أغلقت حياء الكتاب الذي بين يديها، وهي ترى زوج شقيقة والدها يفترش الأرض بجانبها. فكانت تفكر لماذا حضر إلى هنا، أو ماذا يريد منها. فجفاء عمتها معها ومع والديها جعلها تحاذر في تعاملها مع زوجها أو أولادها، خشية أن تثير مزيدًا من جفاءها الذي لا تعلم له سببًا. ابتسمت حياء بهدوء وهي تقول: –أونكل شكري، حضرتك كنت عايزني في حاجة؟
التفت شكري إليها بعدما كان يتأمل أمواج البحر التي ترتطم بالصخور، يدير مسبحته بين أصابعه. فضم حاجبيه قائلًا: –أنا كنت جايلك عشان أتكلم معاكي بخصوص الخلاف اللي بين باباكي وعمتك. عايزين نشوف حل عشان يبطلوا خناق مع بعض. هما في الأول والآخر إخوات. ابتهجت حياء بسماع ما قاله، فأسرعت قائلة على الفور: –ياريت والله يا أونكل شكري. أنا مش عارفة ليه عمتو قسمت بتعمل كده وبابا مبيحبش يزعلها. زفر شكري كأنه يحمل همًا ثقيلًا:
–عمتك طبعها صعب يا حياء. حتى في البيت برضه طبعها صعب معايا ومع ولادنا. مش عارف أعمل فيها إيه. غلبت معاها والله. أومأت حياء برأسها موافقة على ما قاله. فهي اختبرت طباع عمتها المتشددة، فدائمًا ما تتخذ صياحها وصوتها العالي في فض كل أمر ربما تراه سيعرقل طريقها. حفنة الرمال التي حملها شكري بكفه من جانبه، جعلها تتسرب من بين أصابعه. فأسرعت الرمال بالهروب من يده كلما ارتفعت يداه عن مستوى الأرض.
قبل أن تفهم حياء بكلمة، كانت بعض ذرات الرمال تتطاير، تضرب عينيها. فشهقت بخفوت وهي تفرك عينيها بألم. كأنه انتبه على ما فعلت يداه، فسارع بإبداء أسفه واعتذاره على ما فعله: –أنا آسف يا حياء. هو الرمل جه في عينيكي؟ أنا آسف. وريني كده حصلك إيه. مد يده في محاولة الإمساك بوجهها، فنأت برأسها عن مرمى يده وهي تقول: –متقلقش، هي هتبقى كويسة.
جاهدت على فتح عينيها، اللتين صارتا بلون الدم من كثرة فرك يدها بهما. فرأت أن تعود للمنزل، وتبحث عن محلول معقم للعين. فتركت مكانها وهي تقول: –عن إذنك يا أونكل شكري. حثت الخطى على الإسراع في العودة للمنزل، فعينيها ملتهبتان، وتريد شيئًا يريحها من الألم. فلم تنتبه لكتابها الذي تركته على الشاطئ. ووجده شكري فرفعه عن الأرض. فتح الكتاب وجدها تخط إسمها وإسم نادر على أولى صفحات الكتاب. فتبسم قائلًا بسخرية:
–دا باين الدكتور نادر واكل عقلك خالص. زي ما أنتي واكلة عقل اللي حواليكي يا حياء. ترك شكري مكانه وهو يحمل الكتاب معه، حتى وصل إلى إحدى حاويات القمامة، فأطاح بالكتاب من يده فاستقر وسط النفايات. فتبسم ووضع يديه في جيبه، راحلًا من المكان. ***
بابتسامة مقتضبة كانت ولاء تضع ذلك الكتيب الصغير أمام ذلك العميل الذي اعتاد المجيء للمصرف من حين لآخر، معللًا ذلك بأنه يريد التعرف على إمكانية الحصول على ربح كافٍ من أمواله التي يدخرها بالبنك، واستثمارها ببعض المشروعات التي تدر أرباحًا نقدية. فحاولت ولاء تصنع الهدوء قدر الإمكان وهي تقول بهدوء: –زي ما قولت لحضرتك. الكتاب ده هيوضح لحضرتك كل المشاريع اللي ممكن تنفع خططك في استثمار فلوسك.
رفع ذلك الرجل الكتيب بين يديه، يقلب صفحاته، ولكن عيناه ترمق تلك الفتاة التي أطرقَت برأسها في انتظار انتهائه من اختيار المشروع الملائم.
همست ولاء بداخلها بعبارات الاستياء، وهي تتمنى أن تترك مكانها. فهي سئمت تلك المهنة، التي ربما يبحث عنها الكثير، ولكنها لا تلبي مطلبها في العثور على طموحها، الذي خططت له منذ أن كانت بالجامعة. ولكنها بحاجة للمال، فلتعمل هنا حتى تستطيع توفير المال اللازم، وتبدأ بتنفيذ مشروعها الخاص الذي يمكنها من ربح نقود كافية. فهي تريد شيئًا خاصًا بها وليس تحت إمرة أحد. طال الوقت فنفذ صبرها ورفعت رأسها قائلة ببرود:
–خلاص حضرتك قررت إيه المشروع ولا لأ، لأن خلاص معاد البريك قرب يا أفندم. ألقى الرجل الكتيب من يده مبتسمًا باتساع: –طب ممكن أعزمك على الغدا أو نشرب قهوة مع بعض؟ –نعم يا أخويا. نطقت بها ولاء بخشونة وهي تلوّي شفتيها. فربما صعق الرجل من ردها الذي أفحمه وهو جالس. فهي يبدو عليها أنها ليست كالفتيات اللاتي يسعين خلف الرجال الأثرياء. لا يعلم لماذا شعر بالخوف من تحولها المفاجئ، بعد تهذيبها وصوتها الهادئ. فازدرد لعابه قائلًا
بحذر: –إيه الرد ده؟ أنا بسألك سؤال عادي والله. أشارت له بالنهوض وهي رافعة حاجبيها قائلة بصوت أقرب للتهديد: –بص يا أبو سؤال عادي. أنت أنا مليش في السكة دي. ولو أنت بتيجي هنا عشان كده، فأحسن ليك تبعد عني عشان عارف ليه. فانحنت قليلًا للأمام معقبة: –عشان أنا بإمكاني أخليك تكره صنف حواء كله. وأخليك تمشي تبص لأي ست تخاف منها.
شراستها لم تزده سوى ابتهاجًا بما يسمعه منها. فكم يحلو له كسر ذلك العناد بها. فتبسم قائلًا بثقة ربما زادت عن الحد المتعارف عليه: –وأنا بإمكاني أخليكي تجيلي خاضعة. عند تلك الكلمة، هبّت من مجلسها تتلبسها الشياطين. فبإتيانه على ذكر الخضوع، لم يزدها الأمر سوى حنقًا، كأنها تذكرت حال أبيها مع والدتها الذي لا ينفك عن إهدار كرامته. ذكرها إياها أنها لن تكون سوى أداة لمتعته، ويفعل بها ما يحلو له.
فعلاً صوتها صارخًا تلك المرة غير آبهة بما سيحدث لها لاحقًا: –اتفضل قوم امشِ من هنا. مش عايزة أشوف وشك. أنت إنسان مش محترم وزبالة. هب الرجل من مجلسه هو الآخر، يرمقها بغيظ العالم أجمع. فعلا صوته قائلًا بتهديد: –أنا هشوف شغلي معاكي. لو مخلتكيش اتطردتي من هنا، مبقاش أنا.
تركها ذاهبًا رأسًا لغرفة مدير المصرف، فطرقاته المتتالية عقبها بإدارة مقبض الباب وولج كالإعصار. فترك المدير مقعده مرحبًا بذلك العميل، الذي يعلم من يكون، هو من سوق رجال الأعمال. فاتسعت ابتسامته بترحيب: –أهلًا وسهلًا يا فؤاد بيه. اتفضل نورت البنك. لم يكن لديه الوقت على رد التحية، فلسانه سبقه بإبراز اعتراضه على تطاول إحدى موظفات البنك بحقه:
–لا أهلًا ولا سهلًا في بنت شغالة هنا قليلة الأدب ومعندهاش احترام وشتمتني. اسمها ولاء. ضم المدير شفتيه بعد سماع اسم ولاء. فهو علم الآن ما حدث. فتلك ليست المرة الأولى التي يأتيه شكوى بحقها. فهي تشاجرت مع ثلاث عملاء من قبل. ولكن استطاع هو التغاضي عن ذلك الأمر في سبيل معروف أسداه له راسل من قبل. فحاول صرف غضب ذلك الشاكي، فربت على كتفه قائلًا بهدوء:
–طب اهدى يا فؤاد بيه واتفضل اقعد. وأنا أوعدك أن هتصرف معاها لو كانت ضايقتك. –مفيش حاجة اسمها هتتصرف معاها. أنت طردها على طول. نطق بها فؤاد بغيظ من تلك الفتاة. فكرامته ثائرة ولن تهدأ، إلا برؤية تصرف جاد بحقها. ولكن ما رآه على وجه المدير، جعله يقطب حاجبيه معقبًا: –أنت مالك ساكت ليه كده؟ أنت مش قادر تطردها؟ زفر المدير قائلًا بصوت مرهق:
–هو مش عشان حضرتك قولت اطرُدها يبقى خلاص هطردها. لازم أسمع منها ومنك وأعرف اللي حصل. مش جايز حضرتك اللي ضايقتها؟ ولاء عمومًا مبتعملش مشاكل وشايفة شغلها. ومبتخرجش عن هدوئها إلا لو كان الموضوع اتجاوز حده. فقولي أنت عملتلها إيه أو قولتلها إيه.
صمته الذي طال، جعله متيقنًا من أنه هو من أثار حفيظتها منذ البداية. فهو لا يخفى عليه أن فؤاد رجل مغرم بمواعدة النساء. وربما علاقاته الغرامية الكثيرة يعلم بها القاصي والداني. لذلك لم يستبعد من ذهنه أن فؤاد أقدم على تجاوز الأمر مع ولاء، الأمر الذي جعلها تثور عليه. فهو حقًا يثني على أخلاق تلك الفتاة. فهو يعلم أنها بمثابة شقيقة راسل، وهو ممتن له كثيرًا لإنقاذه ولده عند تعرضه لحادث، وأجرى له جراحة كتب الله لها النجاح على يد راسل.
*** وضعت قسمت ما بيدها على الطاولة. فالأطباق المحمولة بالحلوى أصدرت صوت قرقعة على الصينية التي تعمدت على وضعها بغيظ. فشعر ذلك الشاب بالحرج من فعل والدة عروسه المستقبلية. فابتلع لعابه قائلًا بابتسامة مهزوزة: –تسلم إيدك يا حماتي.
رفعت قسمت شفتها العليا، وهي تضع كف يدها أسفل فكها، ترمقه باستخفاف. فطالعته من رأسه لأخمص قدميه بتقييم، كأنها أول مرة تراه وليس كونه خطيب ابنتها منذ ما يقرب من عام، وعلى وشك الزواج بها بعد أيام ليست بالبعيدة. –كل الكيكة دي يا وحيد. دي ماما عملها بإيديها عشانك مخصوص.
زحف الخجل لخد تلك الفتاة المسماة "هبة" من إجحاف والدتها بحق خطيبها. وربما بحقها هي أيضًا. فهي منذ ذلك اليوم الذي تمت به خطبة حياء، وهي لا تنفك على التقليل من حظها بالعثور على ذلك الشاب الذي لم يكن يمتلك من المال أو الثراء إلا القليل. فهو بمقتبل حياته المهنية. ولكن حبه لها وحبها له، هو ما يجعلها تفضله على أي زوج آخر. –آه يا أخويا. كل بالهنا والشفا على قلبك.
قالتها قسمت وهي ترمقه بنقم. فكلما تتذكر خطيب حياء، تزداد النيران بقلبها. فلماذا تكون ابنتها ليست سعيدة الحظ مثلها بالعثور على زوج كذلك الذي عثرت عليه حياء؟ غص وحيد بقطعة الحلوى، غير قادر على ابتلاعها. فبدأت عيناه تدمعان من اختناقه الوشيك. فبادرت هبة بإعطائه كوب الماء. رمقته قائلة بإشفاق وخوف: –خد يا وحيد، اشرب. مالك في إيه؟
ربما سعاله هو من جعله يدرك أن ربما كان على وشك الموت، إذا ظل معاندًا ومحافظًا على وجهته أمام والدة عروسه. بعد أن انتهى وضع الكوب يردد عبارات الحمد والشكر لله. فرأى قسمت تضم ذراعيها لصدرها قائلة ببرود: –ألف سلامة عليك يا وحيد. أنت شرقت ولا إيه؟ المهم ما علينا. عملت إيه في موضوع القاعة اللي هتعمل فيها الفرح؟ أنا عايزة الفرح في أحسن مكان فيكي يا إسكندرية. بنتي مش أقل من حد. حاولت هبة تخفيف وطأة الحرج عن
وحيد فتبسمت قائلة بهدوء: –وإيه لزمته الفرح يا ماما؟ إحنا نوفر فلوس القاعة ونعمله على قدنا كده. الفرح في القلب. عند هذا الحد، انتفضت قسمت من مكانها يعلو صوتها بحدة: –نعم يا روح ماما؟ مش عايزة فرح؟ دا أنتي أول فرحتي ليه خرج بيت ولا معيبة عشان ياخدك كده على السكت؟ دا لازم يتعملك فرح متعملش قبله. أنتي مش شايفة بنت خالتك خطوبتها بس كانت في قاعة عاملة إزاي. وإسمها خطوبة مش فرح.
نزلت كلمات والدتها عليها كالحجارة. فلماذا تفعل ذلك؟ فهي على علم ودراية بحبها لخطيبها، وأنها لا تريد أن تورطه بما لا طاقة له به. فهو وضع كل ما كان يملكه بتلك الشقة التي اشتراها وقام بتجهيزها. ولم ينس شراء مصوغات ذهبية لها. فهو فعل كل ما بوسعه، لتلبية مطالب والدتها التي تلتها عليه كأنها أحد نصوص الدستور الواجب تنفيذها قهرًا. تركت هبة مقعدها تقترب من والدتها لتجعلها تهدأ:
–ماما اهدى مش كده. ميصحش كده. وهو وحيد هيجيب فلوس لده كله منين؟ نفضت قسمت يد ابنتها عنها قائلة ببرود: –اللي ممعهوش ما يلزموش يا عين ماما. رأى وحيد أن ينصرف من تلك الجلسة، التي كانت بمثابة جلسة جُلدت بها كرامته. كلمات قسمت التي كانت أشد وقعًا من السياط. فهم بالمغادرة قائلًا بصوت خافت: –عن إذنكم. دمعت عين هبة قائلة برجاء: –وحيد استنى بس. هي ماما متقصدش حاجة. اصبري بس.
–لأ أقصد يا عين ماما. ولو مكانش هينفذ كل اللي قلته عليه يبقى نفضها سيرة وشيل ده من ده يرتاح ده عن ده. قالتها قسمت ببرود، وهي رافعة وجهها بأنفة خادعة. فلم تعد لديه القدرة على تحمل ما يسمعه بحقه، فأسرع بالخروج من المنزل يصفق الباب خلفه. فأنهارت قدما هبة جالسة مكانها وهي تنتحب ملء فاها على ما فعلته والدتها. ولكنها لم تأخذها الشفقة أو الرحمة بابنتها، فنهرتها بصوت غليظ:
–بطلي عياط واسكتي. أنا بعملك كرامة وبعززك. متبقيش هبلة يا هبة. رفعت هبة وجهها لها، بعدما كانت دافنة إياه بين كفيها فقالت بـنهنهة: –أنتي بتعملي ليه كده يا ماما؟ أنتي ناسيه إن خلاص أنا ووحيد مكتوب كتابنا. دا المفروض فرحنا بعد كام يوم. ليه كده؟ عايزة تبوظي فرحتي ليه؟ اقتربت منها قسمت تجذبها من مرفقيها، حتى استقامت هبة بوقفتها تقف وجهًا لوجه معها. فهتفت بها بفحيح: –وأنتي مسمية عريسك ده فرحة؟
أنتي مش شايفة حياء عريسها عامل إزاي وبيشتغل إيه؟ دا دكتور وشغال في أحسن مستشفى وساكن في أحسن منطقة فيكي يا إسكندرية. مش زي عريس الهنا بتاعك اللي مش عارف حتى يشتري حتة عربية. ولو منفذش اللي عايزاه هطلقك منه يا هبة وأجوزك سيد سيده.
ححظت عيناها وشعرت هبة بالخوف من تلك الهيئة التي ترى بها والدتها، كأنما تلبستها شيطانة ناقمة على كل ما يحدث حولها. فهي تعلم مدى الخلاف بينها وبين خالها، ولكنها لم تكن تظن أن الأمر تفاقم معها إلى هذا الحد. فالكره الذي أطل من عينيها أنبأ هبة بأن والدتها تكن كل الكراهية لحياء الآن. *** جلست وفاء تلتقط أنفاسها من ركضها خلف سجود. فهي تحاول إمساكها منذ ما يقرب الخمسة عشرة دقيقة. فإلى متى ستظل تعاني مع تلك الصغيرة؟
فمثلما تفعل بالروضة مع معلماتهن، تفعل ذلك مع كل مربية تأتي لهذا المنزل، ولا تجعل أحدًا يقربها سواها هي أو والدها أو ولاء. فأطلت سجود من خلف الستارة السميكة قائلة بصوت ضاحك: –أنا وفاء. أنا هنا. وضعت وفاء يديها على رأسها وهي ترمقها بقلة حيلة: –حرام عليكي يا سجود اللي بتعمليه فيا ده. هتموتيني ناقصة عمر. أنا مبقتش حمل الفرهدة بتاعتك دي. يلا بقى يا بنتي عايزة أروح المحل وأوديكي حضانتك الجديدة.
بسماع سجود أمر ذهابها لروضة جديدة، خرجت من خلف الستار، تمط شفتيها: –مش عايزة أروح حضانة. الأولاد هناك هيضايقوني. أشارت لها وفاء بالاقتراب. فبطيء كانت تتحرك سجود باتجاهها حتى وصلت إليها. فرفعتها وفاء تجلسها على ساقها، فرفعت شعر الصغيرة عن وجهها.
–سجود حبيبتي، لازم تتعلمي. وشوية كده وهتروحي المدرسة وهتشوفي أولاد وبنات كتير وهيبقى ليكي أصحاب كمان. بس أنتي متتخانقيش مع حد يا سجود. أقولك هجبلك شوكولاتة وأنتي أديها لأصحابك في الحضانة وخليكي شطورة. وهم هيحبوكي ومش هيضايقوكي وهيلعبوا معاكي. قالت وفاء حديثها رغبة منها، في أن تفهم الصغيرة أهمية وجودها وسط أطفال بمثل عمرها، خاصة بتلك المرحلة العمرية. أومأت الصغيرة برأسها موافقة. ولكن قبل أن تترك ساق جدتها،
رمقتها قائلة ببراءة: –أنا وفاء. هي ماما سافرت ليه وسبتني أنا وبابا؟ هي مش بتحبنا؟ قبل أن تفهم وفاء بكلمة، سمعت سجود صوت أبيها يناديها بصرامة: –سجود كفاية كلام ويلا عشان تروحي حضانتك. وإياكي المرة دي تعملي مشاكل. مفهوم؟ وبطلي تجيبي سيرة مامتك كل شوية. ماشي؟ تلك هي المرة الأولى التي ترى بها أباها يحدثها بصرامة. فتكونت الدموع بعينيها، وركضت من أمامه تصعد الدرج للأعلى حتى تصل لغرفتها. فرمقتها وفاء بعتاب:
–ليه كده يا راسل؟ وهي ذنبها إيه؟ هي طفلة وطبيعي تسأل عن أمها. بلاش قسوتك دي مع بنتك كمان. عارفة إنك مبتحبش تسمع سيرة صوفيا بس... قبل أن تكمل حديثها، انتفخت أوداجه، فكور قبضة يده قائلًا من بين أسنانه مغمغمًا: –مش عايزها تسأل عليها تاني. مش عايز أفتكرها ولا عايز أسمع اسمها في البيت ده تاني. مفهوم؟
كأنه نسي مع من يتحدث. فلامته وفاء بعينيها على حدته، التي نالت منها هي الأخرى نصيبها. ولكنها تضع له من الأعذار ما يجعلها تتغاضى عن فعلته. فهتفت به بشفقة ولطف:
–حبيبي حاول تنسى اللي حصل. مش هتعيش عمرك كله بالشكل ده. وأنك عامل زي القنبلة اللي هيقرب منها هتنفجر في وشه. أنت مكانش في أطيب من قلبك وحبك وخوفك على اللي حواليك. بقيت حد تاني واخد بس الاسم والشكل من راسل القديم. لكن اللي واقف قدامي حد تاني بقيت أنا نفسي معرفوش. بتحاول تداري الوجع ورا زعق وقسوة وبرود. وأنت لو فضلت كده هتخسر اللي باقي ليك يا راسل.
استمع لحديثها للنهاية. فبأصابع غاضبة حل أزرار قميصه الأولى، كاشفًا عن صدره يدمدم بسخط وهو يشير لآثار الندوب بجسده:
–لو أنا نسيت دول هيفكروني يا ماما. هيفكروني بالكدبة اللي عشتها وصحيت منها على كابوس ومش عارف ليه حصل ليا أنا كده. عايزاني أنسى يبقى تمحي الذكريات دي من عقلي وخلي جروح قلبي قبل جسمي تخف. ساعتها ممكن أنسى وأرجع راسل القديم. محدش حاسس بيا وبالوجع اللي أنا فيه. كل ما أبص لنفسي في المراية. وعشان أريح حضرتك أنا بقيت كده وهفضل كده ومش هتغير. مش هتغييير.
علا صوت صياحه بوجه وفاء. فشعر برعونة تصرفه. فأسرع يبدي أسفه وهو يأخذ يديها بين راحتيه يعكف عليهما مقبلًا بحب وندم: –ماما أنا آسف أن علت صوتي عليكي. أنتي كمان سامحيني.
أخذته بين ذراعيها، فأنحنى إليها لفارق الطول بينهما. فظلت تربت على ظهره. فعلقت عيناه بالجدار، كأنهما خاليتان من الحياة. ولكن لا يعلم لماذا أخذته الرغبة في الذهاب لذلك المبنى بالباحة الخلفية للمنزل. فتركته وفاء تصعد الدرج لترى الصغيرة وتحاول صرف غضبها مما فعله والدها.
وقف أمام مقبض باب تلك الغرفة بذلك المبنى الملحق بالمنزل. وضع يده بداخل سترته، وأخرج مفتاحًا وضعه في مقبض الباب بتردد. ولكن حسم أمره بالأخير وأدار المفتاح بالمقبض. فسرعان ما انفتح الباب، ولج للداخل وضغط زر الإنارة المثبت بالحائط.
أضيئت الغرفة بضوء شحيح. فتلك الغرفة لم يطأها بقدمه منذ ما حدث. فالغبار تراكم على أثاث الغرفة، وكذلك تلك اللوحات، والتماثيل الجيرية، التي لم تنتهِ بعضها بصورة نهائية. وخاصة ذلك التمثال، الذي غطاه بيدها منذ تلك الليلة ولم تقربه يد. فهو يعلم من يكون صاحبه. فتلك الساعات التي كان يجلس بها أمامها من أجل نحت تمثال له، ما زال متذكرًا إياها.
ذلك الإطار الذهبي، الذي يقبع بداخله صورتها، تشابكت عليه خيوط العنكبوت. فمد يده يزيلها، ومسح بيده الغبار حتى انكشفت الصورة أولًا عن عينيها. تلك العينين الزرقاوين اللتين أورثتهما لسجود، لتتضح بعد ذلك ملامح وجهها كاملة. من شعر أشقر بلون النحاس، وبشرة بيضاء أكسبتها لونًا ذهبيًا خفيفًا من مكثها بالشمس. أنفها الصغير، وفمها المتناسق مع وجهها لينتج بالأخير امرأة فاتنة الجمال والمحيا.
غلى الدم بعروقه عندما رأى تلك الابتسامة التي تزين ثغرها المغري، الذي ما زال متذكرًا كيف كان قادرًا على سلبه كافة سبل الرفض لأي شيء تريده؟ فكانت كلعنة أصابته بيوم ما زال يتذكره، وما زال يعاني من أثرها حتى اليوم. فتتابعت أنفاسه بسخط عارم: –ليه يا صوفيا اللي حصل ده؟ لييييه؟ كان ذنبي إيه غير إني حبيتك؟ بس طلعتي متستاهليش.
أخذ الصورة بين يديه، وألقاها أرضًا يتلف زجاج الإطار، يدعسها بقدميه وهو يغادر الغرفة. فخرج وأغلق الباب خلفه ووضع المفتاح بجيبه، وذهب لمرآب السيارات يستقل سيارته للذهاب للمشفى. ***
بعد قضاء تلك الساعات بغرفة الجراحة، ومقاومتها المستميتة في الحفاظ على رباطة جأشها، وأن تمنع عبراتها من أن تكسر محجر عينيها، وخاصة وهي ترى ذلك الصغير المدرج بدمائه، والتي عملت يد راسل على إنقاذه بفضل الله من موت محقق كانت تتيقن منه بين الفينة والأخرى.
تبعته لغرفة مكتبه، تترصدها أعين الممرضات الفضولية، لمعرفة سبب مجيء تلك الفتاة وصوت نهنتها التي سمعها كل من كان بغرفة الجراحة. ولم يقدم راسل على طردها مثلما يفعل مع أي أحد يرى أنه سيتسبب في تشتيت انتباهه. جلست على الأريكة، ووضعت وجهها بين كفيها وبدأت تبكي ثانية. فزفر راسل بثقل وجلس بجانبها يجذبها إليه. فوضعت رأسها على صدره مغمغمة بأعين ممتلئة بالدموع:
–الطفل كان هيموت يا راسل. كان هيموت في أي لحظة. أنت إزاي كنت متماسك كده؟ ربت راسل عليها قائلًا بمهنية: –لأن الجراح يا ميس لازم يبقى كده. أومال أنتي مفكرة إيه؟ وإزاي عايزة تبقي دكتورة جراحة وأنتي كل ما تشوفى حالة هتعيطي؟ أنتي كنتي خليكي دكتورة أسنان أحسن. أفلتت ضحكة خافتة من بين شفتيها، وهي تبتعد برأسها عن صدره مغمغمة:
–أنت بتتريق عليا يا راسل. أنت أصلًا متعرفش في الكلية في التدريب كنت بعمل إيه. كنت بقضيها عياط. أنا مش عارفة ليه دخلت كلية الطب أصلاً. يمكن من حبي فيك دخلتها. غرز يده بشعره مغمغمًا بإرهاق: –أهو زمان الدكاترة والممرضين هيموتوا ويعرفوا أنا سبتك تكملي معايا ليه ومخلتكيش تخرجي برا. أنا عارف أنك هتجيبيلي الكلام. مش كفاية القصص والحواديت اللي بيألفوها عليا. شعرت برعونة وسخافة أفعالها، فحدقت به بأسف:
–أنا آسفة يا راسل لو هعملك مشاكل مش هاجي تاني. رفع راسل وجهه لها. علم أنها ربما تبكي ثانية، وهذا ما لا يريده بوقته الحالي. فتبسم بوجهها قائلًا: –حبيبتي أنتي تيجي في أي وقت. بس بلاش بقى حساسيتك الزايدة دي. عايزك قوية. ويلا كمان عشان تروحي. كفاية عليكي كده. وعايز أروح أنا كمان. حاسس إني مرهق أوي. أومأت ميس برأسها عدة مرات قبل أن تقول: –تمام يلا بينا. وعلشان توصلني كمان. أهو استغلال بقى. فكر راسل متسائلًا:
–ليه جدك مش باعت معاكي جيش حراسة كالعادة؟ نهضت ميس عن الأريكة، وخلعت الرداء الطبي الأبيض، تبحث عن حقيبتها التي سبق لها وضعها هنا بالغرفة. فألتفتت برأسها إليه: –لأ باعت معايا وزمانهم برا قدام المستشفى. بس عايزة أنت توصلني ومش هترفض زي كل مرة. وأي واحد من الحرس يسوق عربيتي. يلا بقى. جذبته من يده قبل أن يبدي اعتراضه، فسألها أن تمنحه عدة دقائق ليكون على استعداد لمرافقتها.
بعد ذلك بساعة تقريبًا، كانت سيارة راسل تعبر بوابة القصر، حتى وصلت للباب الداخلي، تتبعها سيارة الحراسة. بمكانه المعتاد بحديقة القصر، كان رياض جالسًا غير آبه ببرودة الطقس بذلك اليوم الذي اشتدت برودته. لمح تلك السيارة التي يعلم لمن تكون، فأشار لحارس يقف على مقربة منه. فأدنى الحارس بجذعه العلوي منه، فهمس له رياض بكلمات، أسرع الحارس على أثرها لتنفيذ ما طلبه منه. فأقترب من سيارة راسل وقبل أن تترجل ميس من السيارة قائلاً
بصوته الخشن: –دكتور راسل انزل. رياض باشا عايزك. زفر راسل بضيق، يرمق ميس التي تحاول أن تواري وجهها عن مرمى عينيه المتقدتين بغيظ عظيم. ولكن حسم الأمر، بأن فتح باب السيارة من جانبه، وترجل منها يقترب من رياض. ظلت عين رياض ترمقه بتقييم حاد، وخاصة وهو يمشي بخيلاء. فإذا أطاع أمره الآن، فهو يعلم ما تنطوي عليه ملامح وجهه المتجهمة.
وقف راسل على مقربة منه، تتبعه ميس التي بادرت بالاقتراب من جدها، تقبله على وجنته، تتخذ مكانها بجواره. –أفندم يا رياض باشا. قالها راسل ببرود، ينتظر أن يخبره بأي شأن يريده حتى يعود لمنزله. فأشار له رياض بطرف إصبعه من يده المستندة على عصاه: –اقعد. –مش عايز أقعد. أنا مش فاضي. عايز أروح. فقول اللي عندك وخلصني.
نطق بها راسل بصوت عالٍ. ولكن عندما انتهى من عبارته الهجومية، وجد عدة رجال يطوقونه بأسلحتهم النارية، كأنه افتعل جرم عظيم، بأن يخاطب سيده بتلك الضراوة. ولكن لم يبدو عليه الخوف، بل ظل يرمق رياض بتحدٍ سافر. فهو حتى لم يكن يعنيه، إن خرج أحد الحراس عن تحفزه، وأطلق عليه رصاصة غادرة. ولكنه متيقن أن لن يفعل أحد منهم ذلك، قبل أن يتلقوا أمرًا بذلك من رياض. التوى ثغر رياض الذي خط بجانبه تجاعيد المشيب بابتسامة:
–مش هتبطل قلة أدب أبدًا يا راسل؟ ولا لسانك الزفر ده اللي أقوى من زفارة السمك نفسه. تبسم راسل بسخرية: –من بعض ما عندكم يا رياض باشا. سلام بقى عشان متأخرش على أمي وبنتي. تحرك راسل خطوتين، ولكن قبل أن يبتعد أكثر، سمع صوت رياض قائلًا بسخرية مماثلة: –ابقى سلملي على أمك يا راسل. كف راسل عن السير، فالتفت برأسه إليه، وعيناه تقدح شرًا: –من عينيا حاضر. هسلم لك عليها يا رياض باشا.
فعاد وأكمل طريقه إلى سيارته، ودماؤه تضخ حارة بجسده، حتى شعر باختناق، وأن برودة الجو أصبحت كلسعات الشمس الحارقة، من فرط غضبه. فكيه اللذان طحنهما ببعضهما حتى شعر بألم في أسنانه. لم يكن ذلك كافيًا لتنفيس تلك الكراهية التي تسري بعروقه مع دمائه جنبًا إلى جنب. ***
مر يومان، وما زالت عيناها تؤلمها. فكافة السبل التي اتخذتها من أجل علاجها باءت بالفشل في النهاية. فما تلك الصدفة التعيسة التي جلبت زوج عمتها للشاطئ، وحدث لها ما حدث. فهي رفضت مجيء نادر لرؤيتها، وخاصة أنها تجلس بغرفتها تعالج عينيها بالمحاليل المعقمة، وبتلك الكمادات من الماء البارد. ولجت مديحة الغرفة فصاحت بها باستياء: –وبعدهالك يا حياء قومي نروح المستشفى ولا لأي دكتور عيون؟ أنتي دماغك ناشفة ليه كده؟
أنتي عارفة إن عينيكي حساسة وبتلتهب من أقل حاجة. ليه بقى بتعاندي؟ ضغطت حياء على عينيها قائلة بتعب: –يا ماما أرجوكي كفاية بقى. هي إن شاء الله هتخف. متقلقيش. ولج عرفان الغرفة على أثر سماع صوت زوجته، فرمق حياء بصرامة هو الآخر: –حياء اسمعي كلام مامتك. يلا هنروح حتى المستشفى اللي شغال فيها نادر. أكيد في دكتور عيون هناك. ومش عايز أسمع كلمة. عندما حاولت فتح فمها للاعتراض، سبقتها والدتها بالقول: –متناقديش معانا. قومي يلا.
استسلمت حياء لقول والديها، فتركت فراشها، واتجهت لغرفة الثياب. انتقَت منها ثوبًا وحجابًا. أثناء نظرها بالمرآة، رأت تلك الخطوط الحمراء التي تجمعت بعينيها. فوالداها محقان بشأن إصرارهما. فأخذت إحدى نظاراتها السوداء وأرتدتها.
صف عرفان سيارته أمام المشفى، فترجلت حياء وتأبطت ذراع والدتها، حتى وصلا للداخل. فبعد السؤال عن دكتور خاص بالعيون دلتهم إحدى الممرضات على الغرفة الواجب عليهم الانتظار بها حتى مجيء الطبيب من أجل فحص أعين حياء. سمع عرفان صوت هاتفه، فأخرجه من جيبه. فنظر لزوجته وحياء: –دا تليفون من المصنع. هخرج برا أرد على التليفون وأشوف الدكتور ده اتأخر ليه.
أومأت له مديحة برأسها، بينما أغلقت حياء عينيها من خلف النظارة، كأنها على وشك النوم. بعد مرور عشر دقائق، أصاب مديحة السأم فهبت واقفة وهي تقول: –هو باباكي اتأخر ليه كده؟ هخرج أشوف فيه إيه. والدكتور ده كمان اللي شكله هنستناه للصبح. وأنتي مش راضية تخلينا نكلم نادر نشوفه. فنزفرت حياء بخفوت. فهي لم تشأ أن تثير قلق نادر ولا أن تتسبب في تعطيله عن عمله ويتلقى اللوم من مديره. لذلك ترجت والديها بألا يخبراه بشأن ما حدث لها.
ردت حياء بهدوء: –لأن يا ماما ممكن يكون دلوقتي عنده كشف أو في أوضة العمليات. مش عايزين نعطله. تمنت أن تكون حجتها كافية لإقناع والدتها. فخرجت مديحة لرؤية سبب ذلك التأخير غير المبرر. عادت حياء تستند برأسها على الجدار خلفها، وأغلقت عينيها ثانية. ولا تعلم لماذا شعرت بحاجتها للنعاس. فباليومين الماضيين، لم تأخذ كفايتها بسبب شعورها بألم عينيها. سمعت صوت الباب يفتح، فقالت دون أن تفتح عينيها: –خلاص يا ماما الدكتور جاي؟
لم تستمع لرد. ففتحت عينيها بفزع بعد رؤية من ولج لتوه. فتأتأت بحروفها قائلة بتلعثم ظاهر وببلاهة أيضًا: –هـ هو أنت دكتور العيون؟ قطب راسل حاجبيه بغرابة من قولها. ولكنه لم يعقب على قولها بالرفض. فهي إذا لا تعلم بأي تخصص هو يعمل. ولا تعلم بكونه جراح وليس طبيب عيون. طرأت فكرة برأسه. فتظاهر بالجدية قائلًا وهو يجلس خلف المكتب الموضوع بالغرفة: –أيوه. أنا دكتور العيون. خير يا آنسة حياء مالها عينيكي؟
فما لتلك الصدف غير السعيدة التي تحدث معها بتلك الآونة الأخيرة. ولكن ألم عينيها جعلها ترضخ لقوله. فنزعت نظارتها قائلة بألم: –عيني زي ما أنت شايف كده ملتهبة جامد عشان دخل فيها رمل وبقالها يومين كده. واستخدمت قطرة ومحاليل معقمة للعين بس برضه بتوجعني. رأى عينيها الدامعتين. فأنتفض من مكانه يقترب من مقعدها، وهو يحدق بعينيها ربما بمهنية جادة: –يا خبر! أنتي عنيكي فعلاً ملتهبة جامد. إزاي تسيبى نفسك كده يا حياء؟
وهو فين دكتور العيون ده كمان؟ حسابه معايا. بقالك قد إيه مستنياه؟ هنردت حياء قائلة بعدم فهم: –بقالي أكتر من ١٠ دقايق بس. ثواني! مش أنت بتقول إنك دكتور العيون؟ كنت بتضحك عليا؟ انتفضت من مكانها بغضب، من تلك الخدعة التي مارسها عليها. فهي ليست بوقت للمزاح. فعلا صوتها معقبة بغضب: –يعني كنت بتضحك عليا يا دكتور راسل؟ أنا عايزة أعرف إيه لازمة إنك تكذب عليا دلوقتي. مش عيب كده عمايلك دي يا دكتور يا محترم؟
أنا مشفتش برود من حد زيك كده أبداً. كثرة انفعالها، جعلت الدموع تفر من عينيها. مسحتها بأصابعها. فسحب محرمة ورقية من تلك العلبة الموضوعة على المكتب. فمد يده لها بها وهو يقول ببرود مزعج: –خدي منديل أهو امسحي دموعك. أنا مش عارف كل ما تشوفي وشي بتتعصبي ليه يا حياء؟ –عشان أنت بني آدم يعصب اللي ميعصبش. ولمت بشوفك دمى بيغلي. وأنا أساسًا مش عايزة أشوف وشك لا في الواقع ولا حتى في الحلم. تبسم ابتسامة ذات مغزى وهو يهتف بها:
–أفهم من كده إنك كمان بتحلمي بيا يا حياء؟ مصيبة. لتكوني بدأتي تحبيني. دا كده نادر يزعل. اتسعت طاقة أنفاسها، وتصاعدت أنفاسها بغضب أعمى. فهي لم يزعجها أحد بحياتها مثلما يفعل ذلك الراسل. لم تكره أحدًا من قبل مثلما تشعر بكرهها المتزايد له مع كل نفس تتنفسه. فكأن الهواء يدخل رئتيها معبأ بالبغضاء له. فعضت على نواجذها، تتصنع الهدوء فتساءلت: –أنت بتعمل ليه كده وعايز مني إيه بالظبط؟
ما هو مش معقول مضايقتك ليا دي من غير سبب. فقولي عايز مني إيه؟ التوى ثغره الرجولي بابتسامة قائلاً بهمس مثير: –عايزك يا حياء.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!