الفصل 39 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
20
كلمة
10,892
وقت القراءة
55 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

خروج أدريانو من القبو بعد تلقيه مكالمة هاتفية عاجلة، كانت فرصة ذهبية لعمرو بأن يقترب من سهى ويجثو على ركبتيه بجانبها. سحب قطعة القماش التي تكمم فمها، فبعد صراخها وطلب العون والمساعدة، أسرع أدريانو بتكميم فمها ثانية. بل إنه كان قاب قوسين أو أدنى من أن يخرج سلاحه الناري ليطلق عليها الرصاص، بعد إفراطها بالحركة وركلها بقدميها قدر استطاعتها وهما موثوقتان.

تردد بادئ الأمر في مد يده، ولكن تلك الدموع التي راحت تنهمر من عينيها، جعلته يحسم أمره بالأخير. فبعد أن أزال ما يعيقها عن الحديث، أسرع بوضع يده على فمها عندما رآها تهم بفعل ما فعلته منذ قليل من أمور النواح والصراخ. فحتى لا تعاود صراخها وينكشف أمره أمام أدريانو، كان عليه أن يحول بين وقوع الأمر بتكميم فمها بكف يده العريض. فربما عوضاً عن أن يساعدها، سيجد نفسه في مأزق كبير وربما سينال حتفه هو الآخر.

فهمس قريباً من أذنها قائلاً بأمر لا يخلو من اللطف: –أنا هشيل إيدي بس حسك عينك تفتحي بوقك وتصرخي. لازم تتصرفي بهدوء، فاهمة؟ وإلا هنلاقي نفسنا إحنا الاتنين في مشكلة كبيرة واحتمال كبير نموت. متخافيش، أنا عايز أساعدك. هزت رأسها بعنف دليل على موافقتها لإتباع أوامره. فسحب يده بحذر شديد، كأنه لا يأمن وفاءها بوعدها، ولكنها كانت مثلما أراد هادئة مطيعة، ولكن عينيها لم تكف عن ذرف الدموع.

خرج صوتها ضعيفاً، كأنها منهكة القوى من أثر صراخها ودفاعها المستميت عن نفسها: –أنا بعمل إيه هنا، وانتوا عايزين مني إيه؟ تلقائياً بعد انتهائها من قولها، قبضت بيدها على ثوبها من الأعلى تضمه إليها، كأنها على دراية تامة بما سيحدث لها من أمور الاعتداء وما شابه. إلا أنه نظر إليها بتساؤل وفضول: –قوللي الأول إيه اللي جابك هنا، جيتي هنا إزاي؟

حكت سهى جانب رأسها تحاول أن تتذكر ما حدث قبل أن تفيق من إغمائها وتجد نفسها بهذا القبو القذر. فقطبت حاجبيها وضيقت عينيها، كأنها تحاول استرجاع تلك المشاهد من غياهب عقلها. فقالت وكأنها تحدث نفسها: –أنا كل اللي فاكرة أني كنت خرجت من البيت عشان أشتري كتب خارجية عشان الدراسة وفجأة واحدة ست خبطت فيا وحسيت بحاجة غزتني في دراعي وبعد كده مش فاكرة أي حاجة إلا لما صحيت ولقيت نفسي هنا.

نظرت إليه كأنها تحاول معرفة رد فعله على ما أخبرته به، ولكن ملامح وجهه هادئة، لا تنم على شيء مما كانت بانتظاره، وهو أن يبدي تعجبه أو استغرابه مما قالته. فعاودت سؤالها الذي سبق وسألته إياه: –أنا عايزة أعرف أنتوا عايزين مني إيه؟ فرك عمرو يديه وهو يقول بهدوء:

–هو الصراحة كده شكلهم ناويين يبيعوكي لحد في إيطاليا، بس أي نوع من البيع بقى دا اللي لسه معرفتوش. بس هي حاجة من اتنين، يا تتباعي أعضاء بشرية، يا إما لشبكة أعمال منافية للآداب. أفغرت سهى فاها، وكاد يصل فكها للأرض، فبتخيلها لمصيرها الأسود الذي تلاه عليها الآن، جفت دماءها وشحب وجهها، وارتعدت أوصالها، كمن تواجه عاصفة رعدية. ارتطمت شفتيها ببعضهما البعض، وخرجت الكلمات من بينهما بصوت يكاد لا يسمع: –تـ تبيعوني؟ إنت بتقول إيه؟

حرك عمرو كتفيه، دلالة على أنه لم يخبرها سوى الحقيقة، ولا شيء غيرها، حتى وإن كان أخبرها إياها مجردة من أي تزييف أو أن يضفي عليها شيء من الكذب. فبتلك الحالة، سواء علمت الضحية بالحقيقة، أو ظلت على جهلها بها، فالنتيجة واحدة. رفعت سهى كفيها وأرادت لطم خديها، فلم تصب سوى الجزء الأسفل من وجهها. أرادها أن تكف عن فعلتها، فجذب يديها، فأحكم قبضته عليهما. فنفضت هي يده وهي تقول بحدة: –متلمسنيش وشيل إيدك. إنت استحليت الموضوع؟

مش كفاية قولتلي على المصايب اللي مستنياني، كأنك بتقولي النشرة الجوية. مفيش أي إحساس ولا دم خالص بأن كلامك يخليني أتقهر على نفسي. رغب في الضحك على قولها، فصدحت ضحكته بالقبو وهو يقول باسمًا: –تصدقي والله دمك خفيف في المصيبة اللي إنتي فيها دي و بتهزري. رفعت سهى شفتها العليا وهي تقول باستنكار: –بهزر إيه! هو البعيد أعمى وكمان مبيفهمش، إنت شايفه كده بهزر؟ بس أقول إيه، باين عليك معندكش دم ولا إحساس.

جزّ عمرو على أنيابه من سيل الإهانات التي لا تنفك عن قولها كلما رأت وجهه. فدفعها بشيء من القسوة، واستقام بوقفته وصاح بها: –طب جزاء لقلة أدبك دي ولسانك الطويل، شوفي مين يخلصك بقى. وتصدقي هبقى مبسوط أوي وأنا بوصلك عشان تتباعي، وساعتها بس مش هتتعلمي الأدب، لأ دا انتي هتكرهي حياتك ومش بعيد تنتحري. أراد عمرو الخروج من القبو بعدما عمل على تكميم فمها. فظلت تتلوى بجسدها ثانية، كأنما أرادت الاعتذار عما بدر منها.

ولكن كأن فرصتها السانحة انتهت بعودة أدريانو. فوجد عمرو يقف قريبًا منها وهي مازالت ملقاة على الأرض تحاول الفكاك من وثاقها. –خلاص يا عمرو، شفتها وعرفت المطلوب منك، بس هنأجل سفرها أسبوعين لأن جالي تليفون طالبين كمان بنتين غيرها. فعلى ما نجيبهم تكون أنت جهزت نفسك. وحلاوة العملية دي هتبقى كبيرة أوي. كلما سمعت سهى كلمة من أدريانو، تود لو تملأ الدنيا صراخًا وصياحًا.

فالفرصة كانت أمامها، ولكن هي من أضاعتها بمبادرتها بإهانة عمرو. فماذا تفعل هي الآن؟ حاولت استعطافه بنظراتها. إلا أن أدريانو أخذه معه وخرجا من القبو. فأوصد الحارس الباب، ولم تعد ترى شيئًا سوى نور شاحب من المصباح الكهربائي المتدلي من السقف. فحياتها ستصبح أشد سوادًا من ذلك الظلام الذي يكتنف المكان، عدا تلك المساحة الصغيرة الجالسة بها. أصوات الصراخ والتكسير والتحطيم بالغرفة المجاورة، جعلتها تفيق من نومها بفزع.

فبعد أن ولجت الغرفة منذ ما يقرب من الساعتين وحاولت نيل قيلولة قصيرة، استيقظت على تلك الأصوات. فأزاحت الغطاء الخفيف عنها، وأنزلت قدميها أرضاً، وانتعلت خفيها ووضعت حجابها على رأسها. وخرجت تهرول من الغرفة، كأن هزة أرضية ضربت المنزل ويجب عليها الفرار قبل أن يصيبها مكروه. وقفت أمام تلك الغرفة الخاصة ببيري، ووجدت الحارس يقف أمام الغرفة كما رأته أثناء دخولها لغرفتها. فنظرت إليه وقالت بخوف وقلق:

–هو في إيه وإيه الأصوات دي كلها؟ أوضة مين دي؟ نظر الحارس يميناً ويساراً قبل أن يفصح لها عن من تكون مالكة الغرفة، فهو يخشى مجيء سيده الآن. إلا أنه أدنى برأسه قائلاً بصوت منخفض: –دي أوضة بيرى هانم. بذكره الاسم، تذكرت أن ذاك الاسم خاص بابنة عمها، الذي لم تشعر تجاهه بارتياح خاصة بعد مقابلته الأولى لها. فهزت رأسها بحركات متتابعة. وقالت بهدوء وهي تشير للحارس: –طب افتح الباب، عايزة أدخلها وأشوف مالها بتعمل كده ليه.

رفع الحارس يديه يشير بالرفض وهو يقول بخوف: –بلاش، عشان لو باباها عرف إن فتحت الباب مش بعيد يقتلني فيها. أشارت حياء لنفسها وهي تقول بهدوء: –أنا أبقى بنت عمها وبقولك افتح الباب أشوف فيه إيه، مش جايز تأذي نفسها وهي كده. عندما لم تجد استجابة من الحارس، فتحت هي الباب بإصرار، رغم محاولة الرجل منعها. ولكنها استطاعت أن تلج للغرفة وتغلق الباب خلفها بوجه الحارس.

استدارت حياء بعدما كان وجهها للباب، فرأت الغرفة رأساً على عقب، وفتاة تحمل بيدها مزهرية، على وشك قذفها من يدها وشعرها مشعث يغطي وجهها، كأنها خارجة لتوها من عراك عنيف. فرفعت حياء يديها بإستسلام وهي تقول بحنان: –اهدى، اهدى خالص يا بيرى وملوش لازمة اللي بتعمليه ده. اسمعيني، إنتي عارفة أنا مين، أنا بنت عمك وأخت ديفيد... حياء. متخافيش، أنا مش هاذيكي.

أنزلت بيرى يدها وألقت المزهرية على الفراش، ووضعت شعرها خلف أذنيها، لتستطيع أن ترى حياء بوضوح. فابتسمت على ظن حياء بها من كونها فتاة مجنونة أو مختلة عقلياً. فعقدت ذراعيها وقالت وهي ترمق حياء بابتسامة: –متخافيش، أنا مش مجنونة ولا حاجة. أنا بس كنت بطلع غيظي في أي حاجة عشان بابا مش عايزني أسافر ولا أخرج من البيت ده. وضعت حياء يدها على صدرها وزفرت براحة، فهي كانت تخشى أن تقذفها بالمزهرية.

ولكنها علمت الآن أنها ليست فتاة مجنونة. فبادلتها حياء الابتسامة وهي تقترب منها: –طب الحمد لله، لأن الصراحة خفت لما صحيت مفزوعة من النوم على صوت التكسير. دا أنا افتكرت في زلزال حصل. جلست بيرى على حافة النافذة العريضة، ودعتها للجلوس بجانبها وهي تقول بلطف: –تعالي اقعدي، ومتخافيش مني. أنا سمعت عنك وعرفت حكايتك من بابا وديفيد لما كان هنا آخر مرة. دا كان ديفيد مبسوط أوي لما عرف إنك لسه عايشة.

جلست حياء على الطرف المقابل لها، فتنهدت حزناً على حالها: –باين عليه أوي إنه مبسوط لدرجة إنه هدم حياتي، وخلاني سبت جوزي وبنتي وبيتي عشان أتحبس معاه في أي مكان يروحه. زوت بيرى ما بين حاجبيها قائلة بغرابة: –بنتك! بس اللي أعرفه إنك مش مخلفة، حتى إنتي مش متجوزة من مدة طويلة على ما أظن. خلفتيها إمتى دي؟ بتعبير الدهشة على وجه بيرى، تبسمت حياء بألم، فقالت وهي تتذكر وجه سجود:

–هي تبقى بنت جوزي، وأنا حبيتها وعشقتها زي ما أكون أنا أمها الحقيقية. لو شوفتيها تحبيها من أول مرة. بنوتة جميلة، لأ مش جميلة بس دي فاتنة وبريئة وعفوية ومشاكسة، تخليكي تبقي عايزة تأكليها من كتر حلاوتها. زمانها زعلانة مني عشان محضرتش عيد ميلادها، حتى الهدية اللي اشتريتها لها معرفتش أبعتهالها. ديفيد دايماً كاتم على نفسي وبيعد عليا خطواتي وأنفاسي. شاركتها بيرى الحزن الذي بدا جلياً بصوتها، فقالت هي الأخرى بأسى:

–أنا عارفة الإحساس ده كويس، لأن عايشة فيه ومقدرة وجعك لأنك سبتي جوزك اللي باين عليكي كده إنك بتحبيه أوي. نكست حياء رأسها وهي تقول بغصة مريرة: –لو وصفتلك وجعي مش هتصدقي يا بيرى. ربتت بيرى على يد حياء ونظرت من النافذة قائلة بشجن: –لأ هصدق وعارفة يعني إيه واحدة تسيب اللي بتحبه وتبعد عنه، لأن أنا كمان حبيت ومكانش ليا نصيب في اللي بحبه. رفعت حياء وجهها لها وتساءلت: –مكنش ليكي نصيب ليه؟ وهو راح فين؟

على حسب ما فهمت كده إن باباكِ بيحبك أوي، وأكيد كل طلباتك عنده أوامر. انفرجت شفتي بيرى بابتسامة ساخرة: –فعلاً كل طلباتي عنده أوامر إلا دي، لأن حبيبي مكنش من ديانتنا. لأ كان مسلم، وعلشان كده بابا رفضه. استاءت حياء لعلمها بأن عمها رفض تزويج ابنته من حبيبها لمجرد أنه شاب مسلم. فحال بيرى لا يفرق عن حالها، فهي متيقنة من أن أدريانو ساهم بتحريض شقيقها ديفيد من أجل أن تترك زوجها.

وربما علمت الآن أن من بين تلك الأسباب هو اتباعه دين آخر غير دينهم. فقالت حياء بانفعال لم تستطع أن تداريه: –باباكِ شكله متعصب أوي، وفيها إيه يعني لو كان مسلم؟ باين عليه بيحب يتعس اللي حواليه عشان خاطر مزاجه، بيفكر في نفسه وبس. كأن حياء انتبهت بوقت متأخر أنها تتحدث مع ابنته، وربما تستاء من حديثها عن والدها، فحاولت تقديم اعتذارها بكلمات الأسف. إلا أن بيرى قاطعتها وهي تقول بتؤدة:

–ملوش لازمة كتر الاعتذار، لأن إنتي تقريبًا مقولتيش حاجة غلط. بس من الأفضل يعني وحفاظًا على حياتك، بلاش يسمعك بتقولي الكلام ده. لأن هو ميعرفش غير لغة واحدة بس، وهي لغة القتل. بيقتل كده زي ما بيقول صباح الخير. –هو باباكي ده بيشتغل إيه بالظبط؟ قالت حياء بتساؤل، فانتظرت أن تجيبها بيرى. فمرت لحظات صمت، حتى سمعتها تقول وهي تشيح بوجهها عنها:

–بالنسبة للشغل الشرعي، فهو بيشتغل في التجارة وفي المينا وكذا حاجة. أما بالنسبة للشغل الغير شرعي، فهو زعيم مافيا وبيشتغل في أي حاجة تخطر على بالك. جف حلق حياء بعد علمها بحقيقة عمها. فهي ظنت أنه رجل ثري صاحب نفوذ واسع كوالد زوجها. ولكن أن تعلم بأمر أنه أحد زعماء المافيا، فذلك مدعاة للخوف والرهبة من جانبها. فإن كانت بالبداية خشيت على زوجها من بطش أخيها وعمها، فهي الآن صارت ترتجف من الخوف.

شحوب وجه حياء، جعل الشفقة تتسلل لقلب بيرى. فعلى الرغم من اكتسابها الكثير من طباع أبيها الباردة، إلا أنها مازالت محافظة على جزء من الطيبة التي كانت تتحلى بها قبل فراقها عن حبيبها. فجذبتها إليها وطوقتها بذراعيها، كأنها تخبرها بأنها بجانبها. فهما لم تتقابلا إلا منذ دقائق، ولكن كأن كل منهما كانت تنتظر الأخرى لتبوح لها بما يؤلم ما تحمله بين أضلعها. –إنتي خوفتي لما قولتلك على الحقيقة.

نطقت بيرى بعبارتها، فاستكانت حياء لضمتها مما أثار تعجبها، وهي من كانت تظن أنها ستنفر منها. فأجابتها حياء بصدق: –أنا مخوفتش على نفسي، أنا خوفت على جوزي. دلوقتي عرفت معنى تهديد ديفيد إن ممكن يأذي راسل ويحرمه من حبايبه واحد واحد، لأن طلع عندهم القتل ملوش حساب وبيقتلوا بدم بارد. زفرت بيرى بقوة فقالت بروية:

–بس الحقيقة ديفيد مش زي بابا، حتى مبيشتغلش معاه في المافيا. لأ هو ليه شغله الخاص، بس هو زيي عارف بموضوع شغل بابا ومبيتكلمش. حتى بابا عايزة يبقى هو الزعيم بعد منه وديفيد لا قبل ولا رفض، مش عارفة في إيه في دماغه. انسلت حياء من بين ذراعي بيرى، فنظرت لها بشك: –إنتي متأكدة إن ديفيد ملوش علاقة بشغل المافيا؟ حركت بيرى رأسها بالإيجاب. فيما وجدتا الباب يفتح ويلج منه أدريانو.

طاف بنظراته بأرجاء الغرفة كافة، حتى استقر بنظره على هاتين الفتاتين الجالستين على حافة النافذة العريضة. فتلك هي جلسة بيرى المفضلة بأي مكان بالمنزل. كسا وجهه ابتسامة عريضة وهو يرى ابنته جالسة برفقة حياء، ويبدو عليها الهدوء. فربما حيلته بأن تقطن حياء هنا برفقتها أتت بالنتائج المرجوة. فمن أجلها يستطيع فعل أي شيء، مثلما سيفعل الآن ويظهر لطفه لابنة شقيقه.

فعندما هم بالاقتراب منها وقبل أن يمسد على رأسها، نأت هي بجسدها حتى كاد يختل توازنها وتسقط من النافذة، لولا إسراع بيرى بإمساكها من ذراعها. عبس أدريانو وأعاد يده لجانبه وقال بضيق: –فيه إيه مالك؟ هو أنا هاكلك؟ دا أنا عمك. ابتلعت حياء لعابها بصعوبة. فوجدت عيناها تنظر ليديه، كأنها ستراهما تقبضان على عنقها وتزهق أنفاسها.

فإن كانت لم تشعر بالراحة منذ أن وطأت قدميها المنزل، فهي صارت الآن تشعر بأنها على وشك الاختناق والموت، خاصة بعد حديثها مع بيرى وعلمها بتلك الحقائق التي لم يخبرها بها ديفيد. فكم تتمنى هي لو تراه الآن وتقذفه بتلك المزهرية التي كانت ستحطمها بيرى. فهو أخفى عنها حقيقة اتباعهم للديانة اليهودية، وحقيقة عمل عمها كزعيم للمافيا. وما خفي كان أعظم. ولكن كأن أمنيتها برؤية ديفيد صارت الآن حقيقة.

فهي تراه يلج من الباب كعادته تاركاً جزعه العلوي عارياً، يعيث بشعره فساداً ويتثائب كأنه استيقظ لتوه من النوم. وضع يده على فمه ليكتم صوت تثائبه المتكرر، فقال بتساؤل: –فيه إيه مالكم والأوضة مالها مبهدلة ليه كده؟ إنتي عملتي إيه يا بيرى؟ خرج أدريانو من الغرفة ظناً منه أنهم سيتبعونه ليتناولوا طعامهم. ولكن ما أن ابتعد، حتى تركت حياء مكانها، واقتربت من ديفيد ووكزته بشدة في صدره. فقالت بغيظ مكظوم: –إيه قلة الأدب بتاعتك دي؟

قولتلك البس هدومك وكمان داخل أوضة بنت عمك كده! مفيش أدب. وليه مقولتليش على موضوع الديانة وشغل عمك؟ حك ديفيد فروة رأسه، كأنه يحاول استيعاب قولها، أو أن يجعل عقله يفيق من أثر النعاس: –بقولك إيه يا حياء استني أفوق وأفهم بتقولي إيه. عاد لتثائبه مرة أخرى، ودفعته حياء لتخرجه من الغرفة، مما أدى لسقوط حجابها من على رأسها. فحاولت ضبطه لتخفي شعرها. فضحك ديفيد قائلاً بمكر: –خلاص شوفت شعرك، بتخبيه ليه؟

ما أنا أصلاً عارف لون شعرك إيه، من العينة اللي أخدناها منك عشان تحليل DNA. وهو زي لون شعر ماما، كان شعرها طويل وناعم وكانت جميلة. ما إنتي شوفتيها في الصور. خطر ببالها كل الوجوه التي رأتها بالصور الفوتوغرافية. فوالدتها كان يبدو عليها الجمال والنعومة، وأبيها كان وسيماً وديفيد يحمل الكثير من ملامحه، وخاصة زرقاوتيه وشعره الأشقر. أما أشقاءها الثلاثة الآخرين، تراوح جمالهم ما بين والدهم ووالدتهم.

فقبل أن تنغمس أكثر بنهر أفكارها، أخذت بيرى يدها وخرجتا من الغرفة. فحقا ديفيد، الذي سبقهما بمشيته، حتى كاد يصل للمائدة. ولكن حياء نهرته عن الجلوس معهما، قبل أن يرتدي قميصه. فنظر لها بغيظ، إلا أنه ذهب لغرفته وارتدى ثيابه. تابع أدريانو ما يحدث بصمت. فتلك الفتاة التي من المفترض أنها ابنة شقيقه، يبدو عليها أنها تتمتع بخاصية جذب الآخرين إليها.

فديفيد، والذي يعلم طباعه عن ظهر قلب، وأنه لا ينصاع لكلمة أحد، يستمع لما تقوله، بل يحاول إرضاءها بشتى السبل. فوجودها هنا يشكل خطرًا حقيقيًا، خاصة بعد رؤيته كيف أن ابنته تخلت عن عنادها وتصلبها برأيها لترحل من المنزل.

بل وتجلس على المقعد المجاور لحياء، تتجاذب أطراف الحديث معها، ويبدو عليها الاستمتاع بكل ما تقصه حياء بشأن نشأتها بمنزل عرفان الطيب، وكيف كانت تعيش بترف وثراء، ونشأتها على تعاليم الدين الإسلامي وتلك القيم والأخلاق التي اكتسبتها منذ نعومة أظافرها. فأغارت صدر أدريانو بحديثها، فهتف بها بأمر: –كفاكي كلام عن حياتك اللي فاتت وخليكي في حياتك دلوقتي. وبعد الأكل عايز أقعد معاكي نتكلم لوحدنا.

ابتلعت حياء ما بجوفها، فظلت صامتة الباقي من جلستها تتناول الطعام ولا ترفع عينيها عن طبقها. فحاولت التملص من تلك الجلسة التي ستجمعها بأدريانو. ولكنه لم يتيح لها مجال للهرب. فعندما وجدها تذهب مسرعة لغرفتها، ناداها وأمرها أن تتبعه لغرفة مكتبه. دَلفت خلفه مكرهة، وارتعدت وهي تسمع صوت إغلاق الباب. جلس خلف مكتبه يرمقها بهدوء، في حين أنها لم ترفع عينيها عن النظر لتلك السجادة أسفل قدميها. أخرج عدة صور وهاتف وألقاهما أمامه

على المكتب وهو يقول ببرود: –بصي للصور دي كويس وللفيديو اللي على الموبايل. أخذت حياء الصور ونظرت بها الواحدة تلو الأخرى. فهي صور خاصة بزوجها وسجود ووفاء ورياض وميس وزوجها وكل من يمت بصلة لراسل، ولكن معظم الصور خاصة بالصغيرة والفيديو أيضاً. فجحظت عيناها عندما رأت الصغيرة تلهو بباحة روضتها، وبمبنى قريب من مبنى الروضة، يقف رجل يشبه القناصين بسلاحه الناري، يتخذ وضع التأهب لأي أمر حتى يطلق الرصاص على رأس الصغيرة.

فابتسم أدريانو ابتسامته المختلة من تعابير الصدمة والدهشة على وجهها:

–أنا عارف إنك اتفقتي مع ديفيد إنه يسيب جوزك في حاله هو وبنته مقابل إنه تسيبيه إنتي نهائي. أينعم الاتفاق مش عاجبني، بس عشان خاطر ديفيد بس هوافق. مع إن حسابي مع عيلة النعماني والزناتي لسه مخلصش، بس لو إنتي عقلك وسوسلك إنك تخدعينا وخصوصًا أنا، فأنتي عارفة إيه هيكون مصيرهم. فأنا عايزك تقفلي بوقك ده لو حابة تحافظي على حياتهم، لأن في لحظة واحدة ممكن أدمرهم. حتى الجيش اللي عند رياض النعماني مش هيوقفني. إنتي لسه متعرفنيش ولا تعرفي ممكن أعمل إيه، لأن أنا ورايا ناس كتير أوي، ويعملوا اللي ميخطرش على بالك يا بنت أخويا.

بإشارة من يده أمرها بالانصراف. فجلستهما اقتصرت فقط على تهديده وإبراز مدى قوته وشراسته في إيذاء زوجها وعائلته. خرجت من غرفة المكتب، وهي تتساءل ماذا فعلت بحياتها حتى يكون مصيرها التعاسة؟ فلو كان ديفيد يعاملها برفق، فعمها لن يكون مثله. يكفي نظرة عينيه المخيفة، التي ترسل الرعشات بأطرافها، كأنها ترى أحد أعوان أو أبناء الشيطان. بعد حصولها على اسم وعنوان تلك المدرسة بالأقصر، حزمت أمتعتها استعداداً للرحيل.

فهي بعد علمها الحقيقة من فم ذلك الشاب، لم تكن تخبر والديها أو كرم، قبل أن تتيقن من الأمر مئة بالمئة. كذهابها لتلك الطبيبة النسائية التي طلبت منها فحصها، لتأتي النتيجة كما أخبرها الشاب بأنها مازالت فتاة عذراء. فبهذا اليوم خرجت من غرفة الطبيبة تكاد تطير فرحاً، وكأن قدميها لا تلامس الأرض، بل تحلق بالفضاء. ولجت والدتها الغرفة وابتسامتها تزين وجهها.

فهند أخبرتهما الحقيقة كاملة، فكاد والديها لا يصدقان ما تقوله، إلا أنها أقسمت لهما بأنها تقول الحقيقة ولا شيء غيرها. وضعت والدتها يدها على كتفها وهي تقول باسمة: –خلاص خلصتي تجهيز شنطتك يا هند. التفتت إليها هند وأجابتها بسعادة: –أيوه خلاص يا ماما، كده كل حاجة تمام. ولكن انطفأت سعادتها وابتسامتها فجأة، مما استرعى انتباه والدتها. فربتت على وجنتها وقالت بقلق: –مالك يا هند؟ ابتسامتك وفرحتك راحوا فين؟

أطلقت هند زفرة قوية، كادت تشعر بتمزق قلبها وهي تفوه بتلك الكلمات: –خايفة لما أروح لكرم ما يقبلش إني أرجعله، وساعتها مش هبقى خسرته بس لأ قلبي هيتكسر. ضمتها والدتها لها كمحاولة لمواساتها. ولكن قبل أن تقول شيئًا، سمعتا صوت دقات متتالية على باب الغرفة، وصوت الخادمة تقول باحترام: –ست هانم الأستاذ كرم موجود تحت وعايز يشوف حضراتكم. ظنتا أنهما استمعا خطأ للاسم.

إلا أن هند الجاحظة العينين، بعد سماع اسم زوجها، لم تمهل نفسها دقيقة واحدة. فخرجت تركض من الغرفة، لا تصدق أنه هو من عاد، وهي التي كانت تنوي السفر إليه الليلة. هبطت الدرج بخطوات سريعة، ورآها كرم الجالس بالصالة. فترك مكانه واستقام صلبه، فصاحت هي باسمه وهي تعبر المسافة الفاصلة بينهما: –كرم! لم يكن يظن أن ترحيبها بوجوده سيكون بتلك الحميمية، من إلقاء نفسها بين ذراعيه وتطويق عنقه، مما أدى لتصلب جسده أثر مباغتتها له بفعلتها.

سحبت ذراعيها ببطء من حول عنقه، وهي تشعر بالحرج من إظهار عواطفها، التي يبدو عليه أنه لا يريدها بتلك اللحظة من الجمود الذي اكتنفته وجعلته يحدق بها بصمت. فبادرت بالاعتذار عما بدر منها بصوت منخفض: –أنا آسفة. علام هي تقدم اعتذارها الآن، على تلك النيران التي زرعتها به، وهو من حاول طوال طريقه من الأقصر للإسكندرية ترويض نفسه على ألا يتأثر بها أو برؤيتها. ولكن مجيء خالته هو من أنقذه.

إذ تقدمت منه ترحب بعودته بعد غيابه الذي لم يدم وقتاً طويلاً: –حبيبي حمد الله على السلامة. لاحظت هند أنه لم يفه بكلمة، كأنه أصابه الخرس فجأة. إلا أنه تخلى عن جموده ورد قائلاً بابتسامة خص بها خالته: –الله يسلمك يا خالتو. آسف لو كنت جيت من غير ميعاد، بس أنا جيت عشان في موضوع مهم كنت عايز أكلمكم فيه. هو عمي فين؟ جلست خالته ودعته للجلوس، بينما اتخذت هند مجلساً لها بعيداً عنه. فردت خالته قائلة بابتسامة حانية:

–كان عنده شغل ضروري وكلموه في الشركة، بس شوية وهتلاقيه جاي دلوقتي. بس خير، موضوع إيه ده اللي كنت عايز تكلمنا فيه؟ لأن إحنا كمان كنا عايزين نقولك على حاجة مهمة. لم ينتبه كرم على الجزء الأخير من حديث خالته، لكونه مشغول بترتيب ذلك الحديث الذي جاء من أجله. ففرك يديه بقلق بالغ، إلا أنه تظاهر بالثبات وهو يقول ما لديه، الذي تلخص بتلك العبارات التي خرجت من فمه بتناسق:

–الحقيقة يا خالتو، أنا قابلت بنت في الأقصر، هي عايشة هنا في إسكندرية، وهي محترمة ومؤدبة وكنت حابب ارتبط بيها. أنا لسه مكلمتهاش في الموضوع، بس جيت عشان أقولكم، لأن إنتوا في الأول والآخر أهلي. وكمان أخلص إجراءات طلاقي أنا وهند، بس حابب إنك وعمي متزعلوش مني. احتلت معالم الدهشة والصدمة ملامح وجه خالته. فقالت وهي تنظر لابنتها الجالسة وكأنها فقدت النطق والحياة فجأة: –بس يا كرم دي هند...

خرجت هند عن صمتها قبل أن تكمل والدتها قولها، فقالت وهي تحاول افتعال الابتسامة: –ماما قصدها تقولك إني أفرحلك إنك لقيت البنت اللي تستاهلك ومبروك يا كرم. حتى لما تروح تخطب البنت اللي عجبتك إحنا هنيجي معاك، لأن زي ما قولت إحنا أهلك. حملقت بها والدتها بعدم فهم. فما الذي تهذي به؟ فهي كادت تطير فرحاً منذ دقائق لسفرها له وإخباره بالحقيقة كاملة. نظر كرم لخالته كأنه ينتظر جوابها. فلم تضن عليه بابتسامة هادئة، رغم ما تشعر به من

ألم وسوء على حال ابنتها: –مبروك يا حبيبي ألف مبروك. إنت تستاهل كل خير يا كرم. أخذ كرم يد خالته وقبلها. فبالأخير هي شقيقة والدته، التي لم يرى منها يومًا شيئًا يغضبه، بل كانت دائمًا تضعه بمثابة ولدها وتغدقه بحنانها قدر استطاعتها. فترك مكانه وهو يقول بحرج طفيف:

–طب عن إذنكم أنا لازم أمشي، لأن أنا جاي إسكندرية كام يوم بس وهرجع الأقصر تاني. فكنت حابب أخلص كل اللي جيت علشانه. ولو إنتوا حبيتوا تيجوا معايا وأنا بخطب ده أكيد هيسعدني، حتى لو رفضتم مش هزعل. خرج كرم بعد أن قال ما جعل هند تشعر بأنه تم ذبح قلبها بسكين بارد. ظل ينخر به بدون شفقة أو رحمة، عوضاً عن أنها مطالبة بأن تتقبل كل ما سمعته، وأن تعلم أنها لم يعد لها مكان بقلبه أو بيته، فهناك من تنتظر لتأخذ مكانها.

ارتعاش ساقيها لم يمنعها من النهوض من مكانها والفرار من الصالة لتلوذ بغرفتها. فصعدت الدرج، وكادت تسقط على وجهها عدة مرات، وهي لا ترى بوضوح من تلك الدموع التي ملأت مقلتيها وحرمتها أن تبصر ما أمامها. فما كادت تصل لغرفتها، حتى ولجت وأغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها له. فأطلقت تلك الأهات الحارة التي اختزنتها.

فببطء كان جسدها ينهار حتى جلست مكانها خلف الباب، فضمت ركبتيها ودفنت وجهها بين ذراعيها وأجهشت بالبكاء، ولسانها لا ينفك عن ذكر اسمه بلوعة. فعلام يفيد بكاؤها الآن؟ فكل شيء قد انتهى. لم يكن له سلوى طوال يومه غير ابنته، ولكنها بهذا الوقت بروضتها، لذلك هو يجلس وحيدًا بغرفته. فهو لا يتركها إلا من أجل تناول طعامه، أو من أجل تلك الأوقات التي يقضيها متسكعًا على الشاطئ المطل على القصر.

والذي يتمتع بخصوصية عالية نظرًا لقربه الشديد من حدود القصر، فلا أحد يقترب من تلك الحدود إلا إذا كان من ساكني المنزل، كأنه "شاطئ خاص". تأرجح جسده للأمام والخلف على المقعد الهزاز الذي يجلس عليه بالظلام قريبًا من تلك النافذة التي لم يرد أن يزيح ستائرها الثقيلة لتنقشع تلك العتمة التي تملأ الغرفة. نتيجة لتأرجحه، شعر بالنعاس يداهم عيناه الغائرتان التي لم تذق للنوم طعمًا سوى غفوات قصيرة لا تتعدى الساعة أو الساعتين.

فربما سيختل نظام جسده من إهماله الشديد بالاعتناء بصحته مثلما كان يفعل سابقًا. ولكن ما كاد يغلق عينيه ويسترخي جسده، حتى انتفض من نومه كمن لدغته أفعى، عندما طاف بمخيلته صورها التي كانت ترسل إليه. فكيف خرجت من الإسكندرية؟ وكيف ذهبت لتلك الأماكن التي زارتها؟ ومن ساعدها بكل هذا؟ فكل تلك الأسئلة تدور بعقله وتكاد تصيبه بالجنون الحتمي. فمن أجل من ولماذا هي تركته؟

ولجت وفاء الغرفة تحمل بيدها قدحًا من الشاي تم مزجه بمجموعة من الأعشاب التي ستساعد على استرخائه. فهي الوحيدة التي تعلم كيف يكون حاله إذا أصيب بحالة من الاكتئاب. فهي اختبرت الأمر معه من قبل، وها هي تختبره للمرة الثانية. وضعت وفاء القدح من يدها، وربتت على كتفه لتجعله ينتبه على وجودها. فتبسمت له وهي تقول بحنان: –حبيبي عملتلك شاي بالأعشاب هيهدي أعصابك خالص، عارفة إنك بتحب أعملهولك. أومأ برأسه دون أن يفه بكلمة.

فأقتربت هي من النافذة وأزاحت الستائر. فوضع يديه أمام عينيه عندما سقط الضوء على وجهه، فجلوسه بالظلام جعله لا يتقبل رؤية ضوء الشمس بسهولة. فاستاء قليلاً وهو يرجوها: –ماما اقفلي الستاير دي والشباك أرجوك. لم تستمع وفاء لما يقوله، بل إنها اقتربت منه وجذبت ذراعه حتى استقام بوقفته. فهتفت به بصرامة: –إنت وبعدين معاك، عامل في نفسك ليه كده؟ يعني هتموت نفسك بالبطئ؟ طب أنا وبنتك ذنبنا إيه نشوفك كده؟

ثم إنت طول عمرك بتستحمل اللي بيجرالك وبتطلع كل مرة أقوى من الأول، ليه المرة دي عامل في نفسك كده؟ قول لي. دمعت عيناه وغمغم بصوت متحشرج: –عشان أنا اتكسرت يا ماما. أخذت كفيه بين يديها، وحاولت أن توقف ارتجافهما. إلا أنه تابع قوله من بين أسنانه لكي لا تسقط دموعه: –ليه مش عارف أطلعها من قلبي وعقلي؟ ليه كل ما أشوف صورها النار بتولع في قلبي زيادة؟ قول لي أعمل إيه يا ماما؟ قول لي إيه العيب فيا إن كل مرة يحصلي كده؟

رفعت وفاء يدها تمسح وجهه وتلك العبرات التي خانته وفرت من عينيه. فتلك هي المرة الأولى التي تراه يبكي بها منذ زمن طويل. فهو دائمًا كان حريصًا على إخفاء دموعه وألمه حتى لا يراه أحد بأشد حالاته سوءًا. أخذته بين ذراعيها، وحاولت بكل استطاعتها أن تهون عليه مصائبه، حتى وجدت مستكينًا بين ذراعيها. فأبعدته عنها قليلاً وتبسمت في وجهه وقالت بأمر ولطف:

–يلا، اشرب الشاي وروح خدلك شاور وروح هات بنتك من الحضانة، دي هتفرح أوي. بنتك زي ما تكون حاسة باللي بيحصل حواليها بس مش عارفة تعبر. بلاش تخسرها هي كمان يا حبيبي. بذكر وفاء لحال سجود، كان ذلك داعيًا لأن يحاول التماسك من أجلها. فأطاع أمر وفاء واحتسى قدح الشاي وذهب للمرحاض. نظر للمرآة وتحسس لحيته التي كفّت قليلاً، مما أعطاه مظهرًا لم يعتاده. فشذبها واغتسل وخرج ارتدى ثيابًا ملائمة وخرج من الغرفة وهبط للطابق السفلي.

قابله رياض، الذي يبدو عليه أنه انتهى من إحدى جلساته مع عاصم بشأن متابعة خط سير العمل. فسأله: –رايح فين كده؟ أجابه راسل بهدوء دون المحاولة منه أن ينظر لشيء سوى مفتاح سيارته الذي يحمله بيده: –هروح أجيب سجود من الحضانة وأتمشى شوية. قفزت إيلين من مكانها وهتفت بحماس: –أنا عايزة أجي معاك ممكن. هز رأسه قائلاً بتهذيب غير معتاد: –آه ممكن، اتفضلي.

بعد مرور خمس دقائق، كانت إيلين تجلس بالمقعد المجاور له بسيارته، فأنطلق بها في طريق الذهاب للروضة. ظلت إيلين تتحدث معه طوال الطريق، فيجيبها تارة على ما تسأله، ويبتسم تارة أخرى على إحدى الدعابات التي تقصها عليه. فأمام مبنى الروضة، كانت بيرى تصطف سيارتها بعدما اصطحبت حياء معها متذرعة بأنهما ستذهبان للتسوق.

ولكن استطاعت خداع حرس أبيها وفرت هاربة برفقتها، لتحقق لها إحدى أمنياتها برؤية سجود وإعطائها ذلك الثوب الذي اشترته من أجلها. التفتت بيرى لحياء وهي تقول باسمة، خلاف عادتها القديمة بإتباع الهدوء ونمط الحزن والكآبة: –أدينا وصلنا أهو للحضانة. غطي وشك كويس وانزلي بقى، بس خلصي بسرعة لأن بابا لو عرف اللي عملناه مش بعيد مشوفش الشارع تاني وهيحبسنا في البيت. ردت حياء عليها، كانت قبلة وضعتها على وجنتها.

فهي وإن كانت تكره معيشتها ببيت عمها بالوقت الحالي، إلا أن العلاقة بينها وبين بيرى توطدت لحد كبير خلال أيام معدودة، وعلاقتها بشقيقها أخذت بالتحسن قليلاً. ولكن الوحيد الذي لم تستطع تقبل وجوده قريبًا منها هو عمها أدريانو. –شكراً يا بيرى. قالت حياء وهي تترجل من السيارة، فولجت للروضة حتى وصلت لمكان وجود سجود. فطارت الصغيرة فرحًا برؤيتها، فصاحت بسعادة: –ماااامى! تلقتها حياء بين ذراعيها، فضمتها إليها بقوة وحملتها عن الأرض.

فظلت تقبلها بنهم وعيناها تنهمر منهما الدموع. فاستأذنت معلمتها، وأخذتها وخرجت للحديقة الصغيرة التابعة للروضة. فتعلقت سجود بعنق حياء ووضعت رأسها على كتفها وهي تقول بعتاب طفولي: –مامي إنتي سافرتي تاني وسبتيني ليه، وكمان مجتيش عيد ميلادي ومش جبتيلي هدية؟ أنا زعلت. قبلت حياء رأس الصغيرة، فنظرت للحقيبة وهي تحاول استرضاءها: –أنا آسفة يا روحي، بس دي هديتك أهي. مدت حياء يدها لتأخذ الحقيبة الموضوع بها الثوب لتناولها لسجود.

فسمعتها تصيح بسعادة: –بابي! وكأن حياتها توقفت فجأة على تلك الصيحة التي بعثت بها الأمل واليأس، الأمان والخوف، السعادة والشقاء. فكل شيء ونقيضه اجتمع لديها الآن. فحتى تصنمها وخشيتها من أن تستدير برأسها وتراه، لم يكن يردعها عن أن تبحث بعينيها عنه، لتنعم برؤيته التي اشتاقتها، والتي اصطدمت بالبدء بساقيه الطويلتين، كأن سيلزمها مزيد من الوقت والشجاعة حتى تصل لوجهه وتصبح وجهاً لوجه معه. ولكن حدث ما كانت تخشاه.

فالآن المواجهة بينهما حتمية ولا مفر منها. ابتلعت لعابها وتلك الغصة التي سدت مجرى الهواء عنها فجأة. فخرج اسمه من بين شفتيها بارتجافة وهمس: –راسل. ولكن لاحظت أنه لم يكن بمفرده، بل يصطحب معه فتاة لم ترها من قبل. ولكن سمعته يهتف بها بهدوء: –معلش يا إيلين، خدي سجود وروحي البيت. كلمي أي حد من الحرس ييجي ياخدكم، ولا أقولك خدوا تاكسي وروحوا. إيلين...

فهي لم تنس هذا الاسم عندما أخبرها مرة بأنه كان لتلك الفتاة التي كانت حبه الأول وحب طفولته. فكأن بذكره لاسمها، أوقد نيران الغيرة بقلبها. فأيلين جميلة وفاتنة وتفوقها جمالاً وجاذبية. احتجت سجود على قوله، فعادت لحياء وتعلقت بعنقها وهي تقول برفض: –أنا عايزة مامى تيجي معايا. موقف لا يحتمل، ولا يعرف كيف يقف هو هكذا ساكناً في حين أن دماءه ربما وصلت لدرجة الغليان؟

فهي أمامه لا يفصله عنها سوى خطوة أو اثنتين، ولكنه عاجز عن الاقتراب. فالمكان ليس ملائماً للحديث الذي ربما سيكون كالحرب الضارية بينهما، سواء من مشادات كلامية وشجارات أو من محاولته إطفاء لهيب قلبه منها. بجهد لا يذكر وحيلة بسيطة، كان كعادته يجعل سجود تنصاع لأمره، فأخذتها إيلين وصارا بمفردهما.

فنظرت حياء حولها كأنها تنشد العون والمساعدة من أي أحد لينقذها من براثن زوجها، الذي يبدو عليه أنه على وشك تحطيم جسدها بقبضته التي كورها وبرزت عروقها جلية بها. فما زالت كما هي تخافه وترهبه بحالات غضبه، مع تيقنها من أنه لا يستطيع المساس بها. كأحد الوحوش الضارية التي تتربص لإحدى فرائسها بأن تظهر لها اللين بالبداية قبل أن تنقض عليها، كان هكذا حاله بتلك اللحظة. فقال بهدوء ظن أنه لم يعد يملك منه شيئًا، ولكنه امتزج بالسخرية:

–حمد الله على السلامة يا مدام حياء، مش كنتي تقولي إنك رجعتي على الأقل يكون عندي خبر إن المدام بتاعتي رجعت، بعد ما انبسطت واتفسحت، وجوزها معندوش علم هي كانت فين. لأ بجد مكنش يصح تعملي كده، على الأقل كنتي ابعتيلي رسالة على الواتس، زي ما كانت صورك بتوصلني. ولا الفسحة كانت حلوة لدرجة إن مبقاش عندك عقل تفكري بيه. غرس إصبعه بلحم ذراعها وهو يجذبها، حتى صارت تقف أمامه. ولكنه لم يكتف بذلك، بل جرها خلفه.

فالمكان ليس ملائماً لحديثهما. خرجا من مبنى الروضة، ووصلا للسيارة، فتح الباب بجانب المقعد المجاور لمقعد السائق، فجعلها تجلس مكرهة، بينما هو أخذ مكانه خلف المقود وانطلق بالسيارة بسرعة قصوى. فخرجت بيرى من سيارتها تناديها، ولكن لا فائدة من ندائها. ارتعبت بشدة من جنونه بقيادة السيارة، حتى ظنت أنهما سيلقيان حتفهما لا محالة. فأخفت وجهها بكفيها حتى لا ترى السيارة وهي تقطع الطريق كإحدى سيارات السباق.

أزاحت يديها بعدما أوقف السيارة، فنظرت حولها وجدت نفسها أمام منزله. فقبل أن تفه بكلمة، ترجل من السيارة، ودار حولها وفتح الباب بجانبها. فجذبها من ذراعها بقسوة، حتى كادت تسقط على وجهها. ففتح باب المنزل وولج يجرها خلفه، وهي تحاول سحب ذراعها القابض عليه. فقالت برجاء: –راسل، أرجوك سيبني، مينفعش كده. هز جسدها حتى اصطكت أسنانها، فصرخ بوجهها: –هو إيه اللي مينفعش يا مدام؟

خرجتي من بيتي وسافرتي معرفش روحتي فين وعايشة حياتك تتفسحي ومبسوطة، ناسيه إنك لسه على ذمتي. كنتي مع مين؟ انطقي. إنتي مفكراني هعديلك الموضوع بالساهل؟ اتخذت الصمت ملاذًا لها، ولكن لم تستطع منع الدموع أن تملأ مقلتيها وهي تسمعه يكمل حديثه، رغبة منه في إثارة انفعالها: –كنتي حاسة بإيه لما شوفتي واحدة تانية معايا النهاردة، وإنتي اللي دايماً كنتي بتقولي إنك بتغيري عليا من أي واحدة تكلمني. قوليلي إيه رأيك في إيلين؟ فاكراها؟

أنا متأكد إنك فاكرة، أنا قولتلك إيه عنها. إحساسك إيه لو قولتلك إنها هتحل محلك؟ رفعت عينيها الدامعتين إليه وهي تقول بدون أن تعي ما تتفوه به: –حسيت إني بموت بالبطيء يا راسل، بوجع قلبي مش قادر يتحمله. كان أهون عليها تقتلني ومش أشوف واحدة تانية بتاخدك مني وقدام عيني. فإن كانت تشعر بكل هذا السوء والألم، فلما فعلت ما فعلته به؟ لما أخبرته إياها صريحة أنها لم تعد تريده؟ لما جعلت جدار الفراق يعلو بينهما أكثر وأكثر؟

فهو بحيرة من أمره من أقوالها وأفعالها، أم ما زالت تمارس عليه خداعها؟ –ليه مش قادر أكدب عينيكي؟ خرجت عبارته من بين شفتيه همسًا. فدائمًا عيناها كانت تصدقه القول، هاتان العينان الرائعتان الغير قادرتان على الكذب. ولكن قادرتان فقط على سلب قلبه وعقله، حتى وهو يشعر بالحقد تجاه ما فعلته معه، لا يريد سوى أن تحيي قلبه بعناق يشبه عناقاتهما السابقة التي كانت كزاد تتلهف إليه النفس الجائعة والمتعطشة للحب. أجابته بهمس جميل، مترافق

مع خفقات قلبها الملتاع: –عشان إنت صورتك محفورة جواهم. علقت الدموع برموشها، تبللها كالقطرات الأولى من مطر أُختزن ماؤه وقتًا طويلاً، وربما حان الوقت لتفريغه. مرر إبهاميه على أهدابها، مما جعلها تغمض عينيها. فشعر برطوبة عبراتها على إصبعيه، فهي كانت على وشك البكاء، ولكنه لا يريد أن يراها تبكي. فأسند جبينه لجبينها وهو يحثها على قول المزيد بصوت حمل بين طياته الكثير من الرجاء: –وإيه تاني يا حياء؟

قوللي ليه بتعملي في نفسك وفيا كده وعلشان إيه؟ قوللي وريحيني، لأن دي آخر فرصة. صدقيني أنا لحد دلوقتي لسه عامل خاطر لكل لحظة حلوة عشناها سوا. بلاش تخرجي الوحش اللي فيا، لأن هتكوني أول واحدة هتتأذي. احتواء وجهها بين كفيه، بعث بها الأمل ثانية. فهدوءه وحنانه الذي تشعر به، مثلما كان يفعل معها سابقًا، جعلها تبتسم من بين دموعها رغماً عنها. فبتردد رفعت ذراعيها، واستندت بكفيها على صدره.

فالأمر محسوم وما عليها سوى أن تخطو خطوتها التالية. ولكن عادت صور عمها وشقيقها تداهم عقلها، فلو تفوهت بكلمة، لن يكون مصيرهما سوى التعاسة. فتبسمت وهي تدفعه برفق وتقول بكذب متقن: –أحلى حاجة فيك يا راسل إنك بتصدقني بسرعة. يعني مجرد ما قولت كلمتين صدقتني. صُدم راسل مما سمعه منها. فإلى متى ستظل تخدعه هكذا، ويجبن قلبه أمامها ويتلمس لها الأعذار.

لا أحد سينقذها من بطشه بها، فالمنزل خاوٍ، ولا تسمع به صوت سوى صوت أنفاسه الغاضبة، والتي تعلو شيئًا فشيئًا. فجالت ببصرها بكل مكان عدا وجهه، وقالت بسخافة متصنعة اللامبالاة، محاولة تخفيف وطأة تلك الضغوط التي تشعر بها: –هو البيت مش اتباع في المزاد؟ هو إنت روحت لباباك ودفعلك ديونك ولا إيه؟ بس تصدق كده أحسن، ما إنت كده كده وريثه هتسيب الفلوس دي كلها لمين؟ كده هتخليني أغير رأيي في موضوع الطلاق. فأقتربت منه ووضعت يدها

على صدره وابتسمت بوقاحة: –إيه رأيك تحب نرجع لبعض، بس المرة دي تديني نص ورثك من باباك؟ قولت إيه؟ على الأقل أضمن مستقبلي معاك. أجادت دورها ببراعة، وهي تؤدي دور الزوجة الطماعة والجشعة، والتي تركض خلف المال. ولكن لم تكن تعلم أن رد فعله سيكون بتلك القوة. فهو قبض على حجابها وأحن رأسه للخلف، وقبض بيده الأخرى على ذقنها بطريقة مؤلمة. ففح بوجهه من بين أسنانه بغيظ ووعيد: –للدرجة دي كنت أعمى ومخدوع فيكي؟ بتساوميني يا حياء؟

بس أحب أقولك إني هسيبك كده، لا طايلة سما ولا طايلة أرض. حاموت كل حاجة حلوة جواكي. أنا قبل كده حذرتك، بس إنتي اللي اخترتي، فلازم تستحملي كل اللي هيجرالك مني. دفعته عنها فالألم لا يطاق. فأرادت تأدية دورها حتى النهاية، فتبسمت بعدم اكتراث، رغم دموعها التي تلح عليها: –أعلى ما في خيلك أركبه يا حبيبي. بس احاسب لتقع من عليه. وكويس إن حبك القديم رجعت تاني أهي تطفى نار قلبك شوية. مش بيقولوا التالتة تابتة؟

على الأقل هي هتفهمك. لكن جايز فرق السن بينا إحنا الاتنين مكنش واخدين بالنا منه، وإن كل واحد فينا محتاج حد قريب منه في السن عشان يفهمه. أنا لسه صغيرة وكل ما أكبر إنت هتكبر لحد ما هييجي الوقت اللي هتكون إنت كبرت فيه وأنا هكون لسه في عز شبابي. حديثها السخيف عن الفارق بالعمر بينهما لم يكن مقنعًا لأحد. ولكنها تبحث عن أي شيء تزيد به رصيدها السيئ لديه، فربما يقرر إطلاق سراحها ولا يعد يفكر بها.

ولكنها لا تعلم بأن حديثها سيكون ذا مردود عكسي. فإلى إحدى الغرف كان يجرها خلفه، ودفعها حتى سقطت على الفراش. فالتوى ثغره قائلاً بسخرية: –بما إنك كده بتحبي الفلوس، مفيش مانع نقضي وقت حلو مع بعض وهدفعلك أجرتك. فالقتل كان أهون عليها من تلك المهانة التي تشعر بها. فشقت صرختها ذلك السكون الذي يحيط بهما عندما وجدت أن الأمر واقع لا محالة. توسلته واستعطفته بالبداية ليتركها، وهي تقول باستجداء وهي تحت رحمته:

–عشان خاطري يا راسل بلااااش، دا أنا حياء حبيبتك. فصاح هو بوجهها قائلاً بألم: –خاطر إيه اللي بتتكلمي عنه بعد اللي عملتيه فيا يا حياء؟ ظل الشد والجذب بينهما قائمًا. فهي لا تريد تحطيم ما تبقى بينهما. إلا أنها وجدته يتركها فجأة قبل أن يلمسها ويزداد تهوره أكثر. فصرخ بها: –قومي امشي يا حياء، قوومي ومش عايز أشوف وشك تاني. لم تنتظر أن يقولها ثانية، فأخذت حجابها الذي سقط من على رأسها وفرت هاربة من الغرفة وهي تبكي.

بينما هو ارتمى على الفراش وصدره يعلو ويهبط بوتيرة سريعة. فأي قوة ردعته عنها قبل أن يأخذ منها مآربه؟ فتلك هي قوة العشق اللعين الذي ما زال يسكن فؤاده، وجعله عاجزًا عن إيذائها وهي التي كانت ينتظر وقوعها بين يديه. ولكنه يعلم خير العلم إنهما إذا تقابلا ثانية، فالأمر لن يقتصر عن إظهار ضعفه تجاهها. بعد مرور ثلاثة أيام، كان وضعها يزداد سوءًا، وهي جالسة بغرفتها حبيسة جدرانها.

بعد تلك المقابلة والمواجهة بينها وبين زوجها، فكلما تتذكر أنه كان على وشك الاعتداء عليها، تنهمر دموعها أكثر. فهي لم تخبر أحدًا بشأن مقابلتها لزوجها، ومن ستخبر؟ شقيقها أم عمها؟ اللذان إذا علما بأمرها، سيحاولان إيذاء راسل. فبيرى حاولت مرارًا أن تعلم ما صار معها، فهي الوحيدة التي تعلم بشأن رؤيتها لزوجها وخروجها معه. فبعد أن لحقت بهما، وجدت حياء تخرج من المنزل راكضة، فاستقلت السيارة بدون أن تتفوه بكلمة حتى الآن.

ولجت بيرى الغرفة فوجدتها تنكمش على نفسها بوسط فراشها. فجلست بجانبها وهي تحثها على الكلام: –مش عايزة تقولي إيه اللي حصل بينك وبين جوزك؟ طب لو مش عايزة تتكلمي هتفضلي حابسة نفسك كده في أوضتك؟ دا أنا جيت أفرحك وأقولك إن نعمل مشروع مع بعض نتسلى بيه بدل ما إحنا قاعدين في البيت مبنعملش حاجة. نظرت لها حياء وتساءلت: –مشروع إيه ده اللي هنعمله وهو باباكِ ولا ديفيد هيسمحولنا بكده؟ ابتسمت بيرى وهي تقول بفخر:

–من الناحية دي متقلقيش، بابا زي ما إنتي عارفة مبيرفضش ليا طلب وهو لو عرف إني هعمل المشروع قصاد إن ما أسافرش هيوافق. وديفيد مش هيرفض إنك تشتغلي. وبالنسبة للمشروع، فهنفتح مكتب لتنظيم حفلات الأعراس وأعياد الميلاد والمناسبات الاجتماعية. أنا فكرت في المشروع ده من زمان بس مكنش عندي حماس أعمله، بس طالما إنتي معايا فهتبقى فرصة حلوة، إيه رأيك؟ وأنا فعلاً لقيت المكتب وهبدأ أعمل له دعاية لو إنتي وافقتي. باقي البارت 39

رافقها كثيراً عرض بيرى للمشروع، فهي لن تظل حبيسة المنزل وترى عمها في كل غدوة وروحة لها بالمنزل. فرفض أدريانو للأمر في بداية النهار كان يتحول لموافقة بغروب شمس اليوم ذاته. فيبدو أن بيرى لم تترك طريقة من دلالها وتأثيرها على أبيها إلا وأجادت استخدامها، حتى منحهما موافقته أخيرًا. بدأتا العمل بحماس، فدارت بيرى حول نفسها بسعادة، وصاحت بفرح في وجه حياء التي ولجت للتو بعد انتهائها من الاتفاق مع أحد الفنادق على إقامة أول حفل

عرس ستقومان بتنظيمه بالغد: –تصدقي يا حياء دلوقتي جانا 3 عروض كمان بعد عرض الفرح بتاع بكرة، اتنين لأفراح وواحد لخطوبة. بس عرض الخطوبة اللي لازم نجهز له بسرعة عشان هو بعد يومين بس والعروسة مستعجلة أوي عليه وعيزاها حفلة خطوبة ما حصلتش عشان تعملها مفاجأة لخطيبها حتى مرضيتش تقول على اسمه. ارتمت حياء على المقعد وهي تقول بتفكه: –معقولة دا أنا افتكرت إن محدش هيعبرنا بعد الفرح اللي هنعمله ده. تبسمت بيرى ضاحكة من قولها، ولكن

سرعان ما تحول وجهها للحزن: –إنتي عارفة اخترت المشروع ده ليه؟ عشان شكلي عمري ما هلبس الفستان الأبيض في حياتي. أشفقت حياء على حالها، فهما حقًا تعيستان. فحاولت أن تخفف من حزنها وهي تقول بأمل: –إن شاء الله تلبسيه يا بيرى، محدش عارف إيه اللي ممكن يحصل. على العموم أنا هخلص تجهيز الفرح بتاع بكرة وإنتي خلصي تجهيز حفلة الخطوبة.

وافقت بيرى على ما اقترحته، فانهمكت كل منهما بعملها، حتى مر تنظيم حفل العرس الأول بنجاح أشاد به العروسان. ولكن صبيحة يوم الخطبة، أصيبت بيرى بنزلة برد شديدة، جعلت حياء هي من تحل محلها بتنظيم الحفل، الذي أنجزته بوقت قياسي. ولم يكن لديها متسع من الوقت لمقابلة العروسان إلا يوم الحفل. ولجت حياء القاعة الصغيرة التي ستقابل بها العروسان قبل الدخول للقاعة الكبيرة.

ابتسمت كما يقتضيها الذوق، ولكن تلك الابتسامة ماتت على شفتيها، بل إن الأرض مادت تحت قدميها وهي ترى أن حفل الخطبة ماهو إلا حفل خطبة زوجها وإيلين. فانفرجت شفتيها بصدمة مع شعورها بتحجر حواسها. فلا إرادياً اقتربت منهما وتحسست وجه راسل لعلها تتأكد من أنه هو حقاً وليس شبحاً. فتلعثمت حروفها وهي تقول بصدمة ودهشة: –هـ هو حفل الخطوبة بتاعك إنت يا راسل؟ معقولة؟ نفض يدها عنه وهو يقول ببرود:

–أصل أنا سمعت نصيحتك وعملت بيها. هتتفضلي حضرتك عشان تشرفي على الحفلة ولا إيه؟ نظر لإيلين متبسمًا برفق مستأنفًا حديثه: –يلا بينا يا حبيبتي. تأبطت إيلين ذراعه وهي تجيبه: –تمام يا حبيبي، متعرفش النهاردة سعادتي متتوصفش يا راسل. خرجا من الباب الفاصل بين القاعتين، ومازالت هي واقفة مكانها لا تعي ما يحدث. سمعت صوت التصفيق الحار من المدعوين، كاد يصم أذانها. فوضعت يديها على أذنيها، وهي ترغب بالصراخ ملء فاها.

فهذا ليس عدلاً، فإن كانت أوهمته بأنها لا تريده، فلا يحق له اتخاذ زوجة أخرى غيرها. رأت عائلته كلها بأكملها، ولكن لا أحد منهم يبدو عليه أنه لديه ما يقوله، سوى تلك النظرات الحانية من والده، ولكنه لم يفه بكلمة. فالوحيدة التي لا تفقه شيئًا مما يحدث هي سجود، والتي ركضت إليها وتعلقت بساقيها. فهي تظن أنه حفل اجتمع به والديها. –آه يا خاين.

تمتمت بها حياء وحملت الصغيرة، وعيناها مشغولة بمراقبة من رأته الآن خائنًا، ولا تعلم لما وصفته بتلك الصفة، وهي من فعلت ما بوسعها لزرع كراهيته لها بقلبه. فاليوم ربما صار أكثر وسامة مما كان عليه يوم زفافهما، وعروسه الجميلة تشبه دمية الباربي. وجدت قدميها تسوقها إليهما، فوقفت أمامه تنظر له بثبات. فلم يحاول الهروب من نظراتها، بل كان يرمقها بهدوء وبرود كأنه ينتظر رحيلها. فابتسمت ابتسامة صفراء وقالت لإيلين:

–مبروك يا عروسة، أتمنى تكون حفلة الخطوبة عجباكي. ردت إيلين ابتسامتها بابتسامة أشد سخافة: –مش بطالة، شغلك كويس مع إن فاكرة اللي اتفقت معاها اسمها بيرى. –ماهو المكتب بتاعنا إحنا الاتنين، بس هي تعبت فجأة وكان من حسن حظي إن أنا اللي أنظم لكم الحفلة، ما هو أنا مش غريبة، أنا... قبل أن تصرح عن هويتها، رفع راسل يده يشير لها وقال وهو ينظر لإيلين: –دي تبقى مراتي حياء يا إيلين. أماءت إيلين برأسها وهي تنظر لحياء بتقييم:

–أممم، هي دي اللي حكيتلي عنها واللي شوفتها في الحضانة بتاعة سجود يوم ما روحنا عشان ناخدها. أنا افتكرتها دلوقتي. تأبطت ذراعه بتملك وهي تكمل حديثها: –مش عايزة تزعلي مني إن هشاركك فيه. ردت حياء بسخرية: –وعلى إيه المشاركة؟ أنا هسيبهولك كله، أشبعي بيه، لأن خلاص موضوعنا انتهى. عن إذنكم ومبروك مرة تانية. تركت القاعة وولجت للمرحاض، فاستندت بيديها على الطرف الرخامي للصنبور، وتعالت شهقاتها التي لم تستطع كتمانها أكثر.

فتأوهت بألم: –اااااه، اااااه. قضت وقتًا لا بأس به بالمرحاض، تحاول أن تنهَر نفسها عن البكاء، وتحاول غسل وجهها من أثر الدموع. فبعد مرور عدة ساعات قضتها بشقاء نفسي وتعاسة، انتهى حفل الخطبة الصاخب. أدت المهمة التي أسندت إليها بمهارة وبراعة. ولكن تلك ليست مهمة، فهي محنة أوقعت نفسها بها عندما اصطفاها من بين مئات مصممات حفلات الأعراس، لتشهد على اقترانه من أخرى وأمام ناظريها. فكم من مرة حالت بين سقوط دموعها من عينيها.

لا يجب أن تظهر حزنها الآن. ولكن كيف لها ذلك وقلبها يقطر لوعة وألمًا؟ فدمدمت لنفسها هامسة: –يا رب أديني القوة والصبر يا رب. لمحته يخرج برفقة الفتاة الأخرى أو ما أصبحت تسمى خطيبته، ربما ليصلها لمنزلها. فتنفست الصعداء، فيكفي ما رأته اليوم من دلال تلك الفتاة يبادلها هو بابتسامات جذابة كانت كنصال الخناجر المسمومة التي أصابت قلبها وأردته صريعاً بين أضلعها.

نظرت للعاملين التابعين لمكتبها، وجدتهم يعيدون كل شيء بالقاعة لما كان عليه. أشارت إليهم قائلة: –يلا بسرعة لو سمحتم، بقالكم أكتر من نص ساعة عايزة أمشي بس لازم نسلم القاعة زي ما استلمناها. –وإنتي مستعجلة على إيه كده؟ وراكي مشوار مهم. استدارت خلفها لمصدر الصوت، فقطبت حاجبيها فلماذا عاد إلى هنا ثانية: –حضرتك رجعت ليه؟ في حاجة؟ –ممكن تسبونا لوحدنا شوية بعد إذنكم عشان عايز أحاسب الآنسة على أتعابها في تنظيم حفلة الخطوبة.

قالها بابتسامة لا تتجاوز شفتيه، فانصرف العاملين. أزدردت لعابها خشية من تواجدها بمفردها معه. صوت إغلاق الباب جعل أوصالها ترتعد. تسلحت بعنفوانها فرفعت رأسها بكبرياء قائلة: –ياريت حضرتك تخلصني بسرعة عشان عايزة أروح، الوقت اتأخر. ابتسم بسخرية يضع يده بداخل سترته، فأخرج حفنة من النقود لوح بها قائلاً: –اتفضلي فلوسك أهي. لم تشعر سوى بالنقود تضرب صفحة وجهها، كلطمة قوية من يد غليظة.

فتأوهت مشدوهة مما فعله، ولكن لسانها كأنه أصابه الخرس، فلم تفه بكلمة. لم تفعل شيئاً سوى أنها حملقت بوجهه، وهي تضع يدها على وجنتها التي تلقت صفعة النقود. حَدّق بها من رأسها لأخمص قدميها، يرى تناثر النقود حول قدميها ومنها ما علق بثوبها. فعقب قائلاً: –هو ده بالظبط اللي تستاهليه، مش الفلوس دي هي اللي سبتيني عشانها؟ أهي تحت رجلك. حرقت الدموع جفنيها، ولكن لن تبكي أبداً. فعلى الأقل لن تجعله يرى دموعها.

تركته واتجهت صوب الباب لتخرج منه، ولكن قبضة قوية على ذراعها منعتها من الخروج. بحركة غاضبة أدارها إليه قائلاً بسخط: –إيه زعلتي لما عملت كده؟ حسيتي إن كرامتك اتجرحت؟ بس دي متجيش زي جرح قلبي اللي إنتي كنتي السبب فيه. لمس أصابعه الغاضبة على ذراعها، شعرت كأن نيرانًا شبت بقلبها. فلتدعه يلعنها ويهينها، فليفعل ما يشاء، فهي لن تلومه. همست بصوت متحشرج: –ممكن تسيب دراعي؟ إنت وجعتني. لم يكن بانتظار هذا منها.

فهو انتظر كل شيء إلا هذا البرود والصقيع والجفاء بصوتها. فلم يكن منه سو

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...