كممت ولاء فمها بيدها، تكتم صوت ضحكتها، وهى تستمع لصوت صراخه القادم من المرحاض. فهو قضى ما يقرب الخمسة عشرة دقيقة، يصرخ بصوت جهوري، يستغيث من ذلك الألم الذي يعتصر أحشاءه، يطلب العون والمساعدة، لعل أحد لديه حلاً لما لحق به. أزاحت ولاء يدها من على فمها، عندما رأت أبيها يلتفت إليها. فهو يحاول الاستفسار من فؤاد، عن تلك الحالة التي أصابته، ويقف أمام باب المرحاض، يطرق عليه بإلحاح. فخرج صوت حسان قلقاً وهو يقول:
-أستاذ فؤاد يا فؤاد بيه مالك في إيه وعمال تصرخ ليه كده بالداخل، عمل فؤاد على مسح حبات العرق التي أغرقت جبينه ووجهه، كأنه بيوم شديد الحرارة. فماذا فعلت به تلك الفتاة؟ هكذا ظل يسأل نفسه. ولكن لم تهدأ تلك الآلام إلا بعدما قضى حاجته، التي ألحت عليه كسبيل للراحة. فظل يلتقط أنفاسه، تتسع شفتيه بابتسامة أقرب للانتشاء، وهو يشعر بالتحسن الذي زاره، بعد قضاء وقته السابق بمعاناة أقرب للاحتضار. فحمحم قائلاً بصوت متحشرج:
-أنا تمام وخلاص خارج أه اقتربت إسعاد من ولاء الجالسة بعدم اكتراث، تهز ساقها بإستمتاع لإفساد تلك الجلسة التي فرضها أبوها عليها قسراً. فجذبت مرفقها وجعلتها تقف أمامها. فأدنت برأسها منها تهتف بها متسائلة: -ولاء هو أنتي عملتي فيه إيه وكان ماله كده زي ما يكون بينازع وهيموت عادت ولاء لضحكتها الخافتة ثانية، فأجابت والدتها بنبرة أقرب للانتصار:
-دي بودرة جبتها من المحل عند طنط وفاء، بودرة لعلاج حالات الإمساك، بس أنا زودتله الجرعة شوية وعملتله مغص جامد، وضحكت عليه وقولتله أنه سم عشان أخوفه رفعت إسعاد حاجبيها من تفكير ابنتها، ولكنها لم تمنع ضحكتها هي الأخرى. ذلك الأمر الذي زاد من حنق حسان. فأقترب منهما صارخاً بوجهيهما: -انتوا عملتوا في الراجل ايه انطقي انتي وهى
أنكمشت إسعاد بجانب ابنتها، التي لم يرف لها جفن. فهي معتادة منه على تلك الأفعال، ولم تعد تعنيها بشيء. فزفرت قائلة بملل: -هنكون عملناله إيه هو اللي من ساعة ما جه عمال يعمل عمايله دي الله أعلم مبلوع إيه قبل ما ييجي يقرفنا قبض حسان على ذراعها بقسوة هاتفاً بها: -والله يعني مش انتي حاطاله حاجة في العصير نفضت ولاء يده عن ذراعها، وهي تقول بتحدي:
-هحطله إيه يعني في العصير ثم هجيب لنفسي مصيبة وأودي نفسي في داهية عشان خاطر واحد زي ده قالت جملتها الأخيرة باشمئزاز وكره ظاهر. فأنقطع الحديث بينها وبين والدها، بعدما خرج فؤاد من المرحاض، يجفف وجهه بمحرمة ورقية. ولكن عندما ألقى ببصره على ولاء، ود لو كان بيده أن يحرقها حية، على فعلتها به. فإن كان بالبداية أخذ الأمر تحدياً، فالآن سيأخذ منحنى آخر. فهو سيعمل على رد ما فعلته به الصاع صاعين، ولن يتراجع عن زواجه منها. فتبسم
ابتسامة ماكرة وهو يقول: -خلاص يا عمي الظاهر كده كلت حاجة مش كويسة عملتلي مغص، بس أنا دلوقتي تمام نقرا الفاتحة بقى قولت إيه يا عروسة ونعمل حفلة الخطوبة كمان أسبوعين عشان عندي سفرية وهرجع منها بعد أسبوعين حتى أجيب للعروسة فستان الخطوبة معايا وأكيد هيعجبها
فتحت ولاء فمها لكي تعترض، فسبقها والدها وفؤاد بقراءة الفاتحة والاتفاق على كل الأمور الخاصة بالزواج. تجلس هي كمن تلقت صاعقة كهربائية، أفقدتها النطق وأصابت حواسها بالشلل. فهي ظنت بفعلتها، أنه سيرهب جانبها، وربما يتغاضى عن زواجه منها، في سبيل النجاة من أفعالها الجنونية. ولكن ربما هو لم يأبه لما فعلته. فتلك النظرة بعينيه، جعلتها تتيقن من أن نواياه لن تكون مبشرة بالخير. ولكن هو الذي لا يعلم مع من سيعبث.
وضعت حياء رأسها، على ساق صالحة الجالسة بجانبها. فتلك الأريكة العريضة، اتخذتها حياء مخدعاً وأتخذت من ساق صالحة وسادة. تنظر للهرة التي تروح ذهاباً وإياباً بالصالة. فهي بعد تأكدها من خلوها من أي مرض أو داء، بعدما ذهبت بها للطبيب البيطري، جعلتها تحيا معها بالشقة. وأحياناً كم يحلو لها اللهو معها، كأنها بذلك تحاول أن تنسى تلك المأساة، التي غرقت بها من رأسها لقدميها.
ولكن بدأت الأمور بالأخذ في طور التحسن. فهي تعمل الآن بإحدى أكبر الشركات، ومربيتها بجانبها، و..... ظلت تمسد صالحة على شعيراتها، التي تركتها مهملة، تتنهد من وقت لآخر، حتى أصابت صالحة بالقلق. فهتفت بها بتساؤل: -مالك يا حبيبتي عمالة تتنهدي ليه كده حصل حاجة في الشغل النهاردة
تذكرت حياء أنها اليوم، انغمست في العمل بتلك الشركة، وقضت يومها، وبلال وعاصم يعملان على تعريفها بالمهام المطلوبة منها، وأيضاً تم التعارف بينها وبين العاملين بالشركة. فحركت حياء رأسها بضعف: -لأ محصلش حاجة بالعكس كان يوم كويس وكمان الأستاذ بلال مقصرش معايا، باين عليه شهم أوي أفتر ثغر صالحة عن ابتسامة هادئة وهي تقول: -عشان كده بتتنهدي عشان شوفتي بلال لهبت حياء جالسة، وهي عاقدة حاجبيها وقالت:
-انتي تقصدي إيه يا دادة وأنا أتنهد ليه عشان بلال ولا غيره ثم أنا لسه خارجة من تجربة كسرت كل حاجة حلوة جوايا سحبتها صالحة وأدنتها منها، وهي تربت عليها بحنان:
-حبيبتي انتي لسه في بداية حياتك ومش عشان تجربة وعدت يبقى خلاص حياتك هتنتهي على كده، دا الحياة مليانة حاجات تفرح وحاجات تزعل وعمر ما في حاجة بتدوم ولا بتفضل على حالها، الدوام لله وحده، فمتخليش أي حاجة تعدي في حياتك تكسرك بسهولة، اتعلمي من كل موقف يقابلك واعرفي أن تدابير ربنا مفيش أحسن منها، مش جايز لو كنتي اتجوزتي الدكتور نادر كنتي اكتشفتي حقيقته وتبقى كسرتك أكبر وخصوصا أنك كنتي هتبقي مراته، لكن ربنا حب يكشفهولك قبل ما تتورطي معاه
بإتيانها على ذكر نادر، تصلبت ملامحها. فهي كانت تظن أنها عندما تستمع لاسمه، ستبكي على أطلال الحب، ولكن كأن عينيها جفت فجأة. فحتى لو حاولت أن تستجلب تلك الدموع لن تفلح في فعل ذلك. فهل برأت سريعاً من هذا الوهم، أم ماذا؟
ولكنها مازالت تشعر بتلك الوخزة الخفيفة، التي تعود لشعورها بأنها كانت فتاة حمقاء، ستقع فريسة بين براثن طبيب وسيم، لم يكن يعنيه سوى أموال ونقود أبيها. فمن ظنته فارسها، لم يكن سوى وغد. ومن ظنت أنه صاحب خلق سيئ، لم يكن سوى رجل يتحلى بصفات لطالما تمنتها بفارس أحلامها.
توهجت وجنتيها فجأة من حماقة أفكارها. فاتسع بؤبؤ عينيها عندما فطنت هي لأسباب تلك النهدة العميقة التي أطلقتها منذ قليل. فقبل أن تنجرف أكثر خلف تفسيرها لما اعتراها، سمعت صوت جرس الباب. فأسرعت بالركض لغرفتها بتلك المنامة البيتية، التي ترتديها ولن يصح لها أن ترى من القادم، بينما تركت لصالحة مهمة فتح الباب. فتبسمت صالحة لذلك الزائر، الذي لم تعرف من يكون فقالت بتساؤل: -أيوة مين حضرتك وعايز مين -الأنسة حياء موجودة
سمعت حياء صوت الزائر من الداخل، فتمتمت بشيء من الذهول، وهي تردد ذلك الاسم بخفوت، بعدما اكتشفت هويته: -راسل بحثت حياء عن ثوب ملائم، فأرتدته سريعاً وخرجت من الغرفة. وصلت لباب الشقة، فتحققت ظنونها، فها هو يقف على عتبة الباب، ينتظر الإذن بالدخول، الذي لم تكن تمنحه له صالحة، وهي لا تعرف من يكون أو ماذا يريد من حياء. -دكتور راسل خير في حاجة قالتها حياء بغرابة، في انتظار سماع تفسيره لقدومه بذلك الوقت. شعر
راسل بحرج طفيف وهو يقول: -أنا كنت عايز اتكلم معاكي شوية، بس أنا مكنتش جيت إلا لما عرفت أن الدادة بتاعتك موجودة معاكي، وإلا مكنتش جيت تنقلت صالحة ببصرها بين حياء وراسل، وهي لا تفقه شيئاً، ولكنها سمعت صوت حياء تقول: -اتفضل يا دكتور راسل دخل راسل للداخل، فنظرت صالحة لحياء متسائلة: -هو مين دكتور راسل ده أنا أول مرة أشوفه، هو ده الدكتور اللي حكتيلي عنه وساعدك مسحت حياء على ذراعها وقالت: -أيوة هو ده يا دادة
أومأت صالحة برأسها إيجاباً وهي تقول: -ماشي هروح أعمله حاجة يشربها دلفت صالحة للمطبخ، بينما تركت حياء باب الشقة مفتوحاً على مصراعيه. فأولاً وأخيراً لا يوجد رجل بالمنزل، فمن حقها اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة، حتى وإن توسمت به الخير. جلست على مقعد مقابل لمقعده، فظلت تفرك يديها بتوتر وقلق. فكيف هذا؟ تفكر به وتجده أمام الباب، فلو طلبت ذلك من مارد الجن، كان سيستغرق وقتاً بتحقيق أمنيتها. أمنية! ما معنى هذا؟
لا فهي لم تتمنى رؤيته. هكذا ظلت تقنع عقلها، لينعتها قلبها بالكذب. فهي لم تعد تشعر بالأمان إلا برؤيته، حتى وإن كان قلبها يشعر الآن بالخواء، بعد تلك الطعنة التي تلقتها من نادر. فكل ما بالأمر أنها صارت تربط بينه وبين سبيل نجاتها من مصيبة كانت ستحل بها، كمريضة ترى بطبيبها حبل النجاة. فحاولت رسم الجدية على وجهها وهي تقول بهدوء: -خير يا دكتور راسل كنت عايز تتكلم معايا في إيه
تشابكت أصابعه ببعضها، وأستند بمرفقيه على ركبتيه، وأنحنى قليلاً للأمام يقول باهتمام: -كنت عايز أعرف انتي عايشة إزاي بعد اللي حصلك ده، أنا عارف أن مليش حق بأن أسألك، بس مقدرتش أمنع نفسي أن أجلك عشان أقولك لو انتي محتاجة أي حاجة أنا موجود فقبل أن يراها ثائرة، فمن بمكانها ستشعر بأن كبرياءها الذي طالما حاوطها من نشأتها بطبقة الأثرياء، على وشك الهدر عندما تسمع من أحد أنه جاء لتقديم المساعدة لها لتتجاوز تلك المحنة.
فحمحم معقباً: -أنا طبعاً مش قصدي أن أجرح كبرياءك وكرامتك يا حياء، بس انتي دلوقتي يعني.. حاول يجد ما يسعفه بذلك الموقف. فلو رآه أحد لن يصدق أنه هو راسل، الذي لم يلجم لسانه يوماً عن قول حق أو رد إهانة. ولكن ذلك الجالس، يخشى التفوه بكلمة، ربما تتسبب لها بأذى نفسي، وهو لا يريد إيذاءها، بل على النقيض مما كان يفعله معها سابقاً. فهو الآن يريد حمايتها، بل أن يقيها نوبات الدهر، يتخذ من نفسه حارساً أميناً لها.
كسا وجهها احمرار طفيف، من شعورها بالحرج الذي اكتسح خلاياها، ولكن لم يكن بإمكانها الرد بإجحاف، فهو لم يأتي إلا من أجل مساعدتها. فقالت بهدوء: -متشكرة جدا لموقفك يا دكتور راسل بس أنا الحمد لله تمام وكمان دلوقتي بشتغل وأموري بقت أحسن وشكراً على اهتمامك بعد سماعه قولها، ربما شعر براحة امتزجت بإعجابه. إنها استطاعت تجاوز تلك المحنة، ولكن سيكون بالجوار دائماً لتفقد أحوالها، حتى وإن لم تكن هي تعلم بذلك. هب واقفاً
يستعد للرحيل وهو يقول: -كويس أني اطمنت عليكي، أنا لازم أمشي تركت حياء مقعدها وقالت: -انت مشربتش حاجة يا دكتور راسل -لأ متشكر سلام عليكم
قالها راسل واتجه صوب باب الشقة المفتوح، وهبط الدرج بخطوات سريعة، بينما أغلقت حياء الباب، وأستندت عليه، وسحبت حجابها، كمن شعرت بالاختناق فجأة. ولا تعلم تلك الدموع التي ألحت عليها، بالرغم من أن لا شيء يستدعي بكاءها، ولكنها لم تفهم تلك الرغبة بالبكاء، التي انتابتها بعد رحيله. فربما هي صارت مرهفة الإحساس، بسبب تلك الأحداث التي عاثت بحياتها الفوضى، وجعلتها تبكي لأي سبب كان، سواء سعيداً أو حزيناً.
عدة أوراق خاصة بالعمل، تناثرت على سطح مكتبها الأنيق بالغرفة الخاصة بمدير ذلك الفندق. رفعت إحدى الأوراق وطافت عينيها بين تلك الأرقام المدونة بها، فسرعان ما أعادتها مكانها لتأخذ أخرى تطابق صحة تلك المعلومات، التي تواردت عن حسن إدارة تلك المجموعة من الفنادق، التي ابتاعتها مؤخراً.
بعد تأكدها من أن تلك الفنادق، كانت تدر دخلاً مالياً وفيراً وأنها لم تخطأ بشراءها بعد عرض مالكها الأصلي لها للبيع، لرغبته في الهجرة خارج البلاد، لملمت الأوراق ووضعتها بالملف الخاص بها. طرقة خفيفة مهذبة، ولج على أثرها معتصم وهو يصيح بصوته الرجولي مبتسماً: -إيه يا غزل مش هنتغدا أنا هموت من الجوع يلا بقى يا قمر بادلته غزل الابتسام وهي تجيبه بصوتها الرقيق العذب: -حاضر يا سي معتصم هخلص بس الورق اللي في إيدي ده
عادت تنظر للأوراق ثانية، فأنحنى إليها معتصم وجذب الورق من يدها ينهرها بلطف: -غزل كفاية كده بقالك حوالي أكتر من ٤ ساعات قاعدة نفس القاعدة دي وباصة في الأوراق عينيكي الجميلة دي توجعك كده حركت غزل رأسها بيأس من إلحاح ابن شقيقها، فتركت مكانها، ودارت حول المكتب، وعقدت ذراعيها وهي تدعي الحزم:
-انت وبعدين معاك يا واد انت سيبني بقى أشتغل وأتأكد أن مرميتش فلوسنا في الأرض، معتصم إحنا الدفعة الأولى اللي دفعناها لصاحب الفنادق بالملايين، ولسه الباقي مش عايزين زي اللي بيشتري سمك في مية صدرت عن معتصم ضحكة عالية ثم قال: -غزل انتي بتهزري دا عمران هو اللي تمم صفقة شراء الفنادق دي وانتي عارفاه موسوس إزاي يعني ميشتريش حاجة إلا إذا كان هاريها دراسة وبحث وتفتيش، حتى لو كان صاحب الفنادق ضحك علينا كان زمانه...
ألتفت معتصم برأسه يميناً ويساراً، فقال بصوت خافت: -كان زمانه عمران عامل منه كباب حلة لم تفلح غزل في كبت ضحكتها على ما قاله، فهو الوحيد القادر على رسم الابتسامة على شفتيها. فبعد أن انتهت من الضحك على مزحة معتصم، تغشى عينيها الحنين وهي تقول: -تصدق عمران وحشني الكام يوم دول يا معتصم مش عارفة... قبل أن تكمل عبارتها، وجدت باب غرفة المكتب يفتح ويلج منه شاب مليح الوجه، يصيح ببحة صوته المفعمة بالرجولة:
-وانتي وحشتيني أوي أوي يا غزل -عمراااان صاحت بها غزل، وهي تهرول إليه، فتلقاها بين ذراعيه القويتين يرفعها عن الأرض، وهو يدور بها بسعادة. فتلك العلاقة بينهما، لم تكن علاقة بين عمة وابن شقيقها أكثر من كونها علاقة أشقاء. فالفارق بالعمر بينهما لم يكن كبيراً، لذلك كانت تتخذ منه شقيق وصديق. فحتى هو لم يناديها يوماً "بالعمة" بل دائماً ما يناديها باسمها. ألتفت ذراعيها حول عنقه وقبلته على وجنته وقالت:
-وحشتني أوي يا حبيبي ليه مقولتش أنك راجع النهاردة ساعدها بأن تطأ قدميها الأرض، بعدما حررها من بين ساعديه. فأتسعت شفتيه بابتسامة لا يراها أحد سواها هي وشقيقه معتصم. فتقدم معتصم هو الآخر ليأخذ دوره بالترحيب بشقيقه العائد. فتجاوزهما يستلقي على الأريكة الجلدية وهو يتمتم بإرهاق: -حبيت أعملهالكم مفاجأة طلعت من اليونان على هولندا وبعدين جيت على هنا لما حاسس أن هموت من التعب
تمدد بقامته الطويلة، فتأملته غزل بإشفاق على حالته. فهو دؤب بعمله، أو ربما لا يعلم شيئاً بحياته سواه. فإن كان ورث عن جده ملامحه فهو ورث أيضاً جديته وعشقه للعمل. بتذكرها لأبيها، أحرقت الدموع أجفانها، ولكنها خشيت أن ينتبه عليها أحد من أبناء شقيقها. فحمحمت بصوتها الرقيق وهي تقول: -طب يلا تعال نتغدا وروح البيت وارتاحلك شوية
بعدما كان مغمض العينين، صار بؤبؤ عينيه يزداد اتساعاً، وتلك الذكريات تتدفق بداخل عقله. فعلمت غزل أن تلك الرجفة التي تراها جلية بأطرافه، ماهي إلا خوف من مداهمة الماضي له. فأقتربت منه، وجلست القرفصاء بجانب الأريكة، فربتت بيدها على صدره، كأنها تبث به الأمان وقالت: -عمران لو مش عايز ترجع البيت خليك هنا في الفندق -لأ يا غزل مش هقعد هنا، هرجع البيت
أحتج عمران على ما أبدته غزل من اقتراح. فهو كان ينتهز تلك الفرصة بالعودة. فإن كان لم يسعه فعل شيء بتلك الكارثة التي حلت على رؤوسهم، منذ سنوات طوال، فالآن بيده أن يفعل الكثير. لذلك سيعود إلى ذلك القصر، الذي شهد على فاجعة مزقت قلوبهم. ولكن سيعمل هو على أن يداوي تلك الجروح، حتى وإن كانت بتمزيق قلوب من فعلوا بهم ذلك. فرغبة الانتقام تغذت سنوات على ذلك اللهيب، الذي اشتعل بقلب صبي لم يكن له من العمر سوى اثني عشر عاماً.
ترك مكانه وهو يعدل هندامه قائلاً بجدية: -يلا بينا عشان ناكل عشان فعلاً جعان أوي نظر له معتصم بريبة. فهو يعلم أن شقيقه يحاول الظهور بمظهر عادي. ولكن ربما من داخله اشتعل بركان قادر على حرق الأخضر واليابس. فابتسم معتصم ابتسامة متوترة وهو يربت على كتف شقيقه الأكبر فقال بحذر: -عمران انت رجعت مصر عشاننا مش كده يعني عايزين نعيش في هدوء وبلاش مشاكل التوى ثغر عمران بابتسامة جانبية وهو يقول:
-انت شفتني عملت حاجة ما أنا ساكت أهو ثم متخافش أوي كده أبقى غبي لو انفعلت وخلت عصبيتي هي اللي تحركنى مسمعتش عن الحرب الباردة، لازم تعرف نقاط ضعف عدوك عشان تعرف تضربه فين لم تستحب غزل ما قاله عمران. فشدت على ذراعه برجاء:
-عمران لا حرب باردة ولا غيره زي ما قال معتصم عايزين نعيش في هدوء واللي حصل حصل خلاص، مش بإيدينا نصلح اللي حصل في الماضي، خلينا دلوقتي في المستقبل لأن أنا مش هفرح لو حد فيكم راح مني زي كل اللي راحوا قدام عيني
لم تكن تريد له أن تتلوث يداه بالدماء. فهي أقسمت على نفسها أنها هي من ستنهي هذا الأمر وليس هما. فأرادت صرف تفكيره عن الأمر. وأنسابت دموعها التي لم تفلح في إلجامها بالفرار من مقلتيها. رأى الدموع بعينيها، التي لم تنفك عن ذرفها من وقت لآخر، بتذكرها لما حدث ماضياً. فحاول أن يجد ما يطمئنها به، ليجعلها تكف عن البكاء، حتى وإن كان سيقدم على الكذب كما سيفعل الآن: -خلاص يا غزل اهدي خلاص مبحبش أشوف دموعك، هعمل اللي انتي عايزاه
مد يده وسحب محرمة ورقية وناولها إياها. عملت على تجفيف وجنتيها وعيناها. وبعد انتهائها سحبت كل منهما إليها، فطوّقتهما بذراعيها، كما اعتادت أن تفعل منذ صغرهما. فشدت بذراعيها حولهما وهي تتمتم بحب: -أنا مبقاش ليا حد في الدنيا دي بعد ربنا غيركم انتوا ومش عايزكم يا حبايبي تتأذوا، لأن لو حد فيكم حصله حاجة أنا اللي المرة دي هموت أحاطها عمران ومعتصم، وكل منهما ينحني إليها، واضعاً رأسه على كتف من كتفيها. فهمس كل منهما بأذنيها:
-ربنا ما يحرمنا منك أبدا
ظلوا هكذا بعض الوقت، كمن يجد كل منهم حاجته للإطمئنان. فحتى وإن كانت شعرت بالإطمئنان بصوت معتصم، فهي حرصت على أن ينشأ بقلب نقي ولا يجعل الحقد ينال منه، وربما ساهم بذلك صغر سنه وعدم رؤيته لما حدث بذلك اليوم الدموي. أما عمران فهي تعلم أنه لن يستطيع نزع تلك الذكريات الدموية من قلبه وعقله، حتى وإن حاول إيهامها بأنه سيستمع لما تقوله. فهي تعلم أنه لن يهدأ ولن يرفع راية الاستسلام بسهولة، فحتى وإن رفعها ستكون ملطخة بالدماء أولاً.
في المطعم الخاص بالفندق، أوصت غزل بتحضير طاولة الطعام، حريصة على أن يكون الطعام نباتياً وصحياً، مثلما اعتاد عمران أن يتناول طعامه. جلسوا ثلاثتهم على الطاولة، وبدأو بتناول الطعام، وعمران يستقصي أخبارهما بالأيام الماضية. فأخبرته غزل بشأن مقابلتها لفواز، وأيضاً عن التحقق من الأوراق الخاصة بالفنادق. ابتلع عمران ما بجوفه ثم قال: -يعني اتأكدتي أن كل شيء تمام عشان ندفع الدفعة الأخيرة للبايع أومأت غزل برأسها وهي تقول:
-أه كله تمام وكام يوم كده هخلي معتصم يروح البنك مع البايع ويحوله الدفعة الأخيرة ونكتب العقد النهائي وكده يبقى كل شيء تمام تناول معتصم كوب الماء وقال متسائلاً: -انت خلاص اتفقت مع المزرعة في هولندا اللي هتوردلنا اللحمة؟ حرك عمران رأسه بالإيجاب: -أيوة كله تمام وكده يبقى فاضل بس شركة المواد الغذائية اللي هنتعامل معاها هنا في اسكندرية
دار الحديث بينهم ودياً. فطافت عين عمران بالمطعم، كأنه يقيمه. ولكن تلك الضحكة الخلابة، التي رنت بأذنه، جعلته يبحث بعينيه عن من تكون صاحبة الصوت. فأنتبه على إحدى الطاولات، لم تكن تبعد كثيراً عن طاولتهم، يجلس حولها ثلاث فتيات، ولكن فتاة واحدة هي من تضحك وتصفق بيدها بحماس. فسمعها تقول بحماس شديد: -لأ إحنا نخلص أكل ونروح بسرعة على المول شوقتوني أشوف الموديلات الجديدة
وضع الملعقة من يده، فثار فضوله لمعرفة من تكون تلك الشقراء الجميلة، ذات العينان الخضراوان كأوراق الشجر ببداية موسم الربيع الفاتن. فضوء الشمس ألقى بنوره على وجهها، فزاد جمالاً وبهاءاً. فأسنانها كم تبدو بيضاء وهي تضحك وتبتسم، ووجهها كأن الشمس طبعت عليه قبلات ذهبية تناثرت على وجنتيها. فأنفها صغير ودقيق، يعلو شفتين يخجل منهما الورد، وربما قادرتان على إغواء قديس. سقط عمران حاجبيه تعجباً من أمره هامساً لذاته:
-إيه يا عمران انت عمرك ما شفت بنات كلما أمر عيناه بالكف عن النظر إليها، تعود عيناه وتخالف أوامره. فكم أصبحتا متمردتان عليه الآن. فهو لا يرى ولا يسمع شيء حوله، كأن المكان أصبح خالياً إلا من وجودها. رفع يده يشير للنادل بالاقتراب، فأسرع ملبياً: -أؤمرني يا أفندم حرص عمران على ألا ينتبه أحد عليه، فأشار للنادل بالاقتراب منه أكثر، فأنحنى الرجل بجزعه له ليسمع ما سيقوله:
-هي البنت الشقرا اللي قاعدة على الترابيزة اللي هناك دي تعرف هي مين؟ نظر النادل حيث أشار، فعاود النظر إليه ثانية وهو يقول: -طبعاً يا أفندم دي زبونة هنا هي وأصحابها دي تبقى الأنسة ميس النعماني حفيدة رياض النعماني
ارتجفت يد عمران قليلاً، فلم ينتبه للكوب الزجاجي بجوار يده. فباستطدام كفه به، سقط متهشماً على الأرض، فسمع صوته كل من كان حاضراً بالمطعم. فساد الصمت، ينظر كل من كان جالساً، لتلك الطاولة التي جلس حولها من صاروا يمتلكون هذا المكان. -حفيدة رياض النعماني
قالها عمران مغمغماً بصوت هامس و بسرعة البرق، كان يترك الطاولة، بل أنه ترك المكان بأكمله. فهو لم يضع بمخططه أن تكون هي أول فرد يقابله من عائلة النعماني. فربما هو كان بحاجة لمزيد من الوقت، قبل أن يبدأ بمخططه. ولكن تبسم بهدوء، فلماذا لا تكون هي البداية لإسقاط أحد أعمدة عائلة النعماني، فكم ستحلو له اللعبة الآن، خاصة أن الغنيمة ليست بالهينة، بل ستصيبه بالتخمة إذا وقعت بين يديه.
بالممر المؤدي لفنار الإسكندرية، كانت ولاء تنظر لأسفل، لتلك المياه التي تموج بهدير وصل لأذنيها. فتساقطت دموعها وهي تحني رأسها، لتجرفها الأمواج معها. فكم تمنت لو بإمكان تلك الأمواج أن تجرفها هي أيضاً. ولكنها لن تقدم على فعل ما فعلته شقيقتها. ولكن صوت تلك الأنفاس الغاضبة بجانبها، هو من جعلها تلتف برأسها لذلك الواقف بجوارها، يشد على خصيلاته بعنف، فأشفقت على حاله.
فراسل بعد علمه بالاتفاق بين والدها وفؤاد على إقامة الخطبة بوقت قريب، زاد جنونه أكثر، وأصر عليها بأن تأخذه لوالدها، فعثرت على ذلك المقهى الذي يديره بنهاره، على أن يعمل على صرف ما يكسبه بيومه بلعب الميسر بالمساء. تذكرت محاولة راسل أن يثنيه عن الأمر، وبدأ معه باللين، حتى أنه اقترح دفع مبلغ مالي كبير نظير رفضه لتلك الزيجة، لكن حسان قابل الأمر كله بالرفض، فنشبت بينهما مشادة كلامية كانت ستنتهي بعراك.
ولا يعلم راسل سر ذلك الإصرار المميت، ولكن استطاعت ولاء التكهن، بأن أباها بإمكانه أخذ النقود من فؤاد كلما أراد، وليس مبلغاً سيدفعه راسل له مرة واحدة. -اهدى يا أبيه كترت العصبية مش هتفيد بحاجة قالتها ولاء رغبة منها في أن يكف عن حركته المتململة. فتوقفت قدماه عن الحركة، وطالعها بعينان عاصفتان وهو يصيح بانفعال: -أنا مش عارف أبوكي ده منشف دماغه ليه عايز يوصل لإيه بالظبط ما قولته اللي انت عايزه هدفع
ضمّت ولاء شفتيها، لتوقف ارتجافها، فخرج صوتها متحشرجاً بألم: -أنا قولتك أن هو مش هيوافق ولا هيسمعلك هو مش هيرتاح إلا لما يخليني أموت وأجاور أشجان في تربتها -لأ يا ولاء لأ مش هسمحله تعالت صيحته عن ذي قبل، فهو لا يريد تخيل ذلك المصير، الذي سيؤول إليه أمرها. فهو ما زال حزيناً على شقيقتها، فكيف سيكون الحال إذا فقدها هي الأخرى؟
أشار إليها بالعودة إلى سيارته، فتبعته وهي صامتة، تنظر للسماء من حين لآخر، تناجي الله بصوت هامس. وصلا للسيارة، فاتخذت مكانها بالمقعد المجاور له، فقاد سيارته بهدوء، وعقله يدور بكل اتجاه لحل تلك المشكلة، حريصاً على أن ينزع تلك الومضة التي لم تبرح عقله منذ خروجه من مقهى حسان، وهي أن يرضخ بالأخير ويذهب لطلب المساعدة من رياض النعماني. ولكن كيف له بالذهاب وأن يستجديه؟
ظل شارداً فاستمع لصوت زمور سيارة قوي، فنظر بالمرآة الجانبية لسيارته، فوجد سائق تلك السيارة التي تتبعه من الخلف، يلوح له بذراعه من نافذة تلك السيارة السوداء، كإشارة له على أنه يريده بأمر هام. قطب راسل حاجبيه، وصف السيارة جانباً، فترجل سائق السيارة الأخرى، يتبعه عدة رجال مدججين بالسلاح. فعرف على الفور من هم، فزفر بخفوت وجز على أنيابه. إلا أنه استمع لولاء وهي تقول بخوف: -أبيه هما مين دول هو في إيه أشار إليها
راسل بيده لكي تهدأ فقال: -اهدي يا ولاء ومتخافيش دول رجالة رياض النعماني أنحنى أحد الرجال إليه وهو يقول بابتسامة خشنة: -متأسفين يا دكتور راسل بس الباشا عايزك ضروري نفخ راسل قائلاً بضيق: -هي إيه الحكاية مرة انتوا ومرة رجالة عاصم النعماني وتطلعولي في نص الطريق زي العفاريت -أصل عارفين لو جينا لك البيت ولا المستشفى مش هترضي تيجي معانا قالها الرجل بسرعة وعاد معقباً: -ويا ريت حضرتك متعارضش ولو حابب ممكن أسوقلك أنا العربية
قال راسل وهو يشمله بنظراته الباردة: -شكراً أنا هسوقها وأتفضلوا حصلوني أما أشوف آخرتها إيه مع اللي مشغلكم لم ينتظر راسل وصول الرجال لسيارتهم، فعاد وأدار محرك سيارته، في طريق ذهابه لمنزل رياض النعماني. ظلت ولاء صامتة طوال الطريق، تفكر في تلك الصدفة التي حدثت لهما اليوم، غير غافلة عن ملامح الضجر التي احتلت قسمات وجه راسل.
فتحت البوابة الرئيسية لقصر النعماني، وعبرت من خلالها سيارة راسل، مر بالحديقة التي ملأتها الأضواء والأصوات كأنها مقام بها حفل. فذلك الأمر يعتاده سكان ذلك البيت، وجد رجالاً ونساءاً عدة يلتفون حول طاولات، يعمل فريق كامل من الشباب والشابات على تلبية مطالب الحضور. ولكنه لم يرى لرياض أثراً حتى الآن.
تقدم منه أحد الرجال يشير إليهما بأن يتبعاه. تلفتت ولاء حولها كطفلة، تستطلع المكان وذلك الحفل، الذي لا ترى مثيله سوى بالتلفاز. وصل الرجل بهما إلى صالة داخلية، كان يجلس بها رياض وميس، التي ما أن رأت راسل حتى تركت مكانها تقترب منه. فتبسمت بوجهه وهي تقول: -إيه المفاجأة الحلوة دي مبسوطة أنك جيت النهاردة لوى راسل شفتيه قائلاً بتهكم:
-لأ دا الباشا جدك جابني بالأمر كويس انه مخلّاش رجّالته يجرجروني لحد هنا وأنا مش عارف آخرتها إيه العمايل دي ولا عايز مني إيه تبسم رياض بخفوت على نبرة الاحتجاج بصوته. فظل يحرك عصاه بين يده الهرمة، كمن يريد زيادة غضبه، فنادى حفيدته بصوته الآمر: -ميس اخرجي الحفلة شوفي الضيوف على ما أتكلم مع راسل شوية لم تخالف له ميس أمراً من قبل، وحتى الآن فهي خرجت بعد أخذها وعداً من راسل بأنه لن يرحل قبل أن تراه.
كل هذا وولاء لا تفقه شيئاً مما يدور حولها. ولكنها انتبهت على صوت رياض وهو يشير لها بالجلوس، فاتخذت مكانها بالمقعد المجاور لراسل، كمن تستمد القوة منه. فهي وإن كانت تسمع عن مدى هيبة وثراء رياض النعماني، لم تضع ببالها أن يكون كل هذا حقيقياً. فهي ظنت أنهم يبالغون بالأمر. ولكن ما تراه الآن لم يبلغ معشار ما سمعته. خيم الصمت عليهم لمدة دقيقتين، فلم يجد رياض فائدة منه. فنظر لولاء قائلاً بهدوء:
-أنا عرفت أن في مشكلة عندك وكنتي عايزاني أحلها خير قوليلي نظر كل منهما للآخر، فمن أخبره بهذا الشأن؟ فتساءل راسل بشيء من الفضول: -وانت عرفت إزاي يا رياض باشا ولا تكونش العفاريت هي اللي قالتلك ولا شفتنا في فنجان القهوة بتاعك -قليل الأدب غمغم بها رياض، بعد أن دب الأرض بعصاه بخفة. فعاد معقباً بصوت رصين: -ميس هي اللي قالتلي على الموضوع نظر لولاء يحثها على الحديث: -قولي يا بنتي إيه مشكلتك
بالبداية فركت ولاء يديها ببعضهما البعض. فما لبثت أن بدأت حديثها معه، فأخبرته كل شيء، بداية من مضايقات فؤاد لها، حتى مجيئه لمنزلها من أجل خطبتها، وذلك الاتفاق بينه وبين والدها على أن يكون الزفاف بالقريب العاجل، ورفضها القاطع لذلك الرجل نظراً لسلوكه السيء. استمع لها رياض بانتباه. فبعد انتهائها، تبسم بوجهها باطمئنان وهو يقول: -خلاص متحمليش هم واعتبري أنك مشوفتيش اللي اسمه فؤاد سالم ده من أصله
بسماعها قوله، لم تحجم يديها عن التصفيق بحماس وسعادة. سرعان ما شعرت بالخجل والإحراج بعد رؤية راسل ينظر لها رافعاً حاجبيه. تبسم رياض على فعلتها. فبالأخير هو لديه حفيدة، ويعلم كيف تكون حالة الفتاة عند الحصول على مبتغاها. فهتف بها بصوت شابه الحنان: -انتي ممكن تخرجي الحفلة لميس وتبسطي شوية على ما أتكلم مع راسل
نظرت لراسل كأنها تريد معرفة رأيه بما سمعاه. فما كان منه سوى أن أومأ برأسه بهدوء، يحثها على الاستماع لما قاله رياض. فخرجت ولاء يتبعها حارس آمره رياض بإيصالها لميس بالحديقة. فبعد ابتعاد ولاء واطمئنانه أنه الآن برفقة راسل بمفردهما. استند بظهره للخلف، وذراعه ممدودة يمسك بها عصاه. انتظر راسل أن يقول ما يريد، ولكنه ظل يحدق به بصمت. فتأفف راسل من تلك الحالة فقال:
-ما تقول عايز مني إيه عشان أروح لأن مش هقضي الليل كله وأنا قاعد قدامك كده وساكت ومبحلقين في بعض حاول رياض إكساب صوته نبرة هادئة، عوضاً عن ذلك الحنق الذي يثيره راسل به دائماً: -كنت عايز أديك الفلوس اللي عاصم جبهالك وانت رفضتها ومعاها فلوس زيادة كمان -مش عايز منك حاجة وقولتهالك 100 مرة أنا مش محتاج منك حاجة لو انت اخر واحد في الدنيا صاح راسل بعبارته بانفعال حاد.
فما كان من رياض سوى أن ضرب الأرض بعصاه، فتحامل على جسده الواهن بفعل الكبر. فوجهه شديد الاحمرار من غضبه الذي ملأه من مجابهته له، ورفضه المتكرر لما يقوله. فوضع كفيه يستند بهما على عصاه يرمقه بشموخ. هتف به قائلاً بنبرة محذرة: -راسل أنا مش عايز بس أفكرك أن لولا أن لحقتك ورجعتك من إيطاليا كان زمانك ميت دلوقتي تصاعدت أنفاسه بغضب، فكور قبضة يده، كأنه يتأهب لعراك. فحف من بين أسنانه:
-ياريتك كنت سبتيني أموت كان أهون لأن أنا مش هطاوعك ولا أعمل اللي في دماغك فريح نفسك بقى يا رياض باشا سلام بعد أن أنهى حديثه، ترك مكانه وخرج للحديقة، ليبحث عن ولاء ليعيدها لمنزلها، ومن ثم يعود هو الآخر لمنزله. ولكن عيناه التي طافت بوجوه الحاضرين، رمقتها من بين الحضور. فما الذي أتى بها لهنا؟ تعاظمت دهشته عندما رآها تتحدث مع عاصم. فمن أين تعرفه؟
فإن كان راغباً بالذهاب منذ دقائق، صار الآن يتحرق للحصول على إجابات لتلك الأسئلة الكثيرة، التي ما فتأ يطرحها على ذاته بعد رؤيته لحياء هنا وبمنزل رياض النعماني. تجاهل نداء ولاء له، وتقدم منهما يحدوه الغضب، ولا يعلم علام غضبه الآن، هل لرؤيتها هنا؟ أم لرؤية عاصم منجذب بالحديث معها. -أنسة حياء بتعملي إيه هنا قالها راسل فجأة، فأنتفضت حياء التي لم تراه قادماً، نظراً لانشغالها بالحديث مع رب عملها "عاصم النعماني".
لا تعلم ذلك الشعور بالخجل، الذي ملأها بعد رؤيته، فخرج صوتها ضعيفاً وهي تقول: -دكتور راسل تجرع عاصم من الكوب بيده، وحدق براسل ملياً قبل أن يقول: -غريبة أنك هنا دا أنا معرفكش -أحسن أنك متعرفش، ثم أنا بكلمها هي مش انت
قالها راسل بفظاظة، فحول بصره عنه، وعاد ينظر لتلك التي خفضت وجهها أرضاً، كأنها قزمة بين عملاقين. وما زاد بإمتقاع لونها أكثر، هو اقتراب بلال منهم. ولا تعلم لما شعرت بأن كل منهم يحمل بعينه اتهاماً لها. ولكن لما هذا الشعور بداخلها؟ فبلال يشعر بالاستياء لاستئثار عاصم بالحديث معها، وعاصم يشعر بالضيق من راسل، وراسل يشعر بشعور كاسح من الغيرة. الغيرة!
ضم حاجبيه بغرابة، عندما اتضح له سبب ضيقه لرؤيتها مع عاصم. خاصة أنها اليوم كأنها هي حياء بذاتها، التي قابلها أول مرة، مع تغيير طفيف تمثل باحمرار وتوهج وجنتيها. فهل كانت سعيدة بالحديث مع عاصم؟ حمحمت حياء لتجلي صوتها وقالت: -أنا أبقى المساعدة الجديدة لعاصم بيه والحفلة عملها احتفال بصفقة جديدة لشركة من شركاته تبسم راسل بسخرية: -شركاته، أنعم وأكرم يا عاصم بيه انتفخت أوداج عاصم من حديث راسل، فاقترب منه قائلاً بصوت منخفض:
-ياريت تحترم نفسك شوية في ناس كتير حوالينا ماشي قبل أن يفه بكلمة، وجد ميس تقترب منه وجذبته من ذراعه وهي تقول: -حبيبي تعال عايزك في حاجة ضروري سحبته ميس معها، فظلت حياء تتبعهما ووجهها ملأه العبوس. فتلك هي المرة الثانية، التي تتمكن تلك الشقراء من أخذه قبل أن يكملا حديثهما. ولكن قبل أن يبتعدا أكثر، كانت ميس أسرعت بوضع يديها على كتفيه، تدعوه ليراقصها، بعد أن أوصت بموسيقى هادئة من أجل الحضور، إذا رغبوا بالرقص.
-يلا أرقص معايا ولا عايزني أرقص مع حد تاني قالتها ميس رغبة منها في مشاكساته. فما كان منه سوى أن وضع كفيه على خصرها، فتمايل معها برفق ولكن عيناه ترصد تحركات حياء من بعيد، حتى اختفت عن ناظريه. فظل يبحث عنها بعينيه، فهو لا يأمن صحبة عاصم لها. فهو ذائع الصيت بالعلاقات الغرامية. وما هي إلا فتاة صغيرة بالنسبة له. فهل حقاً هذا ما يخشاه؟ فخفض وجهه ونظر لميس قائلاً بغيظ:
-انتي عارفة لو شوفت حد حاطط إيده عليكي هكسر رقبتك يا ميس فاهمة اه نسيت أسألك انتي عرفتي إزاي بالموضوع اللي بيني وبين ولاء رفعت يدها الناعمة وربتت على وجنته وقالت بحب:
-حاضر يا حبيبي مش هرقص مع حد غيرك انت وخالو عاصم تمام كده وبالنسبة للموضوع اللي بتحكي عنه فأنا يوم ما مشيت أخدت بالي أن الأنسيال اللي كنت لبساه مش موجود فرجعت عشان أدور عليه في مكتبك فلقيت الباب مفتوح ووقفت أسمع بتقولوا إيه وكنت متأكدة أنك مش هترضي تيجي لجده، فأنا اللي قولته -ماشي هي ولاء راحت فين
قالها راسل وهو يدير رأسه ليبحث عن ولاء، فوجدها تجلس برفقة حياء. فزفر بارتياح. ولكن سرعان ما عاد إليه العبوس مرة ثانية، وهو يرى ذلك الشاب الذي رآه منذ دقائق جالس معهما. ترك ميس وذهب إليهم، سحب مقعد آخر من مقاعد الطاولة، وجلس مقابل لها. حل الصمت عليهم، كأن على رؤوسهم الطير. فهي تعبث بطرف حقيبتها ولا تلقي له بالاً. وهو يود أن لا يحجم لسانه عن سؤالها لما هي مازالت هنا؟ قال بلال وهو ينظر بساعة معصمه:
-حياء إحنا اتأخرنا يلا نروح -نعم يا أخويا تروحوا على فين صاح بها راسل بانفعال. فرفعت حياء رأسها، التي كانت تنكسها خجلاً وضيقاً. فضيقت عينيها وهي تقول بغرابة: -مالك يا دكتور راسل وتقصد إيه بكلامك ده ترك راسل مقعده وهو يقول بصوت عالٍ: -بلا دكتور راسل بلا زفت أنا عايز أعرف مين ده وهتروحي معاه على فين تركت هي الأخرى مقعدها، ووقفت مقابل له. فرمقته بضيق من فحوى حديثه فأجابته بتحدٍ: -وانت مالك وبتسأل ليه يلا بينا يا بلال
أخذت حقيبتها وهمت بالرحيل. فأولته ظهرها، ولكن نهرها عن أن تخطو خطوة أخرى وهو يقول بتحذير: -خطوة كمان يا حياء ومش هتعرفي اللي ممكن أعمله مما لا شك فيه أنه أصيب بالجنون تلك الليلة. استدارت إليه وهي متعجبة من أفعاله. فماذا يريد منها؟ ألا يكفيه تلك الشقراء أو تلك الفاتنة المسماة هند. ألا تكفيه صحبة هاتان الفتاتان. فبطواف وجوههما بمخيلتها، زادت حرارة انفعالها. فرفعت سبابتها وهي تقول بتحذير هي الأخرى:
-دكتور راسل أظن أنا مخصكش عشان تتحكم فيا وكفاية أنك فرجت الناس علينا وأنا مش هسمحلك أنك تكلمني بالأسلوب ده
قبل أن تخونها تلك العبرات، التي أحرقت جفنيها، كانت تهرول بخطواتها للخارج. فهي لن تنتظر مجيء بلال. فمثلما أتت اليوم بمفردها، بعد رفضها أن يصطحبها خشية إثارة الأقاويل حولهما، ستعود للمنزل. وليس هذا وحسب، بل ستعود باكية بسبب ذلك الراسل، الذي لم يعث أحد تغييراً بفصول حياتها، مثلما يفعل هو. فهو يجلب لها حرارة الصيف متمثلة بإلتهاب وجنتيها، وغيث الشتاء متمثلاً بعبرات عينيها، وجفاف الخريف متمثلاً بمجابهتها وتحديها له. ولكن موسم واحد لم تذقه بعد وهو موسم الربيع. ولكن كيف لها بنكران تلك النسمات، التي مست قلبها متمثلة بتلك القشعريرة والرجفة اللتان تسريان بحواسها من رؤيته وسماع صوته.
عملت على تجفيف عينيها بالمحرمة الورقية. فلم تنتبه سوى على يد قابضة على ذراعها. فألتفتت فجأة وجدت ولاء تقف بجوارها وهي تبتسم. فسحب ولاء يدها وهى تقول: -شكلي كده مكتوب عليا أعتذر لك بالنيابة عنهم نظرت حياء خلف ولاء، وجدته يقف على بعد عدة خطوات منهما. فذلك البارد لم يكلف نفسه عناء تقديم الاعتذار، بل أرسل تلك الفتاة عوضاً عنه. ولكن لا تعلم لما ثارت ثائرتها وبلغ حنقها منه ذروته. فردت قائلة باستياء:
-وتعتذري بالنيابة عنه ليه ملوش لسان يعتذر بيه، دا بسم الله ما شاء الله مفيهوش غير لسان زي الكرباج يوجع بيه كل اللي حواليه، عايزني أقبل الاعتذار أسمعه منه هو مش من حد تاني أقترب منهما ووضع يده بجيبه قائلاً بوداعة غير مألوفة: -عندك حق يا حياء في اللي قولتيلي ومقدرش أقول غير كده والا أبقى فعلاً معنديش دم وبارد تبسمت بداخلها على أنها سترى أخيراً رضوخه. ولكن سمعته يقول معقباً ببرود:
-بس المصيبة أن أنا فعلاً معنديش دم وبارد ومبعتذرش لحد حتى لو كنت غلطان تدلى فمها من قوله، فهي كانت تتحين تلك اللحظة، التي تسمعه بها يقدم لها اعتذاره. ولكنه يخبرها الآن صراحة عن أنها لن تنال تلك الأمنية. بل وجدته يقترب من سيارته يفتح الباب الخلفي قائلاً: -تعالي نوصلك بدل ما تروحي لوحدك في وقت زي ده لأن حتى مش هسمحلك تمشي مع اللي اسمه بلال ده فما ظنه بها، هل هي دمية سيحركها كيف يشاء وعليها هي القبول بذلك؟
أسرعت ولاء بتلطيف الأجواء، وهي تربت على ذراعها برفق: -تعالي متخافيش أنا معاكي وأبيه راسل معاه حق بلاش تروحي لوحدك إحنا في زمن مبقاش فيه أمان سحبتها ولاء من يدها، حتى وصلا للسيارة فتنحى جانباً، ليسمح لهما بالجلوس في المقعد الخلفي، ودار هو حول السيارة وأدار محركها ينطلق بها، يشعر بشعور المنتصر أنه لم يدعها تعود للمنزل بمفردها أو برفقة ذلك الشاب المدعو بلال.
فكلما التقت عيناه بعينيها في المرآة، ترمقه بغيظ. فكم يشعر هو بالسعادة الآن، وهو يراها تعود من جديد. لتلك الفتاة، التي كانت كلما قابلته يشتد النقاش بينهما ويصبح أكثر حدة خاصة بإظهارها تحديها له. ولكنه عاد وتذكر من يكون، وتذكر ذلك العهد الذي أخذه على نفسه، من أن لا يجعل تلك المشاعر تزوره ثانية. فكيف غفل عن كل هذا؟
أو بالأدق لماذا سمح لقلبه بنفض ثرى الذكريات المرة عنه، ويرغب في منحه فرصة أخرى من أن يتذوق حلاوة الشعور بكون أنثى تسكنه وتملكه. ولكنه لا يريد أي أنثى سوى تلك التي مسماها حياء.
صوت جرس الباب الملّح، جعلها تفيق من سباتها، وهي تجاهد على فتح عينيها. فربما هي نائمة منذ ساعات. فركت عينيها وألقت ببصرها على زوجها النائم هو الآخر يغط بنوم عميق. فشقت ابتسامة عاشقة شفتيها، وهي تتأمل قسمات وجهه المسترخية. فتذكرت كيف كان سعيداً، عندما هاتفته وأخبرته أنها بانتظاره أمام تلك الشقة، التي من المفترض أن تكون عش الزوجية الهادئ الخاص بهما. فبدقائق معدودة وجدته يترك عمله ويهرول عائداً إليها.
رنين الجرس ثانية، جعلها تكف عن تأملها وتذكرها لأحداث الأيام القليلة الفائتة، والتي لم تعِ كيف صمت والدايها بعد رحيلها، وتركها تلك الرسالة الورقية لهما، بأنهما إذا اعترضا طريقها، ستتخذ أقرب وسيلة لها للخروج من المنزل، ولن يراها ثانية. وضعت رداء على ثوبها البيتي، وشدت رباطه على خصرها، ووضعت حجاب على رأسها. خرجت من غرفة النوم وأقتربت من باب الشقة. فتحته بحرص على ظهور رأسها فقط، فهي لا تعلم من يكون زائرهما بهذا الوقت:
-أيوة مين -أنا يا روح ماما قالتها قسمت وهي تظهر أمام عينان ابنتها، كأنها ظهرت من العدم فجأة. أزدردت هبة لعابها، وهي ترى والدتها تقف أمامها، كأنها جلاد جاء لتنفيذ حكم قاسٍ بها. فتلعثمت بجوابها: -ماما اتفضلي تنحت هبة جانباً، لتسمح بمرور والدتها للداخل. فولجت قسمت وهي تجيل ببصرها في أرجاء الشقة كافة. ولكن نظراتها تحوي احتقاراً واشمئزازاً. فأتخذت مجلساً لها من أقرب مقعد قابلها بالصالة.
وضعت ساق على الأخرى، ترمق ابنتها بانزعاج لم تستطيع إخفاءه عنها فهتفت بصوت يحمل بين طياته الوعيد: -يعني ينفع اللي عملتيه ده يا هبة تسيبى البيت وتهربي هي دي أخرة تربيتنا فيكي عايزة تحطي راسنا في الطين وسط الناس وتعملينا فضيحة حملقت بها هبة بغرابة وهي فاغرة فاها من حديثها. فعن أي فضيحة هي تتحدث؟ فهي لم تفعل شيئاً خاطئاً بل ذهبت لزوجها. فهي من كانت ترفض ارتباطها به. فقالت هبة بغرابة:
-فضيحة إيه يا ماما هو لاسمح الله هربت مع حد أنا جيت لجوزي يعني لا عيب ولا حرام وكان ممكن أخرج من البيت زي أي بنت بفستانها الأبيض بس انتي اللي كنتي عايزة تبعديني عنه وتطلقيني منه وده ميرضيش ربنا ولا يرضي حد وأنا خلاص مبقتش حابة أعيش في بيتكم اكتر من كده قصدي بيت خالي عرفان الله يرحمه اللي انتوا سكنتوه بعد خرابه وموت أصحابه، حتى حياء مرحمتوهاش
بإتيانها على ذكر أن ما تملكه الآن، ويجعلها تتخذ دورها الصارم معها، كان بالماضي ملكاً لأخيها، جعلها تنتفض من مكانها، فاقتربت منها تقبض على خصيلاتها بقوة، جعلت هبة تشعر بألم شديد برأسها. فصاحت هبة بتألم: -ماما حرام عليكي سيبى شعري وجدت هبة وحيد، يسرع بخطواته إليهما، وعمل على تخليص شعر زوجته من يد والدتها، فغامت عيناه بسحابة من الغضب. فهدر وحيد بصوت عاصف: -في إيه بتضربيها ليه ملكيش دعوة بيها تاني
استكانت هبة بين ذراعي زوجها، وهو يضمها إليه يربت عليها بحنان، فوضعت رأسها على صدره، تمسح بيدها عيناها الباكية بسبب قسوة والدتها. ولكن لم يكن تحذير وحيد لقسمت، سوى وقود لنيران الحقد بقلبها. فعوضاً عن صمتها، قامت بدفعه هو الآخر، حتى كاد يسقط أرضاً هو وهبة. فأتسعت طاقتها، تزفر بضيق فصاحت بوجهيهما:
-انتوا مفكرين أن أنا هسيبكم في حالكم لاااء انتوا غلطانين، وأنا مش هخليك تفرح أنك أخدتها مننا، أنا سبتهالك كام يوم عشان كنت بحضر الورق ده أخرجت من حقيبتها عدة أوراق، ومدت يدها بها له، فأخذها من يدها وطافت عيناه بها وهو لا يفقه شيء. فتحول ببصره عن الأوراق، ونظر لوجه والدة زوجته المحتقن بدماء الغضب، فقال بتساؤل: -أوراق إيه دي
-دي أوراق اتفاقية خليت المحامي يعملها، أنك تطلق هبة مقابل ان هديك ٢ مليون جنيه وشقة في أفخم مكان فيكي يا إسكندرية قالت قسمت عبارتها، وهي تنظر لوجه ابنتها، الذي أيقنت أنه نضب منه الدماء. فألتوى ثغرها بابتسامة من تخيلها أن وحيد سيوافق على عرضها المغري، فمن بإمكانه أن يرفض مبلغاً كهذا.
ارتعدت فرائصه بعد حديث قسمت، فأرخت ذراعه الملتفة حول كتف هبة، فأعتدلت هبة بعدما كانت منحنية الرأس على صدره، خوف وترقب سكن خلايا جسدها، فما دليل صمته، هل سيوافق؟ هل سيتركها بعدما يأخذ ثمن فراقه عنها؟ تعالت دقات قلبها، حتى شعرت به كاد ينفذ من بين أضلعها. فعندما همت بفتح فمها لتسأله عن سبب صمته، وجدت يشق الأوراق لقطع صغيرة، يلقيها على الأرض. فقال بصوت هادر: -هو انتي مفكراني أن أنا هفرح بعرضك ده وأسيب هبة،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!