خبت ابتسامتها شيئاً فشيئاً، وهى ترى زوجان من العيون ترمقها بملامح مكفهرة من الغضب، فعلمت أنه سيثار العديد من المشكلات الآن، ربما يصاحبه صياح هذان الشابان اللذان لم يكونان سوى أبناء الخادمة التى تعمل لديهم، فهى على علم ودراية بشأن رفضهما لعمل والداتهما لديهم أو لدى أحد آخر، حاولت أن تبتسم، فلم تفلح فى فعل ذلك، فما كان منها سوى أن دعتهما للدخول. رفعت يدها تشير لهما بهدوء: –أهلا وسهلا أتفضلوا.
ولج الإبن الأكبر يتبعه شقيقه الذى يصغره بعامين فقط، فقبل أن يصلا لمنتصف الصالة، طالعها الأكبر سناً شرزاً فهتف بها بغيظ لم يفلح بكظمه: –فين أمى لو سمحتى عايزينها.
حاولت حياء تهدئة الوضع، حتى تتجنب الخادمة صياح أبناءها عليها، فهى رأت ذلك من قبل، وكم من مرة عانت الخادمة من مر الشكوى من أبناءها، فهم لا يتركوها بحالها، فهما يضيقان عليها الخناق، على الرغم من جفاءهما بمعاملتها، وإلهاء كل منهما بحياته الخاصة، وتركها بدون أنيس ولا جليس يرعاها. بإبتسامة هادئة حاولت إسكانها بين شفتيها، كانت حياء تحدثهما بهدوء كعادتها دائماً:
–أنا عارفة أنتوا جايين ليه وعارفة أنكم زعلانين علشان مامتكم بتشتغل هنا، بس هى هنا مش شغالة دى تعتبر واحدة من أهل البيت. صاح الإبن الأصغر سناً: –إحنا أمنا متشتغلش خدامة عند حد، هى فين؟ خليها تجى دلوقتى حالاً.
فربما كانت حياء ممتنة، لعدم خروج أبويها من الغرفة حتى الآن، حتى لا يصير الموقف أكثر تأزماً، فكل من بالمنزل يكنون محبة خالصة لتلك الخادمة التى عملت لديهم منذ سنوات طوال، وكم من مرة حال عرفان بين أن تحدث مشكلات بينها وبين ولديها، فكان حريصاً على أن يخمد ثورتهما عليها بكل مرة يأتون بها إلى هنا. هرولت الخادمة بعد سماع صوت ولدها الصغير، ففركت يديها بجلبابها وهى تقول وعيناها على وشك البكاء:
–أنتوا إيه اللى جابكم هنا دلوقتى وعايزين إيه، دا أنا بقالى ٦ شهور مشوفتش وش حد فيكم، ولا حد سأل فيا، عايشة ولا ميتة، كل واحد فيكم ملهى بحياته ومراته وعياله. فأكملت بدموع لم تفلح بكبتها: خلاص سيبونى بقى فى حالى، على الأقل لو مت فى حد هيعرف، مش زى ما انتوا عايزين تحبسونى فى البيت ولو جرالى حاجة محدش هيحس بيا.
فرت دموعها على وجنتيها، من تلك القسوة التى اختبرتها من ولديها، اللذان عكفت على تربيتهما ونشئتهما بعد وفاة زوجها، حتى أصبح كل منهما شاباً متزوجاً ولديه أطفال، وكأن صلتهما بها اقتصرت إلى هذا الحد، متناسيان أنها والداتهما، ولها الحق برعايتهما لها، فالله ورسوله أوصى ببر الأم، فالجنة تكمن تحت قدميها، ولكن ربما هما متغافلان عن ذلك. أقتربت منها حياء تطوق كتفيها، تربت عليها بحنان: –بس يا دادة أهدى ومتعيطيش.
طالعتها الخادمة بنظرات محبة، فهى عملت هنا بالمنزل عندما كانت حياء بالسادسة من عمرها، فعوضاً عن أن تجد المواساة من ولديها، تجدها من ما لا يجمعها بهم سوى المعروف والمودة. تدخل الإبن الأكبر، غير راضياً عن ذلك المشهد الدرامى الذى رأى أنه ليس بمحله الآن، فتأفف بصوت مسموع وهو يقول:
–يا أمى مينفعش كده، شكلنا إيه قدام الناس لما يعرفوا إن أمنا بتشتغل خدامة فى البيوت، عايزة تضيعى سمعتنا قدام الناس وخصوصاً إن إحنا دلوقتى مبقناش زى الأول وعندنا شغلنا ووضعنا قدام الناس. –وماله بقى شكلكم قدام الناس، بقى هى أمكم لاسمح الله بتعمل حاجة غلط أو حرام؟ قالها عرفان وهو يخرج من غرفته، برفقة زوجته بعد سماع صوت صياح بالخارج، فخرج من الغرفة ليعلم ما يجرى بالخارج.
بسماعهما تلك العبارة التى اخترقت مسامعهما من عرفان، تخلى كل منهما عن تصلبه برأيه، وخاصة أن عرفان هو من ساعد كل منهما على أن يصل إلى ما صار عليه الآن. فأحنى كل منهما رأسه قليلاً، وهما يران عرفان يتقدم منهما، ولم يكن ما أبداه كل منهما من إحترام، سوى الحفاظ على تلك المساعدات التى لم يبخل عرفان بتقديمها لهما عند الحاجة. فأزدرد الأبن الأصغر لعابه قائلاً:
–ماهو مينفعش أبقى أنا مهندس وأخويا محامى قد الدنيا وأمنا لسه شغالة فى البيوت، أنت عارف إن الحياة مظاهر يا عرفان بيه. إبتسمت مديحة بسخرية مما تسمعه فردت قائلة بتساؤل:
–طب طالما أنتوا شايفين كده وعايزين أمكم تفضل فى البيت مبتسألوش فيها ليه، وسايبنها لوحدها ليه، عايزينها تقعد بين أربع حيطان تكلم نفسها، على الأقل هنا بتلاقى حد بتتكلم معاه، تحس انها عايشة وسط ناس، طالما أنتوا بتبخلوا عليها بده، وهى هنا من أهل البيت وغلاوتها محفوظة عند الكل، ولو حد سألكم قولوا أنها قريبتنا لو بتتكسفوا.
شعور عارم بالفخر اجتاح حواسها، وهى ترى دفاع أبويها المستميت بالحفاظ على كرامة تلك المرأة التى لم تخلو عيناها من حمل عبارات الشكر والامتنان لهما على أنهما أقدموا على الدفاع عنها أمام ولديها، اللذان تملك منهما الجحود، فبعد نصف ساعة، انصرف الشابان بعد أن خابت كل محاولاتهما بأخذ والداتهما، ورفضها هى ذاتها بأن تذهب معهما.
فهى تعلم ما سيفعلان بها، فسيتركناها بمنزلها مع عدة وعود واهية بالمجئ إليها، ويذهب كل منهما، ولا ترى وجه أحد منهما ربما لمدة أشهر طويلة، فتلك ليست المرة الأولى التى يحدث بها ذلك، فهى سأمت هذا منهما، فلتظل هنا بهذا البيت، الذى لم تلقى به سوى كل محبة ومودة لها من ساكنيه. ***
صوت حذاءها وهو ينقر الأرضية المرصوفة أمام أحد المقاهى، ربما صارت دقات قلبها أكثر صخباً عنه من الترقب بسبب إلحاح خطيبها بالطلب لرؤيتها، خاصة أنه لم يأتى لمنزل أبيها ثانية بعدما ساهمت والداتها فى تثبيط عزيمته، بشأن إقامة زفاف باهظ التكاليف مثلما تريد.
رأته جالساً على إحدى الطاولات، يرتكز بمرفقيه على الطاولة يستند بذقنه على يديه المضمومتين، حاولت تنظيم أنفاسها المتسارعة من شدة خوفها مما تنسجه بمخيلتها الآن، من أنه ربما سيضع حدًا لزيجتهما، فهى تعلم أنه إذا كان ظل صامتاً على أفعال والدتها، فهو لم يفعل ذلك سوى إكراماً لها ولحبهما. انتبه على صوت جر أحد مقاعد الطاولة، فرفع وجهه، وجد هبة تبتسم له بتوتر وهى تقول: –وحيد خير، في إيه؟
طلبت منى أجيلك هنا، ليه مجتش عندنا البيت؟ أكفهرت ملامحه بإتيانها على ذكر ذلك المنزل، الذى لم يلقى به سوى مهانة مبطنة خلف حديث قسمت الساخر معه. فرد قائلاً بنزق: –عيزانى أجى البيت عندكم وأمك تسمعنى كلامها اللى زى السم ده؟ أنتى مفكرانى إيه، لو بسكتلها فده احتراماً بس لسنها وعلشان هى تبقى حماتى، غير كده والله كنت رديت عليها، أنا مش جاى من الشارع علشان تعمل معايا كده.
نظرت هبة حولها بحرج، وهى ترى أعين الناس الجالسين مسلطة عليهما، خاصة بعد إرتفاع صوت وحيد الساخط. فأزدرت لعابها قائلة بصوت متحشرج: –طب إهدى يا وحيد، صوتك عالى والناس بدأت تتفرج علينا.
بدأت عيناها تتكون بهما سحابة من العبرات التى حملت كل منها صورته الغاضبة بداخلها، فتأفف من ذاته على سخافة فعله، فهو لا يريد بها سوءاً أو هماً، فتلك الفتاة هى عشقه عندما كان بعمر العاشرة، وكم كانت سعادته بالغة، عندما تقدم لخطبتها وعقد قرانه عليها، ولكن لا يعلم لما انحرفت مسار أحلامه، بتدخل والداتها الغير مرغوب منذ البداية، فهو أبتلع كل إهانة منها فى سبيلها، ولكن لكل إنسان طاقة من الصبر، فإن نفذ مخزون صبره، تصبح النتائج وخيمة.
فأبدى أعتذاره قائلاً بحنان: –أنا أسف يا هبة، بس بجد مبقتش قادر أستحمل عمايل مامتك أكتر من كده. أماءت هبة برأسها تفهماً: –عارفة والله يا وحيد أنك مضايق، بس مش عارفة أعمل ايه ولا ليه ماما بقت مصممة بالشكل ده على الفرح فى قاعة غالية، حتى قالتلى لو مش هتعمل اللى هى عيزاه هتطلقنى منك، وتجوزنى واحد تانى. تعى فداحة قولها الذى لم تنتبه عليه، إلا بعد رؤيتها حدقتيه تتسعان؛ ليحملق بها فاغراً فاه كأن أحد صعقه بالكهرباء. فخرجت
كلماته تحمل صدمة قوية: –تطلقك منى وتجوزك حد تانى! دا اللى هو إزاى يعنى؟ وهى مفكرة أن أنا هطلقك لو طلبت منى ده؟ دى أمك بتحلم يا هبة. ضربة قوية من كفه العريض على الطاولة، أحدثت صوتاً أرتجف له بدنها، فحتى وإن خشيت غضبه وثورته، لا تنكر شعورها بالسعادة كونه مستميت بالحفاظ عليها كزوجة. فوضعت رأسها بين راحتيها تدمدم بصوت منخفض: –طب هنعمل ايه دلوقتى يا وحيد قولى. –أنتى تجيبى شنطتك وتيجى على شقتنا.
قالها وحيد بهدوء، فرفعت رأسها تحملق به بعدم فهم. فقطبت حاجبيها قائلة بتساؤل: –يعنى إيه أجيب شنطتى وأجى على شقتنا؟ عايزنى أهرب من بيت بابا؟ رفع وحيد حاجبيه قائلاً بغرابة: –تهربى! هبة يا حبيبتى أنتى مراتى فاهمة يعنى إيه ومكنش فاضل إلا الفرح بس وتيجى على الشقة، بس طالما امك واقفلنا فى الموضوع، فسيبك منها بقى وتعالى نعيش فى شقتنا. تراجعت بجسدها تستند بظهرها على المقعد، فأطرقت برأسها أرضاً:
–مقدرش يا وحيد أعمل كده، لازم اخرج من بيت بابا برضاهم، مش ان أحطهم قدام الأمر الواقع، مش عيزاهم يغضبوا عليا. زفرة مستاءة أطلقها وحيد من فمه، فهتف بها بنفاذ صبر: –بصى يا هبة أنا اللى عليا عملته، وأستحملت وأنا سايبلك حرية الاختيار، وأنتى يا بنت الناس اللى أنتى عيزاه هعملهولك حتى لو عيزانى أطلقك يا هبة.
لم يزد كلمة واحدة، فأشاح بوجهه عن مرمى عينيها، فتساقطت دموعها سخية على وجنتيها، فأخذت حقيبتها تفر من المكان تسرع الخطى بالذهاب، ترك مكانه ليلحق بها، فتباطئ قليلاً لدفع ثمن المشروبات، ولكنها أسرعت بالاشارة لأحد سيارات الأجرة، وأتخذت مكانها بها، تأمر السائق بالانطلاق. –هبة هبة استنى.
سمعت صوته يناديها، ولكن صوت شهقاتها كان يصم أذنيها، وهى ترى أحلامها تحترق أمام عيناها، فهى حقاً لا تلومه، بل تلوم والداتها التى وضعتها بمنتصف طريق لا تعلم أى منهما تتخذه، لتريح كلا الطرفين، فهى لا تريد خسارة زوجها، ولا تريد غضب والدايها، فحتى والداها وإن كان يقف بصفها، فهى على ثقة تامة أنه ليس من المستبعد، أن يغير قراره، إذا ألحت والداتها بالأمر. ***
تلك المرة أسرعت الخادمة بفتح الباب بعد سماع صوت الجرس، فربما الزوج المستقبلى لحورية ذلك المنزل، قد وصل الآن، ولج نادر للداخل بعد إبتسامة أهداها للمرأة التى رحبت بقدومه، فهى تعلم ما مكانته بنفس حياء، التى تكن لها محبة الأمهات لبناتهن. وقفت حياء باسمة بخجل: –أهلا يا نادر أتفضل.
جلس نادر في مقعد ليس ببعيد عن مقعدها، الذى عادت لتجلس عليه، بينما تركها أبويها يجلسان بمكان ليس ببعيد، ليتركا لها حرية التحدث مع نادر، فهى سبق وأخبرت أبويها بشأن سوء الفهم، الذى انطبع بذهنهما يوم ذهابهم إلى المشفى، ولا تنسى كيف كانت رد فعل والدايها، عندما أخبرتهما بشأن أنها كانت ستلقى حتفها بشكل خاطئ.
فمديحة ظلت تبكى وقتاً طويلاً، حتى ظنت أنها تبالغ برد فعلها، وعرفان أنتفخت أوداجه حينها، مصراً على الذهاب لراسل، لاتخاذ إجراء قانونى بحقه، ولكن إستطاعت هى إخماد غضبهما، مشددة على أنه لم يكن واعياً لما يفعل، وأنه ليس خطأه ولكنه خطأها لأنها هى من ولجت الغرفة وهبت لمساعدته، ولا تعلم لما بادرت بالدفاع عنه، بالرغم من بروده ورفضه إبداء أسفه على فعلته. رفع نادر رأسه يرمقها بهدوء:
–قوليلى بقى يا حياء ايه موضوع الدكتور "راسل صفى الدين" بالظبط. أنصت إليها باهتمام. فبدأت بسرد أحداث ذلك اليوم، عندما قابلته لأول مرة، وكل كلمة تجعل نادر يقطب حاجبيه بغرابة مما يسمعه، فلم تترك حدث واحد، إلا وأخبرته بما وقع لها من ذلك الطبيب صاحب المشفى. فختمت حديثها قائلة بتساؤل: –دى كل الحكاية من أولها، فى عندك سؤال تانى؟
أنا جاوبتك على كل حاجة يعنى اللى بيحصل ده سوء تفاهم مش أكتر، وهو شكله مغرور اوى بس أنا مش بسكتله، بس بالرغم من كده محاولش يتجاوز حدوده، كان الموضوع كله كلامه السمج والبارد.
ها هي للمرة الثانية يسبقها لسانها في تبرئته من إقدامه على أي فعل يخل بالسلوك الإنساني، ولا تعلم حقاً لما تفعل ذلك، فكأن لسانها مبرمج على أن تضع له عذراً، ولكن تلك هي طبيعتها، لم تقدم بيوم على ذكر مساوئ أحد، حتى وإن نالت منها ما يجعلها مستاءة، كحال عمتها قسمت معها، فهي تفعل ما تفعله ولا تأتي هي بذكرها بالسيئ. انفرجت أسارير نادر بعد أن أنتهت من حديثها، فتبسم لها إبتسامة جعلتها تخفض وجهها أرضاً، تفرك يديها بثوبها.
فخرج صوته جذاباً كلحن تهواه أذنيها التى تكاد تصم من شدة دقات قلبها الصاخبة. –خلاص يا حياء اللى حصل حصل ومتبقيش تيجى المستشفى، علشان ميحصلش مشاكل تانى.
أماءت حياء برأسها، ولكن ثبطت عزيمتها، في أن ترى ثورة نادر متذرعاً بالغيرة، فلا تنكر أنها كانت راغبة في رؤية ذلك الجانب منه، فهو دائماً متأنقاً ومهذباً بسلوكه، فهي أرادت أن تراه بتلك الصورة التى تسعى كل أنثى لتراها بحبيبها، وهي أن تراه يغار من كون رجل آخر يحاول أن يثير غضب محبوبته، فجل ما فعله نادر أنه ظل صامتاً، ينظر لها بغضب، ينتظر أن تقدم له تفسيراً لما يحدث معها، والآن يطوي الأمر طي النسيان. فردت
حياء مجيبة إياه بفتور: –إن شاء الله يا نادر. ربما هي فتاة عاطفية أكثر من اللازم، فدائماً ما تستهواها قصص الغرام، التي تراها بالأفلام أو تقرأها بالقصص، تريد فارساً مغواراً، يجعلها تشعر بالتحليق في السماء، من مجرد كلمة يخبرها بها تتضمن كل معاني الحب.
فهي لا تنكر حبها له، ولكنه يشبه حالة من السكون والهدوء التي تجتاح مدينة صاخبة، فهي تريده كعاصفة برياح دافئة لا تبقي ولا تذر من البرود والجفاء شيئاً، يجعلها تشعر بأن كل دقيقة برفقته عمر أخر.
قطبت حاجبيها من كم تلك الأفكار التي تعيث اضطراباً بعقلها، فعنفت نفسها على ما يراودها من أفكار، فرفعت رأسها ترمقه بهدوء، تحاول أن تستدعي بداخلها تلك الفتاة التي وقعت أسيرة خضراوتيه منذ أن رأته بالمرة الأولى، ولكنها لا تعلم لما فشلت في فعل ذلك الآن. ***
تلتفت الصغيرة حولها بهذا المكان المزدحم بالأطفال، والذي لم يكن سوى مدينة الألعاب، التي ترتادها دائماً برفقة جدتها أو ولاء، ولكن تلك المرة الأولى التي يصطحبها بها أبيها، فتضاعفت سعادتها بمجيئه وبترقبها لرؤية والدتها المنتظرة، فأنكمشت بجانب والداها تطالعه بإبتسامة، وخاصة وهى تراه يبتاع لها حلواها المفضلة، وتلك البالونات التي أبتهجت بشراءه لها. ولكن أبيها أخبرها بأنهما آتيان لمقابلة والداتها، التي عادت أخيراً من سفرها، رفعت رأسها تنظر لأبيها، الواقف أمام أحد بائعي الحلوى، واضعاً يديه بجيبى معطفه الأسود السميك، ينتظر إنتهاءه من إعداد تلك الحلوى المسماة "غزل البنات" والتي تحب الصغيرة تناولها.
فشدت سجود أبيها من يده قائلة ببراءة: –هي فين مامى يا بابي؟ أنت مش قولت هنيجى نشوفها؟ هي هتيجى هنا الملاهي علشان تلعب معايا؟ إستدار برأسه إليها فأنحنى إليها يحملها على ذراعه، فقبلها على وجنتها قائلاً بأسف وترقب: –سجود ماما مش هتيجي وهى مكنتش مسافرة، أنا ضحكت عليكي سامحينى يا حبيبتي.
قطبت الصغيرة حاجبيها بعدم فهم مما يقوله أبيها، فهى مازالت صغيرة لا تعي معنى إقدامه على الكذب، بشأن وجود والداتها، فعقلها الصغير مازال يرى العالم على أنه المدينة الفاضلة، التي يسير كل شئ بها بالحب والسعادة. ولكنها لم تعي بعد حجم تلك الشرور التي تسكن النفوس. –مش هتيجي ليه يا بابي؟
نطقت عبارتها، رغبة منها في أن يقدم لها أبيها تفسيراً وإيضاحاً لما يخبرها به الآن، فتململها على ذراعه، كأنها تريد ترك مأوى ذراعيه، بعد أن هدم أمنيتها التي استيقظت عليها من نومها اليوم، بأنها سترى والداتها، تلك المرأة التي لم تسمع عنها سوى أنها راحلة خارج البلاد منذ أن سألت عنها بالمرة الأولى. فرد قائلاً بصوت شابّه الارتجاف: –مش هتيجي علشان أنتي معندكيش ماما يا سجود.
تحفز جسده كاملاً، وهو يرى صغيرته تريد الفرار من بين ساعديه، وربما ستبدأ الأن في البكاء والنحيب على صنيعه بها، فحاول أن يهدأ من حركات جسدها التي بدأت تزداد، وخاصة أنها بدأت بضربه بقبضتيها الصغيرتين على كتفه، بعدما تطايرت البالونات من كفها الصغير، وتلبط الهواء بقدميها رغبة منها في أن يفلتها من حصاره. فصرخت بصوتها الطفولي بوجهه: –أنت كذاب وبتضحك عليا! مامى هتيجى أنا عندي ماما عندي ماماااا!
ليتها تعلم أن تلك التي مازالت متشبثة بها، لم تكن تريدها منذ البداية، فهو يتذكر نزقها وكرهها لما تحمله بأحشاءها، وإقدامها عدة مرات على التخلص منها قبل أن تبصر النور، فهو من استمات لمجيئها، وبذل أقصى ما بوسعه لتلدها أمها بخير، فهي قطعة منه من روحه وقلبه، وكم ملأ البشر والفرح وجهه عندما علم بحمل والداتها بها، ولكن هي من جعلته يعيش كل ثانية بقلق وخوف من أن لا يراها، مما جعله يفرض عليها قيود وأحكام حتى حانت لحظة ميلاد الصغيرة.
سكنه الخوف ربما تلك هي المرة الأولى منذ وقت طويل، فحاول استرضاءها بكلماته: –خلاص يا حبيبتي ماما هتيجي خلاص متزعليش، أنتي عندك ماما أهدى يا سيجو علشان خاطري، مش أنتي بتحبي بابي وبتسمعي كلامه؟
كفت الصغيرة عن الحركة، وأبتسمت من بين دموعها، بعدما أخبرها بتلك الكذبة ثانية، شأنها شأن كذبه عليها بإتيانه لها هنا، فهو رأى أن هنا ربما سيكون أفضل مكان يستطيع به التحدث معها بشأن عدم مجيء والداتها، فظن أنها ربما ستنسى السؤال عنها، حتى وإن قدم لها تفسيراً بأن صوفيا توفت ولا يستطيعان زيارة قبرها، فهي لم تدفن بمصر، بل بمسقط رأسها في إيطاليا.
ولكن قدميه لم تطأ تلك البلاد منذ أن عاد منها حطام رجل ومعاناته وشتى ألوان العذاب التي تلقاها هناك، على يد رجلين، لم يكن يعلم لما يفعلان به ذلك. أودع الصغيرة أرضاً، بعدما شعر بتلك الوخزات التي توخز قلبه قبل جسده، فكأنما مازال يشعر بطعم الدم بفمه، وضربات السياط والعصى الخشبية، كأن مشهداً سينمائياً يمر أمام عينيه الآن. *** عودة لوقت سابق.
بغرفة لا يعلم أين تكون، سوى أنها بأحد السجون المشددة يتدلى جسده من السقف، معلق القدمين بأصفاد حديدية، كالشاة الذبيحة، يتأرجح جسده كلما ناوله ذلك الرجل الفظ ضربة بتلك العصى الخشبية، ليعلو صوت صراخه من شعوره بأن عظامه ربما على وشك الكسر والتحطم. ليقترب منه ذلك الرجل الغليظ، يقبض على رأسه الذي يشعر بأن كثرة تدفق الدماء به، ستودي بحياته بأي وقت. فهمس بأذنه بصوت مرعب: –ألن تخبرني لما قتلتها؟ أخبرني هيا قل لما قتلتها.
ليعود ويسدد له عدة ضربات أخرى، ليتأرجح جسده كورقة شجرة في موسم الخريف بمهب الريح، تنتظر أن تسقط من غصنها تتلقاها الأرض بصدر رحب، فتطفر الدماء من جسده، يشعر بأن روحه تستل من بين جنبيه، فعندما يرى الرجل أنه نال كفايته، يأمر بفك أصفاده الحديدية، بعد أن يرى أنه سيصل لشفير الموت.
يجره رجلان آخران من تحت إبطيه، جسده متراخياً، تحتك قدميه بالأرض أو ربما نصف جسده الأسفل كاملاً، حتى يصلان لتلك الغرفة، ويلقيان به على ذلك الفراش، ليأتي طبيب لمعالجة جروحه ويتماثل للشفاء، وتعاد الكرة مرة أخرى.
لم يكن يعلم أن ببلاد الغرب، يوجد بالسجون تعذيباً كالذي يتلقاه، ولكن يبدو أن الرجلان اللذان يتناوبان على تعذيبه، يضمران له شيئاً خفياً، فهما ساديان يمارسان عليه شتى أنواع التعذيب البدني، فكم من مرة توسلهما ليخبرا أهله بمصر بأنه ملقى بأحد السجون، ولكن لم يعيره أحد منهما انتباهاً، كأنهما لا يعرفان شيئاً يخصه سوى تلقيه العذاب على يديهما.
يجلس على الأرضية الباردة لا يستر جسده سوى سروال قصير، لا يصل لمنتصف فخذيه، يضم ساقيه بذراعيه، ويستند برأسه على الجدار، يحملق بالفراغ، فهو يتم إيداعه بتلك الغرفة كنوع آخر من التعذيب النفسي، قبل أن يذهب لإحدى جلسات التعذيب البدني، وخاصة سماعه لصوت خرير الماء المتواصل المثير للجنون، من كثرة سماعه بهذا الصمت المطبق بالمكان، فحتى حيلته في أن يصم أذنيه عن سماع الصوت، لا تأتي بثمارها، فعوضاً عن ذهابه للمحكمة لمقاضاته بتلك التهمة المنسوبة إليه، يجلس هنا، فعقله يكاد يجن من كثرة التفكير، فهناك شيئ خاطئ لا يستطيع تفسيره، في خضم تلك المعاناة التي يعانيها، وهو لما يعذبانه هكذا؟
حاول أن يتذكر كم مضى على وجوده هنا بهذا المكان؟ أيام لم يحسن عدها وحسابها، فعقله لا يفكر بشيء سوى أن يجد تفسيراً لما يحدث معه، ولكن ظل عقله عاجزاً عن إيجاد إجابة شافية تريحه من كثرة التفكير، ولكن ربما هو هنا منذ خمسة أشهر كاملة، انتزعت منه أدميته، أهدرت كرامته وكبرياؤه، ربما إذا ظل هنا أكثر من ذلك، سيصل لحافة الجنون أو سيقتل من كثرة التعذيب. –تناول طعامك أيها الإرهابي.
قالها أحد الرجال المختصين بإحضار طعامه وشرابه، وهو يلقى الطعام أمامه، الذي تناثر نصفه على الأرضية، فدائماً ذلك الرجل يدعوه بتلك الكلمة "الإرهابي" كونه شاباً مسلماً وعربياً أيضاً. لم يقرب الطعام جوفه، فهو حتى غير قادر على بلعه، وغير قادر على مد يده لأخذه، فعاد وأستند على الجدار يغلق عيناه، يشعر بدماء دافئة تسيل من شفته العليا، أحس بطعمها بجوفه، الذي لم يعد يشعر بشيء به سوى طعم الدم.
عاد من إحدى ذكرياته السوداء، وهو يشعر بدماءه تسير حارة بجسده، كمن فاقت درجة الغليان، فحتى ثيابه الثقيلة أحس كأنها جبال لا طاقة له على حملها، كأن الهواء منع عنه فجأة. يعلو صدره ويهبط بحركة مستمرة، يغمض عيناه حتى تمر تلك السحابة السوداء من ذكرياته، ويستعيد هدوءه وتوازنه. شدت سجود على يده وهى تقول: –بابي في إيه؟ فتح سوداوتيه ونظر لطفلته قائلاً بصوت يكاد لا يسمع: –مفيش يا سجود يلا بينا نروح.
كأن الطريق للوصول لسيارته صار طويلاً، أو أن قدميه متعثرة الحركة، ولكن تلك هي حالته عندما تعصف به ذكرى من تلك الذكريات التي يرغب أحياناً بفقدان ذاكرته، حتى يتسنى له أن يعيش براحة، فعقله سيصير حينذاك كصفحة بيضاء مُحيت منها كل تلك الخطوط السوداء التي عتمتها ولا يرى بها بارقة أمل من أن يعود لما كان عليه سابقاً، فبعد ما لقاه لم يعد لديه سوى الشعور بالبرود الذي غلف قلبه وحياته بأكملها ترافقه نظرة سوداوية لكل ما يجرى من حوله.
فدمدم هامساً: –يارب ريحني من العذاب اللي انا فيه يارب. قاد سيارته بحذر، يلتفت من حين لآخر، لطفلته التي غفت على المقعد المجاور له، ولكن رأى بوضوح آثار الحزن على وجهها البرئ، فإلى متى سيظل هذا الحال؟ فربما هو سينتظر وقتاً طويلاً حتى يخبرها بحقيقة والداتها، ولكن يخشى عليها الصدمة مما ستعلمه بحق تلك اللعينة، التي كتب لها القدر أن تكون أمها وزوجته بوقت من الأوقات. فهتفت ببحة صوت متأسفاً:
–سامحيني يا سجود أنا السبب في كل ده من الأول أنا السبب. ظل يجلد ذاته بسياط الندم، التي تجعل جراحه لا تندمل، فبحق السماء كيف حدث له كل ذلك؟ وأي وعي كان لديه عندما تزوجها، كمن تجرع من الخمر ما جعله لا يحسن التصرف، فحسنها أغواه، كغواية الثمرة المحرمة التي جعلت آدم وحواء يتركان الجنة.
فهو ترك عقله وثقافته و تنشئته بمجتمعه الشرقي، ليركض لاهثاً خلف تلك المرأة الأجنبية، التي لم يخفى عليه منذ البداية، بأن حياتهما سوياً كاختلاط الزيت بالماء، فلن يذوب أحدهما بالآخر، بل سيظلان متنافران كقطبي مغناطيس لا يجتمعان، ولكن كانت تستطيع صرف تفكيره هذا، بأن تذيقه النعيم من شفاه تسلبه كل ما لديه من صلابة، فهو عشقها حد الجنون، لم يكن شيئاً تريده وارد الرفض، بل كان يسعى دائماً لجعل كل مطالبها محل التنفيذ.
أسترعى انتباهه وهو ينظر بمرآة السيارة الجانبية، رؤية سيارة سوداء ذات دفع رباعي تتبعه، فضم حاجبيه بتفكير، ولكن ظن أنه ربما يتوهم ذلك، فأكمل بطريقه، حتى رأى السيارة تتجاوزه، تقطع عليه الطريق، فأوقف محرك السيارة حريصاً على أن لا يفزع الصغيرة النائمة. فخرج من السيارة ثلاثة رجال ضخام الجثة يحملون بأيديهم أسلحة نارية، بديهياً أسرع بإخراج سلاحه هو الآخر الذي يحمله معه من أجل حمايته. فتقدم رجل من باب السيارة من جهته قائلاً
بصوت خشن: –أنزل من غير صوت لو خايف عليها. نظر إلى ابنته التي حمد الله أنها مازالت غافية، حتى لا تفزع من رؤية ما يحدث، فأغلق النوافذ كافة وفتح الباب من جانبه وترجل من السيارة. نظر للرجل بدون إن يرف له جفن قائلاً: –في إيه وعايزين إيه مني؟ دفعه رجل ليتقدمه بالمسير حتى يبتعدان عن السيارة، فأستشاط غضباً من فعلته، فلم يعي راسل سوى وقدمه تركل الرجل بمنتصف معدته يطرحه أرضاً. فصوب سلاحه بوجه قائلاً بصوت جهوري:
–حسك عينك تمد إيدك عليا كده تاني يا كلب فاهم. فتقدم أخر يسحب سلاحه من يده، فلم يفلح في فعل ذلك، فبدأ العراك بينه وبين هؤلاء الرجال، حتى سمعوا جميعهم ذلك الصوت الذي شق السكون بذلك المكان الخالي، الذي حرص على أن يقابله به. –أنا قولتلكم هاتوه من غير ما حد يمد إيده عليه يا بهايم، مش عايز مشاكل وشوشرة.
بعد تلك العبارة، ساد الصمت ووقف الرجال بخنوع بعد سماع صوت ذلك الرجل، ولكن تلبست راسل الشياطين بعد رؤيته، وخاصة على إقدامه بأن يفعل معه ذلك. فصاح راسل بصوت ساخط على ما حدث: –أنت اللي عملت كده، عارف أن أنا بإمكاني أقتلك رجالتك دي وأقتلك أنت كمان معاهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!