سريان الخوف بعروقها، جعلها تتراجع بخطواتها، ومازالت عيناها على اتساعها منذ سماعها تلك الكلمة منه، فماذا يقصد بها؟ أرادت الحفاظ على مسافة آمنة بينها وبين ذلك المجنون، نعم، فهو مجنون ولا تراه بأي صورة أخرى، وخاصة وهو يقف واضعاً يداه بجيب ردائه الأبيض، ومازال مبتسماً تلك الابتسامة التي جعلت الخوف يسكنها. حاولت أن تعثر على كلمة مناسبة فتلعثمت: –عايزني ده إيه أنت كمان، أنت مجنون ومختل كمان.
زوى ما بين حاجبيه قائلاً بهدوء بعدما فطن لمعتقدها بتلك الجملة التي لم تكتمل بعد: –هو أنتي فهمتي إيه؟ أنا كنت عايز أقولك أنا عايزك يا حياء تهدّي وتبطّلي عصبية ونرفزة. فأعقب حديثه بضحكة عالية مستطرداً: –أنتي شكل كل أفكارك عني مش ولابد، بس عايز أقولك يا حياء مش أنا اللي أبص في حاجة في إيد غيري، لو حاجة متخصنيش من الأول تبقى متلزمنيش، أصل مش غاوي رمرمة. –رمرمة؟
قالتها حياء بفم مفتوح يكاد يصل للأرض، فهو فظ غليظ القلب بتعبيرها، لا يجد بقاموسه ما ينمق به حديثه. فتبسمت بسخرية وهي تقول: –فعلاً تبقى رمرمة لو في واحدة تعرف واحد زيك يا دكتور راسل، دي اللي يتقال عليها رمرمة. لن ينال من تلك المشادة الكلامية بينهما سوى زيادة حنقها، وهذا ما لا يريده بالوقت الحالي، لذلك فضل أن يكتفي بما حدث. فحمحم قائلاً بجدية: –أظن كفاية عليكِ كده إزعاج، هبعت لك دكتور العيون.
عندما هم بالمغادرة، تنفست حياء الصعداء من كونها ستتخلص من وجودها معه وحدها بغرفة الفحص، وما كادت تتراجع حتى تجلس على مقعدها، حتى سقطت جالسة على الأرض تتأوه بصوت مسموع، فهي أخطأت بتقدير القرب اللازم لها لتجلس على المقعد. استمع راسل لصوت صيحتها المتألمة، فالتفت خلفه وجدها تجلس على الأرض، فرفع حاجبيه يقترب منها، ينحني إليها قائلاً باهتمام: –أنتي إيه اللي وقعك كده؟ هاتِ إيدك. نأت بجسدها عنه وهي ترمقه بغيظ:
–لأ شكراً، هقوم لوحدي. ابعد وأنت مانع عني الهوا كده. تبسم على قولها، وخاصة وهو يراها تحاول أن تضع مسافة كافية بينهما. وضعت يديها على عينيها الحمراوين، فدموعها بدأت تزيد من شعورها بالآلام بها، فرأى أن يكتفي بذلك وألا يزيد من آلامها. مد يده على المكتب، وأخذ نظارتها يقربها منها قائلاً: –خدي نضارتك يا حياء.
مدت يدها لأخذها منه، فانفتح الباب والتفتت رأساهما معها لرؤية من القادم، فازدردت حياء لعابها وهي ترى أبويها ونادر وطبيب آخر معهم، فظلوا يحدقون بهم بنظرة أقرب للصدمة، وهم يرون حياء جالسة على الأرض، وراسل يجلس القرفصاء، تجتمع يداهما على نظارة سوداء، فمن يراهما ستملأ الظنون رأسه من اجتماعهما سوياً بهذا الوضع المريب.
لمحت حياء وجه نادر من خلف إحدى منكبي أبيها، فبوادر الغضب ملأت وجهه وعيناه تطالبها بتفسير ما يحدث، فلا إرادياً حولت وجهها لراسل، لعله يفسر سبب ما يحدث. فما كان منه إلا أنه استقام بوقفته قائلاً ببرود كعادته يخاطب دكتور العيون: –حضرتك متأخر على الكشف ليه يا دكتور؟ الآنسة قاعدة مستنياك بقالها كتير وباين عليها التعب. شعر الطبيب بحرج من قول راسل، فتقدم منه قليلاً يبدي أسفه واعتذاره على تأخره: –آسف يا دكتور راسل، أصل...
قاطعه راسل وهو يشير بيده ليبدأ بفحصها: –لا أصل ولا فصل، اتفضل اكشف عليها واعملها اللازم. عن إذنكم.
باقترابه من الباب تنحى عرفان ومديحة ونادر، فخرج من الغرفة تتبعه نظرات حياء الكارهة، فها هو يخرج من الغرفة، كأنه لم يفعل شيئاً أو جعلها محط الشك من أبويها وخطيبها، فظلت تلعنه بخاطرها للمرة التي لا تعلم عددها، فامْتَنّت لإسراع والدتها في مساعدتها بالوقوف، فحتى قدماها تشعر بخذلانها بعدما قرأت ما تسطر على وجه نادر من شعوره بوجود شيء مبهم بينها وبين راسل، وهذا ما لا تريده أن يفكر به أو يضعه معتقداً بباله.
عادت لسيارة أبيها ترمق نادر من حين لآخر، وهي تعلم أن لا بد له من سؤالها عما يحدث وهو لا يعلم، فصمته الآن ماهو إلا وسيلة للصبر حتى تطيب عيناها وتقدم له تفسيراً لكل الأسئلة التي تضج بعقله. مرت أناملها على ألوان حمرة الشفاه كمن تعزف مقطوعة موسيقية، لاختيار أحدهم لطلاء شفتيها، فوقع اختيارها على لون وردي، فمطت شفتيها بتفكير، هل تلك الحمرة ستتناسب مع ثوبها بلون العاج أم لا؟
فاستحسنت اختيارها الذي سيبرز استدارة شفتيها المغرية، ضمتهما لتعود وتنفرجان بابتسامة راضية عن مظهرها الأنيق والخلاب. انفتح باب حجرتها، ولمحت والدتها تلج الغرفة ولكن وجهها المستدير به وجوم غير معتاد. فاستدارت إليها قائلة باهتمام: –فيه إيه يا مامي؟ مالك وشك كده بيقول فيه حاجة. نفخت تلك المرأة الخمسينية بضيق، وتجاوزتها لتجلس على طرف الفراش الوثير، فرفعت وجهها لها قائلة بتذمر غير معتاد:
–هند، أنتي لحد إمتى هتفضلي ترفضي في العرسان؟ وعلشان إيه؟ أنتي خلاص تميتي ٢٨ سنة، مستنية تتجوزي وأنتي عندك خمسين سنة، وكل ما ييجي عريس ترفضيه. عادت هند تنظر للمرأة، وهي تعمل على ترتيب خصلاتها الفحمية، فخرج صوتها لامبالياً: –وإيه يعني تميت ٢٨ سنة؟ خلاص يعني كده هعنس زي ما بيقولوا؟ الكلام ده كان زمان يا مامي، دلوقتي الجواز مبقاش له سن محدد، التقاليد دي بقت قديمة أووووي.
لم تقتنع والدتها بأي حرف مما قالته، فهي تعلم سبب عزوف ابنتها عن الزواج، وكل هذا من أجل ذلك الطبيب الذي سلبها عقلها منذ أن رأته للمرة الأولى. فالتوى ثغرها بابتسامة هازئة: –تقاليد قديمة! ولا ده كله علشان الدكتور راسل اللي أصلاً لا حاسس بيكي ولا شايلك من أرضك، لا أنتي ولا غيرك.
تدفقت دماءها الغاضبة بعروقها، بإقدام والدتها على تذكيرها بطبيعة تلك العلاقة الواهية، التي تتشبث بها هي من جانبها دون جانبه، كمن تتمسك بطرف خيط معلق بالهواء. فتتابعت أنفاسها الحانقة وهي تقول: –تقصدي إيه يا ماما؟ أكيد راسل هييجي وقت ويحس بيا. نهضت والدتها عن الفراش وهي تقول بسخرية:
–الوقت ده مظنش أنه هييجي يا هند، وجايز واحدة تانية تاخده زي ما حصل كده في جوازته الأولانية وطلعتي برضه من الموضوع إيد ورا وإيد قدام، وجت حتة واحدة إيطالية خلته يجرى وراها ويتجوزها. ارتفعت شفتها العليا قائلة بأهة سخرية: –وأخد إيه من جريه وراها ولا حاجة، ورجع تاني علشان تعرفي بس يا ماما إن راسل هيكون ليا وليا أنا بس، ومفيش واحدة تانية هتاخده، لأنه أصلاً دلوقتي مبقاش يحب حد يقرب منه، وهو ده اللي معلقني بيه أكتر.
يأست والدتها من جعلها تعدل عن التفكير به، الذي لن يجديها نفعاً، ولكن تصميم هند على الاقتراب منه ودفاعها المستميت عن تلك الرغبة التي تحدوها بأن تحمل لقب زوجته، جعلها تبادر بالخروج من الغرفة، قبل أن تتشاجر معها، فهي ابنتها الوحيدة والتي لم تشأ لها سوى أن تحصل على كل ما أرادته بحياتها، فهي مدللة لديها هي ووالداها، وهما يعلمان بشأن ذلك الحب الذي لم تستطع عيناها إخفاءه خاصة إذا كان راسل حاضرًا بنفس المكان.
حاولت هند أن تعيد اللون إلى وجهها الممتقع بعد حديث والدتها معها، فأفلحت في ذلك بأن أعادت البسمة المغرية لشفتيها، ولعينيها اللمحة المضيئة بشوق لرجل يعيش بسبات ثلجي، كأنه قد من حجر، وليس ذلك الرجل الذي كان عليه منذ سنوات وقبل أن يتزوج، فكأن تلك الزيجة كانت كالسيف الذي شق قلبه نصفين، لا يمت أحدهما للآخر بصلة.
خرجت من المنزل واستقلت سيارتها الرياضية المكشوفة بدون غطاء، بلون أنثوي صارخ، ألا وهو اللون الأحمر، كلما سمعت صافرات الإعجاب من الشباب أو الرجال، وخاصة وخصلاتها تتطاير كلما زادت سرعة قيادة السيارة لتتخلص من ذلك الإزعاج، الذي ربما زرع بها ثقة بجمالها، وأنها قادرة على جذب أي رجل إليها، ولكن جمالها هذا لا يفلح في جذب الرجل الوحيد الذي تريده، كأن عينيه أصابها العمى لا ينتبه لعيونها وقلبها اللاهب بنيران الحب المستحيل كما وصفتها والدتها بإحدى المرات، ولكن عقلها رافضاً تلك المقولة، أو ما توحي به، فهي لديها من الصبر ما سيجعلها تنتظر مجيء ذلك اليوم الذي سيأتيها راسل به طالبًا الود والوصال منها.
عند تلك الخاطرة ازدادت ابتسامتها اتساعاً، فكم يحلو لها رؤية الاستجداء والحب بعينيه وهو يهمس لها بتلك الكلمة التي تتحرق شوقاً لسماعها وهي "بحبك". غامت عينيها بهيام عندما لفحتها النسمات الباردة، التي تذكرها بمن فاقها برودة، فإلى متى سيظل صامدًا يا ترى؟ فهي سبق لها وأخذت ذلك القرار بأنه سيكون لها هي وحدها، ولن تجعل أنثى أخرى تقربه، حتى لو خرج الأمر عن السيطرة.
تتحرك أصابعه على شاشة الهاتف، يرى الصورة تلو الأخرى، يلوى شفتيه باستهزاء وسخرية واضحة، ولكن برؤية أي صورة لها؛ يبتلع ريقه، كمن يشتهي تناول قطعة من حلوى موضوعة أمامه، ولا يستطيع الاقتراب منها، عيناه تنهش وجهها البريء بنظرات جائعة، ولكن بسماع مقبض الباب يدور، أغلق الهاتف سريعًا، يستلقي على الفراش يتتدثر بالغطاء السميك، يتظاهر بالنوم، حتى لا ينكشف أمره أمام زوجته.
ارتعد بخفة من أسفل الغطاء، بسماع صوت إغلاق الباب وولوج زوجته وصوت خطواتها التي تقترب من الفراش. اجتاحه برودة مفاجئة، بسحب الغطاء من على نصف جسده تقريبًا وهي تصيح به: –لحقت تنام يا شكري، ولا عامل نفسك نايم يا حبيبي؟ تظاهر شكري بالنعاس، وفتح عينيه ببطء متثائباً، كأنها أيقظته من نومه العميق قائلاً بصوت متحشرج: –فيه إيه يا قسمت؟ بتصحيني ليه؟ عايزة مني إيه؟ سيبيني أنام.
جلست بجانبه على الفراش، وهو يوليها ظهره، كأنه يخشى الالتفات إليها ورؤيته لها، فوكزته بكتفه لتجعله ينتبه لما ستقوله: –اصحى كده يا أخويا وفوقلي، خلينا نشوف هنعمل إيه في جوازة بنتك هبة. بسماع اسم ابنته، اعتدل بجلسته مقطب الجبين متسائلاً: –مالها جوازة هبة؟ ما كل حاجة خلاص وتقريبًا مبقاش إلا الفرح والبت تروح بيت جوزها. نظرت له قسمت بعمق عينيه قائلة بتصريح مدوٍ:
–وأنا مش عايزة الجوازة دي تتم، مش عايزها تبقى مرات واحد محلتوش غير مرتبه، أنا عايزالها شاب يكون قيمة ومركز وفلوس. اتسعت حدقتاه من تصريح زوجته، بنيتها في تخريب زواج ابنتها، فإن كان أحيانًا يخشى ردود أفعالها، إلا أن ابنته لها مكانة خاصة بقلبه، ولن يرتضي بتحطيم أحلامها وقلبها، وخاصة أنه يعلم بحبها لزوجها. فصاح بها وهو ينتفض من على الفراش: –أنتي بتقولي إيه يا ولية؟ أنتي اتجننتي؟ عايزة تبوظي جوازة البت؟
لأ، ده أنتي مخك ضرب على الآخر بقى يا قسمت! أنا بقولهالك أهو، ابعدي عن البت وجوازتها، فاهمة؟ ضيقت قسمت ما بين عينيها وهي ترمقه بحدة، فتركت مكانها، ووقفت أمامه وجهًا لوجه كندين على وشك العراك. –لا يا راجل، وكمان بتعلي صوتك عليا؟ بدل ما تشوف حل وتشوف مصلحة بنتك عايز ترميها؟ ولا أنت مش فاضي اليومين دول وعندك حاجة تانية شغلاك؟ قولي شايفلك واحدة تانية زي ما كنت بتعمل زمان، ماهو ديل الكلب عمره ما هيتعدل.
فإن كان أحيانًا يتغاضى عن صوتها العالي، وحب السيطرة لديها، فإنه هو الآخر ليس بالسهل أو اللين، فربما يفوقها أيضًا بطلاقة اللسان، والأفعال التي تأتي بنتائج ربما تكون مضرة في بعض الأحيان، كإقدامه على ضربها مثلما كان يفعل سابقًا، ولكنه تخلى عن ذلك بالسنوات الأخيرة، يعاملها بدلال زائف، فهي صارت شقيقة رجل الأعمال الثري "عرفان الطيب"، لذلك اتخذ الخنوع والخضوع مسلكًا لحياتهما سويًا.
فتلك النقود التي تحصل عليها من شقيقها، هي من تجعله يعيش بأريحية وخاصة صيت "عرفان" الذي يحسن هو استخدامه بمختلف مصالحه الشخصية، فيكفي أن يخبر أحد أنه زوج شقيقة "عرفان الطيب" فيجد كل شيء ميسر له. شعر بحرارة تغزو وجهه وهو يقول بخوف يداريه خلف انفعاله الزائف: –واحدة تانية إيه يا ولية؟ أنتي اصحي لنفسك يا قسمت، مش علشان بسكتلك يبقى خلاص.
خشى أن تكون زوجته فطنت لشيء مما يحدث بالأونة الأخيرة، وخاصة بعد عودة تلك الجميلة من بلاد الغرب بعد إتمام تحصيلها الدراسي بإدارة الأعمال، فتذكر ذلك اليوم الذي كانت به فتاة صغيرة سافرت للولايات المتحدة الأمريكية من أجل دراستها، وعادت شابة جميلة، كأنها نبتة صغيرة، صارت زهرة نقية تمثلت بفتاة، فهو لا يخشى زوجته فقط، ولكن يخشى الجميع، غافلاً عن خشيته من الله، فأفكاره السوداوية عن تلك الفتاة ربما لو علم بها أحد، لن يرتضوا سوى بقتله وهذا ما يستحقه رجل لا تسري بعروقه سوى الخسة والدناءة، واللهاث خلف المحرمات.
عندما حاولت مد يدها لأخذ هاتفه، كان هو الأسرع بالتقاطه من على الوسادة، فأيقنت أن ربما يخفي شيئًا لا يريدها أن تعلم به، فبسطت يدها وهي تقول: –هات التليفون يا شكري وقولي مخبي إيه كده وخايف أشوف التليفون ليه؟ وضع الهاتف بجيب سرواله البيتي قائلاً: –وأنتي تفتشي في تليفوني ليه يا قسمت؟ وهخاف منك ليه أو من غيرك؟ يلا بقى سيبني أكمل نومي ومتوجعيش دماغي.
عاد للفراش ثانية، فسحب الغطاء وأغمض عينيه، كأنه يخبرها بأن حديثهما انتهى لهذا الحد. ظلت قسمت واقفة بجوار الفراش، وهي عاقدة ذراعيها أمام صدرها، تنوي أن تعلم ما يخفيه، فهي لن تهدأ قبل أن تكشف أمره المبهم لها، وخاصة ذلك الشعور الذي نما بداخلها، بأن شيئًا ربما سيكون كارثيًا، سيحدث قريبًا ولا تعلم لما تشعر هكذا هذه المرة، على الرغم من أنها كانت على علم ودراية بأفعال زوجها السابقة بشأن مصادقته لنساء أخريات، ولكن كان ذلك بالسابق، فهي ظنت أنه تخلى عن تلك العادة القبيحة لديه، عندما بدأ بالتقرب منها والتودد إليها بالأعوام الماضية.
حاول تنظيم أنفاسه اللاهثة، من كثرة ممارسة تلك الرياضة التي تتطلب منه جهدًا كبيرًا وعنيفًا أحيانًا، فهذا روتينه اليومي قبل نومه، فهو يريد أن يصاب بالإجهاد، حتى يغفو بنومه سريعًا، ولا يصاب بالسهاد الذي يجعله يسترجع أحداث الماضي كاملة.
بعد أن رأى أنه أخذ كفايته، عاد لضرب الكرة بالمضرب ثانية، والعرق يتصبب من وجهه، جولة أخرى وشعر بألم ذراعه، فألقى المضرب من يده، تعمل يداه على تجفيف عرقه بتلك المنشفة البيضاء الصغيرة الموضوعة على مقعد بأحد زوايا الغرفة.
خرج من الملعب خاصته، وأثناء مروره من أمام الغرفة الأخرى، لمح ذلك الاسم المنقوش على الجدار بألوان زاهية، كتلك التي كانت تستخدمها في رسم اللوحات، ولكن مكتوبًا بحروف عربية ركيكة، فهي لم تكن تحسن الكتابة أو النطق بها إلا بعد جهد منه في تعليمها بعض الكلمات والحروف باللغة العربية.
ساقته قدماه حتى وقف أمام ذلك الجدار، وتأمل الاسم مليًا، فعصفت به ذكريات كالرياح المشتدة، وخاصة بذلك اليوم الذي رأى به تلك الفاتنة التي حملت لقب زوجته فيما بعد.
صوت ضحكة صاخبة صادرة من غرفة مكتب صاحب المشفى، تلك الضحكة التي تخص هند، والتي كانت تخبره بأحد المفارقات التي حدثت معها أثناء مجيئها له بالمشفى، فاتسعت ابتسامته على مزاحها، ولكن قبل أن يفهم بكلمة، سمعا صوت طرق على باب الغرفة، ولجت على أثره إحدى الممرضات بعد سماعه يأذن لها بالدخول. منتصف الغرفة وقفت الممرضة قائلة بأدب جم: –دكتور راسل، حضرتك في حالة جت في حادثة عربية لسائحة إيطالية تقريبًا وعايزين حضرتك.
ترك مقعده قائلاً بجدية: –عن إذنك يا هند أشوف فيه إيه. نهضت هند هي الأخرى ترمقه بابتسامة عريضة: –ولا يهمك، أشوفك بعدين، سلام.
رحلت هند من المشفى، وذهب هو لرؤية تلك المريضة التي أخبرته بشأنها الممرضة، ولج غرفة الجراحة، وجد فتاة جبينها غارق بالدماء ووجهها أيضًا، فأسرع لرؤية مدى الضرر الملحق بها، لم يكن الأمر يشكل خطرًا، فجروحها لم تكن غائرة، وتستطيع التماثل للشفاء بوقت ليس بالطويل، فبعد الانتهاء من أمر وضعها بإحدى غرف المشفى لحين إفاقتها.
وبعد ذلك بمرور يوم واحد، كان راسل يلج الغرفة لرؤيتها بعد أن أخبرته الممرضة بشأن إفاقتها، ولكنها بحالة من الاستياء، يعلو صوتها بلغة لم يفهمها أحد من الممرضات. سمع صوتها الناعم قائلة بصياح بوجه إحدى الممرضات: –أين أنا؟ وماذا حدث؟ أريد الذهاب من هنا. ألا تفهمين؟ رأى راسل الممرضة تبذل ما بوسعها لتجعلها تهدأ وهي تشير إليها بيدها لعلها تفهم ما تقوله، فناولتها كوبًا من الماء البارد، فأطاحت به من يدها. فتتابعت
أنفاسها الحانقة وهي تقول: –لا أريد شيئًا سوى الذهاب من هنا. وضع راسل يده بجيب ردائه قائلاً بهدوء وحزم: –كثرة انفعالك ستؤدي بك للشعور بمزيد من الألم، فلتحاولي أن تصمتي قليلاً، وأن تخفضي صوتك العالي، أنت هنا بالمشفى، ويجب عليك احترام راحة المرضى الآخرين، فصوتك مزعج للغاية أيتها السيدة، بالمناسبة ما اسمك؟ كفت عما تفعله، عندما سمعت ذلك الصوت الرجولي، الذي يحدثها بلغتها بإتقان، فعبست حاجبيها قائلة بتساؤل:
–اسمي صوفيا، ومن أنت أيها الرجل؟ هل أنت ملاك أسود ترك جنته، وجاء للبحث عنها هنا على الأرض؟ ولكن هنا الجحيم بعينه، فالجحيم شطرين، أحدهما هنا أمامك الآن، وسيجعلك تخلع عنك أجنحتك البيضاء. تعجب راسل من حديثها الذي حمل تعبيرات مبهمة وغرابة أيضًا، فعن أي جحيم تتحدث؟ فهل الحادث له تأثير على قواها العقلية؟ فهو يخشى أن يكون حدث لها ذلك بالفعل.
فأقترب منها وقام بفك الضماد الأبيض الملفوف حول رأسها، فتطلعت إليه بزرقاويتيها، جعلته ربما يحبس أنفاسه لمرآها، فكم هي حقًا جميلة بل فاتنة، وخاصة أنها استكانت تحت لمساته الخبيرة في الاطمئنان على سلامة الجرح الذي أصابها، فبعد أن استبدل الضماد بآخر، تراجع عن الفراش، قبل أن تزهق أنفاسه بابتسامتها الخلابة، فأي لعنة جعلتها تأتي لمشفاه وماذا يحدث معه؟
فتلك ليست المرة الأولى التي يرى بها امرأة أو فتاة جميلة، ولكنه لم ير مثل تلك التي مازالت ترمقه بنظرات ربما وقحة بعض الشيء. وضعت ذراعيها خلف رأسها وهي تستند على الوسادة خلفها قائلة بابتسامة: –إذن فأنت طبيب هنا، فهمت الآن، ولكن لا أخفي عليك سرًا، فأنت جذاب جدًا أيها الطبيب الوسيم، فكم أتحرق للحصول على عناق منك الآن، ألا تعطني إياه، فأصرف تلك الممرضة، ما رأيك أن نحظى ببعض الخصوصية؟
فهي ليست وقحة وحسب، بل لديها جرأة تفوق الرجال، ولكن ربما ذلك عائد لنمط حياتها الغربية، حمد راسل الله، على أن الممرضة لم تفهم ما قالته. فحاول رسم ملامح الجدية على وجهه وهو يخاطبها بغضب: –ما بك أيتها السيدة، ألا تخجلين مما تقولين؟ أنت هنا بمصر وليس ببلدك الغربي، فل تتسمي ببعض الأخلاق قليلاً، إنك وقحة للغاية.
اتسعت ابتسامتها، واعتدلت بجلستها، وهي تشير بيدها للممرضة بأن ترحل، فالتفتت الممرضة برأسها لراسل لعله يفهمها ماذا تريد منها؟ حمحم راسل قائلاً بهدوء: –روحي أنتي شوفي شغلك. خرجت الممرضة من الغرفة وأغلقت الباب خلفها، فوثبت صوفيا عن الفراش، ووقفت أمامه، وكلما اقتربت خطوة، ارتد هو أخرى إلى الخلف، ولكن قبل أن تضع ذراعيها حول عنقه، قبض على أحد كفيها يمنع التصاقها الوشيك به. فصاح بها غاضبًا: –هل جننتِ؟
هل أثر الحادث على عقلك أم ماذا؟ أنتِ هنا بمشفى فلتلتزمي بالآداب المتعارف عليها.
ظن أن شده على معصمها سيجعلها تتوسم به القوة، ولترهبه قليلاً، ولكن ما زادها هذا سوى انفلات عقلها، فجذبته بيدها الحرة من ياقة قميصه، حتى صار وجهها لا يبعد عن وجهه سوى إنش واحد، فحتى إذا فتح فمه أصبح العناق واقعًا لا محالة، ولكن بدفعة قوية، جعلها تترنح بوقفتها، ينأى بجسده عنها، فالغواية كانت قريبة، والوقوع بذلك الجرم كان وشيكًا، فهو بشر وليس ملاكًا، ولكن ربما قيمه التي زرعت به، هي من جعلته يتراجع أخيرًا.
فجاءه رد فعل غير متوقع منه، فهو رفع يده وهوى بها على وجهها بصفعة قوية، جعلت وجهها يدور للجهة الأخرى، من شدة وقع الصفعة على وجنتها. عادت بوجهها له ثانية وهي جاحظة العينين، لم تصدق ما فعله بها، فدمدمت بذهول: –ماذا فعلت؟ ألا تعلم أنه بإمكاني الزج بك خلف قضبان السجن جراء ما فعلته أيها الطبيب المغرور، فمن بإمكانه مقاومة إغراء فاتنة مثلي، فأنت رجل شرقي متخلف، ربما من العصور الوسطى.
فأزالت ملامح الذهول عن وجهها، وانفرجت شفاهها الوردية بإعجاب ظاهر معقبة: –ولكن أتعلم؟ راقني ما فعلت، فل تمنحني عناقًا الآن تبدي به أسفك على تلك الصفعة التي تلقتها وجنتي المسكينة. فهو أجزم الآن، أن تلك المرأة مختلة، وليست بوعيها، فرأى أن يخرج من الغرفة أفضل من الوقوف هكذا بوجه تلك الفاتنة اللعينة، التي يخشى أن تهدم كل ما لديه من قوة وثقة وقيم أيضًا.
لم يطأ غرفتها ثانية بعد ذلك اليوم، بل جعل طبيبًا آخر يشرف على علاجها، ولكن لدهشته لم يأتيه شكوى أخرى بحقها، بل أخبرته الممرضة المسئولة عنها، بأنها صارت أكثر هدوءًا ولم تعد تثير المتاعب، مثلما كانت تفعل بأول يوم لها هنا، فلا يعلم لما ظن أنه ربما مارست جنونها على الطبيب المعالج لها الآن، ولكن هو يعلم أن ذلك الطبيب متدين ورجل له زوجة وأطفال، ويعلم أنه ليس له بمصاحبة النساء، عوضًا عن ذلك فالممرضة ترافقه منذ دخوله وحتى خروجه، أي أنه لا يظل بمفرده معها بالغرفة.
إذن لما فعلت معه هو ذلك، بخضم تفكيره وشروده، سمع طرقًا على باب غرفة مكتبه، تبعه فتح الباب، فرأى صوفيا تقف على الباب مبتسمة المحيا، فظل صامتًا وهو يراها تلج الغرفة تقترب من المكتب. فجلست على مقعد تحدق به بهدوء: –لقد جئت إليك لأبدي أسفي على ما فعلته عندما رأيتك أول مرة، فلا أعرف لما فعلت ذلك؟
فأنا آسفة، فربما يرجع ذلك لتأثير المخدر الذي جعلني أتفوه بتلك الكلمات السخيفة، وأن أتصرف بتلك الحماقة، فلتغفر لي، فأنا سأترك المشفى اليوم، ولم أشأ الذهاب قبل أن أعتذر منك على ما بدر مني. انتظر رده على ما قالته، فما كان منه سوى أن تبسم، يومأ برأسه قائلاً بهدوء وصوت رخيم: –لا عليك، فلم يحدث شيئًا، فلتعتني بنفسك ولتكوني أكثر حرصًا بالمستقبل.
بعد مغادرتها المشفى بعدة أيام، وأثناء سيره على أحد الشواطئ السياحية، التي ذهب إليها لقضاء عطلة قصيرة، لمحها تخرج من الماء بثوب السباحة الذي لم يكن يستر من جسدها إلا القليل، تشبه إحدى الجنيات وهي تخرج مبتلة الشعر، تتبختر بمشيتها بدلال، فظن بالبداية أن ما يراه لم يكن سوى حلم نسجه قلبه الراغب برؤية تلك الفاتنة ثانية، ولكن لم يكن صوتها هذا حلمًا وهو يراها تقترب منه. فتبسمت بغنج:
–مرحبًا أيها الطبيب الوسيم، لقد التقينا ثانية، وأعلم أنك كنت تريد رؤيتي، أليس كذلك؟ ظلت تحث الخطى على الاقتراب، وصوت دقات قلبه يعلو وهو يراها تقترب منه، حتى أدنت بوجهها من وجهه و... ولكن قبل أن يستكمل تذكره لما حدث بعد ذلك، سمع صوت ابنته تناديه: –بااااابي!
فارتعد بخفة بعد عودته لوقته الحالي، وهو يرى سجود تركض إليه، فرفعت ذراعيها إليه رغبة منها في أن يحملها، فأنحنى إليها وحملها عن الأرض، فوضعت ذراعيها حول عنقه، فظل يرمقها بتفحص ربما زاد هذه المرة عن أي مرة أخرى، وخاصة أن سجود كأنها نسخة مصغرة من صوفيا، ولكنه لم يستطع أن يحمل كراهية لابنته حتى وإن كانت تحمل ذلك الشبه بينها وبين تلك التي حطمت كل ما كان لديه من إنسانية.
كان يحاول هو الحفاظ عليها، بعدما كان بصغره يتلقى خيبة تلو الأخرى. فتبسم بوجه صغيرته قائلاً بحب: –سيجو، أنتي عايزة تشوفي ماما مش كده؟ إيه رأيك نروح نشوفها؟ أبتهجت الصغيرة بسماع ما قاله والدها فصرخت قائلة بحماس: –أيوه يا بابي، عايزة أشوفها! هي رجعت من السفر خلاص وهشوفها! أومأ راسل برأسه باسمًا قائلاً بإصرار: –أيوه يا روحي، هي رجعت خلاص وهوديكِ ليها تشوفيها، خلاص يلا بينا نطلع دلوقتي ننام علشان بكرة نروح نشوفها.
وضعت سجود رأسها على كتف أبيها مطوقة عنقه بمحبة، فأخذها عائدًا للمنزل، فاتجه صوب غرفته ووضعها بفراشه، وذهب للمرحاض وبعد أن انتهى من الاغتسال عاد للغرفة، فاستلقى بجوار ابنته التي ألقت برأسها على ذراعه يضمها إليه بحنان، وبعد دقائق معدودة غفت الصغيرة بحضن أبيها، وظل هو يفكر في تلك المقابلة المرتقبة، والتي لابد له من خوضها، فهو يعلم أن ربما ستكون النتائج غير مرضية، ولكن لا يملك حيلة غيرها.
بعد أن تماثلت عيناها للشفاء، وطابت بشكل نهائي، هاتفها نادر يخبرها بشأن زيارته لها اليوم، فكم هي سعيدة وهي تقف أمام المرآة تنهي ارتداء حجابها، تزداد ابتسامتها بترقب لمجيء خطيبها الوسيم، حتى وإن كانت تعلم أنه قادم أولاً من أجل معرفة ما استعصى عليه فهمه يوم الخطبة ويوم ذهابها للمشفى، ولكنها أخذت قرارها بأنها ستخبره بكل شيء، فلم يتبقى على زواجهما الكثير. ولجت الخادمة الغرفة وهي تقول بإعجاب ظاهر ومحبة:
–بسم الله ما شاء الله، زي القمر يا ست حياء، يا بخت الدكتور نادر بيكِ، هياخد عروسة بدر منورة. بسمت لها حياء بعد ذكر اسم نادر فردت بخجل: –تسلمي يا دادة، ده كله من ذوقك وعينيكِ الحلوة. سمعا صوت جرس الباب، فسرا الدم بعروقها حارًا، من فرط الخجل الذي تدفق بشرايينها، فقبل أن تذهب الخادمة لفتح الباب. سبقتها حياء قائلة بسعادة: –خليكي يا دادة، أنا هفتح الباب.
أسرعت حياء إلى الباب لفتحه، وابتسامتها تملأ وجهها، فربما يديها التي قبضت على مقبض الباب أصابتها رجفة خفيفة من كثرة حماسها المختلط بخجلها. فتحت الباب وهي مازالت باسمة، ولكن برؤيتها من يقفان على الباب، ماتت بسمتها على الفور، فدمدمت بصدمة: –أنتم......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!