الفصل 25 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
16
كلمة
9,179
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

حاول إيجاد تفسير لرجفة يدها بين كفه ولم يجد. فما يعني ارتجافها بعد رؤيته؟ هل تشعر بالصدمة والحيرة لرؤيته هنا؟ أم ماذا يعني ارتخاء أصابعها المضمومة على ظاهر يده وهو آخذ يدها بين كفه العريض؟ فصبت البرودة بأطرافه صبا، فسَهل عليها الإنسلال من التحام كفيهما معًا. فارتطمت ذراعه بجانبه كضربة السوط. فهو حتى لم يرَ النظرات المحدقة بهما بغرابة من تيبس قدميهما وتصلب وقفتهما. ابتلع نادر ريقه كأنه نيران من جوف الجحيم.

تحوم برأسه العديد من الأسئلة والأفكار. فما سبب مجيئهما سويًا؟ أو ماذا تفعل حياء مع راسل؟ فهو كان يعلم مدى كرهها لمجرد ذكر اسمه. وحتى إن كان يعلم أن ميس كانت تنهي تدريبها بمشفاه، إلا أنه لم يجد تفسيرًا لوجوده هنا في قصر النعماني. فهو ظن أن ميس لا تربط بينهما صلة، سوى أنها أرادت العمل مع طبيب جراح ماهر مثله. فعقدت سوزانا حاجبيها وقالت بغرابة: –فيه إيه مالكم واقفين كده ليه؟ ما تقعدوا.

حدق بها راسل ببلادة بادئ الأمر، إلا أنه وعى على حاله عندما وجد رياض يدب الأرض بعصاه، ليستجلب انتباهه الشارد. فحمحم يجلي صوته الرصين وقال: –فيه إيه يا راسل؟ ما تقعد أنت ومراتك. أنتوا مبسوطين بالوقفة؟ "مراتك! ارتطمت الكلمة بأذني نادر، كارتطام الرأس بسطح الأرض عند السقوط من مرتفع شاهق. فكيف اجتمع هذان الاثنان بميثاق الزواج؟ وماذا حدث بتلك المدة القصيرة التي اختفى بها عن مصر؟

فمن الظاهر للعيان، أنه حدث الكثير بتلك الأوان. فهمهم نادر من بين شفتيه بصدمة: –مراتُه! تبسمت ميس له وقالت كأنها تفجر مفاجأة كبرى: –إيه رأيك في المفاجأة دي؟ أقدم لك دكتور راسل رياض النعماني، عمي. فغر نادر فاه مما سمعه، فلابد أن اليوم هو يوم المفاجآت التي لم يجرؤ على التفكير بها يومًا. "عمها!! فماذا تعني بقول تلك الكلمة؟ اعتصر راسل عينيه وهو يقول، كأنه لا يفقه شيئًا مما يحدث: –هو دكتور نادر العريس؟ إزاي؟

أنا مش فاهم حاجة. وهو أنتوا عرفتوا بعض إزاي؟ ثلاثة فقط بتلك الجلسة هم من يفهمون ما يدور هنا. أما باقي الجالسين فلم يفقهوا شيئًا، خاصة رياض. فمن أين يعلم راسل اسم ومهنة الرجل الذي تقدم لخطبة حفيدته؟ ارتكز بكفه على رأس عصاه وهو يستند بظهره لمقعده الوثير، فقال بهدوء يشبه الهدوء قبل العاصفة: –أنا اللي المفروض أسأل. إيه؟ ومالك أنت ومراتك سهمتوا كده مرة واحدة؟ وهو أنت تعرف دكتور نادر منين؟

انسحب راسل حياء من مرفقها، حتى أجلسها بمقعد مجاور لذلك المقعد الذي جلس عليه هو فيما بعد. فجلس واضعًا ساقًا على الأخرى، وارتكز بمرفقه على طرف المقعد، واستند بذقنه على ظاهر يده يحدق بنادر وهو يقول بثغر ملتوي: –أنا أعرف دكتور نادر عشان كان شغال عندي في المستشفى وسابها من حوالي كام شهر بس. ربتت ميس على يد جدها وهي تقول باسمة: –هو أنت يا جدو نسيت لما حكيت لك عنه؟

إني قلت لك أتعرفت عليه في المستشفى عند راسل. بس هو كان جاله فرصة عمل بره بس مرتحش هناك ورجع مصر تاني. نظرت حياء لنادر، كأنها تنظر له من مكان بعيد، أو كأنها تحدق بالفراغ. فهي لم تضع ببالها يومًا أنها ستراه ثانية. ولكن أن تراه هنا وبهذا القصر، وليس هذا فحسب، بل تقدم لخطبة ابنة شقيق زوجها! فربما تلك مزحة أو حلم.

حاول نادر بالبداية الهرب من النظر إليها، ولكن بالنهاية صارت عيناه بمواجهة عينيها المتسعتين قليلاً، كأنها تعبر عن دهشتها برؤيته. ولكنه لم يغض الطرف عن شفتيها، التي كلما حاولت الحديث، عادت وضمتها ثانية. ولكن كأن تلك الجالسة أمامه ليست حياء التي كان يعرفها بيوم ما. فهي صارت أكثر نضجًا وبها جمال خاص. وجنتاها المتوردتان، وشفتيها المكتنزتان، وعيناها كأنها تفيض بنهر من حبات البندق الفاخرة. فهل يعود كل هذا لزواجها من راسل؟

فهل هو من اقتنص تلك الزهرة الندية التي كان يمني نفسه بها بوقت من الأوقات؟ أصدرت أسنانه صوت صرير منخفض، وهو يطحنها ببعضها من خلف شفتيه المغلقتين كبوابة حصن منيع. فشعور كاسح بالغيرة ملأ أوردته. ويعلم أن لا يصح له بها، فهو من تركها بالبداية. ولكن لما يشعر الآن بأن راسل أخذها منه عنوة؟ تتبعت عينا راسل تلك الوجهة التي قصدتها خضراوتى نادر. فرآه يحدق بحياء، زوجته، حبيبته، معشوقته، رفيقة لياليه الحالمة.

ود لو أن يقوم من مكانه ويقتلع عيناه من محجريهما. فأراد فض تلك الجلسة قبل بدئها. فحمحم قائلاً ببرود: –متأسفون يا دكتور نادر. معندناش بنات للجواز. شهقت ميس بصوت منخفض من قول راسل، وتعجب والده. ولم يخفَ عاصم وسوزانا دهشتهما. فنادر لم يفهم بكلمة بعد، فهو أتى قبل مجيئه بخمس دقائق فقط. فدمعت عينا ميس وهي تقول بعدم فهم: –راسل؟ هو فيه إيه؟ أنت قلت إيه دلوقتي؟ قفز راسل من مقعده واقفاً على قدميه وهو يهدر بصوت غاضب:

–قلت اللي كلكم سمعتوه. معندناش عرايس لك يا دكتور نادر. شوف لك عروسة في حتة تانية. لكن بنت أخويا للأسف أنت متنفعلهاش. وده آخر كلام ومفيش غيره. نهضت ميس هي الأخرى، فصارتا كندين بمواجهة شرسة. فامتلأت عيناها بغضب عارم وهي تقول: –راسل! هو أنت بتتكلم كده ليه؟ هو أنت اللي بتقرر عني؟ ثم إحنا بنحب بعض وأنا حكيت لجدو على كل حاجة. ولا أنت مش موافق عشان هو مش غني زينا؟ ماهي مراتك هي كمان مش غنية. دي حتى ملهاش أهل. –اخرسي.

قالها راسل ولم يمنع يده عن صفعها. فوضعت ميس يدها على وجنتها وعيناها تكاد تترك محجريهما. فهل صفعها حقاً؟ هل هذا هو عمها الذي حرص على رعايتها دائمًا؟ هل هذا هو من وضعته بمكانة الأب والأخ والصديق؟ هل هذا الذي من أجله لم تستمع لقول والدتها بالابتعاد عنه؟ نظر راسل لكف يده الممدود بدهشة. فحول بصره لوجه ابنة شقيقه التي تفجرت الدموع في عينيها وهي ما تزال واضعة يدها على وجنتها التي تلقت الصفعة من كفه العريض.

حاول الاقتراب منها ليبدي أسفه واعتذاره على ما بدر منه وهو يقول بندم: –ميس؟ أنا مش قصدي اللي حصل ده. أنا... فما كان منها سوى أن رفعت يدها تشير له بالالتزام مكانه، وعدم تقدمه خطوة أخرى، أو التفوه بكلمة وهي تقول بصوت كالصقيع: –خليك مكانك. أنا من النهاردة مليش أعمام. وزي ما أنت متبري من العيلة كلها، اتبرأ مني أنا كمان. خلاص يا راسل؟ انسى إني أنا بنت أخوك.

نهضت حياء من مكانها على وجه السرعة، وخطت خطوتين تجاه ميس، تحاول أن تخفف من وطأة الجو المشحون بالتوتر. فمدت يدها تربت على ذراع ميس وقالت: –ميس معلش متزعليش من راسل. هو ميقصدش، هو عمك وعارف مصلحتك. نفضت ميس يد حياء عن ذراعها وهي تقول بإصرار: –أنا قلت مليش أعمام. وجدي وخالي هم اللي يقرروا مش هو. يا خسارة. بكت ميس بقهر. فليس من السهل بمكان أن تنقطع أواصر العلاقة بينها وبين راسل هكذا بكل بساطة.

ولكن تلك الدماء النافرة في عروقها، وغضبها الأعمى، جعلها لا ترى سوى أن راسل يحاول الفراق بينها وبين نادر. وهذا ما لا تريده. اقتربت سوزانا منها واحتضنتها بين ذراعيها تمسد عليها بحنان. ولم تخفِ نظراتها المتعجبة التي تنظر بها لراسل. فلم هو أسرع بإبداء رفضه لتلك الزيجة؟ تلك هي فرصته التي جاءته على طبق من ذهب. فهو رأى تعلق ميس به، بل أنها ستتخلى عن رابط الدم بينها وبين راسل من أجله.

فلم يجد ضررًا من ادعاء الحزن والشهامة المزيفة. فترك مقعده وهو يحني رأسه، وخرج صوته خافتًا بحزن: –ميس؟ أنا ميرضنيش إن يكون فيه خلاف بينك وبين عمك أو بين أي حد من عيلتك. عشان كده أنا بنسحب قبل ما يتطور الخلاف بينكم أكتر. عن إذنكم، وفرصة سعيدة إن قابلتكم. فتحت حياء فمها بدهشة من إتقانه لدوره ببراعة. فهي علمت أن كل ما تفوه به ما هو إلا كذب. فمن قبل خدعت به وبوسامته، وبإتقانه دور العاشق المغرم.

فقبل أن يترك غرفة المعيشة، كانت ميس صارخة باسمه بتحدٍ وهي تحدق براسل: –استنى يانادر! أنا لسه مقولتش رأيي ولا جدو ولا خالو عاصم. واعتبر اللي سمعته من عمي مسمعتوش. كأنها قذفته بحجر فأصاب رأسه. فظل يطالعها بحيرة، من أنه كيف تبدل حالها هكذا بلحظة واحدة، ومن أجل من؟ من أجل ذلك المخادع؟ فربما هو لم يسمعها صريحة من زوجته، تلك الأسباب التي جعلته يتركها بمفردها.

ولكنه ليس بطفل حتى لا يستطيع أن يلاحظ أنه فعل ذلك لأنها أصبحت بلا مأوى أو عائلة، أو لا تمتلك إرثًا يجعله يأمن زواجها. قبل أن يهم راسل بالرحيل، خرج رياض عن صمته وهو يقول بهدوء ليضع حدًا فاصلًا لتلك المهزلة التي يراها في منزله: –اتفضل أنت دلوقتي يا دكتور نادر ولينا كلام تاني. وأنتِ يا ميس مش عايز أسمع منك كلمة تانية. واتفضلي على أوضتك. دبت ميس الأرض بقدميها وهي تقول بغيظ: –حتى أنت كمان يا جدو.

بإشارة من سبابته، جعلها تبتلع باقي حديثها في جوفها. فهي يجب أن تطيع أمره في الحال. فليس معنى أنه دائمًا لا يرد لها مطلبًا أو أمنية، وتستأثر بمكانة عظيمة لديه، بأنه سيجعلها تعصي أمره. حتى وإن كان أمرًا بسيطًا كهذا. فرحل نادر وشفتاه لا تكف عن الهمهمة والتذمر. فمن أين جاء راسل ليفسد له تلك الزيجة التي كان يأمل أن يوفق بها لينعم بثراء ونعيم يفوق ما كان سينعم به بمال عرفان. فكل هذا يحدث، وعاصم جالس صامتًا.

حتى أنه لا ينتبه على ما يجري حوله. فهو لا يرى أمامه سوى وجه من سلبته عقله منذ زمن بعيد. ولم ينتبه إلا على مناداة عمه لراسل، الذي أخذ زوجته ورحل من القصر. قبل أن يقدم تفسيرًا لأبيه عن سبب رفضه لزواج نادر من ميس. فهو أعلن راية الرفض والاعتراض بدون أن يقدم أسبابه الجهورية لفعله ذلك. *** تلك الغرفة الفسيحة شعر كأنها صارت جحرًا، خاصة وهو يراها تقف أمام الفراش، عاقدة ذراعيها وتحدق به بصمت دام قرابة العشر دقائق.

فذلك الهدوء والبرود الذي غلف قسمات وجهها، يعلم أن خلفه بركان ثائر، وستخرج حممه البركانية من فمها الآن. زاد خوفه ورهبته أكثر وهو يسمع صوت حذائها على الأرضية، كأنه جرس الخطر الذي يقترب منه. فانحنت وألتقطت المفتاح الخاص بالأصفاد الحديدية من على الكومود المجاور للفراش. ومدت ذراعيها وألقت به من نافذة الغرفة. فناء بجسده قليلاً عنها، كأن الموت يحدق به. كيف يواجهها إن لم تتحرر يداه؟

فأسرعت بسحب الملاءة التي كانت على وشك السقوط، وألقتها على جسده ثانية. وسحبت قطعة القماش من على فمه. حاول إيجاد ما يبرر به موقفه، فتصاعدت أنفاسه بلهث وهو يقول باستجداء: –قسمت والله ده ملعوب معمول فيا من جوز حياء. هو اللي زق البت عليا عشان يوقع بينا. صدقيني. أخرجت قسمت سكينًا، ألْمع نصله تحت إضاءة الغرفة، فقالت ببرود: –وأنت مفكرني هصدقك يا شُكري بعد الفيديو اللي شوفته؟ أنت مفكرني هبلة؟

أنا جيت لك عشان أشوفك مذلول وأنا بصفي دمك نقطة نقطة. بقى أنا يا واطي أعمل اللي عملته ده كله عشانك، والآخر تخونى؟ دا أنت خليتني أشارك في قتل أخويا. كان عنده حق عرفان ميبقاش طايقك. كان عارف إنك واطي وزبالة. بس أنا اللي كنت متعلقة في حبال الهوى الدايبة. أطاحت بيدها عاليًا، وهبطت بالسكين في منتصف صدره وقالت: –دي عشان خلتني أطاوعك في قتل أخويا. سحبت السكين وغرستها ثانية في صدره وهي تكمل حديثها:

–ودي عشان كنت مستغفلني وبتصرف الفلوس على النسوان اللي تعرفها. أعادت الكرة مرة ثالثة وهي تعقب: –ودي عشان أخلص منك خالص يا شُكري وأرتاح منك ومن عمايلك المقرفة. كلما سحبت نصل السكين من جسده، تتصاعد أنفاسه معها. فتعود وتعلق بحلقه بغرسها في مكان آخر. فانقطع صراخه وتحشرجت أنفاسه. فهو يرى ظلام النهاية يزحف إليه، ولم يكن باستطاعته درؤها عنه ويداه مقيدتان. فجحظت عيناه، وفمه مازال مفتوحًا، كأنه يحاول أن يقول شيئًا.

ولكن جاءت اللحظة الأخيرة، وانتهى كل شيء. فالدماء تناثرت بالفراش، والملاءة البيضاء استحال لونها للون الأحمر، كأنها غُمست بنهر من الدم. وعت قسمت على ما فعلته، عندما رأت الدماء تقطر من السكين الذي ما تزال تحمله بيدها، ومتأهبة لطعنه من جديد. فألتقت السكين من يدها، وسقطت على جسده المغدور. فتلك الطرقات العالية والملحة على باب الشقة جعلت الخوف يسكنها. فماذا تفعل هي الآن؟

فربما استمع الجيران لصوت صراخ شُكري واستجداءه لها بعدم قتله. فلم يدم الأمر طويلاً، حتى وجدت عدة رجال يقتحمون الشقة. فوصلوا لغرفة النوم، ورأوا شُكري مقتولاً، وقسمت تقف بجوار الفراش ويدها ما تزال تحمل آثار الدماء. فصاح أحد الرجال قائلاً وهو يشير إليها: –دي قتلته! قتلته! بلغوا البوليس بسرعة! سمعت قسمت صياح الرجل، فظلت قدماها ترتد للخلف. فهي كأنها تريد الهروب من تلك الأصوات والصيحات.

فربما حالفها الحظ بأن باب الشرفة مفتوح، كأنها أعطيت فرصة للابتعاد عن مرمى أيديهم. فتوقفت قدماها عن الحركة بعد اصطدامها بطرف سور الشرفة المنخفض من أحد جانبيه. حاول رجل منهم الاقتراب منها ليمنع فرارها. فرفعت يديها وهي تصرخ بهستيرية: –لأ! لأ! لأ! ظلت تصرخ بكلمة الرفض، وهي رافعة يديها. لتمنعه من الاقتراب منها، فلم تنتبه أن ربما طولها الفارع سيسبب اختلال توازنها. فهي كلما كانت تنأى بجسدها عن يد الرجل، تقترب أكثر من السور.

حتى طاح جسدها من الشرفة، وسقطت أمام البناية غارقة بدماءها. فالشقة كانت بالطابق السابع، فارتطامها بالأرض أدى لتهشم رأسها بالحال. نظر الرجل لقسمت من الأعلى وهو يقول بصدمة: –ألحقوا! دي وقعت في الشارع! أسرع أحد الرجال بإبلاغ الشرطة. فساد الهرج والمرج في البناية السكنية، وخرج كل قاطنيها ليشهدوا تلك الواقعة. التي أقدمت بها قسمت على قتل زوجها، واختلال توازنها وسقوطها من الشرفة. فكل من الحاضرين يضع سيناريو خاصًا به للواقعة.

فمن لديه علم بها أو ليس لديه، كان يبدي رأيه. ولم تغب كاميرات الهواتف عن تسجيل الحادث بالصوت والصورة، ليتم تداولها عبر وسائل الإعلام المختلفة. أمر الضابط العساكر بفض تجمع الناس حولهما، حتى يتسنى لرجال الإسعاف حمل الجثمانين. الذي فارق أحدهما الحياة وهو شُكري، وقسمت التي ما تزال على قيد الحياة، ولكن ربما ستفارقها بين ثانية وأخرى. فأمام مشفى حكومي، وصلت سيارة الإسعاف، وأسرع الرجال بإدخال جسد شُكري وقسمت. فسمع أحد الرجال

صوتها الخافت وهي تقول: –بنتي هبة عايزة أشوفها. حد يجيب لي هبة. قال الرجل وهو يوزع نظراته بين رفيقه وقسمت: –دي شكلها كده بتنادي على بنتها. ونجيبها منين دي دلوقتي؟ دفع رفيقه السرير المستلقي عليه جسد قسمت وهو يقول بهدوء: –خلينا الأول ندخلها أوضة العمليات ونشوف مين بنتها. دي شكلها مش هتلحق حتى تشوفها. دي شكلها بتطلع في الروح كمان. سمعت قسمت قول الرجل، فهي تكاد ترى نهايتها تقترب.

فابتلعت لعابها وبللت شفتيها قبل أن تقول بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها: –قولوا لهبة تخلي بالها من أخواتها. هي هتربيهم أحسن مني. أسرع الرجلان بإدخالها غرفة الجراحة. فربما الطبيب يعمل على إنقاذها، ولكن نفذ أمر الله. وصعدت روحها قبل أن يقترب الطبيب منها، ففحصها للمرة الأخيرة. وسرعان ما رفع وجهه لمن حوله قائلاً بمهنية: –دي خلاص ماتت. حطوها في التلاجة وحد من أهلها ييجي يستلم الجثة.

سحبت الممرضة طرف الملاءة على وجهها، وقامت بدفع السرير في طريقها ليضعوا جثمانها في الغرفة المخصصة للموتى بالمشفى. فقابلها الضابط وعلم أن ليس لديه ما يقوله. فالجانية والمجني عليه، صاروا بتعداد الأموات. ولكن عليه البحث عن أقاربهما. فالقضية انتهت قبل أن تبدأ. فالطرفان انتهت حياتهما على النحو الأبشع. فزوج قتل مغدورًا على يد زوجته، وزوجة انتهت حياتها بخطأ منها. ولكن قصاص الله عادل.

فمثلما ساهموا بقتل رجل وامرأة غدرًا بدون ذنب، وطمعا بمالهما، انتهت أعمارهم ولم يأخذا معهما دينارًا ولا درهمًا. *** أحنى نادر جذعه العلوي ليتفادى اصطدام تلك القنينة برأسه، والتي قذفها شقيقه نصر بغيظ رغبة منه في تحطيمها على رأسه. ألا يكفي أنه عاد لمصر بدون إخباره؟ وليس هذا فحسب، فهو أتى إليه الآن راغبًا في أن يقدم له يد المساعدة لإتمام زواجه من ميس النعماني. فنصر ثارت ثائرته بمجرد سماع كنية تلك العروس المستقبلية.

فهو كمن يريد الدخول لعرين الأسد بقدميه. فحتماً سيصبح فريسة سهلة الاصطياد من قبل رياض النعماني. وربما يتسبب في كشف غطائهما، المتواري أسفله حقيقتهما البشعة. فصرخ نصر وعروقه نافرة: –أنت اتجننت يا نادر؟ عايز تتجوز حفيدة رياض النعماني مرة واحدة؟ دا لو بس عرف إحنا مين هيخلينا عبرة لمن يعتبر. وإزاي ترجع مصر من غير ما أعرف؟ ودلوقتي جاي وجايب لي مصيبة في إيدك.

رفع نادر يديه يحاول أن يهدأ من ثورة شقيقه، التي صب جام غضبها عليه منذ رؤية وجهه، فقال بلين ولطف: –نصر اهدى واسمعني. صدقني دي فرصة متتعوضش. أطاح نادر بالباقي من رزانة شقيقه نصر. فعلى حين غرة، كان نصر قابضًا على شعر نادر بغيظ، فهز رأسه وهو يصرخ قريبًا من أذنه: –أه فرصة متتعوضش تفتح بها أبواب جهنم في وشنا صح؟ أنت أهبل يا ابني؟ دا رياض النعماني! رياض النعماني! الله يخرب بيتك!

هو أنت مفكر إنه مش زمانه دلوقتي بيدور على أصلك وفصلك؟ ومش بعيد كل حاجة تنكشف وألاقي نفسي مشرف في السجن وأنت معايا. يعني أنا أفضل ده كله بعيد عن عينيه، وتيجي أنت تسلمنا ليه تسليم أهالي يا غبي؟ تألم نادر من جذب شقيقه لشعره، فدفعه عنه يصيح بصوت متألم: –بس يا أخي وبطل جنانك ده. هيعمل إيه يعني؟ دا أنت لو فكرت فيها إحنا هنبقى أسياد البلد. قال نصر وهو يبتسم بسخرية: –قصدك أسياد السجون لما أشرف فيه أنا وحضرتك.

غرز نادر أصابعه في شعره، يعيد ترتيبه بعد أن عاث به نصر شدًا وجذبًا. فعدل هندامه وهو يقول ببرود: –أنت ناسى إن محدش يعرف إن إحنا أخوات؟ ثم أنا عرفت أوقع ميس النعماني إزاي؟ دي بقت خاتم في صباعي. حتى مش هتصدق إن دكتور راسل صفى الدين طلع عمها وإسمه راسل رياض النعماني. إزاي؟ أهو ده اللي هتجنن وأعرفه. ومش بس كده، لاء دا كمان اتجوز حياء. قطب نصر حاجبيه قائلاً بغرابة: –اتجوز حياء؟ وهو يبقى ابن رياض النعماني؟ إزاي؟

هو أنت بديت تخرف يا نادر؟ إيه علاقة كل دول ببعضهم؟ لم يكن لديه ما يجيب به. فكانما اجتمع أناس من المشرق مع آخرين من المغرب. فرنين هاتفه باسم ميس، جعله ينزوي بأحد أركان الصالة، ووضع الهاتف على أذنيه. فجاءه صوت ميس متلهفًا: –نادر؟ أنت سامعني؟ رد علي. رد نادر بصوت حاول أن يسكن حروفه الحزن: –أيوة يا ميس سامعك. إزاي يعني مقدرش أرد عليكِ؟

أنتي حبيبتي يا ميس. ولو حبنا هيبقى عقبة بينك وبين أهلك، أنا على استعداد أن أتخلى عن حبنا عشان بس سعادتك وراحتك. دمعت عيناها وقالت بغصة: –متقولش كده يا نادر. أنت عارف أنا بحبك قد إيه ومقدرش أستغنى عنك. وإن كان على اللي عمله راسل، كأنك مسمعتوش. –هو ليه خبيتي عليا إن راسل عمك؟ وأنا اللي كنت مستغرب أنتي ليه بتتدربي عنده وأنتي بإمكانك يبقى عندك مستشفى أكبر من المستشفى بتاعته. قالها نادر بفضول، وانتظر سماع إجابتها.

فالليلة أثارت فضوله أكثر من أي ليلة مضت بحياته. فردت ميس قائلة بصوت خفيض: –كنت عايزة أعملها لك مفاجأة وكنت فاكرة أنه هيرحب بجوازنا طالما أنت كنت شغال في المستشفى بتاعته وعارفك كويس. بس طلعت غلطانة. مش عارفة ليه هو أخد الموقف المتشدد ده ورفض حتى قبل ما حد ينطق بكلمة. ضغط نادر بأصابعه على الهاتف وهو يقول من بين أسنانه:

–تلاقي ده كله عشان حياء مراته. أنتي عارفة إني قولت لك إني كنت خاطب واحدة قبل كده وسيبتها. فخطيبتي الأولى دي كانت حياء مرات راسل. شهقت ميس بخفوت وهي تقول بدهشة: –حياء كانت خطيبتك؟ مسح نادر فمه قبل أن يقول بابتسامة ساخرة:

–أيوه حياء. وكان سبب الخلاف بينا عمك راسل. كنت حاسس إن فيه حاجة بينهم، عشان كده سبتها. محبتش أبقى مخدوع. فشيلتها من قلبي وقابلتك أنت وقلت إنك هتنسيني صدمتي في حبي الأولاني. بس طلعت الظروف ضدي. وأكيد عمك رفض جوازنا عشان مراته. يعني هما الاتنين تلاقيهم اتحالفوا ضدنا وعايزين يفرقونا عن بعض. مش مكفيهم كسرة قلبي في الأول جايين دلوقتي وعايزين يضيعوكي مني يا ميس. انتهى من حديثه الكاذب وهو يبتسم بخفوت لشقيقه.

فلم يكتفِ بذلك، بل أنه أخرج لسانه ليغيظه ويريه براعته بالتأثير على ميس، وكيف حول دفة الأمور لصالحه. سحب الهاتف من على أذنه، وفتح زر مكبر الصوت، ليستمع نصر لرد ميس: –وأنا مش هسمحلهم إنهم يفرقوا بينا يا نادر. وجوازنا هتم غصب عنهم ومش هنخليهم يخربوا حياتنا. أنا أعرف إزاي أأثر على جدو وأخليه يوافق. ثم أصلاً فيه خلاف بين جدو وراسل. مظنش إنه هيسمع له. فخليك متأكد يا نادر إن أنا هفضل أحاول لحد ما أتمم جوازنا.

زادت ابتسامته اتساعًا وهو يقول بانتشاء: –وأنا عهد عليا يا ميس إن جوازنا تم، هخليكي أسعد واحدة في الدنيا دي كلها ومش هيبقى فيه اتنين أسعد مننا. لأن أنا بحبك أوي يا حبيبتي. تلا وعوده وعهوده على أذنيها، فأطمأن بالها من حديثه، وأغلقت الهاتف. بينما هو عقد ذراعيه وهو ينظر لشقيقه نظرة انتصار. فقال بزهو وتفاخر: –إيه رأيك بقى في اللي سمعته يا نصر؟

البنت في إيدي زي حتة العجين اللي أقدر أشكلها بالطريقة اللي تعجبني. دي هتبقى الفرخة اللي هتبيض لنا بيضة دهب. بس الشاطر هو اللي يعرف يستغلها كويس. وأنت عارف أخوك شاطر في أنه يوقع البنات في حبه. ابتسامة ساخرة هي جل ما حصل عليه نادر من شقيقه نصر. فجهله بمن يكون خصمه، ومن سيبارزه بتلك اللعبة، يجعله يظن أن الانتصار سيكون حليفه.

ولكنه لا يعلم أن تلك هي الخطوة الأولى نحو مصيره الأسود، الذي سيتلقاه على يد رياض النعماني، إذا علم بنواياه الخفية لزواجه من حفيدته. بل الأدهى إذا علم حقيقته. فغروره بإيقاع الفتيات بحبه ووسامته، ربما أنساه أن الحظ لن يكون حليفه بكل مرة. فإن كان استطاع خداع عرفان عندما تقدم لخطبة حياء سابقًا، فلن يستطيع خداع كبير عائلة النعماني. فخيوط اللعبة تشابكت، وأصبحت أكثر تعقيدًا.

خاصة بعد علمه أن رياض النعماني له ابن ثانٍ ولم يكن سوى طبيب، كان يعمل هو تحت إمرته. وزوجته الحالية كانت خطيبته السابقة. فربما نهايته تقترب أسرع مما يظن. *** لا يسمع صوت بتلك الغرفة سوى ارتطام الكرة بالجدار. فتعود إليه ويتلقاها بالمضرب، ليعود ويلقيها ثانية. فلا حل أنسب لتفريغ تلك الشحنة الهائلة من الغضب، التي ملأت جوارحه، سوى أن يمارس رياضته المفضلة "الإسكواش". فيدايه أصابها التعب، ورغم ذلك لم يكف عن اللعب.

يعيد الكرة مرارًا وتكرارًا، كأن الكرة ستصيب حظه السيئ الليلة وتعود أوضاعه لما كانت عليه قبل أن تتراكم كل تلك الهموم بفؤاده دفعة واحدة. –هو إيه اللي بيحصلي النهاردة بالظبط؟ غمغم بها راسل بغيظ. فهو حتى لم ينس ما فعله بشُكري. فربما الآن وصلت الأمور إلى ما لا يحمد عقباه. ولكنه لم يجد وسيلة أخرى ليثأر لكرامته وكرامة زوجته غير تلك. فيكفي كذبه وافتراؤه بحق حياء، وادعائه بالباطل والخوض بشرفها وقذفها بتهم باطلة.

فهو يثق بها ثقة عمياء، ولم يصدق حرفًا واحدًا مما قاله. ولكن بإتيانه على ذكر أنه ربما يكون زوجًا مخادعًا، أحيا بنفسه ذكرياته الأليمة مع زوجته الأولى. فهو يعلم أن حياء لا تشبه صوفيا، فشتان بين الاثنتين. ولكن تلك الرواسب النفسية السيئة، التي حاول دفنها بغياهب القلب والعقل، طفت على السطح الليلة. من أنه تم خداعه من قبل صوفيا، فقد كان معصوب العينين بوهم الحب. تأتي باقي الأحداث مكملة لما اعتراه.

فأن يذهب لقصر أبيه، ويجد الزوج المستقبلي لابنة شقيقه، ما هو إلا خطيب زوجته الأولى. والذي يُقن أنه ما أراد الزواج من ميس إلا من أجل ثراء عائلتها المعلوم لدى القاصي والداني بالمجتمع السكندري بأكمله. وأن ينشب بينه وبين ميس خلاف، أدى لتصريحها بأنها تريد قطع أواصر العلاقة بينهما. فلا يعلم كيف فعل هذا وأقدم على صفعها؟ فكأنه الليلة لم يكن سوى رجل احترق بنيران الغيرة من رجل آخر. وأراد أن ينفث غضبه وغيرته بأي أحد.

–صبرك عليا يا نادر يا أنا يا أنت. عندما هم برفع ذراعه للبدء باللعب من جديد، وجد يدًا تتمسك بمرفقه. فالتفت بجانبه وجد حياء تحدق به بهدوء. تهدل ذراعه، وسقط المضرب من يده. فأحنى رأسه للخلف وأغمض عينيه، يسحب من الهواء المحيط به قدر ما سمحت له أنفه ورئتاه. فغمغم بصوت متأثر: –هو إيه اللي أنا عملته النهاردة ده؟ إزاي أضربها؟ أنا عمري ما حاولت أزعلها ومش بس كده، أضربها قدام كل اللي قاعدين. شدت حياء على كتفه وبدأت عيناها

تدمعان وهي تقول بتأنيب: –كل ده بسببى أنا يا راسل. أعاد رأسه لوضعه الطبيعي، وفتح عينيه يرمقها بهدوء. فلما تلقى باللوم على عاتقها، فهي ليست المذنبة، فالمذنب الوحيد الليلة هو وليست هي. طوقها بذراعيه وأدناها منه قائلاً بحنان:

–أنتي ملكيش ذنب في حاجة يا حياء. الذنب ذنبي أنا إن انْفَعَلْت بسرعة ودي مش عوادي. بس مقدرتش أمنع نفسي من الغيرة. لما حسيت برعشة إيدك في إيدي وقت ما شوفتيه. وكمان سبتي إيدي ولما شفت نادر بيبصلك. وكويس إنها جت على إن طردته. أنا كان ممكن أعمل أكتر من كده. رفعت ذراعيها الناعمتين، ووضعتهما حول عنقه، مما جعله ينحني بجذعه العلوي إليها قليلاً. فخرج صوتها مكتومًا وهي دافنة وجهها بكتفه:

–صدقني يا راسل أنا كأن مكنتش شايفاه النهاردة إلا شيطان عرف يلعبها صح وعايز يوقع ميس في نفس الفخ. أنا اللي غلطانة إن مقلتلكش على كل حاجة من الأول. وعرفتك هو إزاي واحد كداب. دا حتى الناس اللي جابهم معاه ساعة ما خطبني أكتشفت إنهم مش أهله دول ناس مأجرهم. وكمان عرفت إن الشقة اللي كان ساكن فيها مأجرها. ولما أنا كشفته اختفى ومشفتوش تاني إلا النهاردة. صمتت حياء بعد أن قالت ما لديها.

فما يهمها الآن أن يعلم أنها لم يعنها رؤيته من عدمها. فكل ما تريده أن يعلم سبب ارتجافها وقت أن وقع بصرها عليه. فلا أحد يملك فؤادها وزمام أمورها الآن سواه هو. فأستطردت قائلة بصوت شجي: –أنا مفيش في قلبي إلا أنت. أنت حبيبي وجوزي وكل دنيتي. وكل أهلي وعزوتي. زفر أنفاسه الكامنة في رئتيه بروية، لعل يخرج استياءه معها. فيد تطوق خصرها، ويد أخرى ملتفة حول مؤخرة عنقها. فبات يشعر بضخ الدماء في عروقها، وتسارع وتيرة أنفاسها.

فلا يعلمان كم طالت وقفتهما هكذا. فحل وثاقه المفروض حولها قليلاً، حتى يتمكن من رؤية وجهها. رفعت وجهها إليه بعينين تفيض حلاوة وعذوبة، يترافق معها الندم، على أنها تسببت في حدوث خلاف بينه وبين ابنة شقيقه. ابتعدت شفتها السفلى عن العليا قسرًا، فهما كانتا مضمومتين تشعر بأنهما ملتصقتان بمادة لاصقة، ولا سبيل لفصلهما. حاولت مرارًا أن تبدي أسفها، فلم يدعها تسلك درب الندم.

فتغوص أقدامها بطرقه المتعرجة، وتعجز عن الخروج من متاهة الشعور بالذنب. فهو خير من يعلم ذلك الدرب، الذي يظل يتأكل القلب والعقل، حتى يترك صاحبهما بالنهاية عاجزًا عن تخطي الأمر. ويظل يشغله وقتًا طويلاً، مثلما كان يشعر بالندم لزيواجه الأول، وأن ابنته كانت ابنة لامرأة لعينة. فدائمًا ما كان يشعر بالندم لعدم اختياره لها أمًا صالحة. لذلك من الأفضل لها أن تحاول نسيان الأمر، ولتتركه هو يحاول إصلاح الأمور بينه وبين ميس.

فوضع إصبعًا على شفتيها ليمنعها الحديث. قال بأمر حازم ولكنه يحمل بين طياته اللين واللطف: –خلاص يا حياء بطلي تتأسفي وتعتذري. أنا قولت لك إنك ملكيش ذنب. ثم ميس أنا أعرف إزاي أصلح أموري معاها. محدش يعرفها أكتر مني. فأكمل حديثه وهو يصك أسنانه بغيظ:

–اللي هاممني دلوقتي ألاقي حل للي اسمه نادر ده. لأنه الظاهر كده عرف يضحك على عقلها إزاي. بس أنا مش هسمح له يقرب منها ولا إن يخليها تدمر نفسها بنفسها. لأن لو ميس جرالها حاجة، مش هيكفيني إن أطلع روحه في إيدي كمان. أماءت حياء برأسها دليلاً على معرفتها الجيدة بأمور الخداع الخاصة بنادر. فدائمًا ما يستخدم وجهه اللطيف والوسيم ولسانه المعسول في إيقاع ضحيته.

ولكن ربما هي ممتنة أنها علمت بأنها متبناة، فابتعد عنها ونالت من هو أحسن وأفضل منه رجولة وخلقًا. فمسحت بيدها على لحيته، لعلها تهدأ من بوادر تلك العاصفة الغاضبة، التي توشك أن تضرب قسمات وجهه من جديد. تبسمت ابتسامة عاشقة وقالت: –تعرف يا راسل إن أنا دلوقتي بحمد ربنا وبشكره إنه كشف لي حقيقته، قبل ما أتورط وأتجوزه. وكمان عوضني بيك أنت العوض الجميل. بلمسة يدها السحرية، استطاعت ردع جيوش اليأس الزاحفة نحو قلبه.

فخفقات قلبه التي كانت تهدر منذ قليل بأمواج الغيرة، صارت نابضة باشتياق لسماع المزيد. فالكلمات تخرج من بين شفتيها كالترياق، الذي ظل يبحث عنه منذ سنوات، ليبرأ من آلام وأوجاع الماضي. كأنه نسى كل الهموم فجأة، فاستند برأسه إليها قائلاً وهو مغمض العينين: –أنتي متعرفيش بقيتِ بتعملي فيا إيه يا حبيبتي. كأن أنا وأنتي في عالم لوحدنا ومفيش حد تاني.

ف عوضًا عن يد واحدة تتلمس وجنته، صارتا يداها الاثنتان تحتضنان وجهه، رافعة إليه عينين سكن بهما الرجاء، من أن تظل أمورهما على ما يرام. فخرجا من الملعب الخاصته، وصعدا إلى غرفتهما. فالمنزل ساكن وهادئ، فهما بعد عودتهما وجدا وفاء وسجود قد أخلدتا للنوم. فبعد مرور مزيد من الوقت، كانا ما يزالان مستيقظين. فالنوم كأنه عاصٍ على أجفانهما. فعلى الرغم من أنهما حاولا نسيان ما حدث، ولكن لم يستطيعا النوم.

تستمع هي لدقات قلبه أسفل أذنيها، وهو يعبث بخصلاتها الحريرية بشرود. فتنزلق من بين أصابعه من منبت شعرها، حتى يصل لنهايته. فكأنما انتبه على طول شعرها. فمسد على رأسها وهو يقول بإعجاب: –شعرك حلو أوي يا حياء وطويل. مدت يدها ووضعته خلف أذنها وقالت بتفكير: –كنت بفكر كتير أني أقصه وأخليه قصير. ساعات بيضايقني. –إياكِ تعمليها يا حياء وتقصيه. أنا حبيته كده. قالها راسل بتحذير، من أن تفعل ذلك. فرفعت وجهها إليه وقالت بوداعة:

–خلاص مش هقصه. عارف نفسي في إيه يا راسل؟ نفسي أرقص رقصة الفالس معاك بفستان ملكي وتبقى أنت الأمير. تبسم راسل بهدوء قائلاً بهمس: –شكلك بتحبي النمط الكلاسيكي أوي ومتأثرة بقصة سندريلا. هزت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم بخفوت. فقبل أن يعاودا الحديث ثانية، سمع راسل رنين هاتفه. ولكن المتصل لم يكن أحد سوى والده. فظل ينظر للهاتف بخواء. وعلى الرغم من أن حياء حثته على أن يجيب على هاتفه، إلا أنه لم يستمع لها.

فهو يعلم أن المكالمة بينهما ستنتهي نهاية غير مرضية لكلا الطرفين. فهو يخشى أن يُقدم رياض على ذكر زوجته بشيء يثير به الضيق. فهو يعلم أنه لن يمرر له صفع ميس هكذا مرور الكرام، خاصة أن صفعه لها كان من أجل الدفاع عن زوجته. *** بعد مرور يومين... انتهى المأذون من عقد قران كرم وهند، بعد خروج والدها مباشرة من المشفى. فهو خرج نهارًا وبالمساء كان جالسًا واضعًا يده بيد كرم لإنهاء تلك الزيجة التي جاءتها بدون سابق إنذار.

فكأن كل شيء حدث بلحظة واحدة. فلم تنس والدتها تدبير أمر ثوب الزفاف، من أجل أن تذهب به لمنزل زوجها. فكلما تتذكر رفضه الإقامة بمنزل أبيها، وإصراره على أن تقيم هي معه بشقته بذلك الحي الفقير، تكاد تصاب بالجنون. وعلى الرغم من ذلك، لم تستطع أن تنبس ببنت شفة. فيكفي أنها كانت ستقضي على حياة والدها برعوتها. تركت مقعدها بعدما أشار لها كرم بضرورة الرحيل. فلم تمنع والدتها دموعها وهي تطوقها بذراعيها من أجل وداعها.

فكم كانت ترغب بأن تقيم لها حفل زفاف، وأن تراها تتبختر بثوب زفافها، وتتلقى التهانى من القريب والبعيد. فقالت من بين دموعها: –خلي بالك من نفسك يا هند. ف استدارت برأسها لكرم وهي تكمل حديثها: –خلي بالك منها يا كرم. –متقلقيش يا خالتو. قالها كرم بهدوء. فصافح زوج خالتها، الذي احتضنه امتنانًا على فعله النبيل. فأقترب من ابنته ولم يمنع دموعه هو الآخر وهو يشدد من احتضانه لها ويقول بغصة علقت بحلقه:

–كان نفسي يوم فرحك يبقى يوم ما يتنسيش يا هند. دمعت عيناها رغما عنها وهي تربت على ظهر أبيها وقالت برجاء: –أرجوك يا بابا سامحني. أبتعد عنه وأخذت يده تقبلها. فتساقطت دموعها على ظهر يده. فرأت أنه من الأفضل لها الرحيل الآن مع من أصبح يسمى زوجها. فمرغمة كانت تتأبط ذراعه. فإن كانت صمتت منذ موافقة والديها على تلك الزيجة، فهذا لا يعني أنها مرحبة بها أو بأنها صارت تحمل اسمه. صف السائق السيارة أمام تلك البناية السكنية القديمة.

فتطلعت "هند" حولها بفزع. فكيف لها أن تعيش هنا؟ كان "كرم" الأسبق بترك السيارة. انتظر خروجها لهنيهة، ولكنها ما زالت مكانها، منكمشة على ذاتها، كمن تخشى الخروج. فدار حول السيارة ووقف بجانب الباب من جهتها. فأنحنى ينظر لها من النافذة النصف مفتوحة. جز كرم على أنيابه قائلاً بغيظ وهمس: –اتفضلي انزلي يا عروسة. لم يزدها صوته المكظوم بغيظه سوى أن ازداد حنقها. فعلى حين غرة فتحت باب السيارة من جانبها، فأرتطم بوجه "كرم".

فتبسمت بتشفي على إيذائها له. ولكن تلك الأعين الراصدة لهما هي من جعلته يحجم عن جرها من السيارة. فتصنع الابتسام وهو يساعدها على الخروج. نظرت للأرضية الترابية. فهتفت بنزق: –ديل فستان الفرح هيتبهدل وده مدفوع فيه فلوس كتير تشتري الحي ده كله. كبرياؤها وغرورها اللعين اللذان أمرضاه، سيحرص هو على نزعهما منها. ولكن لكل شيء أوان. فأنحنى يلملم طرف ثوبها حتى وصلا أمام باب البناية.

فأنطلقت الزغاريد من نساء الحي على رؤية "كرم" عائدًا برفقة عروسه. فتبسم لهن وشكرهن، وجعلها تتأبط ذراعه. وما زالت تشد على شفتيها لرسم تلك الابتسامة المصطنعة. فتح باب شقته المتواضعة، ودعاها للدخول. ولجت هند تنظر حولها بتعابير الاشمئزاز، التي لم تفارق وجهها منذ إجبارها على تلك الزيجة. فلم تمنع نفسها من التفوه بتلك الكلمات: –إيه الشقة المقرفة دي؟ هعيش هنا إزاي؟

صفق "كرم" باب الشقة بقوة، فأرتعدت أوصالها وظلت تزدرد لعابها مرة تلو الأخرى. فرأته مقبلًا عليها حتى وقف أمامها. تأملها بصمت لدقيقة. فخرج صوته مستاءًا: –ياريت تبطلي تتريقي على كل حاجة. بسلامتك وعلشان اليومين اللي هتقعديهم هنا يمروا بسلام. لأن وقسما بالله ما هعمل اعتبار لأي حاجة وهندمك ندم عمرك يا هند. تبسمت قائلة بسخرية من حديثه: –أنت تندم؟ أنا شكلك نسيت نفسك يا كرم. غامت رماديتيه بسحابة الغضب فهدر بصوت عالٍ:

–الظاهر أنتِ اللي نسيتى نفسك يا هند ونسيتي إن اتجوزتك عشان أتستر على فضيحتك. وده كله عشان خاطر خالتي وجوزها. فتأملها من رأسها لأخمص قدميها وهو يقول بإستهزاء: –اللي زيك مش لازم تتكلم خالص. وأه صحيح يا هند نسيت أسألك، هو لما أنتِ نسيتي نفسك وعملتي المصيبة اللي عملتيها مع الندل اللي كان معاكي، تكونيش حامل ونسيتي تقولى؟ فلو كده عرفيني. –كرم! صاحت باسمه بانفعال، وهمت برفع يدها لتصفعه.

فما كان منه سوى أن التقط كفها الناعم بين كفه الضخم. فأعتصره بقوة، جعلتها تتأوه بصوت مسموع. فجذبها فجأة حتى ارتطمت بصدره. فدمدم بأذنها بفحيح: –فيه حاجة عايزك تعرفيها وهي إن أنا دلوقتي جوزك ومش هسمحلك بأمور العجرفة بتاعتك دي. وأقولك على حاجة كمان يا هند، أنا قرفان منك وقرفان إني اتجوزتك وحتى قرفان أبص في وشك. وعلشان نبقى على نور من الأول لازم تلتزمي الأدب طول ما أنتِ قاعدة هنا. وإلا هتشوفي أسوأ معاملة.

كلماته كانت كالسياط، التي جلدت كرامتها وكبرياءها. فأن يدور الزمن وتصبح بهذا الموقف أمامه وتسمع منه هذا الحديث، لهو بالشيء المهين بحقها. فأنتظرت دفعه لها بين فينة وأخرى، ولكن ظل وضعهما المريب على حاله. فزاغت عيناها بكل اتجاه. فهي تشعر بملامس لحيته على وجنتها الناعمة، كأنها أشواك مغروسة بلحم وجهها. وكفه قابض على معصمها البض كسوار من حديد. تلك هي المرة الأولى التي تكتشف بها فرق الطول بينهما.

فهي ظنت أنها تفوقه طولاً حتى وهي ترتدي حذاءها ذو الكعب العالي. ولكنها مخطئة، فهو أطول منها بعدة سنتيمترات، ومنكبيه عريضين. فلو وضعت رأسها على كتفه، وأخذها بين ذراعيه، ستكون كالدمية الضعيفة بين يديه. فتحت عيناها بفزع من تفكيرها. فبادرت هي بدفعه عنها، فكأنما أعاده لرشده، الذي كان على وشك أن يُسلب منه، عندما اقترب منها إلى هذا الحد، الذي مكنه بوضوح من سماع أصوات أنفاسها واستنشاق عطرها. ***

أمسية هادئة بقصر النعماني، على خلاف اليومين الماضيين. فميس كانت قد انتابتها إحدى نوبات العصبية والبكاء، واعتكفت بغرفتها، بعيدًا عن باقي أفراد العائلة. فحاولت سوزانا عدة مرات أن تجعلها تلج الغرفة لتتحدثا، ولكن قابلت ميس محاولاتها المتكررة بالرفض. فكل من بالقصر متعجب من تصرفها، الذي رآه جدها وخالها أنه طفولي بعض الشيء.

فعلى الرغم من أن عاصم يعلم كم هو قاسٍ ذلك الشعور، من أن يبتعد الحبيب عن محبوبه، إلا أنه وجد أن الطرف الثاني بتلك العلاقة غير المفهومة، لا يستحق عناء الشعور بالألم. أرتَمى عاصم على الأريكة وهو يزفر بإرهاق ويرخي رابطة عنقه. فحدق بشقيقته الجالسة وواضعة يدها على وجنتها بشرود. فعقد حاجبيه متسائلاً: –مالك يا سوزانا؟ قاعدة ليه كده؟ هي ميس برضو لسه مش عايزة تخرج من أوضتها؟ حركت رأسها بالإيجاب وهي تقول بقلة حيلة:

–أيوه ومش عارفة على إيه ده كله. خلاص يعني الدنيا اتهدت؟ ما جدها قالها إنه هيشوف الموضوع ده. لازمته إيه بقى الإضراب اللي هي عاملاه؟ استند عاصم بظهره للأريكة ومط شفته السفلى وسرعان ما قال بصدق: –مع إن عمري أنا وراسل ما اتفقنا على حاجة، بس دي أول مرة أحس إن عنده حق. نادر ده شكله حلنجي كده ومش مريح ومرتحتلوش. –ومين سمعك يا عاصم؟ أنا برضو حسيت كده. قالتها سوزانا بتأكيد.

فنادر لم يحز حضوره على قبول أحد من أفراد العائلة سوى ميس. فربما إن لم يكن أعلنها راسل صراحة أنه رافضًا تلك الزيجة، كانت هي ستبدي رفضها لقبول نادر زوجًا لابنتها. صمت الاثنان بعد رؤيتهما عمهما خارجًا من غرفته، ويبدو عليه أنه يتأهب للخروج. ولكن إلى أين هو ذاهب بهذا الوقت؟ فتركت سوزانا مجلسها وهي تقول باهتمام: –أنت رايح فين يا عمي دلوقتي؟ نقر رياض بعصاه عدة نقرات، فرد قائلاً بهدوء:

–عندي مشوار مهم ومش هتأخر. وحاولي مع بنتك دي إنها تاكل مش هتفضل صايمة على طول ليجرى لها حاجة. فحول بصره من وجه سوزانا لعاصم وهو يكمل حديثه: –عملت إيه يا عاصم؟ عرفت مين اللي أخد ملف الصفقة اللي اتهمت فيه حياء؟ أماء عاصم بالإيجاب وهو يقول: –أيوه يا عمي. طلع واحد شغال في الحسابات وبلال هو اللي كشفه وحاسبته على عملته دي.

–ده درس ليك عشان متبقاش تتهم حد قبل ما تتأكد. ولولا إن قولت لك دور في الموضوع مكنتش سألت. مش عايز الغلطة دي تتكرر تاني يا عاصم. مفهوم؟ أنهى رياض حديثه، وخرج من المنزل. فأسرع السائق بفتح الباب الخلفي للسيارة. وبعد أن أخذ سيده مكانه بالمقعد الواسع، دار حول تلك السيارة الفارهة، واتخذ مكانه خلف المقود. أخبر رياض السائق بضرورة ذهابه لذلك المنزل الذي يقطن به ولده العنيد.

فقاد السائق السيارة تتبعه سيارة ذات دفع رباعي خاصة بالحرس. وصل للمنزل فترجل من السيارة. رأته حياء من شرفة غرفتها. فهي قد أنهت لتوها مكالمتها مع زوجها، الذي أخبرها بأنه بالطريق للمنزل، ولم يتبقى سوى عدة دقائق ويصل. ولج رياض للداخل وإصطحبته الخادمة، حتى وصلا لغرفة المعيشة. فأستأذنته بالذهاب لإخبار سيدة المنزل الأولى بمجيئه. فوفاء قد عادت من متجرها وهي الآن بغرفتها.

تقفز سجود بسعادة وهي تدندن بأحد الأناشيد التي تعلمتها حديثاً بالروضة. فوصلت لغرفة المعيشة وهي تصفق بيدها. ولكنها كفت عن كل حركة كانت تفعلها بعد رؤية رياض. فزوّت ما بين حاجبيها وهي تقول بتساؤل: –أنت مين؟ اختلجت ابتسامة على فم رياض بعد أن رآها أمامه. فهي أجمل بكثير من تلك الصور التي كان يجلبها له الحارس. فمد يده يشير لها بالاقتراب وهو يقول بحنان: –تعالي يا حبيبتي تعالي، أنا جدو. –جدو مين؟

أنا مش عندي جد. مش عندي غير أنا ووفاء. أنت بتكذب وبابي ومامي قالوا لي مش تكلمي حد غريب. قالتها سجود بعفوية. وعلى الرغم من أنه يعلم أنها طفلة ولا تحسب حسابًا لقولها، إلا أنه شعر بوخز في قلبه من أن حفيدته الصغرى ليس لها علم بوجوده. إلا أنه حاول استمالتها ثانية بقوله: –لأ يا حبيبتي أنا جدو. تعالي متخافيش أنا مش حد غريب. ولكن قبل أن تقترب سجود خطوة واحدة، كانت وفاء تلج الغرفة. فمسدت على رأس الصغيرة وهي تقول بحزم:

–سجود يلا يا حبيبتي روحي اغسلي إيديكي بعد ما خلصتي لعب عشان إيدك تبقى نضيفة. استمعت الصغيرة لأمرها، فخرجت تقفز مثلما كانت تفعل. فوقفت وفاء على عتبة الغرفة، وهي تضم كفيها وتقول ببرود: –خير يا رياض باشا؟ إيه سبب الزيارة السعيدة دي؟ دي أول مرة تشرفنا في بيتنا المتواضع. خير يا ترى؟ طالعها رياض بنظرات حادة. فهو استشعر نبرة الجفاء في صوتها لرؤيتها له هنا.

ولكنه لم يأتِ إلا من أجل رؤية ولده، ورؤية حفيدته، التي لم يصح له أن يأخذها بين ذراعيه، كأنه سيظل هكذا يراها ولا يقترب منها. هبطت حياء الدرج بتمهل. فهي تفكر بأسباب مجيء والد زوجها الآن. فعقلها لا ينفك عن التخيل بما سيحدث إذا تواجه راسل مع أبيه، وخاصة هنا في منزله. فكأن قدميها عجزت عن أن تخطو خطوة أخرى وتلج غرفة المعيشة. فوقفت بالخارج، ولكن كان بإمكانها سماع الحديث الدائر بين وفاء ورياض. فهي سمعت صوته حادًا

وهو يقول بنبرة نزقة: –بلاش الأسلوب ده معايا يا ست وفاء عشان أنتي عارفاني. تبسمت وفاء بسخرية وقالت: –إلا عرفاك. عرفاك أوي يا رياض باشا. عرفاك عز المعرفة. بس ده مش موضوعنا. من الآخر كده عايز مننا إيه؟ رد رياض ببرود:

–أنا مش عايز منك حاجة. أنا عايز راسل وحفيدتي. أظن كفاية عليهم كده. عايز حفيدتي تتربى في قصر النعماني زي بنت عمها. ومتنسيش إن راسل وريث النعماني دلوقتي. وأنا مش هفضل عايش العمر كله. فلازم يتعود على الحياة اللي هسبهاله، ويتعلم إزاي يبقى ابن رياض النعماني. انتفضت وفاء صارخة برفض: –وأنا ابني وحفيدتي مش هيبعدوا عني ولا هسمحلك إنك تاخدهم مني. هب رياض واقفًا على قدميه، قدر ما أمكنه جسده الهرم وعظامه الواهنة.

فرد قائلاً بصوت لا يقل احتجاجًا عن صوتها: –هو عشان سيبتهولك السنين اللي فاتت دي كلها خلاص افتكرتيه إنه بقى ابنك بجد؟ راسل مش ابنك عشان تدي نفسك الحق إنك تحرميني منه. *** يتبع .... !!!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...