الفصل 31 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
19
كلمة
8,779
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

“كل إناءٍ بما فيه ينضَحُ ” أنهى عبارته المجحفة والصادمة، فرغم ما تجلى بحروفه من تصميم أنه لن يتراجع عن قراره تلك المرة، إلا أنه ينتظر صراخها وصياحها بالرفض لما قاله. أرادها أن تخبره أنها لا تقبل ذلك القرار بحق قلبها، الذي مازال يخفق لأجله. فهل حقاً ما زال يخفق له؟ أم أنه هو من يتوهم ذلك؟

فعشقه وجنونه وهوسه بها، منذ أن رآها وهي لم يمضِ على مجيئها للعالم سوى سويعات، مازال يكتنفه بين ثنايا قلبه. فهو من حرمها على الجميع، وهو من كان يتشاجر مع الآخرين لأجلها. إذا أقدم شاب على مغازلتها أو مضايقتها، فهي كانت ومازالت عشقه المجنون، ولم يحد من نيران ذلك العشق شيئاً، حتى بعد تقدمه بالعمر وأنه لم يعد شاباً بمقتبل عمره. “عايز تطلقني يا عاصم؟

رفرفت أهدابها، لعلها تخفف من شعورها بحرق الدموع لجفونها، رغبة في أن تنزلق من مقلتيها. فإن كانت هي أرادت ذلك من قبل، إلا أنها لم تتوقع شعورها المؤلم، وهي تسمعها صريحة منه. أحنى رأسه ناظراً للأرض، هرباً من النظر لعينيها وهو يدمدم: “مش ده اللي إنتي عايزاه يا غزل وسبق وطلبتيه؟ وكمان أنا مقبلش على كرامتي إن مراتي تكون معايا وهي بتفكر في حد تاني أو تنطق اسمه. إنتي مفكراني إيه؟

كم تود لو تصرخ الآن وتخبره أنها لم تفعل ذلك إلا من أجل إغاظته، ورغبتها أن تفر من بين يديه، قبل أن يستطيع القضاء على مقاومتها، التي اتضح أنها لم تكن سوى مقاومة هشة منذ البداية. فحاولت التمسك بآخر ذرة من كبريائها، وهي تقول بهدوء: “ممكن نأجل الموضوع ده شوية يا عاصم، بلاش تنكد عليا والنهاردة فرح ولاد أخويا، سيبني أفرح معاهم قبل ما توجعني.”

قطع المسافة بينهما، والتي لم تتعدَّ سوى ثلاث خطوات، فأمسكها من ذراعيها، وهزها برفق آمراً: “قوليلي بالظبط إنتي عايزة إيه يا غزل. عايزاني ولا مش عايزاني؟ حابة قربي منك ولا خلاص كرهتيني؟ وفعلاً لما قولتي اسم فواز كنتِ تقصديه ولا عملتي كده عشان تضايقيني؟ عايزة تفضلي على ذمتي ولا تسيبيني؟ عايز منك إجابة واضحة وصريحة، كفاية لف ودوران. هو أنا هيتبقى من عمري قد اللي فات؟

كفاية إن عشت ده كله محروم منك ومن إن يكون عندي أولاد يشيلوا اسمي. أنا حتى لو خلفت دلوقتي مش ضامن ألحق أربيهم ولا لأ، فخلاص عايز أعرف إنتي عايزة إيه بالظبط.” قال ما لديه دفعة واحدة، فصدره يعلو ويهبط بوتيرة سريعة، كمن لاقى مشقة كبيرة في إخراج مكنون قلبه، لعلمه بأن ربما بعد حديثه هذا، من الممكن أن يتمكن الكبرياء منها، ويجدها تخبره بقرارها النهائي من أنها تريد الانفصال. قالت وعيناها تطرفان بالدموع قائلة

بحيرة وصوت مثقل بالهموم: “قلبي عايزك وعقلي رافض، حابة وجودك، بس ضميري مأنبني. حاسة بكل حاجة وعكسها. حتى لما قولت اسم فواز كنت عايزة أهرب منك قبل ما أضعف قدامك زي عوايدي. خايفة أرجعلك وأمنلك ترجع توجعني زي ما وجعتني زمان، وخايفة العمر يجري بيا وأعيش محرومة من السعادة اللي ياما حلمت بيها معاك من وإحنا صغيرين. خايفة أوافق أرجعلك ويبقى كده رضيت إن دم أهلي يبقى رخيص، لما أعيش مع اللي قتلهم ودمر حياتي كلها.”

ما تفتأ تذكر ذلك الاتهام البشع بحقه وحق عمه. فلما لا تصدقه بأنهما لم يكن لهما يد بمقتل عائلتها؟ فزفر بقوة قائلاً بقلة حيلة من عدم اقتناعها ببراءته: “أنا قولتلك يا غزل إحنا ملناش دعوة بقتل عيلتك، قسمًا بالله العلي العظيم، أنا وعمي أبرياء من دم عيلتك. مش عارفة ليه مش عايزة تصدقي. ده حتى عمي لما شكينا إن أخوكي قتل وجدي، رفض إنه يصدق وقالي مستحيل مراد يعمل كده في صاحب عمره.” “وأنا أخويا ما قتلش حد.”

تنفست غزل، وهي تحاول استرجاع حديثها مع معتصم، بشأن أن ربما يد خفية هي من فعلت هذا بهم، وأرادت أن يستمر العداء بين العائلتين. ولكن من يكون هذا العدو؟

ظلت تسأل بقرارة نفسها، تحاول أن تعثر على إجابة مناسبة، ولكن لم يكن لهم أعداء. فعائلتها حسنة السيرة والسمعة الطيبة، ولم تثر عداء أحد من قبل، سوى ذلك الخلاف بينها وبين عائلة النعماني، الذي بدأ بمشاجرة بين مراد ووجدي ولا يعلم أحد سببها حتى الآن. وأن قبل إتمام النسب بين العائلتين، أقدم عاصم على خيانتها مع امرأة أخرى. رفعت وجهها ونظرت إليه نظرات حائرة مستطردة:

“طب لما أخويا بريء من دم وجدي، وإنت بتقول إنكم أبرياء من دم أهلي، مين اللي عمل كده وليه؟ وإزاي سمعت الرجالة اللي هاجموا على القصر قالوا اسمك واسم عمك؟ رد عاصم قائلاً بتفكير هو الآخر: “مش جايز قالوا كده عشان تفكري إن إحنا اللي عملنا كده؟ زي برضه موضوع الست الأجنبية اللي كانت معايا في الفندق وأنا مش عارف ولا فاكر اللي حصل وإيه اللي ودانا هناك وفي الأساس كنا بنخلص موضوع شغل في الشركة وقتها.”

أصبح الموقف أكثر تعقيدًا، فالاثنان يحاولان الخروج من متاهة الأفكار، بشيء يريح عقليهما، ولكن لم يستخلصا أي نتيجة من كثرة التفكير، سوى اقتناعهما النسبي بأن ربما ما حدث ما هو إلا فخ نصبه أحد مجهول للعائلتين، وهما من حصدا ثمار العداء والكراهية. أخذ راحتيها بين كفيه الدافئين وشد عليهما قائلاً بحنان:

“غزل إحنا لازم نعرف مين اللي عمل فينا كده وكان إيه مصلحته. ولحد ما نعرفه لازم تصدقيني وتثقي فيا، لأن لو فضلنا إحنا الاتنين في خلافاتنا الجانبية، هنسيب أصل الموضوع ومش هنوصل لنتيجة تريحنا وهنفضل كده باقي عمرنا، لحد ما باقي العمر يضيع مننا زي السنين اللي ضاعت.” “ماشي يا عاصم هحاول أصدقك لما أشوف أخرتها إيه.”

قالتها غزل بهدوء، ومن ثم أومأت برأسها دلالة على أنها ستمنحه ثقتها ثانية، لعله يكون محقًا. فملأت ابتسامتها الجذابة وجهها، يرافقها حمرة وجنتيها من شعورها بالخجل، وهي تراه يرفع يديها يقبل باطنها بلهفة. فربما كان سيزداد الأمر ويصبح أكثر تهورًا، لولا رؤيتها لأحد قادم باتجاههما، ولم يكن سوى أحد الحراس الخاصين بها، والذي ربما جاء للبحث عنها، بعدما تلقى أمرًا بذلك من عمران. ***

كان الاحتفال على أشده، من إحياء العديد من المطربين المشهورين الحفل بعدة أغاني أثارت حماس المدعوين، فلم يتبقَّ الكثير من الوقت على انتهاء الحفل، فالوقت تعدى منتصف الليل بأكثر من ساعة، وحان وقت عودة المدعوين لمنازلهم، وبدء العرسان ليلتهم الأولى للزواج، الذي فضل عمران أن تكون بالقصر، خلافاً لشقيقه معتصم، الذي أراد قضاء ليلته بالفندق ومنه إلى إحدى الدول الأوروبية لقضاء شهر العسل، مثلما خطط وأخبر ولاء.

فعمران لم يقتصر قراره على العودة للقصر فقط، بل أنه لن يذهب لقضاء شهر عسل مثل شقيقه، وجاء ذلك بإطار حجته الواهية، بأنه لن يستطيع ترك عمله وغزل، وأن الزفاف جاء بوقت مبكر، وهو على مشارف افتتاح فندق آخر اشتراه حديثًا، واعدًا بأنه بعد انتهاء أموره على خير ما يرام، سيذهب بعروسه لقضاء شهر عسل متأخر.

ولج معتصم الغرفة، بعد أن نجح بدفع الباب بقدمه، نظرًا لحمله ولاء بين ذراعيه، التي عملت على إخفاء وجهها بكتفه باستحياء، ولا تعي بعد كيف أنها أصبحت عروسًا، بل هي على وشك بدء حياتها الزوجية، وهي من كانت أعلنت رفضها بوقت سابق، من كونها أنها لا تريد الزواج أو الوقوع في الحب. “نورتي يا كليوباترا.” هتف بها معتصم باسمًا، وهو يقوم بإنزالها أرضًا بحرص وعناية. فردت هي بصوت منخفض: “دا نورك أنت يا حبيبي.”

كأن أحبالها الصوتية، أوشكت على أن تنقطع من شدة شعورها بالخجل، الذي لم يخلو من الخوف أيضًا، ولكن هو لم يكن ذلك الهمجي، الذي سيحاول بث الرعب والخوف بها، خاصة بليلة كتلك، بل دعاها للدخول لغرفة الثياب من أجل تجهيز نفسها لأداء صلاتهما سويًا.

فأسرعت بتنفيذ مطلبه، تحاول منح نفسها الوقت الكافي، لاستجماع شتات عقلها، الذي تركض أفكاره هنا وهناك. فبعد أن رأت أنها على استعداد للخروج، أخذت أنفاسها تلتهم الهواء بشراهة، تحاول تنظيم أنفاسها.

فخرجت من الغرفة الملحقة، وبدأ صلاتهما بتأنٍ. وبعد أن فرغا منها، جلس مقابلاً لها يحاول أن يتحدث معها بهدوء وروية حتى يجعلها تأمن جانبه، وأن لا تخشاه فهو لن يجرؤ على إيذائها أو أن يتسبب لها بإيذاء نفسي أو بدني. فبعد أن شعرت بالراحة من حديثه، بدأت أولى ليالي العشق خاصتهما، فالأمر بينهما متزنًا ومنسجمًا، قائمًا على الأخذ والعطاء، حتى مرت ليلتهما بسلام، وأدركهما النعاس بعد أوقات حالمة موثقة بالعشق الحلال. ***

مازالت هنا جالسة على طرف ذاك الفراش، منذ ما يقرب من العشر دقائق، فهي حتى لم تكلف نفسها عناء خلع ثوب الزفاف عنها، كأنها تنتظر مجيء من يُسمى زوجها، لأجل إعادتها لمنزل جدها ثانية. فهي لا تعلم أين اختفى منذ مجيئهما للقصر؟

فبعد أن صعدا الدرج سويًا، وفتح لها باب تلك الغرفة الفارهة والفسيحة، والتي يبدو عليها أنها ستكون غرفتهما الخاصة، نظرًا لما تحمله من طابع الرفاهية الممزوج بلمسة رجولية خشنة، تمثلت بطلاء أحد الجدران باللون الأسود، والستائر المخملية أيضًا كانت بلون أسود يلمع في ضوء المصابيح الكهربائية، رأته يخرج من الغرفة تاركًا الباب مواربًا بدون إغلاق. “هو راح فين ده كمان؟

قالتها ميس وهي تنهض من مكانها، فهي ترى أن جلستها طالت بغير فائدة. فوقفت أمام طاولة الزينة، وخلعت الوشاح الأبيض المثبت على شعرها الأشقر، ومدت يدها للخلف من أجل فتح سحاب ثوبها، ولكن قبل أن تنجح في سحبه، أحست بدفء أصابع لمست بشرتها، فانتفضت فجأة واستدارت برأسها، فرأت عمران يعمل على فك سحاب ثوبها. فانتفضت فجأة مبتعدة عن مرمى يديه صارخة بنزق: “إنت بتعمل إيه؟ إنت إزاي تلمس؟ إنت اتجننت؟ رفع عمران حاجبيه قائلاً بسخرية:

“اتجننت إيه؟ إنتي مراتي، يعني لا عيب ولا حرام يا دكتورة ميس.” حملت ثوبها من جانبيه، لتفسح لنفسها المجال بالحركة، بدون أن تتعرقل بطرفه الطويل، فلم لم تستبدله بثوب أكثر راحة، يمكنها من أن تتحرك بحرية، عوضًا عن شعورها بأنها متعثرة الحركة هكذا. فأجابته بحدة: “أنا لا كنت عايزة أتجوزك ولا حابة إن أكون مراتك، فالأحسن خلينا كده كل واحد في حاله.” غمغم عمران بتسلية: “أمم كل واحد في حاله! إنتي عايزة كده يعني؟

ليه هو مينفعش يبقى حالنا واحد أنا وإنتي؟ ده أنا حتى مش هتلاقي واحد زيي يا دكتورة ميس، بذمتك أنا ولا الدكتور الملزق ده اللي اسمه نادر؟ “منك لله أنت وهو، أنا كان إيه اللي وقعني فيكم؟ قالتها ميس بغيظ، وعيناها على وشك البكاء، فهي ترى أن مصيرها وحياتها سيؤول من السيء للأسوأ.

لم يكن لديه الصبر الكافي على تحمل تلك الترهات، أو أن يستمع لهراءها طوال الليل. فتلك الليلة بشكل أو بآخر لابد أن تنتهي وميس زوجته بالفعل، سواء تم ذلك برضاها، أو أن يأخذها عنوة. رده على قولها، لم يكن سوى محاصرته لها بأحد زوايا الغرفة، يعانقها بشراهة وشراسة. تحاول هي التخلص من ثقله الملقى عليها، فكلما حاولت الفرار، يجعلها تفشل بفعل ذلك. “إنتي بتاعتي أنا وبس يا ماسة.”

زمجر بها عمران، عندما سنحت الفرصة بفصل عناقه المؤذي لها. ضرباتها المتلاحقة على صدره، لم تفِ بالغرض المطلوب، إذ هي بحاجة لقوة مضاعفة، لتستطيع إزاحته عنها وهو يكبل حركتها. ولكن عندما وجدت بارقة أمل تمثلت برؤيتها لسكين خاص بالفاكهة موضوع بمكان قريب منها، لم تتردد بأخذه. فصرخت بوجهه بتهديد: “لو مبعدتش عني هقتلك، فاهم؟ هقتلك! ابتعد عنها خطوة واحدة وقال محاولاً إثارة غيظها: “لو شاطرة اعمليها يا ميس.”

لم تدعه يقولها ثانية، إذا وضعت السكين بمنتصف عظمة نحره، دون محاولة منها بأن يعميها غضبها وتجد نفسها تنحر عنقه، ولكن لم تجد مفر من تهديده، لعل الأمر يجدى معه نفعًا. فحاولت مرة ثانية أن تجعله يرهب جانبها، حتى لا يقدم على عناقها أو أن يجبرها أن تكون له زوجة بالإكراه.

لمس نصل السكين الحاد والبارد جلد عنقه، دون محاولة منها لإيذائه، فلم يرف له جفن، بل ظل يرمقها بهدوء وبرود، كاد يفقدها أعصابها. ولكن ربما خانتها يدها بسبب ارتجافها، فأدى ذلك لإصابته بجرح لم يكن غائرًا، ولكنه كافٍ لأن يطفح منه الدم. قطرات الدماء التي بدأت بالتساقط على قميصه الأبيض صابغة إياه بذلك اللون الأحمر، جعلت مقلتيها تكاد تسقط من محجريهما، من قوة ثباته وعدم رهبته وهو يرى دماءه النازفة. ولكن أبت أن تظهر خوفها،

فسمعته يقول بصوت كالصقيع: “يلا كملي مستنية إيه؟ ولا خايفة مني؟ بسماع جملته زاد حنقها، فما كان منها سوى أن هدرت به بصوت أشد برودة من صوته: “أنا عايزك تعرف حاجة، مش أنا اللي بتهدد يا ابن الزناتي، واعتبر ده تمهيد للي ممكن أعمله فيك. وبدل ما يبقى جرح بسيط زي ده هتبقى المرة الجاية بقطع رقبتك لو فكرت تعمل اللي عملته ده تاني، وعادي جدًا أنسى إنك جوزي وأخلص عليك.”

لم تكن أنثى أخرى تلائم مزاجه غيرها، هرة شرسة مزجت العناد بسذاجتها وقوتها الواهية. يعلم أن صوتها المرتجف يظهر ما تحاول أن تضمره بداخلها. فلا بأس بأن يتركها تظن أنها هي الظافرة ببداية تلك الحرب بينهما، والتي بإمكانه إخماد نيرانها بدون جهد يذكر.

فهو يحب المراوغة كثعلب ماكر، بإمكانه استدراج فريسته، لأن تخطو بقدميها في الفخ، وتظن أنها ناجية. فهي لن تنجو من نيرانه، فما أراده حصل عليه، وصارت هي بين يديه. فلا مانع لديه من أن يذيقها العشق ممزوجًا بنيران الانتقام. يجب عليه فقط أن يظهر لها حسن نواياه، حتى يحقق مراده من أن يجعلها تأمن العيش معه ويتعلق قلبها بأحبال الهوى. حتى إذا وصلت للنهاية سيقطع هو تلك الحبال بيديه، ويجعلها تسقط بهاوية الانكسار والخذلان. فعندها فقط سيكون حقق انتصاره كاملاً. فالانتقام بسفك الدماء، لن يكون أكثر لذة من الانتقام بكسر القلوب.

*** يسير بصحبة شقيقه بذلك الممر الطويل، المحفوف بالورود على جانبيه. فهو الآن بصدد مقابلة ذاك الرجل، الذي طالما سمع عن صيته بعالم الإجرام من نصر. فجالت خضراوتيه بالمكان الواسع والفسيح، تأمل الحديقة المزينة بمختلف الأشجار كأنها جنة. ولكن أكثر ما أثار انتباهه، تلك الفتاة التي تركض باتجاههما ولكنها تدير رأسها للخلف، تشير بيدها لكلبها أن يتبعها ويركض خلفها.

نباح الكلب بصوته، فخرج ضعيفًا، نظرًا لصغر حجمه، كأنه ينبهها أنها على وشك الاصطدام بأحدهم. فقبل أن تصل إليهما، كانت بيرى تدير رأسها، لترى من جاء وجعل كلبها الأليف ينبح هكذا. بحثت قدميها عن الركض، فوقفت تلتقط أنفاسها، وهي واضعة يدها على صدرها، فضمت حاجبيها قائلة في دهشة: “مين اللي معاك ده يا نصر؟ رد نصر باسمًا: “ده الدكتور نادر أخويا يا بيرى.” “آه أهلاً. عن إذنكم.”

قالتها بيرى وتجاوزتهما لتكمل لهوها وركضها، فتبعها الكلب. بينما نادر حك فروة رأسه قائلاً بفضول: “مين البنت دي؟ قبض نصر على ذراع نادر ليجره معه، محذرًا إياه من أن يطيل النظر إليها: “دي بيرى بنت أدريانو. بس حسك عينك تبصلها ولا تحاول تعمل معاها عمايلك يا نادر، لأن دي اللي ممكن تجيب آخرتك وأبوها ممكن بطلقة واحدة بس يخرجك من الدنيا من غير سابق إنذار.”

رغم تحذير نصر له، إلا أنه استدار برأسه ليرى أين وصلت بعد ركضها من أمامهما؟ فأطلق صفيرًا عاليًا وهو يمر ببهو المنزل. فلمعت عيناه ببريق الانبهار وهو يقول بصيحة إعجاب: “إيه البيت ده يا نصر؟ في جمال كده؟ أحنا في الجنة ولا إيه؟ “لأ يا حبيبي أنت على الأرض. بس لو حابب تروح الجنة، فهبعتك هناك في لمح البصر.”

صدحت تلك العبارة من فم أدريانو وهو يقترب منهما، يحمل بيده كأس نبيذه المفضل، شعره مشعث وهندامه غير مرتب، كأنه استيقظ لتوه من النوم. فلم يكتفِ بذلك، بل أنه ظل يربت على بطنه المسطحة. فجزعه العلوي عارٍ نسبيًا إلا من رداء بيتي يصل لركبتيه ولم يحكم شد رباطه على خصره، بل تركه مفتوحًا، ويسير حافيًا ويرتدي سروال بيتي فضفاضان.

انكمشت ملامح وجه نادر من رؤية أدريانو، فتلك الصورة التي يراه بها، لم تكن ضمن ما رسمه بخياله عنه، من كونه أنه سيقابل رجلاً بكامل أناقته ورجاله يحوطونه بأسلحتهم، مثلما رأى رجال المافيا بالتلفاز، وليس أنه سيرى رجلاً أثناء استيقاظه من قيلولتهم. قال نادر برأسه قريبًا من أذن شقيقه هامسًا: “نصر أنت متأكد إن ده أدريانو؟ مش واحد شغال هن?”

صوت طلقة نارية، خرجت من سلاح أدريانو، حطمت زجاج تلك الصورة المعلقة على الجدار خلفهما، بعدما جذبه من خلف ظهره، فكانت ردًا على تلك الكلمات التي همس بها نادر ووصلت لأذنيه. اتسعت حدقتا نادر، بعدما رأى جنون أدريانو، ولمس اهتياجه لما سمعه منه، فحاول أن يقدم اعتذاره على ما تفوه به: “أنا آسف مكنتش أقصد بس أصل أنا مشوفتكش قبل كده.” ارتشف أدريانو من كأسه قائلاً ببرود: “أحسن ليك إنك تحاسب على كلامك خصوصًا معايا، مفهوم؟ حرك

نادر رأسه وهو يقول بطاعة: “حاضر حاضر.” سبقهما أدريانو في الوصول إلى غرفة الصالون، فلم يدعهما للجلوس، بل سحب سيجار من علبة السجائر الخشبية وأشعلها بنفاذ صبر: “قول اللي عندك ويلا أنجز عشان قدامك بس عشر دقايق، طولت ثانية كمان بعد العشر دقايق، هرميك أنت وأخوك برا، فأنْجِز.” وكز نصر على أن يبدأ بقول ما لديه سريعًا، فهو خير من يعلم طباع أدريانو المختلة.

فتقدم منه نادر خطوة وهو يعرض تفاصيل خطته، التي تضمنت على أن تبدأ تلك الفتاة التي قابلها بمنزل شقيقه بالتقرب من راسل، ثم ادعائها بمحاولة الاعتداء عليها، وتتسبب له بفضيحة أخلاقية. فأسهب نادر في شرح خطته، حتى وجد أدريانو، يرفع سبابته يشير له بالصمت، فيكفي ما سمعه منه. “خلاص عرفت أنت ناوي تعمل إيه، تمام. يلا امشِ بقى عشان دماغي بدأت تصدع من رغيك.”

هتف أدريانو بعبارته وهو ينهض عن مقعده، فجذب نصر ذراع شقيقه، ضاغطًا بأصابعه على ذراعه، كدلالة على ضرورة الذهاب من هنا حالًا. فأطاع نادر شقيقه وخرج معه من المنزل، فقابل بيرى مرة أخرى، التي لم تظهر ترحيبًا برؤيته كأبيها، فهي كأنها نسخة أخرى عن والدها، والفارق الوحيد بينهما أنه رجل وهي فتاة.

فتاة لو أراد العبث معها، سيلقى حتفه لا محالة. ولكن لما صار يهوى اللعب بالنار، فهو لم يحيا حياة طبيعية، سوى تلك المدة القصيرة، التي تعرف بها على حياء، فكانت هي أنقى من قابله بعالمه المدنس بخطط شيطانية، وهويته المتوارية أسفل قناع التظاهر بالطيبة وحسن الخلق. فلو كان لكل شخص حرية اختيار التعلق بوقت معين ولحظة من اختياره، لفضل أن يظل عالقًا بتلك اللحظة التي قابلها بها وكانت ستصير له زوجة. ***

للمرة الثانية وخلال هذا الأسبوع، تأخذ سجود من أجل أن يراها جدها بأحد المتنزهات العامة، فهي كلما تتخيل رد فعل راسل على ما تفعله، يسري الخوف بقلبها. ولكن لم تستطع أن تتصرف بجمود وجحود بحق والده، بعد أن رأت تعلقه بالصغيرة، ولهفته لرؤيتها. فبعد حفل الزفاف مباشرة جاءها اتصال من رياض، ولكنها لم تخبر زوجها بشأنه.

تذكرت مطلبه منها، بأن تجعل راسل يرأف بحاله قليلاً، ويجعله يتقرب من سجود، خاصة بعدما رآها كيف تستطيع هي تهدئة ثورته، وأن تجعله يستمع لمطالبها. وصلت بسيارتها لذاك المتنزه، الذي قابلته به بالمرة السابقة، وجدته جالسًا محاطًا برجاله، فهي أخبرته بعدم استطاعتها جلب الصغيرة لقسره، أو أن يأتي هو لرؤيتها في منزل أبيها. “السلام عليكم.”

ألقت حياء عليه التحية بتهذيب وهي ممسكة بيد الصغيرة، التي سرعان ما تركت يدها، وارتمت بين ذراعي جدها، بعدما رأت عدة ألعاب ودمى اشتراها لها. رد رياض قائلًا بابتسامة وهو يقبل سجود على وجنتها: “وعليكم السلام. تعالي اقعدي يا حياء.” جلست حياء على مقربة منهما، تاركة مسافة بينهما، لينعم رياض برؤية سجود كيفما يشاء، قبل أن تأخذها للعودة للمنزل وقبل أن يعود راسل من مشفاه.

داعب رياض الصغيرة الجالسة على ساقه، فحول بصره عنها ونظر لحياء، التي يبدو عليها الشرود. “إنتي خايفة منه؟ قال رياض فجأة، فاسترعى انتباهها بعبارته، فنظرت إليه متسائلة: “قصدك على مين؟ راسل؟ حرك رياض رأسه بالإيجاب، فزفرت هي بقلة حيلة وتنهدت بحيرة: “مش عارفة! هل أنا خايفة من زعله، ولا خايفة من ردة فعله، ولا خايفة يحصل بينا مشكلة؟

مش قادرة أحدد خوفي من إيه بالظبط، بس اللي متأكدة منه إن هحتاج معجزة عشان أفلت من عصبيته وربنا يستر.” محاولتها أن تضفي على قولها طابع المرح، لم تأتِ بالنتيجة التي رغبتها، فهي رأت تلك التجاعيد حول فمه وعينيه تزداد وضوحًا وهو زامًا شفتيه ربما بضيق وربما بتفكير في طباع ولده المتشددة، والتي تحكمها عصبيته. “يبقى لازم تاخدي سجود وتروحي قبل ما يعرف.”

عصاه التي وضعها بعناية حتى تكون بمتناول يده حين يريدها، انزلقت مصدرة صوتًا بارتطامها بالأرض، وهو يحاول التقاطها.

فأسرعت حياء برفعها عن الأرض تناولها إياها، فشعور قوي بالشفقة اجتاحها، على رؤيتها تلك اللمحة العابرة من ضعفه كرجل أصابه المشيب ونال منه الكبر. وإن كانت شعرت تجاهه بكراهية بوقت من الأوقات، عندما قام عاصم باختطافها وضربها، وظنها أنه كان يعلم بهذا الأمر، فكل هذا تبخر الآن ولم يعد له وجود، فتلك هي حالتها دائمًا، سرعان ما تنسى الإساءة ولا يتبقى لديها سوى شعور التسامح.

“لسه بدري على ميعاد رجوع راسل وممكن يتأخر لو عنده حالات طارئة. فإحنا قاعدين مع حضرتك شوية.” هتفت حياء بعبارتها وهي تهم بترك مكانها، فأكملت حديثها بعد أن استقامت بوقفتها: “أنا هروح أجيب حاجة نشربها وخليكم براحتكم.” احتج رياض على ذهابها وهو يشير لأحد حراسه: “خليكي انتي وأي حد فيهم يروح يشتري اللي انتوا عايزينه.” ابتسمت حياء وقالت بشيء من الحياء: “لأ هروح أنا عشان عايزة أروح الحمام.” أومأ رياض برأسه، بينما قالت سجود:

“مامي هاتيلي فشار، وعايزة مصاصة فراولة.” قالت حياء وهي تبتسم لها: “حاضر يا قلب مامى.” ذهبت هي بطريقها، فالمقهى على بعد عدة أمتار، والمرحاض ليس ببعيد. بعد أن أوصت حياء بالمشروبات المرطبة التي تريدها، ذهبت للمرحاض، وولجت للداخل، وبعد انتهائها وأثناء غسل يديها، رأت اثنين من الرجال يدلفان للمرحاض ويغلقان الباب خلفهما. جفت دماءها من الخوف، وهي ترى نفسها بمفردها معهما، فلا أحد غيرهم بالمكان، فحاولت الصراخ:

“انتوا مين وبتعملوا إيه هنا؟ ألحقوووو…” قبل أن تكمل نداء الاستغاثة، كان واحدًا منهما مكممًا فمها بيده، مكبلاً حركتها بجسده الضخم، هامسًا بأذنها بصوت أجش: “هشششششش اسكتي خالص.” تخبطت حياء بين ذراعيه، فزاد الأمر سوءًا. بعصب الآخر عيناها، شعرت بالتعب من فرط حركتها للتخلص منهما. أحست بسحب حجابها، فأهتاجت أكثر وحاولت الفرار دون فائدة. فهي لم تشعر بقرب رجل منها هكذا سوى زوجها، فزاد اشمئزازها من ذلك الوضع.

فظلت تقاتل حتى خارت قواها بالكامل، فأرخى جسدها فجأة، بعدما حقنها أحدهما بإبرة محقن، جعلتها تسقط مغشيًا عليها، ولم تعد تشعر بما يجري حولها. فيبدو أن إبرة التخدير، لم تكن ذو مفعول طويل الأجل، إذ بعد مرور عشرين دقيقة، كان قد ساور رياض القلق لتأخر زوجة ولده، فأمر رجاله بالذهاب للبحث عنها. فبعد بحثهم بالمقهى، ذهبوا للبحث عنها بالمرحاض الخاص بالنساء.

فبعد أن عثرت سيدة على حياء ملقاة بأرضية المرحاض، أسرعت بمساعدتها لتجعلها تفيق من حالة الإغماء، التي ألمت بها. “إنتِ سامعاني يا بنتي؟ ردي عليا إيه اللي حصل؟ وصلت تلك العبارة لأذن حياء، فحاولت رفع جفونها بصعوبة، وخرج صوتها ضعيفًا، فلم تستطع السيدة فهم ما تهمهم به.

فجذبتها من ذراعيها برفق، وشعرت حياء بارتخاء ساقيها وتلك السيدة تساعدها على الوقوف، فبعد جهد مالت على حوض الاغتسال، وظلت تلك السيدة ترش وجهها بالماء لجعلها تستفيق من تلك الحالة. فسمعا صوت طرق على باب المرحاض، وأحد رجال رياض ينادي حياء: “حياء هانم؟ حياء هانم؟ إنتي كويسة؟ نظرت حياء للمرآة الكبيرة المثبتة على الجدار، فلم تجد حجابها، بل وجدته ملقى على الأرض خلفها، فأستأذنت المرأة أن تأتي لها به.

حاولت حياء غمر وجهها بالماء، لتتذكر ما حدث لها، ولكن لم تسعفها ذاكرتها بتذكر شيء بعد شعورها بوخز إبرة المحقن بأعلى ذراعها. فبعد ارتدائها حجابها، واستعادة توازنها، خرجت تترنح قليلاً بمشيتها وتلك السيدة تعمل على مساعدتها، فنظرت لها بامتنان على تقديمها يد العون والمساعدة لها. فأقبل أحد الرجال إليها متسائلاً بقلق: “حياء هانم مالك؟ في إيه؟ رياض باشا قلق عليكِ لما اتأخرتي.” دمدمت حياء بصوت منخفض:

“مش عارفة إيه اللي حصل جوا. لو سمحتي ساعديني أوصل لهناك.” أومأ المرأة لها بالموافقة، فأستندت إليها حياء، حتى وصلت لمجلس رياض، الذي هب واقفًا مستندًا على عصاه وهو يرى حياء تقترب منه، كأنها مصابة بالإعياء. فقال بقلق وتساؤل: “مالك؟ حصل إيه يا حياء؟ جلست حياء على الأريكة الخشبية، وانصرفت المرأة بعد شكر حياء لها، فعاد رياض للجلوس بجانبها، فرآها تحني رأسها واضعة وجهها بين كفيها وهي تجهش بالبكاء. بلغ القلق منه مبلغه،

فوجدها قائلة بنهنهة: “أنا مش عارفة حصل إيه، أنا لقيت اتنين دخلوا الحمام وغموا عينيا وأدوني حقنة مخدر ومفقتش إلا لما الست اللي مشيت دي كانت بتفوقني ومش فاكرة أي حاجة ولا أعرف مين دول ولا كانوا عايزين مني إيه.” طار صواب رياض بعدما سمع ما قالته حياء، فأمر رجاله بالبحث عن من فعل بها ذلك، وإن كان بالمكان كاميرات مراقبة أمرهم بأن يفضوا تسجيلاتها، ليعلم من هما هذان الرجلان. “ملقيناش أي حاجة غريبة في التسجيلات يا باشا.”

لم يسفر البحث عن شيء، سوى أن تسجيل الكاميرا القريبة من المرحاض، لم يرصد سوى لحظة دخول حياء للداخل، يتبعه دخول تلك المرأة التي قدمت لها يد المساعدة، ولم ترصد الكاميرا أي شيء مريب من دخول رجال للمرحاض الخاص بالنساء، فتعجبت حياء مما يحدث، فهي لم تتوهم أو تتخيل ما صار لها بداخل المرحاض. فكيف حدث كل هذا؟

رأى رياض بأن تعود للمنزل هي والصغيرة، على أن يعمل هو على معرفة ما حدث لها هنا. فتقدم أحد رجاله منه، بعد أن أشار إليه بالاقتراب، فطلب منه إيصال حياء والصغيرة للمنزل، وأن يقود هو السيارة. فأمتنت له فهي لم تسيطر بعد على ارتجاف جسدها، وتشنج أطرافها كلما تتذكر ما حدث لها، ولا تعلم لما صار معها كل هذا وخاصة اليوم؟ ***

تسير بالرواق الطويل بالمشفى بغنج ودلال، فتعلقت أنظار الجميع بها، خاصة وهي ترتدي تلك التنورة الجلدية السوداء القصيرة، والتي وصلت لمنتصف فخذيها، ترتدي جوارب سوداء شفافة، وبلوزتها بالكاد وصلت لخصرها النحيل، تلوى ثغرها بابتسامة وهي ترى نظرات الرجال لها، وامتعاض النساء من رؤية ثيابها السافرة والشبه عارية، والتي لا يحق لها ارتداءها بمكان كهذا.

ولكن اعتادوا على رؤيتها هكذا، فتلك هي المرة الرابعة، التي تأتي بها للمشفى خلال أسبوع واحد فقط، يتأكلهم الفضول لمعرفة أسباب مجيئها المتكرر له. فأقتربت إحدى الممرضات من رفيقتها، وعيناه ترصد تلك الفتاة قبل دخولها لغرفة مكتب راسل، فوكزتها بخفة: “شوفي شوفي هي مين دي كمان، اللي تقريبًا بقت تيجي هنا يوم آه ويوم لأ، هو كل شوية يطلع لنا واحدة تروح وتيجي على مكتب دكتور راسل.” مطت الأخرى شفتها السفلى وسرعان ما قالت بسخرية:

“الله أكبر عليه، الستات بتترمى عليه زي الدبان على العسل، بس يا ترى مراته عارفة باللي بيحصل ده؟ وضعت الممرضة الأخرى يدها بخصرها وهي تقول بازدراء: “بس بصراحة اللي دخلت دي واحدة كده مش مريحة بتيجي المستشفى كأنها رايحة البحر، ناقص بس تيجي بالمايوه.” وضعت رفيقتها التقارير من يدها، وهي تقول بعدم اكتراث: “ملناش دعوة، دع الخلق للخالق وخلينا نشوف شغلنا، هو حر في حياته، إحنا اللي هنحاسبه. يلا يلا على شغلك.”

انفض اجتماعهما، وذهبت كل منهما بطريقها. فلم تكونا هما فقط من لاحظا ما يحدث بالمشفى بتلك الأونة، ولكن لا أحد يجرؤ على الكلام. فبداخل غرفة مكتب راسل، وبعد أن سمح لها بالدخول، جلست على أحد المقاعد الموجودة أمام المكتب. فحاول الابتسام قدر ما يقتضيه الذوق، على الرغم من شعوره بالضيق، بأنها ستساهم في تأخير عودته لمنزله. فابتسامة لم تتجاوز شفتيه، كان مرحبًا بمجيئها: “أهلاً يا آنسة ليالي.” “قولي يا لي لي.”

قالتها بغنج وميوعة، أغارت بصدره الضيق. فهتف بها بحدة خفيفة: “خير يا آنسة؟ إحنا مش خلاص اتفقنا بخصوص إن وافقت على إن أحط اسم دار رعاية الأطفال اللي قولتي عليها في جدول المستشفى الخيري؟ خير؟ إيه المطلوب تاني؟ ردت قائلة ببحة صوت ناعمة: “أصل عايزة أتأكد إن الأطفال في الملجأ ده هيتعالجوا كويس، أصل الصراحة الملجأ ده عزيز عليا، أصل أتربيت فيه.” صمتت لبرهة، فعادت تكمل حديثها بتأثر مصطنع:

“لولا إن أنا لقيت أسرة غنية واتبنتني كان زماني دلوقتي ضايعة ومعرفش مصيري كان هيكون إيه.” بحديثها تذكر حال زوجته حياء، فهي الأخرى مرت بتلك الظروف، ولكن شتان بينها وبين معشوقته، فيكفي أن حياء ترعرعت بكنف والدين صالحين، خلافًا لتلك التي تجلس أمامه، تظهر مفاتنها لكل من أراد نهش جسدها بنظرات جائعة. فأراد إنهاء تلك الجلسة، ليتسنى له العودة للمنزل. فهتف بها بمهنية:

“حضرتك اطمني خالص، وأنا من أول مرة قولتيلي على الموضوع وأنا روحت دار الرعاية وشوفت الأطفال واتفقت مع المسؤول إن هيتعمل كشف دوري عليهم، فأتظن كده الموضوع انتهى، ومفيش داعي كل شوية تتعبى نفسك وتيجي المستشفى.” تركت مقعدها واستدارت حول المكتب ووقفت أمامه، فانحنت إليه وهي عاقدة حاجبيها، كأنها تشعر بالسوء لصرفه لها هكذا. “هو حضرتك يا دكتور راسل مضايق إن أنا بجيلك هنا؟

تبعت قولها بوضع يديها على كتفيه، بل زادت جرأتها وبدأت بحل أزرار قميصه الأولى، فنفض يدها عنه بحدة ودفعها عنه، واستقام بوقفته. فقبل أن يعرب عن غضبه من فعلتها، كانت بدأت بتوزيع آثار شفتيها قريبًا من فمه وعلى عنقه، محاولًا هو دفعها عنه. فما الذي دهاها فجأة؟ فهي ذكرته بما فعلته صوفيا بالمرة الأولى التي قابلها بها، ولكن تلك الفتاة كانت أكثر جرأة وقذارة عنها.

فما كاد يبعدها عنه ونجاحه بإحلال ذراعيها المحكمين حول عنقه، حتى رفع يده يصفعها على وجهها. فصاح في وجهها بوحشية: “إنتي مجنونة؟ بتعملي إيه؟ إنتي؟ تبسمت له وشرعت يداها تعيث فسادًا بخصيلاتها حتى صارت مشعثة، وجذبت أكمام بلوزتها بقوة فمزقتها، وبدأت تصرخ بصوت عالٍ وهي تقترب من باب غرفة المكتب. كمن أصابه حالة مفاجئة من البلادة لما يراه من أفعالها، فأستمع لصوتها وهي تقول بصراخ واستغاثة: “إلحقوووووووني!

دكتور راسل عايز يعتدي عليا! ألحقوووني! تجمع الأطباء والممرضين حولها، ليروا آثار الاعتداء التي افتعلتها هي من أجل تجريم راسل. فصمت الجميع ولكن أعينهم تحوي الكثير والكثير من الكلمات، كأنهم يخشون قولها. فتارة ينظرون للفتاة الباكية، والتي تعمل على ستر نفسها بيديها، وينظرون لراسل ووجهه الملطخ بحمرة الشفاه تارة أخرى. فلا بد أن ما يحدث مزحة، أو حلم. ولكن لا، فهذا ليس حلمًا، بل هو كابوس مرعب، ككوابيسه السابقة.

لا يعلم كيف صار قابضًا على شعرها هكذا، يكاد يقتلعنه وهو يصرخ بها ويصفعها بهمجية، لأول مرة يرونها به العاملون لديه. فلم يجرؤ أحد على الاقتراب منه وهو يعمل على صفعها بجنون: “إيه اللي بتعمليه وبتقوليه ده؟ ها؟ مين اللي زقك عليا يا بت إنتي؟ هو إنتي مفكراني هسكتلك ولا هبقى مؤدب وهخاف وإنتي بتتبلي عليا؟ لاء دا إنتي متعرفيش عايزة تلعبي مع مين، ده أنا أصيع منكم! لا صراخها أرجاء المشفى، فما لبثت أن قالت بوعيد:

“والله لأفضحك في كل مكان وهخليهم يعرفوك على حقيقتك، بقى عشان أنا رفضتك ورفضت إن يكون في بينا علاقة، تقوم تحاول تعتدي عليا وكمان عايز تطلع نفسك بريء وتجيب اللوم عليا! سادت حالة من الهرج والمرج بالمشفى، يقف الجميع مشدوهين بما يرونه يحدث أمامهم، ولكن هناك شخص يقف بمكان ليس ببعيد، رافعًا هاتفه لتسجيل تلك الواقعة بالصوت والصورة.

فتدخل اثنان من الأطباء لإنهاء تلك المهزلة، التي سيتحدث عنها الجميع لوقت طويل، بل سيطلقون كافة الافتراضات والتكهنات حول ما حدث. فبعد أن نجح الطبيبان في كبح جماح راسل، وتقييد ذراعيه وإبعاده عنها، فرت هي راكضة من المشفى، فحاول فك ذلك الحصار حوله ليلحق بها، فرفضا تركه حتى يهدأ، فيكفي ما فعله بها.

ظلت عيناه تتبع ذلك الرواق الذي فرت هاربة منه، وصدره يعلو ويهبط بغضب، يلهث كأنه كان بإحدى مباريات المصارعة. فرفع كفه يمسح آثار شفتيها من على وجهه بظهر يده، ولم ينتبه لقميصه المفتوح، إلا بعد رؤية الواقفين يحدقون به. فعاد لمكتبه وصفع الباب خلفه، بينما ظل الجميع يتهامسون حول ما حدث أمام أعينهم. فأنقسم الحضور لشقين، أحدهما لم يصدق أن راسل أقدم على الإساءة لتلك الفتاة، والآخر عزز تصديقه لما حدث بأنهم رأوا عدة فتيات حامت الشبهات حوله بخصوصهن، ولم ينسوا ذكر تلك الشائعة بأنه قتل زوجته الأولى.

فبعد خمس دقائق تقريبًا، فتح راسل باب غرفة مكتبه وخرج وهو يتأهب للعودة لمنزله، فأمتنع الجميع عن الكلام، وهو مقنع بأنهم لم يكفوا عن التهامس بشأن ما حدث. ولكنه سار غير مبالٍ بهم، بل علا صوته أثناء سيره محذرًا: “ياريت كل واحد يشوف شغله، أظن شبعتوا كلام، لأن اللي هلاقيه مقصر في شغله هرفده.”

خرج من المشفى واستقل سيارته وقادها في طريق عودته للمنزل. فبعد وصوله لمرآب السيارات بالحديقة، ظل قابعًا داخل السيارة، يستند برأسه على طرف مقعده، فأغمض عينيه وهو يأخذ أنفاسه ويزفرها ببطء.

فبالأعلى وخاصة بغرفة النوم الكبيرة، كانت حياء منذ عودتها من الخارج، وهي مستلقية على الفراش، تتساقط دموعها على وسادتها، وهي تفكر بما حدث لها اليوم ولا تجد له تفسيرًا. فكم من مرة تحسست وجهها وجسدها، خشية أن يكون حدث لها مكروه على يد هذان الرجلان. ولكن برؤيتها باب الغرفة يفتح وراسل يلج منه، تركت الفراش مهرولة إليه، فألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تبكي وتشهق بصوت مرتفع قائلة بكلمات متقطعة: “ر را سل… إنت اتأخرت ك ده ليه؟

“إيه يا حياء؟ بتعيطي ليه كده؟ حصل إيه؟ هتف بها راسل وهو يتفرس بوجهها بخوف، وخاصة وهو يرى وجهها الرطب من أثر بكائها. فبإمكانها سماع دقات قلبه التي تقفز هلعًا بعد رؤيتها على تلك الحالة.

سكنت حياء وكفت عن البكاء، ففكرت في إخباره بما حدث لها اليوم، ولكنها شعرت بثقل لسانها عن قول ما لديها، كأنها تجد مشقة بإخباره بأنها خالفت أمره، وجعلت والده يرى صغيرته بدون علمه، فحتماً إذا أخبرته بالجزء الخاص بما لاقته هي، فمن السهل اكتشاف أمر فعلتها. ابتسمت من بين دموعها بتوتر وهي تمسح وجهها: “لأ مفيش حاجة، دا أنا بس شفت فيلم رعب فخوفت.” نظر راسل للتلفاز وجده مغلقًا، فعاد ونظر إليها قائلاً بغرابة:

“بس دا التليفزيون مقفول، كنتي بتتفرجي على الفيلم إزاي؟ “فـ في الموبايل.” قالتها حياء وأبتعدت عنه وأولته ظهرها وهي تفكر بالذهاب للمرحاض، من أجل أن تغتسل. فذهبت لغرفة الثياب، لأخذ ثياب نظيفة لها. فأثناء خروجها وجدته يقف أمام المرآة يخلع عنه قميصه، ولكنها رأت آثار طلاء شفاه على ياقة القميص، فمدت يدها وأمستكت ياقة قميصه قبل أن يخلعه عنه بصورة نهائية. فقالت وهي تتفحصه بريبة، فعلا صوتها بضيق وحدة وغيرة متسائلة:

“إيه الروج ده يا راسل؟ جالك منين؟ رد عليا.” فلم تكتفِ بذلك بل جذبت القميص تكاد تمزقه، فبعد أن رأت الآثار بوضوح، ألقته على الأرض، كمن قامت بضبط زوجها بالجرم المشهود وخيانته له. رد هو قائلاً ببرود العالم أجمع: “بتاع واحدة اتهجمت عليا وكانت بتبوسني يا حياء.” هكذا وبكل بساطة كان يجيبها على سؤالها، ففغرت فاها بدهشة، متسائلة عن معنى قوله هذا؟ “اتهجمت عليك إزاي يعني مش فاهمة؟ هو في ست بتتهجم على راجل؟

“ليه هو إنتي مفكرة إن إحنا بس اللي بنعمل كده؟ فقبل أن تبدأ بطرح سؤال آخر، تركها وذهب هو للمرحاض، في حين أنها هي انحنت والتقطت القميص من على الأرض، واضعة إياه أمام عينيها تحدق بآثار تلك الشفاه، وتفكر فيما قاله، فاليوم حوى العديد من الغموض بشأن سير أحداثه الغير مفهومة، والتي لم تستخلص منها شيئًا، يمكنها من فهم ما يحدث لهما. ***

احتضنه أبيه قبل رحيله من المنزل، لقضاء عدة أيام خارج البلاد من أجل إنهاء أعماله العالقة بإحدى الدول الأوروبية. وقف هو بين ذراعي والده ببرود، فلم يكلف نفسه عناء رفع ذراعيه ليبادله حنانه المفاجئ، وانتظر أن يبتعد أبيه عنه، إلا أنهما ظلا على هذا الوضع ما يقرب الثلاث دقائق. قطب عمرو حاجبيه، وتململ بين ذراعي والده. فابتعد عنه فواز وهو يحاول الابتسام:

“خلي بالك من نفسك يا عمرو على ما أرجع. ولو عايز أي حاجة اطلب من اللي شغالين في البيت، أنا مش هتأخر في السفرية دي.” عمرو بلا شعور وعدم اكتراث: “تروح وترجع بالسلامة إن شاء الله.” حاول تجاوزه إلا أن فواز كان الأسرع بإمساك مرفقه بحزم ليمنع ابتعاده، فأستدار عمرو برأسه له، ينتظر أن يقول ما لديه. فنظر إليه أبيه مطولاً كأنها أول مرة يراه بها. ولكن أفلت ذراعه متسائلاً: “إنت لسه برضه مفكرتش في موضوع جوازك من بيرى بنت أدريانو؟

لو مش عاجباك أشوفلك عروسة تانية.” نفخ عمرو بضيق: “لأ هي ولا غيرها، وقولتلك مش عايز أتجوز. ولو فضلت تلح في الموضوع ده هسيب البيت.” “إنت إيه أسبابك للرفض؟ ولا يكونش عينك على واحدة متجوزة زي مرات راسل النعماني كده؟ قالها فواز فجأة، فأصفر وجه عمرو على الفور. عاد فواز يكمل حديثه ولكن تلك المرة بحدة: “رد عليا إنت إيه حكايتك بالظبط؟ عايز أعرف.”

يبدو عليه العزم والتصميم الكامل، بأن يعلم ما يخفيه عنه ولده. فلم يأتيه منه رد، بل رآه يطالعه بعدم اهتمام كعادته دائمًا. رفع عمرو يده ودلك مؤخرة عنقه بلامبالاة: “هتتأخر على طيارتك، مع السلامة يا بابا.”

أنهى الحديث بينهما، إعلان السائق بأنه على أتم الاستعداد لمرافقة سيده للمطار، فخرج فواز من المنزل واستقل سيارته يتأكله الغيظ من تصرفات ولده، التي أصابته بالحيرة. بينما كان عمرو واقفًا بالشرفة يراقب خروج سيارة أبيه من المنزل. لم يلج للغرفة، إلا بعد سماع رنين هاتفه باسم زوج والدته، فتجمعت شياطينه كافة بتلك اللحظة. ففتح الهاتف وهو يهدر بصراخ: “إنت عايز إييييييه؟ ابعد عني بقى!

نتج عن صراخه وصياحه طفر الدموع من إحدى عينيه، بينما وصل لأذنيه صوت ضحكة صاخبة يتبعها تلك الجملة: “إهدي يا عمرو يا حبيبي مش كده أعصابك. إنت بس وحشتني فحبيت أطمن عليك إذا كنت لقيت بنت حلوة كده عشان تتعرف عليها ولا فشلت كالعادة. أنا قولتلك متتعبش نفسك.”

ألقى عمرو الهاتف من يده بعد إغلاقه، وبحث بحقيبته عن مخدر الهيروين. فبعد أن أخذ حصته من استنشاقه، ارتمى على الفراش محدقًا بسقف الغرفة، يتذكر محاولاته الفاشلة في جذب الفتيات، والتي كانت حياء ضمنها. ولكن انتهى الأمر كسابقيه. فذاك اللعين المدعو زوج والدته محق بشأن أنه سيظل يفشل دائمًا بأن يحيا بفطرته التي خلقه الله عليها، قبل أن تدنس روحه وحياته بأكملها.

فبعد مرور يومان، أراد فواز التأكد من شكوكه وظنونه التي ملأت رأسه، والتي لم تأتِ من فراغ، بل عززها إخبار أحد الحراس الخاصين به، برؤيته نجله يتعاطى المخدرات. فتذكر كيف صاح بوجه الحارس، بل لم يكتفِ بذلك بل قام بطرده من العمل، ظنًا أن قوله رغبة منه في تشويه صورة ولده. “لأ مستحيل عمرو يعمل كده، مستحيل.”

رددها عدة مرات يريد إقناع عقله، أن تلك السموم التي حرص على بيعها لسنوات طوال، لم تطال نجله الوحيد، فهو يعلم تأثيرها وما تفعله بالجسد، حتى تتركه حطامًا. فهل شعر الآن بسوء أفعاله؟ فها هو يعود للمنزل بعد غياب دام لمدة يومان فقط، عاد وهو لم يخبر أحدًا بشأن عودته، بل أراد أن يفاجئ بها الجميع. فبحرص شديد وخطوات تكاد لا تسمع كان يقف أمام غرفة عمرو، فأرتعشت يداه على مقبض الباب وهو يفتحه.

ولكن ما أن واتته القوة على دفع الباب، حتى ولج الغرفة بخطوات سريعة. فلم يحسن عمرو التصرف وإخفاء ذلك المسحوق، الذي كان يعمل على استنشاقه. “عمروووووو! صرخ بها فواز، وهو يقترب منه، فجذبه من تلابيب ملابسه بحدة وهو يكمل صراخه بوجهه: “إنت بتشم يا عمرو؟ طلعت فعلًا مدمن؟ لييييه؟ لييييه؟! حاول عمرو تخليص ثيابه من قبضة أبيه، فهو كاد يزهق أنفاسه، فبعد نجاحه بدفعه عنه، قال ووجه تكاد تنفجر منه الدماء مزمجرًا:

“وإنت مضايق أوي إن طلعت مدمن؟ ما أنت تاجر مخدرات، مش بيقولك طباخ السم بيدوقه، ودلوقتي جاي تحاسبني على اللي بعمله؟ كنت فين من زمان؟ كنت فين وسيبتني لواحد قذر هو اللي يربيني؟ أقولك على حاجة كمان أكيد هتفرحك أوي.” تبسم باختلال وقال مكملاً حديثه ببرود وصوت مرعب وهو يقر بحقيقته: “أنا مش إنسان سوي، لآ أنا كمان شا… ذ ابنك شاااااذ.”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...