سمعا رنين الهاتف في الصباح، يخبرهما أنهما قضيا ليلتهما خارج قصر النعماني، والذي لابد من أن ساكنيه سيتساءلون عن عدم وجودهما على مائدة الإفطار كعادتهما كل يوم.

ضحكت حياء بنعاس، بعدما رأت راسل مستلقياً على الأرضية بعيداً عن المتكأ، فأقتربت منه ونادته وهي تربت على ظهره: –راسل اصحى، يلا يا حبيبي فوق. رفع راسل رأسه عن الأرض العارية من السجاد، وتأوه بصوت منخفض: –آه دا النوم على الأرض جابلي تشنجات ومفاصلي كلها اتيبست. عادت حياء تضحك من جديد وسألته: –وانت إيه اللي نيمك على الأرض كده؟ جلس راسل مكانه وهو يتحسس عنقه الذي ربما أصابه إلتواء خفيف وأجابها متأوهاً:

–انتي خدتي المكان كله يا مفترية ورمتيني على الأرضية، حتى مفيش سجادة نيمتيني على البلاط. شهقت حياء لنعته لها بصفة الافتراء، فأخذت وسادة صغيرة وألقتها على وجهه قائلة بتبرم: –هي مين اللي مفترية؟ ما انت اللي بتفرك كتير وانت نايم. كويس إن ملقتكش نايم جمب الخشب في الدفاية. تبسم راسل ضاحكاً مما قالته، فرد ممازحاً: –كويس إن الدفاية مش شغالة وإلا كنت زماني زي الفراخ المشوية دلوقتي.

ألقت عليه وسادة أخرى وأعادت الكرة ثلاثاً لتمازحه، فنهض من مكانه بغتة مقترباً منها، ولكن ذلك التيبس العضلي الذي أصابه في ظهره جعله يجد صعوبة في أن يستقيم بوقفته، فعاد متأوهاً. ولم تمنع حياء نفسها من أن تقول بتفكه: –دا انت عايز تروح للميكانيكي يرجعك على البارد.

قبل أن تمتد إليها يده، ولت هاربة من مكانها، ولكن حظها السئ جعلها تتعثر بإحدى الوسائد التي كانت ألقتها على وجهه، فسقطت على الأرض منبطحة على وجهها، فأخذ دوره في الضحك قائلاً وهو يعتدل في جلسته: –شفتي؟ من حفر حفرة لأخيه وقع فيها. لم تتأذى من سقوطها على وجهها، إلا أنها وجدتها فرصة سانحة في أن ترى مدى لهفته للإطمئنان عليها، فتأوهت بصوت مسموع وكأن أصيبت بجرح في جبهتها، فترك راسل مكانه على الفور وأقترب منها متسائلاً بقلق:

–مالك يا حبيبتي؟ انتي اتعورتي ولا إيه؟ وريني وشك كده. –أهو وشي، إيه اتعورت جامد. قالتها حياء وهي تقترب بوجهها أكثر منه، ليتفحصه بعناية، فما كان منه سوى أن احتضنه بكفيه مغمغماً بدهاء: –لأ، دا انتي اللي اتهورتي لما جيتيلي برجلك.

إستطاع محو دهشتها التي ارتسمت على شفتيها المنفرجتين، اللتان كأنهما تحتويان على أكسير الحياة، حسناء في الصباح والمساء، بصحوه وأحلامه، في أوقات حزنها وسعادتها. ولم يخطئ قلبه في دعوتها "صبيته الحسناء". وما أن انتهيا من عناقهما، أخبرته أن يسرع حتى يعودا للمنزل، خاصة أن سجود ربما لم تكف عن السؤال عنهما. فلم تختلف رحلة العودة لقصر النعماني عن رحلة مجيئهما لمنزلهما القديم، إذ ظلت ساكنة برأسها على صدره وهو يقود السيارة. وما أن رأت البيت على مشارف بضعة أمتار، ابتعدت عنه وجلست في مقعدها بهدوء. وما أن مرت سيارة راسل في حديقة المنزل، رأت حياء سجود تمتطي جوادها الخاص ووالد زوجها يجلس في مكانه المعتاد هو ورجاله يراقبها.

ترجلا من السيارة، فصاحت سجود قائلة بسعادة: –بابي، مامى! لوح لها راسل باسماً ومن ثم أقترب من مجلس والده وألقى عليه تحية الصباح. وأقترب من السور الخشبي لحظيرة الخيول، بينما جلست حياء على أحد المقاعد قريباً من والد زوجها. إبتسم لها رياض وهو يدب الأرض بعصاه متسائلاً بعفوية: –انتوا كنتوا فين ده كله؟ سجود كانت بتسأل عليكم وكانت بتعيط. أجابته حياء بعدما أطرقت برأسها أرضاً لشعورها بالخجل:

–كنا في بيت راسل القديم، كنا بنتكلم والوقت سرقنا وإحنا مش حاسين. هز رياض رأسه مكتفياً بقولها، ومن ثم نظر إليها قائلاً برصانة كعادته: –أتمنى تكون الخلافات بينكم أنتهت، وأبو دماغ ناشفة ده عرف غلطه وميحاولش يزعلك تاني. نظرت حياء لزوجها وهو يحمل سجود من على ظهر الجواد: –إن شاء الله ميبقاش فيه زعل بينا تاني يا عمي.

أقترب منهما راسل وهو يحمل إبنته التي لم تنفك عن تقبيل وجنته مراراً، كأنه لم تراه منذ عدة أيام وليس من بضع ساعات قضاها خارج المنزل. ربت على ظهر سجود متسائلاً بحنان: –انتي فطرتي يا قلبي بابي، ولا تيجي تفطري معايا أنا ومامي؟ ردت سجود قائلة وهي تلف ذراعيها حول عنقه: –أكلت مع جدو وتيتة وفاء وكلهم. بس انتوا كنتوا فين يا بابي؟ وضعها راسل أرضاً ومن ثم داعب رأسها باسماً:

–خلاص إحنا جينا أهو يا سيجو والنهاردة بالليل هوديكي الملاهي. ماشي يا قلبي. ب سماع سجود لعرض أبيها المغري راحت تقفز فرحاً وسرورًا، فهي تعشق إرتياد مدينة الألعاب. وما أن رأى رياض حماسها اللامحدود نظر لراسل قائلاً بتمني وعفوية: –مش تشدوا حيلكم علشان تجيبوا أخ لسجود وتودوه الملاهي معاها؟

أنا بفكرك بوعدك اللي قولته يوم فرحك انت وحياء، إن أحفادي كلهم اللي هيشيلوا اسمي هتكون حياء أمهم. فجه الوقت اللي تنفذ فيه وعدك ولا إيه يا دكتور؟ وأنا مشتاق أشوف ولادكم. رغم ذلك الأمل الذي أفعم قلبها بالأمس، إلا أنها ما أن سمعت قول والد زوجها قبضت بكفيها على حافتي مقعدها، تخشى أن راسل لن يكون قادراً على الوفاء بذلك الوعد الذي ذكره والده. تلاقت أعينهما سوياً ومن ثم سمعت زوجها يقول بثقة ممزوجة بحدة لا تعلم لها سبباً:

–إن شاء الله يا رياض باشا. دعواتك بقى، وأنا عند وعدي إن حياء الوحيدة اللي هتبقى أم ولادي. عن إذنك بقى علشان أنا جوعت وعايز أفطر. يلا يا حياء. شعر رياض بنبرة راسل الحادة، رغم أنه لم يقل شيئاً يستدعي أن يكون حاداً في حديثه، ولكنه لم يشأ أن يطيل في الحديث بينهما، نظراً لعلمه بوقاحة ولده التي تخرج أحياناً عن الحد اللازم.

أخذ يد زوجته ودلفا للداخل، بينما عادت سجود لتمتطي الجواد مرة أخرى. وصلا لغرفتهما، ولكنه شعر بأنها أبطأت في خطواتها، فإلتفت برأسه إليها متسائلاً بعدما أغلق باب الغرفة: –مالك يا حياء؟ حملقت في وجهه قائلة بتيه: –مش عارفة. لما سمعت كلام باباك، وحسيت قد إيه هو نفسه يكون له أحفاد تانيين، خوفت يا راسل. جعد راسل جبينه قائلاً باستغراب: –خوفتي من إيه؟ أو إيه اللي يخوفك في كلامه؟ هو بيتكلم عادي على فكرة.

جلست حياء على حافة الفراش ورفعت وجهها له قائلة بخوف لم ينكره صوتها: –ولو مقدرناش نحققله كلامه ده هيبقى إيه الوضع ساعتها؟ رد قائلاً وهو يجلس بجوارها: –هيحصل إيه يعني؟ عادي يا حبيبتي، ربنا ما أرادش. –يعني مش هتفكر تتجوز عليا علشان تخلف ولد يشيل اسم العيلة؟ قالت حياء وهي تتفرس في وجهه لتدرس انفعالاته، فوجدته هادئ وسرعان ما راح يضحك قائلاً بمرح: –يشيل اسم العيلة! هو انتي مفكرة إني مهتم أوي بإسم العيلة؟

مكنتش عشت سنين الناس تعرفني براسل صفى الدين. وإيه اتجوز عليكي علشان أخلف دي؟ دا على أساس إن العيب منك علشان أعمل كده. متفكريش بالطريقة دي تاني يا حياء. وقومي غيري هدومك علشان نفطر، أنا بجد جعان.

وضع قبلة على رأسها ومن ثم غادر مكانه وذهب لغرفة الثياب، بينما ظلت هي جالسة مكانها وتنظر أمامها بشرود. ورغم أن حديثه بعث بنفسها الطمأنينة، إلا أن هناك جزء من عقلها لا ينفك عن التفكير في احتمالات الإخفاق الواردة بشأن الإنجاب. فإن كانت هي أخذت قرارها بعدم تركه وستحيا معه هو وابنته أياً كان الوضع، إلا أنها لم تمنع نفسها من وضع بعض الفرضيات، كأن تجبره الظروف على الزواج من أخرى لإنجاب وريث آخر لتلك العائلة العريقة إذا لم

تفلح هي في إنجابه. وعند تلك الخاطرة اتسعت مقلتيها وظلت تنفض رأسها من تلك الوساوس التي بدأت تنخر في عقلها دون رحمة أو شفقة، رغم أنها تعلم خير العلم أن زوجها غير مكترث بإسم عائلته، حتى وإن كان يقيم هنا في المنزل، فالروابط الأسرية بينه وبين باقي أفراد العائلة تحمل في الغالب طابع الفتور وعدم الاكتراث.

لم يقطع سيل أفكارها السلبية إلا خروج راسل من غرفة الثياب، وجذبها من يدها لتنهض، كأنه علم بما يدور في عقلها أو أنه إستطاع قراءة أفكارها. فقرص وجنتها قائلاً بمداعبة: –أظن الفيلم اللي كان شغال في دماغك زمانه خلص. يلا يا حياء خلينا نروح ناكل.

هو الوحيد الذي يستطيع كشف أفكارها بسهولة، ويستطع أيضاً تهدئة فورانها وثوارنها، التي لن تفضي في النهاية إلا لمزيد من الحيرة وتزدحم رأسها بالعديد من التخيلات. ولا تعلم لما صارت هكذا منذ سماع ما قاله والد زوجها بعفوية، بل على النقيض ذكر أنها هي من ستكون أم أحفاده، وتعلم مكانتها لديه وأنه يكن لها كل الحب والتقدير الذي يكنه لأفراد العائلة، بل وبأكثر من موطن ذكر أنها ستظل "حياء النعماني" سواء كانت زوجة لولده أم لا. ولكن هل سيكون هذا تفكيره إذا علم بأنها هي وراسل يواجهان مشكلة في الإنجاب، وأن ربما حلها سيستلزم وقتاً لا يستطيع أحد أن يجزم بأنه لن يكون وقتاً طويلاً؟

فزوجها أخبرها بأن ذلك الأمر يقتصر عليهما فقط، وأن حياتهما الزوجية بما يدور فيها سواء من مشكلات أو ماشابه تخصهما هما في المقام الأول ولا يحق لأحد التدخل بشؤنهما الخاصة. حتى أنه لم يفكر في أن يخبر خالته وفاء رغم مكانتها لديه وحبه الوافر لها. فالشئ الوحيد الذي تملكه الآن هو الدعاء لله وأن تتحلى بالصبر وتشحذ قوتها من أجل خوض تلك المعركة المصيرية متسلحة بحب زوجها لها.

بعدما تأكد من أن زوجته خلدت للنوم، أزاح عنه الغطاء الخفيف المتدثران به من برودة مكيف الهواء، وقبل أن يترك الفراش، أنحنى إليها وطبع قبلة محبة على جبينها. ومن ثم نهض من مكانه واتجه صوب غرفة الثياب، فخلع عنه ثيابه البيتية وأرتدى قميصاً وبنطالاً وسترة. ومن ثم عاد لغرفة النوم وفتح أحد الأدراج وأخذ سلاحه الناري ووضعه في ذلك الغمد الموضوع أسفل سترته.

وأخذ عمران حريته بالتجول في غرفته لعلمه بأن زوجته لن تفيق من نومها، خاصة بعدما وضع لها في مشروبها أحد العقاقير المسببة للنوم، حتى لا تعلم بشأن خروجه أو عودته. فحرصها على أن يلتزم الراحة، جعلها لا تسمح له بالخروج إلا إذا جلسا في حديقة المنزل. وغير ذلك يجلس في غرفتهما ولا تدعه يرى أحد سوى شقيقه معتصم، أو أفراد عائلتها. وغير ذلك غير مسموح له حتى بالذهاب إلى عمله. فابتسم لتذكره أنها صارت تشبه الأم التي رأت طفلها أصيب بجراح بالغة، فألزمته المنزل حتى لا يعود ويحدث له ما حدث. ولا ينكر أنه مستمتعاً لأقصى الحدود باهتمامها وعنايتها المفرطة به.

رأى إنه إذا استمر في النظر إليها هكذا لن يتحرك قيد أنملة وسيترك شقيقه معتصم ينتظره الليل بأكمله وهو جالساً في سيارته. فخرج من الغرفة ومن ثم هبط الدرج حتى وصل للحديقة ووجد معتصم في انتظاره، فصعد للسيارة بجواره قائلاً بهدوء: –يلا بينا يا معتصم. وضع معتصم يده على المقود ولكنه تردد في قيادة السيارة، فنظر لعمران قائلاً بارتياب نابع من خوفه: –عمران أنت متأكد من المشوار اللي احنا رايحينه ده؟

ما تسيب البوليس يتصرف وبلاش تعرض نفسك للخطر تاني. ربت عمران على ذراع معتصم قائلاً بثقة: –متقلقش يا معتصم، كل خطوة أنا حاسبها كويس. وانت عارف أنا موتي وسمي حد يستغفلني. وده مكنش استغفال، ده أنا كنت هروح فيها. ولازم أعلم ولاد الكلب دول درس عمرهم ما ينسوه. المهم، أنت بلغت الرجالة باللي قولتلك عليه.

حرك معتصم رأسه بالإيجاب. ومن داخله يشعر بالخوف من تهور شقيقه الذي ربما فاق الحد تلك المرة. فلولا علمه بأن عمران يابس الرأس ولا يترك ثأره من أحد، لكان فعل المستحيل ومنعه من الخروج والذهاب لذلك المكان حيث يوجد ذلك الرجل الذي حاول قتله. ولكن للمرة الأخيرة قبل أن يعود لقيادة السيارة نظر لشقيقه قائلاً برجاء: –عمران أرجوك بلاها المشوار ده. أنا ما صدقت إنك رجعت البيت بالسلامة، ليه عايز تجيب المشاكل لنفسك تاني؟

–لو انت خايف يا معتصم إنزل من العربية. انت برضه عندك مراتك وابنك. واللي جاي في السكة. قال عمران وهو يشير له بالترجل من السيارة. فنظر إليه معتصم عاقداً حاجبيه قائلاً بتبرم: –دا على أساس إن حضرتك مش عندك مراتك اللي صدقت أنها رجعتلك! مش عارف إيه سبب إنك تجر شكل ناس زي دي دلوقتي وأنت يا دوب لسه شامم نفسك بعد اللي جالك. أسند عمران رأسه لطرف مقعده قائلاً بإصرار:

–حقي ومش هسيبه. ولازم أتأكد إنهم اختفوا خالص. أنا مش ضامن المرة الجاية مين فيكم اللي يبقى ضحية الناس دي. فعلشان نرجع نعيش في أمان يبقى لازم أقطع جدر الشر خالص. ومتخافش عليا، أنا واخد احتياطاتي كلها وكله برضه هيبقى بالقانون. هتف بعبارته الأخيرة غامزاً لشقيقه بعينيه، فلا أحد قادر على فهم ما يدور بعقله. ورغم تهوره وجرأته، إلا أنه حاد الذكاء وماكر. وأشاد هو بمكره ودهاءه العديد من المرات خاصة في العمل.

قاد معتصم السيارة بحذر تتبعه تلك السيارة الخاصة بالحرس، فوصلا على مقربة من ذلك المكان المقصود، وخرج عمران من سيارة معتصم وأقترب من رجاله بعدما خرجوا من سيارتهم. واثنان منهما يمسكان بذلك الرجل الذي يلتفت حوله بذعر ويبدو على وجهه آثار ضرب مبرح. فعمران لم يهدأ له بال إلا بعدما عثر على أحد الرجلين اللذين حاولا قتله. وما أن عثر عليه رجاله نال منهم ما لا يرضيه من ضرب وتعذيب مع الحرص على عدم قتله وأن يبقى على قيد الحياة.

قبض عمران على مؤخرة عنق ذلك الرجل وهز رأسه بشيء من العنف قائلاً بتهديد: –هو ده المكان اللي قولت لنا عليه صح؟ عارف انت لو طلعت بتكذب عليا المرة دي قول على نفسك يا رحمن يا رحيم. بكى الرجل وتوسله طويلاً بأن يخلي سبيله: –أبوس إيدك يا باشا سيبني، أنا عندي عيال. صاح عمران في وجهه قائلاً بسخط: –ومفكرتش وانت بتحاول تقتلني إن أنا كمان ليا أهل وعيلة؟ يلا قدامي من غير كلام.

سحب عمران سلاحه الناري ووضعه على أحد جانبي رأس الرجل تهديداً له على إن حاول الهرب سيجد طلقات السلاح أسرع من ركضه.

وصلوا أمام ذلك المبنى المؤلف من طابق واحد، وأمر عمران رجاله بتطويق المكان وتأمينه. ومن ثم أطلق عدة طلقات نارية على الباب تبعها بركله حتى أنفتح على مصراعيه. وجد بالداخل ذلك الرجل المكلف بحراسة ليالي، ويبدو أن الأمر لم يقتصر على حراسته لها، بل بتلك الآثار الواضحة عليها من ثياب ممزقة وشعر أشعث ووجه غطته علامات زرقاء من كثرة الصفع والضرب.

لم يكن الحارس المكلف بحراستها سريع البديهة في التقاط سلاحه الموضوع على الطاولة في أحد أركان الغرفة، فأطلق عمران طلقة على كف يده جعلته يصرخ ويتأوه بصوت عالٍ، وتولى رجاله بعد ذلك أمره. –ليالي، ليالي، انتي سامعاني؟ نادها بإلحاح لعلها تفتح عينيها المتورمتين وتنظر إليه، ولكنها وجدت صعوبة في فتح عينيها، إلا أنها ابتسمت بوهن ما أن رأته وهتفت باسمه: –عمران. ابتلعت لعابها ومن ثم أضافت ودمعاتها تغرق وجهها كسيل:

–الحمد لله إنك بقيت كويس، لأن فداك أي حاجة. حاولت أن ترفع جزعها العلوي ولكنها لم تقوى على فعل ذلك، فآثار الاعتداء الوحشي عليها من ذلك الرجل، جعلتها عاجزة عن القيام بأي حركة. فرغم أن ذلك الوغد الذي أمر بإختطافها أفشى له بمكان وجود الألماس مقابل تركها وترك عمران بحاله، إلا أنه ما أن حصل على مبتغاه أوصى الحارس بأن يزيد في أفعاله معها حتى تعجز عن الحركة عقاباً لها أنها حاولت خداعه. أخذته الشفقة على

حالها المزرى فقال بعطف: –متخافيش يا ليالي، أنا هوديكي المستشفى وهتبقي كويسة إن شاء الله. بس قوللي مين هو الراجل اللي اتسبب ليكي في ده كله. ابتسمت من وسط غمامة الدموع قائلة بعاطفة لم تكنها لأحد غيره: –ياريت الناس كلها كانت زيك كده، مكنش فيه ست ولا بنت هتتهان. وهو يبقى راجل بيدير شبكة منافية للآداب وبيشغل البنات في الشغل الشمال وكل حاجة تخطر على بالك. بس مبقاش ليالي إلا لو وديته في داهية. بس خرجني من هنا.

خلع عمران سترته ووضعها على جسدها لعله يستره خاصة أن ثيابها ممزقة ولا تكفي لسترها، ونادى أحد رجاله وأمره بحملها ليذهبوا بها إلى المشفى ويتم تسليم الرجلين الآخرين للشرطة، حتى تستطيع ليالي الإدلاء بكل المعلومات التي تعلمها عن ذلك الرجل الذي فعل بها كل هذا وحاول قتله. ورغم امتعاضه واستياءه منها، إلا أنه لم يملك سوى أن يشفق على حالتها التي تجزم أنها كامرأة عانت من اعتداء وحشي أهدر كرامتها واستحل جسدها بأبشع الطرق وأسوءها.

فهو إن كان فعل بزوجته ذلك مرة من قبل إلا أن الأمر لم يصل لتلك الحالة التي تعاني منها ليالي وربما ستجعلها تلقى حتفها في القريب العاجل. وما أن عاد لسيارة شقيقه وجد الحارس واضعاً ليالي في المقعد الخلفي، فأخبر معتصم أن يذهب بهم فوراً إلى مشفى راسل. فليالي هي التي ستشي بمن يكون ذلك الرجل، الذي لن يهدأ له بال قبل أن يعثر عليه وينال عقابه بالقانون مثلما خطط هو. فأولى خطوات خطته كانت إيجاد ليالي ومن ثم تدلي هي بكل ما يتعلق

به، خاصة أن الرجل الأول الذي وقع في قبضته أقسم له أنه لا يعلم من يكون وربما الحارس الآخر يكون على علم بهويته. ولكن ليالي هي مفتاح ذلك اللغز، كونها هي التي كانت بينها وبينه أمور كثيرة لا يعلمها الحارس خاصة ذلك الأمر المتعلق بالألماس، الذي لا يعلم عمران شيئاً عن سبب إصرار ذلك الرجل أن يحصل عليه.

ما أن سمعت بيرى صوت أقدام خارج غرفتها، وضعت هاتفها أسفل الوسادة ومن ثم تمددت على الفراش لتوهم القادم بأنها نائمة. فالجميع صاروا يعتنون بها أشد العناية، وشقيقة زوجها منذ عودتها للمنزل وهي لا تدخر جهداً في الحرص على راحتها، بل تعد لها الطعام وتحرص على أن تتناوله بأكمله كما أخبرهما الطبيب بأنها في حاجة للراحة والاعتناء بها. ورغم وخز ضميرها لها في ممارسة تلك الخدعة عليهم، إلا أنها تطمح في جني ثمار خديعتها المتمثلة في تلك

الغنيمة المسماة زوجها ذو القلب القاسي، الذي كان على وشك قتلها بجهل منه. ولكنها قررت الاقتصاص منه بدهاء بنات حواء، وتجعله يشعر بالندم، بل وستحصل على ما تريده منه. خرجت من شرودها على وضع شقيقة زوجها تلك المنضدة الصغيرة الموضوع عليها طبق من الحساء الدافئ وطعام صحي من أجل أن تتناولهما قبل أن تأخذ دواءها الذي أوصاها الطبيب أن تتناوله بصورة منتظمة.

فرفعت بيرى وجهها لها ونظرت لها بصمت، بينما وضعت هي الطعام أمامها قائلة بحنان: –يلا يا بيرى علشان تاكلي، عبد الرحمن موصيني إنك تاكلي الأكل كله.

حركت بيرى رأسها بالرفض، ولم تفعل شيئاً سوى أنها راحت تحدق بها تارة وتحدق بالفراغ تارة أخرى. فإتقانها لدورها بتلك اللعبة والتي تتلخص في ادعائها بأنها تعاني من آثار نفسية سيئة أدت لعدم رغبتها في أن تتحدث مع أحد كأنها فقدت النطق، جعل الجميع يصدقونها وخاصة زوجها لعلمه بطباعها التي تميل للحزن الشديد إذا واجهت أمراً محزناً. ربتت شقيقة زوجها على ساقها قائلة بإشفاق على حالتها التي تراها:

–إن شاء الله هتبقي كويسة يا حبيبتي، يلا خلصي أكلك وخذي دواكي وارتاحي. وعلى ما تصحي من النوم أشوف ابني وجوزي وأعملهم الأكل، وأشوف الأكل اللي عملته لعبد الرحمن هو على النار دلوقتي، وهجيلك تاني. ظلت شقيقة زوجها تلح عليها بهدوء أن تتناول طعامها، وما أن اطمأنت على أنها أنهت الحساء وأخذت دوائها، أخذت الأطباق الفارغة للمطبخ لتجليها قبل أن تعود لشقتها ولم تنسى أن تطهو طعام لشقيقها، إذ أن زوجته لن يكون في مقدورها أن تعده له.

ما أن أنتهت وهمت بالخروج من الشقة تقابلت مع حياء، التي يبدو عليها أنها كانت على وشك دق الباب، فابتسمت لها وأخبرتها بأن بيرى في غرفتها. فولجت حياء لداخل الشقة وذهبت هي لشقتها. دَلفت حياء لغرفة نوم بيرى، فضحكت بصوت عالٍ قائلة بتفكه: –انتي استحليتي الموضوع ولا إيه يا ست انتي؟ وأخرتها إيه بقى في حوارك ده؟ معقولة جوزك لسه مكتشفش المقلوب بتاعك ده؟ جلست بيرى في فراشها ففركت يديها وقالت بحماس:

–ياااه لو أعرف إن الموضوع ده هيخليه كده، كنت عملت كده من أول يوم في جوازنا. اسكتي يا حياء دا عبد الرحمن دلوقتي مش عارف يعملي إيه ولا إيه، شايلني على كفوف الراحة. جلست حياء قبالتها على الفراش ولوت ثغرها قائلة بصراحة: –ولو عرف اللي بتعمليه فيه هيشيلك على نقالة يا حلوة. حكت بيرى جانب وجهها وقالت كأنها تفكر: –تصدقي ممكن يعملها، وخصوصاً إنه بيقلب زي العاصفة. بس مش مهم، المهم أشوف لي معاه يومين حلوين قبل ما أموت.

ضحكت بصوت عالٍ ما أن أنتهت من قولها، وشاركتها حياء الضحك وظلتا تتسامران حتى سمعتا صوت حمحمة قوية قادمة من الصالة ويبدو أن عبد الرحمن قد عاد. فنهضت حياء عن الفراش وقالت بصوت منخفض ضاحك وهي تضع حقيبتها على كتفها: –شكل جوزك جه برا، أنا همشي دلوقتي. بس متقلليش العيار أوي للمرة دي يتصلوا عليا من المشرحة ويقولولي تعالي استلمي الجثة. مصيبة لو كان سمعك وانتِ بتتكلمي وبتضحكي دلوقتي.

لم تمنع بيرى نفسها من أن تبتسم على قول حياء، وما أن خرجت من الشقة، وجدت زوجها يلج الغرفة وينظر لها بهدوء وقسمات وجهه لا تنم على شيء، فجلس قبالتها متسائلاً: –عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟ كويسة؟ نفسي تردي عليا وأسمع صوتك تاني، وحشني.

تبع قوله بأن راحت أنامله تداعب وجنتها، حتى أعجزتها عن التقاط أنفاسها بانتظام بعد سريان تلك الرجفة بها من مداعبته الغير منتظرة، فازدردت لعابها وتعالت وتيرة أنفاسها اللاهثة، وألجمت لسانها حتى لا تفسد خطتها أمام مداعبة لطيفة جاءتها في غير وقتها. قبل جبينها وإستأنف حديثه: –أنا أخدتلك حقك من الكلب اللي اتسبب في ده كله. أقترب أكثر وراح يعانقها بحنان، وبادلته عناقه بلهفة متناسية خطتها، حتى قطع هو العناق بينهما قائلاً بأسف:

–أنا آسف يا بيرى، شكلي نسيت إنك تعبانة وفى حالتك دي ممكن تخافي مني. أسرعت بيرى بالرد قائلة بشوق: –لأ، أنا مش خايفة منك. انت جوزي وحبيبي يا عبد الرحمن. أدركت حماقتها ما أن أنتهت من قول عبارتها، فقطب زوجها جبينه قائلاً: –بيرى، انتي رجعتي تتكلمي تاني؟ ابتلعت لعابها وفركت يديها وردت قائلة بتوتر:

–أنا مكنتش حابة أتكلم مع أي حد ولا معاك لأن انت خلاص باين عليك إنك مش عايزني في حياتك. وأنت عارف لما نفسيتي بتتأثر وبزعل بعتزل كل اللي حواليا. أدنى عبد الرحمن برأسه منها وهمس في أذنها: –أنا عمري ما تمنيت حاجة في حياتي قد ما تمنيتك انتي يا بيرى. بس الوجع صعب. هزت رأسها بقوة، كأنها على ثقة ويقين بما يقوله، فرفعت يديها وحطت بهما على ظهره وقالت بغصة: –عارفة إن وجعك صعب بس أنا مليش ذنب.

–عارف والله إنه مش ذنبك ولا ذنبي، بس شعور العجز وحش أوي أوي. حتى مش قادر أطلب منك دلوقتي إن إحنا نبدأ حياتنا من جديد. أنا فعلاً عايزك حبيبتي ومراتي ودنيتي كلها، وإن... بدا حائراً ومتردداً في قول ما لديه، كأنه يخشى أن يقدم على الأمر ويعود عليها بمردود سلبي.

إلا أنها فطنت لما يريده و قطعت حيرته بأن وهبته موافقتها الكاملة والتامة على ما يمكن أن يحدث بينهما، وأنها تريد خوض التجربة. فهما لن يخسرا شيئاً كونهما زوجان في الأصل وهذا أمر فطرى وطبيعي بينهما. ولكنها أرادت أن يكون وصالهما الأول مميزاً، فطلبت منه أن يمنحها عدة دقائق حتى تكون في أبهى زينة لها. وما أن خرج من الغرفة ليمنحها حريتها في ارتداء ما تشتهي من الثياب، أخرجت ذلك الثوب الذي أبقت عليه من أجل تلك اللحظة. وبعد أن ارتدته وضعت عطرها على معصميها وخلف أذنيها.

ترددت قليلاً في مناداته، إلا أنها حسمت أمرها ونادت بصوت مرتفع قليلاً: –عبد الرحمن. ولج الغرفة قائلاً بابتسامة: –نعم يا حبيبتي. خفق قلبها بشدة ولم تجرأ على أن تفوه بكلمة أخرى، فتركت لحدسه تخمين ما تريد قوله، فراحت ترتجف دون إرادة. ولكنه سار نحوها كأنه منوم مغناطيسياً. ولكن إزداد وجهها شحوباً ما أن تشابكت أيديهما سوياً. إلتعمت عينا عبد الرحمن ببريق أخاذ وهو يقول بصوت متهدج من كثرة إختلاج الشوق بقلبه:

–آه لو تعرفي يا بيرى تأثيرك عليا عامل إزاي، من أول مرة شوفتك فيها وأنتِ أسرتيني ومتمنتش حاجة غير إنك تكوني ليا. أنا بحبك يا بيرى. طار صوابها ما أن سمعت منه عبارة الحب، التي لم تسمعها منه منذ آخر مرة تقابلا بها قبل فراقهما أعواماً، فأغمضت عينيها وتهدج صوتها وهي تقول بهمس قادر على إشعال قلبه: –لو بتحبني أوي كده متسبنيش ولا تتخلي عني يا حبيبي. قال وهو يتنهد بعمق: –أنا مش بحبك بس يا بيرى أنا بعشقك. حدقت فيه

بعينين غائمتين ساحرتين: –وإيه كمان يا عبد الرحمن؟ قول وأنا سمعاك. لم يستطع الإجابة على الفور، بل شعر بغصة خانقة في حنجرته منعت عليه حتى التنفس، ثم قال بعد لحظات: –عارف إن قسيت عليكي، وكمان انتي اتأذيتي ووصلتي للحالة اللي كنتي فيها بسببك. بس غصب عني يا حبيبتي سامحيني. ردت بيرى بلطف ونبرة خافتة هامسة: –مسامحاك يا حبيبي، انت اللي المفروض تسامحني.

التقت عينيها بعينيه في عناق حار يحمل في طياته كل معاني الحب، كأنها نسيت مخططها ويبدو أنه هو الآخر لم ينتبه على عبارتها التي توحي بمدى شعورها بالذنب. ولكن يبدو أن صوت القلوب علا على أي صوت آخر، وبدأت الحياة بينهما جميلة ومليئة بالعواطف والمشاعر الرائعة. وعندما استيقظت بيرى متأخرة في صباح اليوم التالي، وجدت نفسها وحيدة في الفراش، وأحست بالوحدة والفراغ لغياب زوجها، وراحت تتساءل عن السبب الذي جعله يتركها وحدها. إنها

مشتاقة إليه وها هي تتحسس الوسادة والغطاء حيث كان يرقد قبل قليل، وكأن مكانه ما زال دافئاً. نادته ولكن ليس هناك من مجيب على ندائها، ففكرت أن تتصل به هاتفياً على الفور، وتعترف له باشتياقها، فالعواطف كانت تجتاحها وتدفعها إلى التفكير في تلك اللحظات الرائعة التي قضياها معاً. تمطت في سريرها بارتياح وهي تتذكر تفاصيل الليلة الماضية، ورغم تحفظه معها في البداية، إلا أنه تحول إلى اللطف والحنان فور سقوط الحواجز بينهما. وهي الآن

تريده معها باستمرار وستظل تريده حتى يتوقف قلبها عن الخفقان، فهما لم يعودا شخصين غريبين بل صارا روحاً وقلباً واحداً، وتريد أن تخبره أنها تحبه وأنها سعيدة بأن صارت له زوجة وقد تجلت سعادتها في تلك الابتسامات المشرقة التي لم تفارق شفتيها منذ استيقاظها من نومها، وباتت نفسها مطمئنة إلى حب زوجها وتعلقه بها ومدى سعادته بأن ظفر بها زوجة.

ساور حياء القلق حول عدم اتصال شقيقها بها منذ أن رآته آخر مرة، فربما انشغالها بالأحداث التي حدثت مؤخراً بينها وبين زوجها، جعلها تغفل عن أن ديفيد لم يكلف نفسه عناء الاتصال بها مرة واحدة منذ أخبرها بشأن سفره الذي امتد الآن لما يقرب من شهر. ولكن رغبتها في رؤيته قبل سفرها للأراضي المقدسة، جعلها تقود سيارتها في اتجاه منزل عائلتها. وأخبرت راسل بأنها ستقوم بزيارة شقيقها لعله عاد من سفره وتريد وداعه قبل سفرهما. ورغم علمها

باستياء زوجها من ديفيد، إلا أنه لم يمنعها من أن تقوم بواجبها تجاه شقيقها، فهذا أحد الأسباب التي تجعلها تعشقه حد النخاع، من أنه رغم ما لقاه من بعض الأفراد حوله، إلا أنه لا يحمل أحد آخر ذنب لم يقترفه وخير دليل على ذلك إبنته سجود والتي لم يفكر مطلقاً في أن تحمل وزر والدتها اللعينة. حاولت الإتصال بديفيد قبل وصولها للمنزل، إلا أنها لم تحصل على رد منه، وهذا ما زاد في قلقها وخوفها من أن يكون حدث له مكروه، فرغم اختلافاتهما

في بعض الأمور، إلا أنه يظل شقيقها في النهاية.

ضربت بيدها على مقود السيارة قائلة بتبرم: –رد بقى يا ديفيد، قلقتني. ولكن لا من مجيب. وما أن وجدت نفسها أمام المنزل، ضغط زمور السيارة ليفتح لها الحارس، وما أن علم بهويتها فتح لها البوابة الكبيرة، فنظرت إليه حياء من نافذة السيارة وتساءلت: –هو ديفيد جوا ولا لسه مسافر؟ أجابها الحارس بعفوية وهو يشير للبيت: –ديفيد بيه رجع من كام أسبوع يا هانم.

عقدت حياء حاجبيها بدهشة، إلا أنها لم تحاول سؤال الحارس مرة أخرى، بل أكملت طريقها حتى وصلت للباب الداخلي للمنزل. خرجت من السيارة وبعد استقبال إحدى الخادمات لها تساءلت حياء وهي تتجه صوب غرفة المكتب: –هو ديفيد في مكتبه ولا فين؟

توترت الخادمة من سؤال حياء لتشديد ديفيد على ألا يتفوه أحد بكلمة حول عودته مصطحباً فتاة يقول عنها أنها زوجته، ولا يعلم أحد عنها شيئاً سوى مارجريت. فتنفست الخادمة براحة وهي تراه يهبط الدرج، قبل أن تعطي جواباً لحياء على سؤالها. رغم ما يلاقيه بتلك الأونة إلا أنه ابتهج برؤية شقيقته، وأقترب منها مقبلاً لرأسها قائلاً بحنان: –حبيبتي، انتي هنا من إمتى؟ حدقت به حياء بتركيز وقالت باستياء طفيف:

–لسه جاية دلوقتي وحضرتك مش بترد عليا وبقالك فترة مختفي ومعرفش عنك حاجة. هو إيه اللي حصل مخليك كده زي ما تكون بتتهرب مني؟ أبتلع ديفيد لعابه قائلاً بمرح زائف: –هتهرب منك ليه يا حياء؟ كان عندي شغل كتير وأنا قولتلك مسافر علشان أصفى شغلي وأستقر هنا في إسكندرية، فطبيعي إني أتأخر على ما أرجع. –مش عارفة ليه مش مرتحالك وحاسة إن وراك مصيبة.

قالت حياء دون مواربة، فشعورها المتزايد بداخلها من أن شقيقها يخفي عنها أمراً، بدأ يجعلها تشعر بالانزعاج خشية أن يكون هناك شيء ليس بالهين وهذا ما يجعله يتصرف على هذا النحو الغريب. إطمئنانه بأنه أودع ياسمين في غرفة بذلك الجزء المغلق من المنزل والذي لم يكن يسكنه أحد سوى مارجريت عندما كان أدريانو على قيد الحياة، جعله يشعر بخطر أقل من أن شقيقته بإمكانها اكتشاف ما يخفيه عنها.

فأخذها معه لغرفة المعيشة وحاول التصرف بهدوء حتى تمر جلستهما بسلام. وما أن أخبرته بأنها على وشك السفر للأراضي المقدسة وتريده أن يتخذ تلك الخطوة الجدية خاصة بعد أن أعلن إسلامه، فأعطاها وعداً بأنه سيفكر في الأمر. تنفس الصعداء ما أن سمع رنين هاتفها ويبدو أن زوجها يريدها في المنزل، لذلك أسرعت في الذهاب وقام بتوصيلها لسيارتها. وما أن غادرت ذهب لزوجته حبيسة الغرفة المقيمة بها.

وجد الخادمة بصدد الدخول إليها بالطعام، فأخذه منها وصرفها على الفور وهو يقول بأمر: –روحي انتي وأنا هدخلها الأكل، وخلي حد من الحرس يخرج العربية من الجراج علشان أنا خارج. أماءت الخادمة برأسها احتراماً لرب عملها ومن ثم ذهبت لتنفيذ ما طلبه منها. فتح ديفيد الباب بالمفتاح الذي بحوزته دائماً وولج للداخل، وجدها تقف أمام النافذة عاقدة ذراعيها وتنظر للسماء، كأنها في انتظار الخلاص الذي سيأتيها من العدم.

أحست بخطواته ووضعه لصينية الطعام على المنضدة، إلا أنها لم تفكر في أن تستدير إليه، فسمعته يناديها بلطف: –ياسمين، تعالي علشان تاكلي. كزت على أسنانها وقالت دون أن تنظر إليه: –خد أكلك واخرج من الأوضة، لأن مش طايقة النفس اللي بتنفسه معاك في مكان واحد.

رغم أنها لم تكف عن أقوالها تلك منذ ما حدث، إلا أنه يمارس أقصى درجات ضبط النفس حتى لا يتصرف وفق لميوله الجنونية والتي تتسم بنفاذ الصبر، فأقترب منها ووضع يديه على كتفيها قائلاً بهدوء: –مش هيفيدك بحاجة أنك أوقات بتعملي إضراب عن الأكل، كده غلط على صحتك، انتي عايزة الدكتورة تجيلك تاني وتعلقلك محاليل من قلة أكلك. إنكمشت إثر لمسته فقالت بيأس وبكاء: –ياريتني أموت علشان أرتاح ومشوفش وشك تاني.

جعله تستدير إليه فهز جسدها بشيء من العنف والقسوة وهو يقول بغضب شديد: –انتي مش هتموتي فاهمة؟ مش هتموتي وتسيبيني! مش هسمحلك! نفضت يديه عنها ولا تعلم من أين جاءتها تلك القوة التي جعلتها تدفعه عنها حتى كاد يترنح في وقفته فصاحت في وجهه بجماع صوتها: –انت مين انت علشان تسمح ولا متسمحش؟ صفتك إيه أصلاً بالنسبة ليا؟ جوزي اللي معرفهوش؟ ولا شبح الشاب اللي حسيت في وقت إن قلبي مال ليه؟ اخرج برااااا.

ظلت تصرخ وتصيح لعله يخرج ويتركها بحالها، خاصة أنها كلما تتذكر تلك العواطف التي ساهم بإحيائها داخل قلبها عندما ادعى أنه "تميم" تشعر بأنها آثمة لإعجابها به. –خلاص، إهدي أنا خارج. قالها ديفيد وخرج من الغرفة ولكن يبدو عليه أنه لم ينتبه على اعترافها الذي قالته بسخط عارم بشأن إعجابها به عندما كانت تظنه شخص آخر غير ذلك الذي تراه أمامها الآن.

بعد مرور بضعة أيام نهضت ياسمين من فراشها وركضت للمرحاض، بعد أن شعرت بتلك الحالة من الغثيان التي داهمتها هذا الصباح، وظلت تفرغ ما بمعدتها حتى صارت تتأوه بصوت منخفض من شعورها بالألم الناتج عن كثرة تقيئها، ولا تعلم ما الذي دهاها اليوم. ففتحت صنبور الماء وهي ما زالت منحنية الظهر، كأن أمر استقامتها بوقتها سيتسبب لها في مزيد من الألم. ظلت ترشق وجهها بالماء، لعلها تدرء عنها ذلك الدوار، الذي بدأ يعيث في رأسها وربما ستسقط

مغشياً عليها بين فينة وأخرى، ولكن لم تكن الماء ذات فائدة، إذ لم تستطع تفادي تلك الحالة من فقدان الوعي، فسقطت وهي لا حول لها ولا قوة دون حراك. وديفيد الذي ولج الغرفة حاملاً لها الطعام الذي تمتنع أحياناً عن تناوله، سكنه الخوف ما أن وجد الفراش خالياً من وجودها، فوضع الصينية من يده وبحث عنها أولاً في الشرفة وغرفة الثياب ومن ثم ذهب للمرحاض، فوجدها متسطحة أرضاً ولا تأتي بأي حركة. فقبض الخوف على فؤاده من أن يكون أصابها

مكروه من عدم تناولها للكميات الكافية من الطعام.

حملها من على الأرض وخرج من المرحاض ثم وضعها في الفراش وخرج مهرولاً يصيح في رجاله بأن يأتوا له بطبيبة على وجه السرعة. وما أن أسرع الرجال في تنفيذ أمره، عاد للغرفة وحاول إفاقتها لحين مجيء الطبيبة. وأول ما تبادر لذهنه بأن يجعلها تستنشق عطراً لعله يساهم في إعادة وعيها المسلوب. وضع العطر على باطن يده ومن ثم قربه من أنفها وهو يقول بخوف شديد: –ياسمين، ياسمين يا حبيبتي فوقي، مالك.

ربت على وجنتها برفق وحاول تدليك كفيها الخاليان من الدفء وتمتلكهما حالة من البرودة كأن دماءها لم تعد تضخ في جسدها. وكلما تبوء محاولته في إفاقتها بالفشل، يعود ويصرخ بجنون: –ياسمين فووووقي! ردي عليا!

كاد يفقد عقله وهو في انتظار مجيء الطبيبة، فلولا خشيته من أن يذهب بها للمشفى، لكان فعل على الفور دون تردد. ولكن خروجها من هنا، ربما سيكون الخطوة الأولى لعدم عودتها ثانية لمنزله. فهو حرص على جعل المنزل كالقلعة الحصينة حيث لا يدخل أحد أو يخرج دون علمه. ولم يتخذ تلك الإجراءات المشددة إلا بعد علمه بأن عمرو حاول اقتحام المنزل من أجل أخذها وإعادتها لأسرتها. أخذ هاتفه واجرى اتصاله بأحد رجاله وصرخ بجنون:

–فين الدكتورة اللي قولتلك تجيبها بسرعة؟ حالاً تكونوا عندي، انتوا فاهمين وإلا هخلص عليكم كلكم. لم يكد يمر خمسة عشر دقيقة أخرى، حتى وجد طبيبة شابة تلج الغرفة وهي تنظر حولها بفزع وذعر، بعد أن جلبها الرجال بطريقة أشبه بالخطف. فجذبها ديفيد من ذراعها وقربها من الفراش قائلاً بأمر: –شوفيها هي مغمى عليها ليه ومش بتفوق. جحظت عينا الطبيبة وهي تحدق فيه تشعر بالخوف، فارتعدت ما أن صرخ في وجهها وهو يقول بنفاذ صبر:

–هو انتي لسه هتبصيلي؟ شوفي شغلك. بدأت الطبيبة في فحص ياسمين، وما أن أنتهت من فحصها نظرت لديفيد قائلة بمهنية: –هي المدام حامل، بس لازم تروح المستشفى. دي باين عليها عندها ضعف شديد، هي مكنتش بتاكل كويس. لم يستمع ديفيد إلا لشق عبارتها الأول والذي حمل له نبأ بأن زوجته صارت حاملة لطفله. فغر فاه إذ لم يضع بباله أن يحدث ذلك من ليلة واحدة قضتها معه كزوجة له، فرمق الطبيبة قائلاً بما يشبه الذهول: –حامل! ياسمين حامل؟

انتي متأكدة من كلامك ده؟ هزت الطبيبة رأسها وهي متعجبة من رد فعله، كأنه لا يصدقها، إلا أنها عادت لتتلو عليه قولها مرة أخرى: –أيوة حضرتك، المدام حامل وفعلاً لازم تروح المستشفى وإلا كده هيبقى فيه خطر على حياتها وحياة الجنين. رفع ديفيد سبابته قائلاً بتحذير: –هي مش لازم يحصلها حاجة ولازم هي وابني يبقوا كويسين. شوفي محتاجة إيه وأنا هجبلها كل حاجة في البيت هنا، حتى لو حولتلها البيت مستشفى.

بعدما زفرت الطبيبة بيأس من إقناع بضرورة ذهاب زوجته إلى المشفى، قامت بتدوين ما تحتاجه من عقاقير طبية وأخبرته بضرورة إحضارها، فأسرع في إرسال رجاله لجلبها على الفور. بعد مرور بعض الوقت، انتهت الطبيبة من وضع المحلول المغذي لها، وأوصته بأن يجعل من يقيم معها بشكل دائم حتى تستعيد عافيتها، لأنها بحاجة للمساعدة وللرفقة أيضاً. –بابا، ماما.

بدأت ياسمين في استعادة وعيها، وظلت تحرك رأسها ببطء على الوسادة وشفتيها الجافتين لا تنفك عن مناداة والديها. فنظرت إليه الطبيبة بشك، خاصة أن حالتها توحي بأنه ربما قام بإختطافها عنوة. لذلك ما أن انتهى المحلول واستعادت ياسمين وعيها بشكل كامل، أمرها بالرحيل ولم ينس تهديدها إنها إذا حاولت أن تبوح لأحد بالأمر سيقتلها على الفور. فلملمت الطبيبة أدواتها ومن ثم غادرت وهي تشعر بالشفقة على تلك المسكينة والتي يبدو عليها أنها في حاجة ماسة إلى والديها.

ما أن صارا بمفردهما في الغرفة، ووجدته ياسمين يجلس بجوارها على طرف الفراش، نأت بجسدها عنه وظلت تنظر إليه بمقت شديد. ولكن ذلك لم يمنعه من أن يأخذ أحد كفيها بين راحتيه يقبلها بلهفة عاشق قائلاً بسعادة لم يستطيع إخفاءها بنبرة صوته: –مبروك يا حبيبتي هنبقى بابي ومامي بعد كام شهر، انتي حامل يا ياسمين، يعني هيبقى عندي إبن منك يا حبيبتي. دا أجمل خبر سمعته في حياتي.

وكأنه ألقى عليها نبأ وفاة وليس أنه أخبرها بأنها تحمل طفلاً في أحشائها الآن، فظلت تصرخ وتبكي رغم وهنها البادي على وجهها وجسدها: –دا أسوأ خبر أنا سمعته! إزاي ده حصل؟ وإزاي أشيل طفل منك انت إزاااااااي؟ ربما صار الحراس في الخارج يسمعون صوت صراخها، فحاول ديفيد أن يجعلها تكف عن الصراخ، الذي لن يكون ذا فائدة بل على العكس سيجعلها تشعر بالتعب والإرهاق، فهتف بها برجاء وتوسل:

–إهدي يا حبيبتي أبوس إيدك، كده غلط عليكي انتي والبيبي، انتي تعبانة ولازم ترتاحي يا ياسمين. أغمضت ياسمين عينيها وزخات من الدموع تفر من بين أجفانها فقالت بصوت نائح: –عايزني أهدى وأرتاح وأنا دلوقتي بقيت شايلة بذرة من شيطان زيك، يعني هخلف شيطان شيطاااان فاهم يعني إيه؟ أنا لازم أخلص منه، مش ممكن أكون أم لطفل منك انت. –للدرجة دي انتي شايفاني شيطان؟

قال ديفيد بدهشة رغم أنه سمع صفة ونعت الشيطان له من أفواه كُثر، إلا أنها منها مزقت شيئاً بداخله. فردت ياسمين بتوكيد على صحة ما سمعه منها: –معقولة انت مش عارف نفسك وإن كل تصرفاتك دي تصرفات شياطين؟ لما تضحك عليا وتتجوزني ودلوقتي بقيت حامل في طفل يعتبر جه من الحرام.

ترك يدها على الفور، وهب واقفاً كأنه ممسوس، ولم يفعل شيئاً سوى أنه راح يحدق في وجهها بصمت ونظرات زائغة، ودون أن تفوه بكلمة ترك الغرفة وخرج، وذهب لغرفة مكتبه وظل بها وقتاً طويلاً.

حاولت ياسمين أن تعتدل في فراشها بصعوبة، ولكنها نجحت في الأخير بأن تجلس مستندة على الوسائد خلفها وهي باكية وتفكر في مستقبل طفلها الذي لم يرى النور بعد. ولكن وجدت باب الغرفة يُفتح وتلج منه مارجريت بمشيتها البطيئة ووجهها المجعد من أثر المشيب. ولم يستطع جسدها إيقاف تلك الرجفات ما أن رآتها، فمنذ أن أتى بها ديفيد لهنا ورآتها في المرة الأولى خافت من نظراتها التي كأنها سهام تكاد تنفذ إلى أعماقها.

خطت خطواتها المتمهلة حتى وصلت إلى جوار الفراش، وابتسمت على نحو غريب قائلة وعيناها تنظر لبطن ياسمين: –عرفت إنك حامل يا ياسمين، يعني هتجيبي حفيد جديد لعائلة إسكندر شمعون. ما أن سمعت ياسمين كنية تلك العائلة التي من المفترض أن يحملها ابنها في المستقبل عادت تبكي وتنوح. فجلست مارجريت على المقعد القريب من السرير وهي تقول بحزم:

–بطلي عياط، لأن عياطك مش هيفيدك بحاجة. أنا كان نفسي ديفيد يتجوز واحدة منا وهي اللي تخلف له وريثه، بس قلبه حبك انتي ولعنة عشقك استولت عليه. أكيد مكنتش حابة إن الوريث الجديد للعيلة تكون أمه مسلمة، بس مش مهم لأن الولد هيشيل اسم أبوه وعيلته، ف أحسن ليكي إنك تتقبلي الأمر الواقع، لأن مهما عملتي ديفيد مش هسيبك ولا يسيب ابنه. –وأنا مستحيل ابني يبقى منكم.

وضعت ياسمين يداها تلقائياً على بطنها كأنها تحمي طفلها من سموم أقوال تلك المرأة والتي يبدو عليها أنها لا تكن لها أي محبة بل أنها مستاءة أشد الاستياء من كونها زوجة لديفيد. ضحكت مارجريت وقالت بلهجة المنتصرة: –بس هيبقى منا يا ياسمين ومش بمزاجك. لاء غصب عنك ومش هتقدري تعملي حاجة. صرخت ياسمين ووجهها صار محتقناً بدماء غضبها: –مش هيحصل مستحيل! حتى لو هيكون آخر يوم في عمري ابني مش هيبقى يهودي فاهمة؟ مش هيبقى يهودي.

عاد ديفيد للغرفة للإطمئنان عليها يصطحب معه الخادمة التي تحمل الطعام لزوجته. وأوصاها بالإعتناء بها، فسمع صوت صراخها وأخبر الخادمة بأن تنتظره قليلاً في الخارج. فولج على الفور متسائلاً عن سبب صياحها وصراخها: –فيه إيه؟ بتصرخي ليه كده؟ نظر لمارجريت مستأنفاً حديثه: –حصل إيه يا مارجريت؟ هزت كتفيها كأنها لا تعلم ما أصابها، فقالت وهي تقترب منه ويبدو أن بنيتها الخروج من الغرفة: –مش عارفة مراتك مالها عصبية ليه كده؟

ده كله عشان جيت أبارك لها على الحمل. أنا هروح أوضتي أرتاح. خرجت مارجريت، وأقترب منها محاولاً الاستفسار عن ذلك الحديث الذي دار بينهما، فوجدها تحدق في وجهه قائلة بسخط ودموع: –الست دي مش عايزة أشوفها تاني، ولا عايزة أشوف وشك انت كمان. أنا بكرهك بكرهك منك لله. وزي ما قولتلك الطفل ده أنا هخلص منه، هعمل المستحيل عشان ميبقاش ليا ابن ولا بنت منك. إنحنى إليها وقبض على ذراعها قائلاً بإصرار:

–مش هخليكي تخلصي منه يا ياسمين. ابني هيعيش فاهمة يعني إيه؟ هيعيش غصب عنك. نظرت إليه دامعة العينين وتمتمت: –أنا بكرهك يا ديفيد.

فإن كان غضبها وحديثها الساخط معه منذ علمها حقيقته لم يؤثر به، إلا أنها ما أن نطقت بكلمة الكراهية، وجد قدميه تبتعد لا إرادياً عن الفراش. وفكر أن من الأفضل له ولها أن يترك المنزل لبضعة أيام، لعلها تهدأ وتكون أكثر حكمة في نطق كلماتها التي صارت أشد وقعاً من وابل الطلقات النارية. وجاء تفكيره هذا أيضاً بعد تلقيه الأوامر بشأن اجتماع ضروري يجب أن يكون أحد أعضائه. وبالفعل في اليوم التالي كان مغادراً على متن تلك الطائرة التي

كانت وجهتها إيطاليا حيث عودته دائماً عندما يضيق الخناق عليه. ولكن كل مرة كان يفعل ذلك كان يجد السلوى بين أذرع الحسناوات اللواتي كان يتناوب على اصطحابهن لمتعته الخاصة. ولكن تلك المرة لم يستطع أن ينظر في وجه أي امرأة. وما أن انتهى عمله واجتماعه اشترى بعض الهدايا ولم ينتظر يوماً آخر، بل عاد إلى الإسكندرية على جناح السرعة.

عاد إلى المنزل بعد غياب قرابة خمسة أيام، تسوقه قدميه بلهفة وشوق لأن يصل لغرفتها ليراها. فلولا سفره المفاجئ لما كان تركها وهي تعاني تلك الوحدة والغربة حتى وإن كان قريباً منها. وكلما يتذكر شحوبها وضعف بنيتها الذي يزداد يوماً عن آخر، لإمتناعها أحياناً عن تناول الطعام، يزداد معه شعوره بتأنيب ضميره لكونه يأسرها بمنزله ولا يتركها ترى شيئاً خارج نطاق ذلك المنزل العتيق.

تحسس جيب بنطاله ليتأكد من وجود ذلك السوار الماسي الذي ابتاعه من أجلها، لعلها تبتهج بهديته لها، أو ربما يرى بعينيها ما يدفع عمره ثمناً ويراه وهي أن تكون اشتاقته وافتقدته خلال تلك الأيام التي غاب بها عنها وعن المنزل. فتح باب الغرفة وجالت عيناه بأرجائها كافة ولكنه لم يجد لها أثراً فدب القلق بقلبه وناداها بلهفة: –ياسمين، ياسمين، انتي فين؟

إنتفضت من مكانها ما أن سمعت صوته وهي جالسة في الشرفة، وتمنت لو كانت الخادمة هنا لعلها تساهم في صرف خوفها، ولكنها ذهبت لقضاء بعض حوائجها. فراح جسدها يرتجف وعيناها تدمعان رغماً عنها كأن جلادها قد عاد. رغم أنه لم يسيء إليها يوماً ولكن يكفيها أنه خدعها وعلمت أنه يهودي الديانة.

تراجعت بخطواتها حتى اصطدمت بسور الشرفة الذي لم يكن مرتفعاً كفاية لأن تستند عليه بظهرها، فبديهياً نظرت للأسفل، وهي تتخيل أن حدوث أي خطأ منها ستقع ويدق عنقها على الفور. فآثناء التصاقها بسور الشرفة وانحنائها وهي تنظر للأسفل ظن ديفيد أنها بصدد التفكير بالانتحار، فصرخ وهو يقترب منها جاذباً إياها إليه قائلاً بخوف: –ياسمين! انتي بتعملي إيه؟ انتي عايزة تنتحري؟

صار شعورها بالغثيان لا يطاق خاصة بعدما عبق بأنفها رائحة عطره المختلطة برائحة الخمر والتي علمت أنه يحتسيها بشراهة، فدفعته عنها قائلة باشمئزاز: –أبعد عني ريحتك مقرفة، وأنا مش غبية علشان أنتحر وأغضب ربنا، كفاية غضبه عليا أن بقت مراتك يا ديفيد. أمسكها من ذراعيها وكز على أسنانه قائلاً بابتسامة صفراء ماكرة:

–حتى لو كنتي بتكرهيني يا ياسمين، بس أكيد هتحبي ابننا ولا بنتنا اللي في بطنك. يعني البيبي ده هو اللي هيربطنا ببعض أكتر. تبع حديثه بأن ترك ذراعها وراح يمسد بيده على بطنها، كأنه يتأكد من وجود ذلك الرابط الذي لن يجعلها تتخلص منه بسهولة كونه لن يتركها ويترك طفله منها. إلا أنها أزاحت يده عنها وأنهمرت دموعها وهي تقول بغصة وصوت متحشرج:

–خلاص مبقاش في بيبي يا ديفيد، علشان أنا أجهضته. لأن مستحيل يبقى ليا ابن ولا بنت منك، وأنا قولتلك إن هخلص منه، لأن مكنتش هسيب خطيئتك تكبر جوايا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...