لم تتأثر بنوبة البكاء والنواح التي اجتاحته ما أن انتهت من قول عبارتها، والتي أفادت بأن ذلك الرابط بينهما والذي كانت تحمله بأحشائها لم يعد له وجود. وعليه ألا يطمح في أنها ستكون والدة لأطفال يحملون صفاته وأخلاقه الشيطانية.
حتى ركوعه أمامها وأخذه يديها بين كفيه يتوسلها أن تخبره بأنها تمازحه، لم يكن ذا فائدة. إذ نفضت يديه عنها، ولا تعلم ذلك الشعور بلذة الانتصار الذي اجتاح حواسها فجأة وهي تراه هكذا ذليلاً، ويرى عالمه يعمه الظلام. كأنه فقد أغلى ما يملك، وليست سوى دماء تجمعت في رحمها، ولم تكن تظهر لها معالم التكوين إلا مرحلة البداية.
فإن كان أذاقها مرارة العيش بجانبه، من حرمانها من أسرتها وحريتها وجعلها أسيرة حبه الجنوني، والذي لم تجني منه سوى ذلك الحال الذي وصلت إليه، فقد حان الوقت ليذوق نتاج أفعاله، ويشعر كيف يكون فقدان أغلى أمنياته مُرًا.
والعجيب أنها لم تشعر بالندم أو أن ضميرها وخزها لفعلتها تلك، بل على النقيض، سرى في عروقها شعور بنشوة طاغية من أنها تسمع صوت بكاءه، كما أبكاها هو أيامًا. فكل دقيقة مرت عليها وهي زوجته، كأنها قضتها ببؤرة من المفاسد المحرمة، خاصة أنها تتقاسم منزلًا مع رجل لا يحق له الاقتراب منها، إذ لم يكن من دينها ولا عقيدتها حقًا، سوى صفة أطلقها على ذاته من أجل إكسابها الشرعية اللازمة لاقترانه بها. أخذ ديفيد كفيها ثانية يقبلهما، قائلًا
برجاء وتوسل جنوني: "قولي أنك بتضحكي عليا يا ياسمين، قولي أنك زعلانة مني عشان كده قولتي أنك اجهضتي نفسك وموتي ابننا، بس ده محصلش، قوووووولى" صراخه الذي كاد يشعر بأنه سيتلف أحباله الصوتية، جعلها ترتعد رغماً عنها، وتفكر أنه لن يجد مشقة وهو راكعًا أمامها هكذا بأن يرفع قدميها ويلقي بها من على سور الشرفة ويدق عنقها في الحال. ولكن كان عليها أن تظل بجمودها وجحودها ليعلم أن الحياة بينهما مستحيلة، وأنهما لن تلتقي طرقهما أبدًا.
انسكبت دمعة دافئة من عينيها اليمنى وهي تنظر أمامها، متحدية كل ما تشعر به في تلك اللحظة من أنها أولًا وأخيرًا أنثى، تغلبها عاطفتها حتى في أشد الأوقات حالكة. فقالت بنبرة باردة جاحدة كجحود عينيها اليسرى التي لم ترغب في مؤازرة عينيها اليمنى في أن تبكي على سجينها:
"أنا قولت اللي عندي، ومكنش سهل عليا إني أخلص من حتة مني وشيلاها جواها، بس ده كان لازم يحصل، لأن مكنتش هشوف ابني بيكبر قدام عيني ويبقى زيك، ولا إنه يبقى يهودي وتشربوه طباع الغدر والخداع والخيانة بتاعتكم" هب ديفيد واقفًا على قدميه، وقبض على كتفيها وهز جسدها بعنف وقسوة، وهو يصيح بها:
"مكنش هيبقى زيي عشان أنتي اللي كنتي هتربيه، ومكانش هيبقى يهودي، لأن أنا دلوقتي مش يهودي، أنا مسلم زيك وأعلنت إسلامي قبل ما اتجوزك، يعني اتجوزتك وأنا تميم المسلم مش ديفيد اليهودي" ابتسمت ياسمين وقالت بسخرية رغم انسكاب عبراتها: "مسلم! وفين أفعالك دي اللي تثبت أنك زي ما بتقول أعلنت إسلامك ها؟
بتشرب خمرة، حابس مراتك في بيتك غصب عنها ومهدد أهلها أنك ممكن تقتلهم لو حاولوا ياخدوني من هنا، بتتاجر في السلاح، بتتعامل مع ناس مفيش في قلوبها شفقة ولا رحمة وعاملين زي السافحين بيقتلوا ناس أبرياء وملهاش ذنب. أنت كمان شايل ذنب كل الناس اللي بتموت بسبب السلاح اللي أنت بتتاجر فيه، يعني إيدك دي كل ما أبصلها كأنها بتنقط دم، ومش قادرة أشوفك غير شيطان مجرد من كل معاني الرحمة والإنسانية"
رفعت أحد كفيه وهزته ليعي مدلول حديثها من أن له النصيب الأكبر في تلك الجرائم والآثام التي ترتكب بواسطة استخدام تلك الأسلحة، التي يعمل هو على مد هؤلاء المجرمين بها من أجل تنفيذ مجازرهم البشرية. قبض على كفها حتى شعرت بأنه كاد يسحق أطراف أناملها، إلا أنها أبت أن تبدي له ضعفها، فهي لن تخسر أكثر مما خسرته. ولكنه أرخى يده عنها قليلاً وقال محاولًا ضبط أعصابه: "أنتي ضيعتي الحاجة اللي كنت مستنيها، قوليلي أعمل فيكي إيه دلوقتي؟
"طلقني"
نطقت بصوتها الخالي من أي شعور، رغم أن جسدها اجتاحه دفء نتج عن قربها الشديد منه حد الالتصاق، وكم رغبت في تلك اللحظة أن تفر من بين يديه لشعورها بالانزعاج من غريزتها كأنثى تريد البكاء لتخفيف من وطأة الضغوط النفسية التي تشعر بها. ولكنها لن تجعل من صدره أو كتفه ملجأ لرأسها ولا مبكى لعيونها المتورمة وفقدت صفاءهما منذ علمت حقيقة وضعها من أنها صارت زوجة لشاب يعمل زعيمًا لمافيا تجارة الأسلحة، والأدهى والأمر من ذلك أنه ينتمي لعائلة يهودية الأصل والمنشأ.
"دلوقتي عايزاني أطلقك" استقام واقفًا بعدما كان منحنيًا إليها بجزعه العلوي، حاسدًا ذاته من أنه واتته القوة لأن يقف أمامها، وهو الذي شعر بالعجز والجزع كأنه لن يعود ويسير على قدميه ثانية. ولم يكن يظن أن شعوره بفقدان شيء لم يكتب له الوجود سوى داخل أحشائها سيكون ممزقًا لفؤاده هكذا، كأنه خسر ابنًا جاء للعالم وتربى بكنفه ورآه ينمو يومًا عن آخر. عقدت ياسمين ذراعيها لعلها توقف ارتجافها الملحوظ، فأشاحت بوجهها عنه وقالت
ببرود مغلق بقوة واهية: "أيوه، يا ريت تطلقني وتخليني أمشي من هنا، عشان أنا وأنت منفعتش لبعض. لا أنا هبقى في يوم ليك ولا أنت هتشوف اليوم اللي تلاقيني اتقبلت زوجة ليك، لأني اتجوز تميم موسى مش ديفيد دانيال وأنا مستحيل أبقى زوجة ليك" داهم الضعف نبرة صوته وهو يقول بعشق خالص:
"بس أنا بحبك يا ياسمين، يعني معقولة مش شايفة فيا أي حاجة كويسة تخليكي تفكري أنك ممكن يوم تحبيني، أنا عندي استعداد أتغير عشانك، أنا معلنتش إسلامي إلا عشان خاطرك انتي" ضمت ياسمين شفتيها، ولكن دمعاتها التي مازالت تذرفها كانت خير دليل على أنها حقًا قد وقعت في شرك غرامه عندما ظنته شخصًا آخر، فقالت بصراحة متناهية محاولة أن تخرج كلماتها واضحة دون ذلك الارتجاف الذي ألم بصوتها:
"وده أكبر غلط أنت عملته، يعني أنت أخذت إسلامك وسيلة عشان توصل ليا، غير كده إنت مفكرتش تعلن إسلامك عشان خاطر نفسك أو عشان خاطر أنك حابب ده. لو أنت كنت صارحتني من الأول من قبل ما نتجوز، صدقني كنت هساعدك، لكن إنك توهمني وتخدعني وتخليني أكتشف حقيقتك تاني يوم جوازنا وكمان حبستني في البيت وبتحاول تفرض حبك عليا، ده اسمه هوس وجنون. وتفكيرك إن بعملالك دي هحبك تبقى غلطان، لأني أكيد مش هحب سجان اللي سجنني جوا بيته، وحرمني من أهلي اللي أنا عارفة ومتأكدة أنهم دلوقتي زعلانين ومقهورين عليا، وخصوصًا بابا الله أعلم حالته إيه. يعني أنت بحبك ده مجنتش عليا أنا بس لأ وعلى أهلي كمان"
ارتعبت من حملقته بها بعينيه اللتان أضحتا عاصفتين، كأن هناك عاصفة لن تبقى ولا تذر، ستمزقها وتحطمها وربما ستقتلها. إلا أنها تجلدت فلن يحدث لها أكثر مما حدث. ولكنها فغرت فاها ما أن سمعته يقول بصوت هادئ لا يمت بصلة لصياحه في وجهها منذ قليل: "جهزي شنطتك يلا عشان أرجعك بيت باباكي، خلاص مش هتقعدي هنا تاني، مش أنتي عايزة ترجعي لأهلك، أنا هوديكي ليهم"
ظنت أنها استمعت لصوت يهمس لها بأحلامها، وليس أنه أمامها حقًا ويخبرها بنيته في أن يطلق سراحها ويعيدها لمنزل والدها. ولم تظن أن همساتها الرقيقة قادرة على تحويل مسار أفكاره، إلا أنها لم تشأ أن تجادله بأنها لا تصدق حديثه، وأن تطلب منه أن يعيد على مسامعها ما قاله. فهرولت لداخل الغرفة وراحت تبحث عن حقيبتها كالمجذوبة، وكسجينة جاءها أمر بإطلاق سراحها من ذلك السجن الذي أودعها فيه زوجها. وما أن عثرت على الحقيبة، فتحتها وظلت تلملم ثيابها وهي تبتسم من بين دموعها التي أغرقت وجهها كسيل.
دمدمت بهمس حامدة شاكرة: "الحمد لله يا رب الحمد لله"
وقف ديفيد أمام غرفة الثياب يرمقها بنظرات جوفاء وهي تلملم ثيابها وسعادتها تكاد تصل لعنان السماء من أنها ستتركه وتترك المنزل. بل أنه سمع عباراتها الهامسة بالحمد والشكر لله على أنها ستتخلص منه وتعود لمنزل والديها. بل أن سعادتها الطاغية جعلتها لا تنتبه على ما تفعل، إذ بدأت بتبديل ثيابها المنزلية بثوب ملائم للخروج، فبدت متلهفة لأن تنتهي ولم تنتبه على تلك النظرات التي أغدقها بها ديفيد، كونه لم يراها هكذا إلا ليلة واحدة ومن وقتها وهي ترتدي ثياب محتشمة بل لا تخلع حجابها عن رأسها إذا كان موجودًا معها بالغرفة.
"معقولة أنتي فرحانة للدرجة دي أنك هتسبيني وتمشي" قالها وهو يقترب بخطواته منها ووقف خلفها إذ كانت توليه ظهرها. وما أن استدارت حتى اصطدمت به، ولكنه لم يمهلها الوقت الكافي بأن تفر من بين يديه، إذ انقض عليها يعانقها بجوع ونهم وحسرة وحزنًا على أيامه القادمة الخاوية من وجودها. فإن كتب له فراقها فليحاول أخذ ذكرى منها قبل ذهابها.
ارتبكت ما أن فاجأها بعناقه الشرس، وكلما حاولت صده ومنعه، تزداد شراسته حتى كادت تشعر بأنه على وشك تحطيم وتفتيت عظامها. وما أن استطاعت أن تنحي وجهها عنه قليلاً هتفت به برجاء: "أرجوك كفاية كده وأبعد عني، متخلينيش أكره نفسي أكتر من كده"
بدا كأنه أصم وأبكم ولم يأخذ بتوسلاتها ورجاءها، وعاد لعناقها كأنه يريد زهق أنفاسها. فإن كان سيكتب له الموت، فلت مت معه. لا شيء يحركه بتلك اللحظة سوى حقد أسود على نقطة الضعف لديه. وما هي إلا نقطة ضعفه التي لن يبرأ منها، عشق مجنون كتب عليه أن يتذوق حلاوته ليلة ويتجرع مرارته أيامًا. فصل العناق بينهما قائلًا بجنون: "ليه مش عايزة تحبيني زي ما بحبك، ليه مش قادرة تشوفيني بصورة أحسن من اللي في دماغك؟
حتى الحاجة الحلوة اللي كانت هتربطنا ببعض ضيعتيها، للدرجة دي بتكرهيني" عاد يقتص منها بالطريقة التي يراها مناسبة، كونها تشعر بالمقت والاشمئزاز كلما وضع يده عليها، فليجعلها تشعر بالسوء. رغم أن الأمر لن يتطرق إلا لعناق مؤذٍ سيضع به غضبه العارم. دفعته في صدره لعله يبتعد قبل أن يقضي على أنفاسها، فصرخت في وجهه: "أيوه بكرهك، بكرهك يا ديفيد، عشان إنت خليتني أحب تميم. شوفت آخر كدبك إيه؟ خلتني أحب شخصية وهمية ملهاش وجود"
أخذ وجهها بين كفيه قائلًا بتوسل: "أنا تميم يا ياسمين، أنا اللي حبيته. أنسي خالص ديفيد ده، أنا راضي إنك تحبيني وأنا تميم بس خليكي معايا ومتبعديش عني" نفضت يديه عن وجهها وارتدت بخطواتها للخلف قائلة بنبرة حادة متحشرجة: "خليك قد كلمتك وسيبني أرجع بيت بابا. أعمل حاجة كويسة تخليني أحترمك شوية، متزودش كرهي ليك يا ديفيد"
عنيدة ويابسة الرأس وصعبة المراس، ولا وصف آخر يصف حالتها بتلك اللحظة التي تمسكت فيها بقوله من أنه سيتركها تعود لمنزل أبيها. وما أن يأس من إقناعها بحبه أو أن تتخلى عن ازدراءها له، أخذها هو ليعيدها إلى أسرتها. فلو كان قادرًا على إخبار حياء بحقيقة زواجه منها لعلها تساعده في تحسين أوضاعه مع زوجته، لم يكن ليتردد في فعل ذلك. إلا أن شقيقته لن تكون رحيمة به هي الأخرى، إذ لن تكف عن تأنيبه لفعله ذلك دون علمها. وهو لم يعد لديه متسع من الصبر ليسمع تأنيبًا أو تقريعًا من أحد. بيد أن حياء سافرت مع زوجها لأداء العمرة، فهو من أخطأ منذ البداية وعليه تحمل نتائج أخطائه.
رغم شعورها بالحرية بعدما خرجت السيارة من ذلك البيت العتيق والذي لم يثر بها سوى الضيق والانقباض، إلا أنها ظلت جالسة بهدوء تنظر أمامها كأنها شاردة ولا ترى شيئًا. وما أن وصلت سيارة زوجها إلى ذلك الحي الذي يقع به منزل والدها، تتابعت أنفاسها كأنها تستنشق أولى نسمات فجر حريتها بعد ليل آسرها الطويل. صف ديفيد السيارة أمام المنزل، وقبل أن تترجل منها قبض على ذراعها قائلًا بصدق ونبرة مبهمة:
"هتوحشيني يا ياسمين، هتوحشيني أوي، خلي بالك من نفسك" رغم شعور السعادة المتغلغل في أوردتها بتلك اللحظة التي رأت نفسها على بعد خطوات من أن ترى والديها وشقيقها، إلا أنها لا تعلم سر ذلك الشعور المخيف من أنها لن تراه ثانية، وكأن عبارته جاءتها وداعًا ومؤذنًا برحيله الدائم عن عالمها. وقبل أن تفه بكلمة ترك ذراعها وأشار لها بالخروج من السيارة، كأنها طائر صغير وتم فتح قفصه الذهبي ليطير بعيدًا عن مالكه.
خرجت ياسمين من السيارة وأخذت حقيبتها ووجدته ينطلق بعد ذلك مخلفًا سحابة ترابية حجبت رؤيتها له وهو يغادر، ولا تعلم لما تسمرت قدماها مكانها ولم تحاول تحريكها لتلج إلى المنزل. فيأست من فهم ما اعتراها، أو لما فعل ذلك وهي من ظنت أنها ما أن تخبره بشأن أنها تخلصت من جنينها، سيفعل المستحيل ليتأكد من إذا كانت صادقة أم كاذبة. ولكنه حقًا فاجأها بتقبله الأمر ولم يفعل أكثر من صياحه في وجهها ومن ثم سكن غضبه وأعادها لمنزل أبيها.
ولجت للداخل وضغطت زر الجرس، ففتحت والدتها الباب وصاحت بسعادة كأنها لا تصدق عيناها بأنها تراها أمامها: "ياسمين بنتي حبيبتي ونور عيني" طوقتها والدتها بذراعيها كأنها لن تتركها أبدًا، فاحتضنتها ياسمين وظلت تبكي على كتف والدتها وهما واقفات أمام الباب، فقالت ياسمين بغصة: "ماما أنتوا وحشتوني أوي، وكنت محتاجالكم"
ربتت والدتها على ظهرها، لعلها تكف عن البكاء، فجذبتها للداخل وأغلقت الباب بعدما جرت حقيبتها إلى منتصف الصالة. نظرت ياسمين حولها ومن ثم سألت والدتها باهتمام: "هو بابا فين يا ماما؟ هو في المسجد؟ نظرت والدتها تلقائيًا إلى باب غرفة نومهما، فزوجها منذ ما حدث لها وهو راقداً في فراشه ولا يغادره، فأطرقت برأسها أرضًا وتساقطت عبراتها وهي تجيبها: "أبوكي جوا في الأوضة من ساعة اللي حصلك وهو راقد عيان في سريري"
ركضت ياسمين إلى غرفة أبيها، وما أن فتحت الباب وجدته مستلقيًا على فراشه لا حول له ولا قوة، فأرتمت على صدره وأجهشت بالبكاء قائلة بأنين: "بابا يا حبيبي مالك؟ ألف سلامة عليك" لم يصدق والدها أنه عاد وسمع صوتها ثانية، فتهلل وجهه وكأنه برأ من وهنه ومرضه بلمح البصر وضمها إليه قائلًا بلهفة: "ياسمين انتي رجعتي يا حبيبتي، يا حبيبة أبوكي اللي كان هيموت بحسرته عليكي يا نور عيوني"
تابعتهما والدتها وهي واقفة أمام باب الغرفة، فكل منهما مطوق الآخر بذراعيه ويبكيان بصوت مسموع، فزوجها والذي فشل الطبيب في أن يجعله يبرأ من مرضه الذي لم يصبه في المقام الأول إلا بعد شعوره الساحق بالذنب تجاهها من أنه هو من قام بتزويجها من هذا الشاب وكان يظن أنه بذلك سيجعلها بمأمن ومنأى عن دمار وخراب كان من المحتمل أن يلاحقها، ولكن عوضًا عن أن يأمن لها حياة هادئة ألقاها بين براثن شاب أقل ما يقال عنه أنه أحد أعوان إبليس.
استرد عافيته فجأة وراح يسألها عن أحوالها وما حدث لها بالأيام الماضية: "قوليلي عمل فيكي إيه؟ وإيه اللي حصلك منه يا حبيبتي" حاولت ياسمين إجابته قدر إمكانها بهدوء: "معملش حاجة يا بابا، بالرغم من أنه كان حبسني في البيت إلا أنه متعرضليش بأذى، فدلوقتي ارتاح ونتكلم بعدين لأني أنا كمان محتاجة أرتاح"
لم ترد أن تشق عليه بكثرة الحديث، فطمأنته أنها عادت ولا حاجة له أن يشعر بالقلق وليأخذ قسطًا من الراحة على أن تنال منها حاجتها هي الأخرى، كونها لم تذق للنوم طعمًا بصورة منتظمة إلا أوقات متفرقة. فما أن خرجت من غرفة والدها ورفضت أن تعد لها والدتها الطعام وأخبرتها أنها ستخلد للنوم، ولجت إلى غرفتها القديمة وجالت ببصرها في أركانها كافة كأنها تحاول أن تستمد طاقتها وهدوءها المفقودين منذ ما حدث.
"ياترى الأيام الجاية هتبقى عاملة إزاي"
قالت عبارتها ومن ثم جلست على الفراش تحاول أن تعيد ترتيب أفكارها. فإن كانت نجحت في أن تترك منزله، فكيف لها تنسى تلك الأمانة المتروكة لديها، والتي حاولت هي إيهامه بأنها لم يعد لها وجود. وضعت يدها على بطنها وهي تتحسسها برفق، فحتماً سيأتي اليوم وتنكشف به كذبتها، وفي الأشهر القادمة سيبدأ بطنها في الانتفاخ وتظهر علامات ودلائل الحمل عليها واضحة كوضوح الشمس. ولكن ما جعلها تشعر بالرعب ليس رد فعل والديها من أنها حامل بطفل ربما
سيصبح بلا أب وهوية محددة، ولكن ما جعل الخوف ينخر بقلبها، أن يعلم ديفيد بأنها ما زالت حاملًا في طفله ويأتي الوقت وينتزعه منها جزاءً لإقدامها على افتعال تلك الكذبة التي أخبرته بها بل وأنطلت عليه بكل سهولة ولم تجد مشقة في أن يصدقها بأنها أجهضت جنينها. فحتى وإن كانت المعيشة مستحيلة بينهما، فما تحمله بأحشائها ليس مذنبًا حتى تقدم على قتله دون شفقة أو رحمة.
***
لم يكن آدم أبله حتى لا ينتبه لازدياد ذلك التغير الجذري الذي طرأ على صديقه عماد، إذ لم يعد يلح عليه في أمر عودتهما لفرنسا، أو أنه يتأفف من مكثه معظم يومه داخل المنزل ولا يجد ما يفعله ويجعله يشعر بالحماس لأن يظل مقيمًا داخل قصر النعماني. وربما قضاؤه وقتًا أطول بين أروقة مجموعة الشركات المملوكة لعائلته لم يجعله في البداية يضع تركيزه في التفكير بتلك الحالة من الانسجام والراحة التي نشأت بين عماد وساندرا، إذ أضحى يقضي يومه
معها في حديقة القصر يتحدثان ويتسامران أو يلهو مع طفلها، والذي بدأ خطواته الأولى في السير على قدميه، كأنه أصبح والدًا مهتمًا بأحواله الصحية والجسدية، بل أنه يعمل الآن على جعله يسير أسرع من تلك الخطوات البطيئة التي كان معتادًا عليها. ولم يستطع آدم نكران ذلك الشعور بالسعادة من أجل صديقه، خاصة أنه بعد أن توفت حبيبته قبل زواجهما لم يفكر بشأن الحب والارتباط ثانية، بل ظل أعوامًا رافضًا أن يجعل أنثى أخرى تسكن قلبه بعد تلك
الراحلة والتي كان مغرمًا بها منذ نعومة أظافرها. ولكن يبدو أن ساندرا أفلحت في أن تجعله يعود ويغرم من جديد.
أثار أمر اعتناء عماد بالصغير حب المشاكسة لدى آدم، إذ اقترب منهما وعماد يأرجح الصغير بين ذراعيه، فقال بلطافة: "ده أنت هتبقى أب هايل يا عماد، شكله حبك أوي ومش هو بس هو و... رفع آدم رأسه ونظر لساندرا التي تراقبهم من شرفة غرفتها، فتتبع عماد اتجاه عيني صديقه وما أن وصل لمرمى شرفتها، وضع الصغير أرضًا ووكز آدم في كتفه قائلًا: "بطل رخامة يا آدم عشان عارفك" داعب آدم وجنة الصغير ومن ثم نظر لصديقه قائلًا بصدق:
"صدقني أنا مش برخم يا عماد، بالعكس مبسوط إنك بعد السنين دي كلها رجعت تحب تاني" أجفل عماد من قول آدم كونه لم ينتبه أن الحب بات ظاهرًا على محياه إلى هذا الحد، فابتلع لعابه وقال بتلعثم: "حـ حـب إيه؟ أنت كمان شكلك خرفت، ولا رجعت تاني تعمل شغل المفتشين والمحققين بتاعك ده" رفع آدم حاجبه قائلًا بدهاء: "خرفت! أنت بقيت مفضوح يا ابني، فاضل بس تكتب على وشك بحبك يا ساندرا"
قبل أن يعلو صوته بعبارته الأخيرة، كمم عماد فم آدم بيده ونهره قائلًا بغيظ: "بس اسكت بصوتك ده هتعملي فضيحة، دا أنت صاحب سوء صحيح" أزاح آدم يد صديقه عن فمه، وحرك حاجبيه كأن بات لديه دليلاً قويًا يستطيع به أن يجعله يفعل ما يريده منه دون نقاش، فحمحم يجلي صوته قائلًا بجدية زائفة: "خلاص هسكت، بس عايز أخرج أشتري هدوم، هتيجي معايا ولا هتقعد هنا يا بابا عماد" "كاتك بو يا أخي"
دمدم عماد بغيظ، لعلمه أن تلك إحدى حيل آدم لمضايقته، وإن لم يسايره، ربما لن يكف عن تلميحاته التي تحمل في باطنها الحق ولكن هو من يحاول إنكارها، خشية أن لا تكون المشاعر متبادلة بينه وبينها وأقصى ما تشعر به نحوه هو الامتنان ليس أكثر. حمل الصغير ورمق آدم قائلًا باستياء: "هطلع أوديه لمامته وأغير هدومي وجايلك يا صاحب السوء"
ذهب عماد للداخل بينما قرر آدم أن يتجول في الحديقة لحين عودة صديقه، فرأى أسفل تلك الكرمة الموجودة بأقصى أطراف الحديقة الشاسعة والده يجلس هو وزوجته الجميلة، ولكن ليس هذا الذي جعله يقف على مسافة منهما دون أن يشعران بوجوده، بل ما يفعله أباه لتدليل زوجته، كإطعامها قطع الفاكهة الموجودة بالطبق الذي يحمله بين يده، ومن حين لآخر يلح عليها في أن تأخذ قطعة أخرى إذا أبدت اكتفاءها وأنها ليست في حاجة للمزيد. أبعدت غزل يد
عاصم عن فمها قائلة برفق: "كفاية بقى أرجوك، والله ما بقيت قادرة آكل حاجة تانية يا عاصم" وضع قطعة الفاكهة مكانها في الطبق ومن ثم وضعه جانبًا وهو يقول بتبرم مصطنع: "كده مش هينفع، أنتي مش بتاكلي كويس ومجوعة ابني معاكي" رفعت غزل حاجبيها وقالت بتسلية: "قول كده بقى، أنت مهتم بيا وبأكلي عشان خاطر ابنك مش عشان خاطري" أسند جبينه لجبينها قائلًا بحب: "هو أنا لسه شفت ابني؟
أنا إن كنت مستنيه بفارغ الصبر ده عشان هو حتة منك أنتِ يا غزل يا حب العمر كله"
ما أن شعر آدم بأن الأمر ربما سيتطرق بينهما لما هو أكثر من الحديث، أبتعد على الفور، وهو يفكر في طباع أفراد تلك العائلة، الذين يبدو عليهم أنهم عرفوا الحب والحنين في أقصى درجاته، فها هو والده مغرم بزوجته، وراسل وحياء مغرمان ببعضهما البعض، حتى ميس مدللة بحب زوجها، وعمته سوزانا والتي توفي عنها زوجها منذ سنوات طوال ما زالت حافظة الود والذكريات التي جمعتهما سويًا ولم ترغب في أن تكون لأحد غيره بعدما رحل عنها.
وقف آدم قريبًا من المسبح وتساءل في قرارة نفسه: "معقولة هييجي يوم وأحب حد بالشكل ده زي كل الناس دي؟ انتفض جسده ما أن شعر بيد عماد تربت على كتفه، إذ لم ينتبه على قدومه، فزفر قائلًا وهو يمسح وجهه بكفيه: "رعبتني يا عماد، مش تتكلم بدل ما أنت عامل زي الشبح كده" رفع عماد حاجبه قائلًا بلطافة: "وأنت من امتى بتتخض وبتترعب يا آدم؟ كنت بتفكر في إيه كده وجيت قطعت عليك حبل أفكارك" دفعه آدم ليتقدمه في السير قائلًا بنفاذ صبر:
"يلا بينا، أحسن ما أفضل أرزل عليك وكل اللي في البيت يعرفوا حكايتك يا مغرم ساندرا" قبض عماد على عنق آدم والتفت حوله ليتأكد أن لا أحد يسمعهما قائلًا بوعيد: "أنت عارف لو فتحت بوقك بكلمة هحكي على كل ماضيك القذر يا قذر، فاهم؟ وتبقى واحدة بواحدة"
لم يستطيعا الاستمرار في جديتهما ووعيدهما المزيف، إذ راحا يضحكان بصوت عالٍ، كأن كل منهما لديه الأدلة التي تدين الآخر بالوقوع في شرك الغرام. ورغم أن آدم معروف بميله الشديد لبنات حواء، إلا أن هناك بعض الحوادث اللطيفة التي مرت بحياته ولا يعلم أحد بها سوى عماد. خرجا من البيت بسيارة آدم حتى وصلا لأحد المتاجر الكبرى لبيع الثياب، وظلا يتجولان لانتقاء ما يلائم مزاج آدم المتقلب أحيانًا في اختيار ثيابه.
رفع عماد أحد القمصان قائلًا بإعجاب: "القميص ده شكله ولونه جميل أوي، خد وأدخل شوف مقاسه كويس ولا لأ" أخذ آدم القميص بفتور لا يعلم سببه، وولج للمكان المخصص لقياس الثياب، وما أن وضع القميص على جسده، وهم بإغلاق أزراره، وجد أحد يقتحم المكان المتواجد به ويغلق الباب خلفه. وما أن استدار إليه وجد فتاة تلتقط أنفاسها بسرعة واضعة يدها على صدرها تزفر ببطء لعلها تعيد تنظيم نبضات قلبها التي يبدو أنها تقفز هلعًا.
رفت جفونه عدة مرات، منتظرًا أن تفتح عينيها وتدلي بأسباب اقتحامها للمكان هكذا. وما أن فتحت عينيها صرخت برعب وهي تقول بهلع: "أنت مين وبتعمل إيه هنا؟ وضع آدم يديه بجيب بنطاله وأجابها بابتسامة: "المفروض أنا اللي أسألك أنتِ مين ودخلتي ليه هنا؟ أرهفت سمعها بعد أن سمعت صوت خطوات أقدام تقترب، فوضعت يدها قريبًا من فمه دون محاولة منها في أن تلمسه وقالت بصوت منخفض: "هش إسكت خالص ومطلعش صوت، فاهم؟
رغم أن بإمكانه إزاحة يدها القريبة من فمه، إلا أنه حرك رأسه بالإيجاب وما زالت عيناه تلوح بهما أثر ابتسامته التي تكاد تخفيها بكفها الناعم. وما أن تيقنت من أن أصوات الأقدام باتت قريبة من المكان، تدفق عرقها غزيرًا، ولم تجد حلاً سوى أن تختبئ خلفه، لعله قادرًا على أن يخفيها بجسده الضخم. رمقته بنظرة وديعة ورجاء وقالت بصوت هامس: "أرجوك خبيني، ومتخليش الناس اللي برا دي تاخدني" نظر آدم حوله ومن ثم رد قائلًا
وهو يشير للمكان الضيق: "أخبّيكي فين دي بروفة للهدوم، أخبيكي جوه جيب القميص يعني؟ لم يكن الوقت حليفها لتجيبه على ما قاله، فما أن رأت الباب يفتح، وقفت خلفه وسحبت الستار الموجود بجانب المرأة وهي تدعو أن لا ينكشف أمرها. فوجد آدم نفسه وجهًا لوجه مع رجل ضخم الجثة يسأله بصوت خشن: "مشوفتش بنت جت هنا هي لابسة فستان لونه أصفر ومحجبة؟ حرك آدم رأسه بعنف دلالة على نفيه لرؤيته فتاة بتلك المواصفات التي قالها الرجل، فابتلع لعابه
وقال بهدوء قدر الإمكان: "لأ مشوفتش حد، وعيب كده تدخل على حد من غير استئذان" يبدو أن الرجل ليس لديه الوقت ليتلقى منه محاضرة في السلوك والتهذيب، إذ رحل يبحث عن الفتاة في المتجر وما أن يأس من إيجادها خرج ويبدو أنه يتوعدها أشد الوعيد. جذب آدم الستار، ونظر إليها قائلًا وهو يشير لها بالخروج: "هو مشي، اخرجى بقى" تنفست الفتاة براحة وقالت بامتنان: "شكرًا لحضرتك، أنت بجد أنقذتني"
لم يستطع آدم منع نفسه من سؤالها عن سبب بحث ذلك الرجل عنها، أو لما هي تحاول الاختباء منه: "مين الراجل ده؟ وعايز منك إيه؟ وليه أنتي بتهربي منه؟ وأنتي مين وإسمك إيه؟ عددت الفتاة على أصابع يدها، فهزت رأسها ونظرت إليه قائلة باستياء طفيف: "كل الأسئلة دي مرة واحدة، هو حضرتك بتشتغل في النيابة؟ على العموم أنا متشكرة لحضرتك، سلام بقى"
خرجت من مكانها وهي تعدو مسرعة، كأنها تريد الفرار، فلمحها عماد الذي يبدو أنه كان يتجول في المتجر، ولم ينتبه على ما حدث مع صديقه. وجد آدم يخرج هو الآخر، فأقترب منه قائلًا بتبرم: "كنت بتعمل إيه أنت والبنت دي في البروفة سوا؟ هو وصل بيك الحال لكده" ضحك آدم لسوء ظن صديقه به، فأجابه وعيناه عالقة بباب المتجر الكبير: "أنت غلطان يا عماد، مفيش حاجة من اللي في دماغك دي" رفع عماد شفته العليا قائلًا بسخرية:
"لا ياراجل، طب هي كانت معاك بتعمل إيه؟ بتاخد مقاساتك، عيب دا أنا عاجنك وخبزك" رد آدم قائلًا بشرود: "صدقني محصلش حاجة، دي كانت عايزاني أساعدها تستخبى من واحد كان بيدور عليها ومعرفش إيه السبب. على العموم يلا بينا ندفع تمن الهدوم عشان نروح"
بعدما انتهيا من دفع ثمن الثياب، خرجا من المتجر وهما يتندران ويتفكهان حول ما حدث بالداخل. ورغم أن آدم قابل الأمر بمزاح، إلا أنه لا يعلم ذلك الشك الذي ساوره حول تلك الفتاة، من أنها ربما تواجه مأزقًا كبيرًا وبحاجة للمساعدة. ولكن كيف سيعثر عليها وهو لا يملك ما يستطيع به أن يستدل على مكانها، حتى أنها رفضت البوح باسمها. ولكن لا يعلم سر ذلك الشعور الذي داهمه من أنه سيراها مرة أخرى، فكيف سيتم ذلك؟
هو حقًا لا يعلم، ولكن شعور نبع بداخله من أن تلك الفتاة ستكون بمثابة مغامرة مثيرة، ربما تستطيع كسر الملل والفتور، اللذان حفلت بهما أيامه في الآونة الأخيرة بعد توقفه عن الغناء وصار يتبع خطى والده في عالم الأعمال. فأثناء قيادته للسيارة صارت عيناه تلتفت تلقائيًا كأنه سيجدها تسير على أحد الأرصفة، أو أنها تبتاع شيئًا من المتاجر المزدحمة بالزبائن. فمن تكون؟ هل هي لصة أو سارقة ولذلك كانت تريد الاختباء؟
أم أنها ارتكبت حماقة أوقعتها في مأزق وحاولت الهرب من ذلك الرجل الذي كان يبحث عنها؟
يبدو أنه شرد بأفكاره ولولا تحذير صديقه له بأن ينتبه وينظر أمامه، لصار الأمر كارثيًا خاصة وهما كانا على وشك الاصطدام بإحدى الحافلات العامة. فتوقف آدم عن قيادة السيارة وظل يلتقط أنفاسه يلعن ذاته على الانسياق خلف أوهام ربما نبعت من محاولته إيجاد شيء يكسر به حاجز الملل الذي استولى على نفسه التواقة دائمًا لأن تحيا وسط صخب وضجيج الآلات الموسيقية وهتاف الجماهير، ومغامراته مع الحسناوات، والتي لم يكتب لواحدة منهن النجاة من
تلك الفخاخ التي ينصبها لطرائده سوى حياء، والتي منذ اكتشافه أنها زوجة عمه. وتحذير عماد وأباه له بأن حتى إعجابه بها لن يصح. وما علمه أيضًا عن تعلق وحب راسل الشديد لها، صار لم يعد يفكر مطلقًا في أن يعترض طريقها أو أن يثير غضب وجنون زوجها.
***
دام اجتماع والد هند مع محاميه الخاص في غرفة مكتبه وقتًا أكثر من اللازم، حتى كادت تشعر زوجته بالقلق من انقضاء ساعتين بأكملهما ولم ينتهيان بعد. فما الذي يتناقشان به جعله يتأخر هكذا عن تناول طعام العشاء معها. فرغم انشغاله الدائم بأعبائه السياسية وإدارة أعماله التجارية، إلا أنه لم يتأخر يومًا عن تناول طعامه برفقاتها طوال تلك السنوات التي مضت عليهما وهما زوجين، لذلك كان من الأدعى أن تشعر بالقلق تخشى أن يكون هناك أمرًا يخفيه عنها. كذلك الأمر الذي حدث منذ أكثر من عامين وجعله يدعي بأنه مريضًا ولم تعلم الحقيقة إلا بعدما تأكد من حصول ابنتهما على زوجها كرم وأنهما سيظلان متزوجان ولن ينفصلان.
ظلت جالسة مكانها وعيناها ترصد باب غرفة المكتب في انتظار خروجهما، ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل، وما كادت تهم بالذهاب إليهما، حتى سمعت إحدى الخادمات تناديها لتخبرها بأنها ستذهب بالطعام لهند وكرم في غرفتهما. رغم أن كرم أحيانًا يتناول الطعام معها هي وزوجها ولكن في الأغلب لا يترك هند تأكل بمفردها. فبعد اطمئنانها لوضع الأطباق الشهية التي تحب ابنتها تناولها دائمًا منذ أن كانت صغيرة، أمرت الخادمة بحمل الطعام والذهاب به للسيدة الصغيرة وزوجها.
وما أن خرجت من المطبخ لمحت خروج المحامي من باب المنزل، فهرولت تجاه غرفة مكتب زوجها وولجت إليه وأغلقت الباب خلفها، فوقفت بجوار المكتب الخشبي الجالس خلفه وتساءلت باهتمام: "هو أنت كنت قاعد مع المحامي بتاعك الوقت ده كله ليه؟ خلع نظارته ورتب الأوراق الموضوعة أمامه، ومن ثم رمقها باسمًا: "مفيش حاجة متقلقيش، بس كنا بنتكلم في حاجات خاصة بالشغل"
لم يكن جوابه كافيًا ليجعلها قنوعة بأن اجتماعه الطويل مع محاميه أثمر عن نقاش بعض الأعمال، فرفعت الأوراق الموضوعة أمامه، وجالت بعينيها فيها وما أن رأت ما تحمله من صفة عقود بيع وشراء للأملاك، ضيقت عينيها ونظرت إليه لعله يفسر سبب وجود تلك الأوراق: "عقود البيع والشرا ده لمين؟ أخذ منها الأوراق وترك مقعده وأجابها بصدق: "دي عقود بيع وشرا ليكي أنتِ وهند وكرم بأملاكي كلها، أنا اتنازلت ليكم عنها بالكامل"
إجابته على سؤالها لم تحمل لها إلا وسواس تمنت أن تكون خاطئة، فلا أحد يقدم على فعل ذلك إلا إذا كان الأمر خطيرًا، فحملقت في وجهه وتساءلت بخوف حقيقي: "وليه عملت كده؟ أنت مخبي عليا حاجة؟ فطن لظنونها فضحك فجأة لكونها تظن أنه ربما يعاني مرضًا خطيرًا سيودي بحياته في القريب العاجل، فأجابها بعدما قبض على كتفيها بحنان:
"متخافيش، أنا لا عيان ولا حاسس إن هموت قريب عشان كده بوزع ثروتي عليكم، ده إجراء قانوني مش أكتر. وبالنسبة للوقت اللي اتأخرناه، فده بسبب إن اشتريت مدرسة خاصة وكمان كرم هو اللي هيديرها بما إنه مدرس" ضمت شفتيها بتفكير لعلمها أنه من المؤكد أن ابن شقيقتها سيرفض الأمر، فزفرت قائلة بقلة حيلة:
"بس ممكن كرم ميوافقش على كده، ده ابن أختي وأنا عرفاه عامل زي أمه اللي يرحمها كانت نفسها عزيزة أوي ومكنتش بترضى تخليني أساعدها في حاجة أبدًا وكانت دائمًا اللي على لسانها الحمد لله إحنا مستورين وعايشين كويسين وجوزي مش مخليني عايزة حاجة، وربى كرم على كده. وتصدقي بالرغم من أنه دائمًا يرفض كل حاجة مننا وعايز هو اللي يصرف على مراته، إلا أن من جوايا مبسوطة إن بنتي اتجوزت راجل بجد"
ابتسم زوجها على ما قالته وأشادت وأثنت به على أخلاق زوج ابنتهما وهذا ما يجعله يمرر له أحيانًا تصلبه وتعنته في رفض كل ما يرغب في تقديمه لابنته من أجل مستقبل أفضل لها، إلا أن تلك المرة أصر على أن كرم لابد له من أن يستمع إليه، فبعد بضعة أشهر سيصير أبًا وحتمًا سيريد تقديم الأفضل لطفله ولزوجته. أخذ نفسًا عميقًا ومن ثم قال بروية:
"أنا كمان معجب جدًا بكرم ورجولته وأخلاقه، بس أظن لازم بقى يبدأ يفكر كويس وخصوصًا إنه خلاص هيبقى أب، وأنا مش عايز منه أكتر من أن بنتي وولادها يعيشوا كويسين وفي مستوى مادي محترم، ثم الفلوس اللي عندي دي كلها ماهي في الآخر هتبقى لهند، فيتمتعوا بيها من دلوقتي" ربتت زوجته على ذراعه باسمة:
"والله لو قدرت تقنع جوز بنتك بالكلام ده خير وبركة، حسيت أنه مش موافق بلاش تضغط عليه، لأن مصدقت أشوف بنتي بتحب جوزها واتغيرت زي ما كنت بتمنى، ماشي" صمتت لبرهة ومن ثم سألته باهتمام: "أنت مقولتليش عملت إيه مع الشغالة بعد اللي عرفناه عنها من كرم ومشيت من البيت" جلس على مقعده خلف المكتب ورد قائلًا بهدوء:
"أديتها قرشين تفتح بيهم مشروع، عشان تبقى تقدر تصرف على نفسها وعلى طفلها اللي جاي في السكة وسفرتها على بلدهم، عشان مش عايزين مشاكل ودوشة. وكمان أنا عندي بنت وحامل، فمكنتش أقدر أأذيها" زفرت براحة وقالت باطمئنان: "طب الحمد لله أنك عملت كده، ربنا يسترها معانا دائمًا، أنا هروح أناديلك كرم وزي ما قولتلك بلاش تضغط عليه"
حرك رأسه موافقًا على ما اقترحته، ورغم وضعه احتمالات لرفض كرم لما سيعرضه عليه، إلا أنه يأمل تلك المرة أن يكون أقل تصلبًا في رأيه، فطلب منها أن ترسل إليه إحدى الخادمات ببعض المشروبات المرطبة لشعوره المفاجئ بالعطش. وما كادت تمر بضع دقائق حتى وجد كرم يطرق باب الغرفة، فأذن له بالدخول، ولج غرفة مكتب والد زوجته وهو يفكر في سبب استدعائه له. وما أن جلس حيث أشار له، نظر إليه متسائلًا باهتمام: "خير يا عمي حضرتك كنت عايزني ليه؟
ابتسم له والد زوجته كتشجيع له أن النقاش الذي سيدور بينهما سيكون وديًا ولا حاجة له أن يشعر بالقلق، فقال وهو يمد يده له بعدة أوراق قائلًا بهدوء: "ده ورق مدرسة خاصة أنا اشتريتها يا كرم، وكنت عايزك أنت تديرها" قبل أن يفتح كرم فمه معترضًا، استأنف والد زوجته حديثه:
"ثواني بس قبل ما ترفض، أنا عايزك تفكر كويس. أنت دلوقتي هتبقى أب وعندك أسرة وأكيد عايز توفر لهم الأحسن في كل حاجة، وصدقني يا ابني أنا مش بقولك كده لاسمح الله عشان حاجة أو إن أنا مثلاً مش عاجبني المستوى اللي أنت عايش فيه، لا أبدا أنا بس أب عايز يشوف بنته واحفاده في أحسن حال وطالما ربنا موسعها علينا وده في الآخر برضه هيبقى ليها، فليه متخليهاش تعيش مرتاحة من دلوقتي. أنت أكيد بتحب هند وعايزها دائمًا تعيش في أحسن مستوى، عشان كده فكر كويس قبل ما تقول لأ أو تقول آه"
أخذ كرم الأوراق من يد والد زوجته وهو يفكر في كل كلمة قالها ويقصد بها في المقام الأول الحرص على تدليل ابنته وضمان رغد العيش لها، فنهض قائلًا بابتسامة هادئة: "هفكر يا عمي، عن إذنك"
خرج من غرفة المكتب وصعد الدرج حتى وصل غرفة زوجته، فولج للداخل وجدها مستلقية على الفراش، ويبدو أنها تشعر بالنعاس. وعندما أمعن النظر في وجهها، ووجدها مسترخية ويبدو عليها سمات الراحة النفسية والجسدية، وأنها بحق لم تخلق إلا لتحيا في ترف وثراء، فعاد ونظر للأوراق في يده وتقاذفته رغبته بين أن يقبل عرض والد زوجته السخي وبين أن يرفض حفاظًا على ألا ينظر إليه أحد بأنه الرجل الذي استغل ثراء ونفوذ والد زوجته من أجل ضمان مستوى معيشي مترف.
تحركت هند في نومها وفتحت عينيها فجأة وجدت زوجها يقف قريبًا من الفراش وينظر لتلك الأوراق التي بين يديه، فاعتدلت في جلستها وسألته بجدية: "مالك يا حبيبي واقف ليه كده وورق إيه اللي معاك ده؟ جلس كرم قبالتها على الفراش وأجابها بصوت هادئ: "دا ورق باباكي اشتراها وعايزني أنا أديرها" دققت هند النظر في وجهه وسألته بحذر لعلمها بمدى شعوره بالانزعاج إذا تطرق الأمر لمساعدة والدها لهما: "وأنت قررت إيه؟ زفر كرم قائلًا بحيرة:
"تصدقي مش عارف أقرر، مكدبش عليك إن عايز أخليكي عايشة مرتاحة ومبسوطة، بس بس.... لم تدعه يكمل حديثه، لعلمها بما يشعر به من شعوره المتغاير بين رفضه وقبوله، فقبضت على كفيه بين راحتيها الناعمتين وابتسمت في وجهه وهي تقول بحب وصدق: "أنا حاسة بالحيرة اللي أنت فيها يا حبيبي وصدقني حتى لو أنت رفضت أنا مش هزعل أو أضايق، أنا المهم عندي أنت وبس ومش عايزة حاجة تانية"
أدناها منه وضمها إليه، وأسند وجهه لرأسها ولكنه لم يفكر في أمر عناقها، إذ أنه بتلك اللحظة لم يكن يريد سوى أن يشعر بها قريبة منه ويستشعر صدق أقوالها وحديثها. فحرصها على أن تظهر له مدى حبها الخالي من أي شائبة، جعله تلك المرة يفكر جديًا في قبول عرض أبيها ليس لشيء سوى أنه يريدها حقًا أن تظل مدللة ويحرص هو على أن يهبها كل ما تصبو إليه من حب وعشق.
زفر أنفاسه بتتابع لعله يتخلص مما اعتراه من حيرة، فأبعدها عنه قليلًا وابتسم في وجهها وهو يعيد ترتيب خصلات شعرها، ومن ثم قال وهو يسند جبينه لجبينها: "صدقيني يا هند أنا لو أطول أجيب لك نجوم السما مش هتأخر، لأن أنتي لازم دائمًا تعيشي أميرة زي ما كنتي طول عمرك"
حقًا هو يرى أنها خُلقت للحب والدلال، حتى وإن كان من أجلها سيعمل على تقديم بعض التنازلات، وليحاول التأقلم على وضعه الجديد. فوجدها تضع رأسها على كتفه بعدما طوقت عنقه وهي تقول بنبرة صوتها المفعمة بمشاعر يصعب وصفها:
"أنا لو هعيش أميرة، فده عشان أنت أميري الوسيم، اللي جه وأنقذني من اللي كنت فيه، وخليتني أشوف الدنيا بنظرة تانية عن أن حياتي كلها هي الفسح والسفر والشوبينج. عرفتي يعني إيه أكون زوجة وحبيبة، يعني إيه معنى إن قلبي ده يدق عشانك، إن يعني إيه اللهفة في أن أشوف صورتي في عينيك وأنت بتقولي بحبك، وإن أقعد أعد الدقايق وأنت غايب عني لحد ما ترجعلي، وإن الحاجة البسيطة اللي بتشتريهالي وأنت راجع البيت حتى لو كانت شيكولاتة أغلى عندي من أي حاجة تانية أو إن حد غيرك يجبهالي، عشان كده أنا عايزة أقولك يا كرم أن أنت أغلى وأعز حبيب حتى لو أنا وأنت هنعيش في أي مكان وأي مستوى"
تركها تتحدث على سجيتها وتخبره بمدى عشقها ولهفتها بأن تظل تحيا معه حتى وإن كان قوتهما سيكون القليل من الخبز والكثير من العشق. أرادها أن تبوح بكل ما تشعر به، حتى يأتي دوره هو الآخر في إظهار نواياه بأنه لن يترك درب ولا سبيل لإسعادها إلا وسيسلكه. فإن كانت هي تعشقه إلى تلك الدرجة من العشق والهوس، فلما لا يكون جادًا في منحها كافة الامتيازات التي ستجعلها تهنئ بمعيشتها من أن تحيا هانئة مطمئنة ويوفر لها كافة سبل الراحة. لذلك فأمر قبوله لما عرضه عليه أباها صار أمرًا حتميًا من أجلها هي فقط، فيكفي ما يراه من اعتناء تحظى به مما كان له الأثر الحسن عليها.
فلا أحد يستطيع إنكار أهمية المال في تذليل بعض مصاعب الحياة. فما أن ألقى نظرة خاطفة لتلك الأوراق الموضوعة بجوارهما على الفراش، أخبرها بأنه سيوافق على عرض أبيها وربما سيبدأ فصل جديد في حياتهما سويًا. ولكن تعاهد كل منهما أن لا يجعل أي تغير سيطرأ على معيشتهما يجعلهما ينسيان أن حبهما وعشقهما له الأولوية في تيسير زورق أحلامهما. فالمال وحده لن يكون كافيًا ليجعلها تشعر بالسعادة والطمأنينة، ولكن عليه أن يرفق معه دفقات العشق
والغرام الذي يغرقها بلجة عميقة من المشاعر والعواطف، وأن يحافظ على أن يجعل شغفهما بأوج مراحله، وإلا عندها ستكون الحياة بينهما رتيبة ممللة، إذا انغمس في عمله وتكدست أعباؤه التي ستجعله ينسى أن لديه زوجة بحاجة إلى الحب والرعاية والاهتمام أكثر من المال الذي سيجنيه. فأعطاها كرم وعده بأن عشقهما لن تخمد نيرانه طالما مازال على قيد غرامها.
***
انتهى طوافها حول البيت الحرام، ولكنها لم تفكر في العودة إلى الفندق المقيمة به هي وزوجها، إذ لم يكن بنيتها ترك تلك الروحانيات التي تعم الأجواء خالقة هدوء تعجز النفس المشتاقة لزيارة بيت الله الحرام عن وصفه. ودون أن تدري وجدت نفسها تبكي بكاءً شديدًا، جعل زوجها ينتبه عليها، بل المعتمرون راحوا ينظرون إليها بغرابة وهي تشهق ببكاءها كأن أحدهم ربما تسبب في إيذائها أثناء الطواف وهو غير منتبه. ولكن هي جاءت باكية مترجية محملة بأمنيات تعلم أن الخالق سبحانه وتعالى لن يعجزه عن تحقيقها بين طرفة عين وانتباهتها.
فثقتها الدائمة من أن قدرة الله تفوق العقل والعلم وكل ما يمكن أن يفترضه بنو البشر من حدوث شيء أو استحالته، جعلتها تبتهل بدعائها، بل لا تمل من طلب أمنيتها وتكرار رجائها لله بأن يمن عليها بها، حتى لو استلزم الأمر أن تظل الباقي من عمرها تدعو الله بأن يرزقها الذرية الصالحة.
فعم السكون والهدوء بداخلها ما أن انتهت من دعائها الخافت الذي جاءت دمعاتها السخية دلالة على مدى لهفتها بأن يحقق الله لها دعاءها ومطلبها. فبين الكاف والنون تتجلى عظمة الخالق بأن يقول للشيء كن فيكون، وخزائنه ملء ومن يدعو بصدق ويتمنى ويفرط في دعائه وأحلامه وأمنياته ربما يجيب دعوته في الحال أو يرجأها إلى وقت يراه مناسبًا لأن يغدق على عباده من فيض رحماته. نادها راسل بصوت منخفض:
"حياء يلا بينا نرجع الفندق عشان ترتاحي شوية وكمان تاكلي" حركت حياء رأسها بالرفض القاطع لعودتها إلى الفندق، فنظرت إليه قائلة برجاء: "خلينا هنا شوية عايزة أفضل قاعدة في الحرم، وأنا مش جعانة دلوقتي، الصراحة من ساعة ما جيت لا حاسة بجوع ولا عطش عايزة أفضل قاعدة هنا وبس" أشار لمكان يقيها حرارة الشمس الحارقة، فهتف بها بابتسامة مشرقة: "طب تعالي نقعد في المكان اللي هناك ده عشان الشمس والحر وخليكي قاعدة براحتك"
استمعت لنصيحته، فرغم أنها لم تريد ترك مكانها من جوار الكعبة، إلا أن حرارة الجو وأشعة الشمس الساطعة ربما سيتسببان لها في حالة من الإعياء. فوجدت مكان حيث جلس بعض المعتمرين، فجلست هي وراسل على مقربة منهما، ولم تنتبه إلا بعدما وجدت طفل صغير ربما لم يتخطى عمره العامين يجلس على ساقيها، بل أنه تمدد كأنه في حاجة إلى النوم.
نظرت حياء في وجه الطفل ومن ثم رفعت وجهها لزوجها وهي تبتسم على ما فعله الصغير، ولكن وجدت امرأة من الجمع القريب من مجلسهما تقترب منهما قائلة بابتسامة واعتذار: "أنا آسفة جدًا، هو سابني وجري وبينام على أي حد يقابلهم" مدت يدها لتأخذه، فرمقتها حياء باسمة: "لأ أرجوكي سبيه، ده عسول خالص ربنا يبارك لك فيه يا رب"
ناشدت حياء والدة الطفل أن تتركه غافيًا على ساقيها، فعادت المرأة لمكانها ويبدو أنها برفقة زوجها وأسرتها، بينما ظلت حياء تمسد على شعره وتداعب وجنته الملساء وتنظر لزوجها من حين لآخر وهي تبتسم. قالت بتمني وهي تحدق في وجه الصغير: "ربنا يرزقنا بيبى حلو كده زيه يا راسل" ربت راسل على يدها قائلًا بلطف: "إن شاء الله يا حبيبتي، ربنا كريم وهيرزقنا باللي بنتمناه"
ظلت تهدهد الصغير حتى أخذ غفوته القصيرة واستيقظ باحثًا عن والدته، كأنه جاء إليها من أجل زيارة سريعة وحان وقت عودته، فقبلته قبل أن تأخذه والدته وتنصرف، بل رفعت يدها وظلت تلوح له حتى اختفى بين الحشود. قفزت على قدميها تشعر بطاقة إيجابية وحماس ونظرت لزوجها قائلة وهي تشير إليه بالنهوض: "يلا بينا بقى نرجع الفندق، عشان حسيت بالجوع فجأة وكمان حاسة إن مبسوطة كده من غير سبب" نهض راسل من مكانه واستقام بوقفته قائلًا بحب:
"إن شاء الله تكوني مبسوطة وفرحانة على طول يا حبيبتي يلا بينا" أخذها وعاد للفندق، فوجدت نفسها في اليوم التالي تبحث عن ذلك الطفل الذي جلس على ساقيها، كأنها تريد رؤيته مرة أخرى قبل رحيلها، فأيامها بالأراضي المقدسة أوشكت على الانتهاء وسيعودان إلى الإسكندرية. ولكن لم يحالفها الحظ برؤيته مرة أخرى.
عادا إلى المنزل محملين بالأمل والتفاؤل والهدوء النفسي، وأيضًا بالكثير من الهدايا التي قاما بشرائها من أجل أفراد العائلة، وكان النصيب الأكبر من تلك الهدايا من نصيب سجود وطفل ساندرا، والتي ابتهجت بما ابتاعته حياء من أجل طفلها، حتى لم تنسى أن تشتري لها ثوبًا كهدية، ففرحت ساندرا كثيرًا بهديتها وشكرتها وعيناها محملة برجاء أن تغفر لها إذا كانت أثقلت كاهلهما بوجودها هي وطفلها.
أخذت غزل أحد الأثواب الصغيرة ووضعته على بطنها المنتفخ قائلة بابتسامة عذبة: "شكرًا يا حياء، ده هدوم البيبي شكلها جميل أوي، عقبال ما نشتري للبيبي بتاعكم" ردت حياء باسمة: "إن شاء الله، وتقومي بالسلامة يا غزل بإذن الله"
لم يستطيع راسل أن يحيد بعينيه عن وجهها الذي ملأه بريق أخاذ يكاد يذهب عقله وهي توزع ابتساماتها اللطيفة على كل الجالسين. فكلما وقعت عيناه عليها، لا يعلم سر تلك الرجفة التي تصيب قلبه مانعة إياه من أن يلتقط أنفاسه بصورة منتظمة، ويخشى أن يرى الحاضرين علامات الشوق التي كادت عيناه تفضحه بأنه يختزن منها الكثير. "راسل مالك سرحت في إيه؟ سألته باهتمام ورمقته بعفوية فوجدته يحلق بها باسمًا: "لأ ما سرحتش ولا حاجة، أنا معاكم أهوه"
كأن ابتسامته تضمر لها نوايا لا يعلمها أحد غيره، فضيقت ما بين حاجبيها وابتسمت بخجل وسرعان ما أشاحت بعينيها عنه. خرج من تأمله لمرآها الفاتن على صوت والده وهو يقول بدهاء: "مالك يا دكتور، أنت مرهق من السفر" حمحم راسل ليجلي صوته، وأجاب والده بهدوئه المعتاد: "أيوه مرهق شوية وخصوصًا إن منمتش من امبارح، فعن إذنكم بقى عشان عايز أستريح" نظر لزوجته وترك مقعده وخرج من غرفة المعيشة، وما أن وضع قدميه على الدرج وجدها تأتي
خلفه تسأله باهتمام وجدية: "مالك يا حبيبي كده زي ما يكون في حاجة حصلت" ابتسم لها وأدنى برأسه منها هامسًا: "مفيش حاجة يا روحي، بس بجد مرهق شوية من السفر، فتعالي نيميني" قهقهت حياء ووضعت يدها على فمها بعد سماعه يكاد يستجديها أن تجعله يذهب للفراش كطفل صغير، لعلمها بأن تلك ماهي إلا حجة واهية لأن يجعلها قريبة منه، حتى وإن كان نائمًا. "ماشي يا حبيبي"
قالتها وهي تضع يدها في يده الممدودة لها، فقبض عليها بقوة كأنه يخشى فرارها. وما أن صعدا الدرج ووصلا لغرفتهما وأغلقت حياء الباب خلفها، وجدته يرتمي على الفراش مغمغمًا بكسل وشعور عارم بالراحة: "ياااه حاسس إن عايز أنام سنة كاملة" مكثت بجواره على الفراش ونادته بصوتها الرقيق: "راسل" أجابها مغمغمًا وهو مغلق العينين ويده اليمنى تزحف على الفراش لتصل إليها: "نعم يا روح راسل"
"هو أنت ليه مش أديت باباك الهدية اللي أنت اشتريتها له" سألته حياء فجأة، ففتح راسل عينيه على الفور، فمن أين علمت بشأن تلك الهدية التي ابتاعها من أجل والده؟ اعتدل بجلسته وسألها بحيرة: "وأنتي عرفتي منين إن أنا اشتريت له هدية؟ ابتسمت حياء وهي تضم ذراعيها، فردت قائلة وهي تغمزه بإحدى عينيها: "عيب دا أنا حياء، أنا عرفت إنك اشتريت ليه خاتم فضة وطلبت كمان أن يتنقش عليه اسمه" وضع يده خلف عنقها وجذبها إليه ممازحًا:
"هو أنا متجوز المفتش كرومبو" ضحكت حياء على مزحته ومن ثم قالت بجدية: "بجد ليه بقى مش أديته الخاتم؟ أكيد كان هيفرح أنه هدية منك، صدقني باباك بيحبك جدًا يا راسل" زفر من أنفه ومن ثم قال وهو يغمض عينيه بيأس:
"مش عارف يا حياء، كل ما أحس إن عايز أقرب منه أبعد تاني، بالرغم من أن الأمور بينا قبل ما أسافر كانت إلى حد ما كويسة، بس لما رجعت وابتديت أعمل عمايلي دي عشان الكل ييأس مني قبل ما أسافر تاني، رجعنا زي الأول وخصوصًا أنه كان بيدافع عنك بإستماتة، لدرجة إنه سمع كلامك وجاب المأذون عشان نطلق، مع أن هو عمره ما سمع كلمة لحد، دا هو اللي دائمًا يقول والكل يسمع له"
نظرت حياء ليديها المضمومتين وقالت وهي تشعر بصدق تلك المحبة من والد زوجها لها وكأنها أضحت حقًا ابنته: "صدقني باباك حنين جدًا، والسنتين اللي أنت غبت عني فيهم لولا وقفته هو معايا كان ممكن يحصلي حاجة بسبب حالتي النفسية وقتها، وعلمني إزاي أتغلب على حزني وأقف على رجلي وأبقى قوية، بجد أنا مديونة ليه لأنه ساعدني" مدت يدها وشدت على معصمه لعله ينتبه لنصيحتها:
"وعشان كده لازم تحسن تعاملك معاه أو بمعنى أصح مع أهلك كلهم، حاول تسامح وتنسى، زي أنا ما سامحت وبحاول أنسى، ماشي يا حبيبي"
أومأ برأسه موافقًا وجذبها إليه، فوضعت رأسها على صدره بعدما استلقى على الفراش. وفي البداية حاولت أن تنهي حيرته من التفكير بشأن ما طلبته منه، وأن يحسم أمره باتخاذ الغفران مسلكًا للخروج من تلك المتاهة التي ضاع بين دروبها الوعرة حتى لم يعد يرى سبيلًا للخروج. وما كاد الأمر يتطرق بينهما لوصال المحبين حتى سمعا طرقًا على باب الغرفة.
تركها راسل ليرى من الطارق، وما أن فتح الباب وجد ساندرا تقف أمامه تنظر في هاتفها بتتمعن وما أن انتبهت على وجوده، قالت دون أي مقدمات كأنها في عجلة من أمرها: "راسل لازم آخد ابني وأسافر من إسكندرية بسرعة" *** يتبع... !!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!