شيئاً فشيئاً بدأت الدماء تسير بعروقها حارة مثل قبل، فهي بعد عبارته التي تفوه بها، تجمدت أطرافها وجفت دماءها من عِظم ما سمعته منه. خانتها عيناها فبدأت ترمش جفونها، لعلها تبحث عن إجابة مناسبة لحل ذلك اللغز الذي أخبرها به لتوه. "زوجته! ولكن كيف هذا؟
وضعت يديها على جانبي رأسها، تضغط بأناملها لعل ذلك الألم الذي داهمها من كثرة التفكير بمغزى حديثه يتوقف، وتستطيع العثور على إجابة شافية. فهما انفصلا منذ زمن بعيد، منذ تلك الليلة التي انتهى بها كل شيء، ورأته بين ذراعَي امرأة أخرى. فهي لم تنسَ تلك الليلة أبداً، فما زالت متذكرة كيف كانت تلك المرأة تنعم بما حلمت هي به بعد أن يتم زفافهما؟
وكيف كان هو مانحاً للعواطف التي يمكن أن تجعل أي امرأة رهن بنانه، ومسحورة بوسامته وحديثه. تلك الليلة التي قضت على حلمها الوردي. شفتيها المكتنزتين والصغيرتين، كانت تخشى انفراجهما فيعاود هجومه الضاري ثانية، ولكنها لم تجد حلاً آخر سوى أن تتخذ جانب الحيطة والحذر.
فارتدت للخلف عدة خطوات، لعلها تستطيع قول ما لديها ولا يستطيع سماع خفقات قلبها التي كانت تدوي كصوت الرعد، تكاد تصم أذنيها. فحدقت به كهرة شرسة، وربما تنشب مخالبها بوجهه الوسيم الذي ما زال محافظاً على وسامته، كأن تلك السنوات كانت بسبات وأفاق من نومه وهو ما زال شاباً. "مراتك يعني إيه وحرمك المصون إيه؟ أنت جرى لمخك حاجة يا عاصم؟
أغمض عينيه بنشوة من ملامسة حروف اسمه للسانها وشفتيها، فيخرج من بينهما عذباً كلحن لأغنية لا يمل سماعها، كترياق لداء الهجر الذي أصاب أيامه ولياليه. للمرة الثانية يستطيع خداعها، وتجده يتلمس وجنتها بحنان وهو يقول بأنفاس قد مزقها الشوق:
"آه يا غزل، لما بسمع اسمي منك كأن كنت غريق ولقيت بر الأمان. أيوه أنتي مراتي. أنتي ناسيه أن إحنا مكتوب كتابنا من وأنتي عندك 18 سنة بس باباكي هو اللي أصر ما نعملش الفرح إلا ما تتمي العشرين. الله يرحمه كان غاوي تعذيب فيا وفي قلبي." كمن أصبحت يديها عاجزة عن ردع يده عن وجهها، فما الذي يحدث لها؟
عاشت سنوات تتغذى على فكرة الانتقام والكره، لتأتي الآن، وبمجرد عناق منه، تهدم كل شيء. فما تلك العاطفة المجنونة التي تملكتها منذ نعومة أظافرها وجعلتها تقع بعشقه، وتعزف عن رؤية أحد غيره. حاولت استدعاء كبريائها كانثى، فوجدته خاملاً بغياهب عقلها ويجاوره رغبة الانتقام. فكل عاطفة حاولت زرعها بقلبها وعقلها طوال تلك الأعوام الماضية، ذهبت أدراج الرياح. فهو كان وما زال...
لعنتها التي لن يغفرها لها الزمن. فهي من وقع بحبائلها العديد من الرجال، وتناوبوا على أعتاب الرضا لتمنحهم شيئاً من رضاها، فكانت تردهم خائبين، ومن أجل من؟ من أجل ذلك الواقف أمامها. هزت رأسها بعنف، لعلها تطرد تلك الأفكار المخزية عنها. فأخيراً استطاعت نفض يده عن وجهها وهي تصيح بوجهه: "بس بقى متلمسنيش تاني. ثم مش إحنا اتطلقنا خلاص من زمان؟ إزاي جاي دلوقتي تقول إن أنا مراتك؟
لم يشأ أن يثير المزيد من حنقها، فتهدلت ذراعاه بجانبه، وحدق بعينيها عن عمد وهو يقول بهدوء:
"بعد الخلاف اللي حصل بينا ولما باباكي طلب مني أن أطلقك، وافقت عشان بس تكوني مرتاحة. بس قبل ما أخلص إجراءات الطلاق، عرفت إن فيه واحد تاني متقدم لك وأن باباكي وأخوكي مراد ناويين يجوزوكِ لواحد تاني، كرد اعتبار ليهم ولكِ. اتجننت ومرضتش أطلقك. وكمان الخناقات اللي حصلت بين مراد ووجدي بسبب الشغل، وكمان موضوع قتل وجدي واللي شكيت إن أخوكي مراد اللي عملها، زاد عنادي أكتر. وحلفت أن ما هطلقك، حتى وهمت باباكي أن خلاص كل حاجة هتخلص. بس عشان آخد وقتي وأعرف أحل الموضوع بيني وبينك. ولما جيت البيت هنا لقيته خرابة وكل اللي موجود مقتول. اتصلت بالبوليس وفضلت أدور عليكِ بس كنتِ فص ملح وداب، أنتي وولاد أخوكي."
استمعت غزل له للنهاية، ولكنها تبسمت وهي تقول بسخرية فجة: "تصدق كلامك مقنع أوي يا عاصم. ده أنا حتى صدقتك. فعلاً تقتل القتيل وتمشي في جنازته. برافو عليك. يعني أنتي وعمك تخلصوا على عيلتي وجاي عامل نفسك العاشق البريء؟ أنا مشوفتش أوحش منك." غرز أصابعه بلحم ذراعيها بقسوة وهز جسدها لعلها تنصت له، وهو يصرخ بوجهها: "أنتي مجنونة يا غزل، مجنونة!
وليه متقوليش إن أخوكي هو اللي قاتل وخلص من وجدي ويتم بنته وهي لسه مكملتش 3 سنين وخلى أختي أرملة في عز شبابها؟ ليها حق سوزانا متبقاش طايقة تبص في وش حد فيكم." زاد الحوار بينهما عنفاً وقسوة، فأصبح كل منهما يحاول النيل من الآخر بحديثه، وكل منهما يحاول إلقاء اللوم على عاتق الآخر.
ولكن صوت أنينها المتألم من قسوة يديه، جعله يخلع عنه رداء الصلابة والقسوة، ويعود ذلك العاشق المحترق بنيران غرامها. فمسد على ذراعيها بلطف، وهو يحاول أن يقدم اعتذاره على أنه تصرف بقسوة مع وردته الرقيقة. "حبيبتي أنا آسف وجعتك جامد، سامحيني يا غزالى." اللعنة على ضعفها وحاجتها إليه. فماذا تفعل بنفسها لتكف عن التأثر به أو بحديثه؟
ولكن صوت رصاصة نارية هي من جعلت تلك الغيمة من المشاعر التي غيمت على أفق مقابلتهما تنقشع، وتظهر من خلفها عينان ترصد وتتوعد عاصم على التجرؤ لمجيئه. تحرك بؤبؤ عينيها يميناً ويساراً، كأنها تبحث عن مستقر تلك الرصاصة التي انطلقت من السلاح الناري الخاص بعمران، والذي لا تعلم متى وكيف جاء لهنا بتلك السرعة؟ وأين ذهب معتصم بهذا الوقت؟ فحمدت الله أنها لم تصب أحداً، سوى جزع صغير من تلك الشجرة العملاقة القريبة منهما.
فاستدار عاصم برأسه ورأى عمران يصوب فوهة سلاحه بوجهه، وهو يهدر من بين أسنانه بغيظ: "إنت إيه اللي جابك هنا وإزاي تفكر مجرد تفكير تقرب منها ها؟ لم يرف جفن لعاصم، بل استدار بكامل جسده له، ورفع يده وبطرف إصبعه لمس السلاح وضغط على فوهته ليخفضه أرضاً. فرد قائلاً ببرود: "نزل المسدس ده يا ابني، ليعورك. وهو في حد يعمل كده في جوز عمته؟ على العموم أنا كنت ماشي سلام."
انفغر فم عمران من سماع الشق الأخير بجملته، فتلقائياً نظر لغزل، التي أحنت رأسها أرضاً تتهرب من مطالعته وإجابته. فتحرك عاصم وأبتعد عنهما، يخطو بخطواته للداخل بثقة وهدوء. فتملك الكره والغضب من عمران، فرفع سلاحه وكاد يضغط الزناد ليصيبه بمنتصف ظهره، فأسرعت غزل بإطاحة يده عالياً، فانطلقت الرصاصة في الهواء. فقالت وهي تصرخ بخوف: "لأ يا عمران، لأ."
توقفت قدمي عاصم عن التقدم خطوة أخرى، وألتفت لهما، فوجدها تقف أمام ابن شقيقها، تحاول نزع السلاح الناري من يده، وهي تصرخ بهسترية رافضة أن يقتله، أو تنغمس يداه بالدماء. فتنظر لوجه عمران تارة، وتستدير برأسها تنظر له تارة أخرى، كأنها تتأكد من سلامته وخلو جسده من رصاصة كانت ستصيبه وترديه قتيلاً بالحال.
فإن كان جاء لها من أجل أن يعاتبها على ما قالته بمقابلتهما الأولى، فهو الآن أيقن أنها ما زالت كما هي فتاته الصغيرة التي كانت تهيم به ويهيم بها عشقاً. فالآن لن يتركها بحالها، حتى تعود إليه منصاعة لأوامر العشق التي يعلم أنها تصرخ بها من أسفل قناع الكراهية الواهي الذي ترتديه من أجل إيهامه بأنها لم تعد كما كانت بالسابق. ***
وضع هاتفه على أذنه، ويده الأخرى يقود بها سيارته بمهارة ويسر. واستمع لكل ما قاله الرجل على الطرف الآخر، فأغلق الهاتف ووضعه بجانبه. فاليوم انتهى عمله بالمشفى باكراً، ففكر بالذهاب لأحد المتاجر لشراء دمية لصغيرته، وهدية لزوجته. فلا يعلم ذلك الشعور القوي الذي تملك من حواسه، رغبة بتدليلهما. فهو كأن أصبح لديه بنتان، إحداهما الصغرى التي يغدقها بحبه وحنانه ودلاله، والكبرى التي جعلته يهيم حباً وعشقاً وغراماً بها.
فهو لا يصدق أن قلبه عاد ينبض من جديد على يديها. زرعت بذور العشق بقلبه، وروتها ببراءتها وخجلها وحياءها الذي يفقده صوابه عندما يجدها بين يديه كقصيدة من الشعر العذب. ولكن عليه أن يكون شاعراً، ليتغنى بأعذب الكلمات، ويستطيع قراءة طلاسم العشق السحرية، لتمنحه إحدى عطايا ومنح الغرام.
أمام إحدى المتاجر الكبرى، كان يصف سيارته. فولج للداخل وبعد قضائه بعض الوقت، خرج يحمل هداياه، فتبسم عندما تخيل وجه حياء بعد رؤية هديته لها. فعاد لسيارته وقادها للمنزل. فأثناء مروره بالحديقة، رأى صغيرته تركض إليه وهي تصيح بصوتها الرقيق: "هاااااا بابي جه وجاب لي هدية." اصطدمت الصغيرة بساقيه الطويلتين، فأنحنى إليها واضعاً ما يحمله جانباً، وحملها هي يقبلها على خديها. فرأى حياء تقترب منها.
وقفت على مقربة منهما، وهي تتحاشى النظر إليه، خوفاً من افتضاح عينيها لأمرها. فهي ظلت نهارها بأكمله تترقب عودته للمنزل على أحر من الجمر. فمسحت على شعر الصغيرة وهي تقول بابتسامة خجولة: "حمد الله على السلامة. رجعت بدري النهاردة من المستشفى." رفع يده وغمر وجنتها بدفء، فوجدها تحاول أن تلتقط أنفاسها، كأنها تم سحبها من رئتيها عنوة. فكم يحب هو أن يعيث اضطراباً بأنفاسها. فحدق بها بنظرة عابثة:
"أصل وحشتوني، قولت أرجع بدري وأتعشى معاكم. هي ماما فين؟ أزدردت حياء لعابها للمرة التي لا تعلم عددها قبل أن تقول: "ماما لسه مرجعتش من المحل. مفيش غيري أنا وسجود كنا بنلعب في الجنينة." وضع سجود أرضاً، فكأنما فك أسرها، فراحت تعبث بيديها الصغيرتين بالحقائب الموضوعة أرضاً، فأخرجت ثلاث دمى من شخصيات الرسوم المتحركة الشهيرة.
فصرخت فرحاً برؤيتهم، وعادت تعبث بالحقيبة الثانية. فكل هذا لم ينتبه راسل لما تفعله سجود، فهو يقف يحدق بوجه حياء بصمت. ولم ينتبه على ما يحدث إلا بعدما وجد سجود تخرج ذلك الثوب من الحقيبة. فرفعت الثوب وهي تقول بصياح: "بابي جبت لي فستان حلو أوي يا بابي." لطمت حياء خديها بعدما رأت ذلك الثوب الذي تحمله سجود، فتلون وجهها بالألوان كافة. فهي تعلم أي ثوب هذا، الذي تظن الصغيرة أن والدها ابتاعه من أجلها.
فلما صار جريئاً وعابثاً هكذا معها، ألا يمتلك بقلبه شيئاً من الرحمة على قلبها الذي لم يعد يحتمل ضخ الدماء به. ولكن زاد الجو توتراً، بتصريحه الذي قاله بهدوء مثير: "ده يا روحي مش عشانك، ده عشان مامي. أنتي اشتريت لك فستان تاني أهو." جلس القرفصاء وأخرج من الحقيبة الثالثة ثوباً جميلاً ورقيقاً من أجل صغيرته. فناولت سجود أباها الثوب الخاص بحياء، وأخذت ثوبها وهي تضعه عليها. فدارت حول نفسها وقالت ببراءة:
"الله يا بابي حلو على قدي. عجبني الفستان يا بابي. شوفتي يا ماما فستاني." حركت حياء رأسها بعدم اتزان، كأن الأرض مادّت تحت قدميها ولم تقل سوى كلمات قليلة خرجت بجهد من فمها: "آه آه جميل أوي يا روحي." وضع ثوبها هي بحقيبته ثانية، واستقام بوقفته وهو يمد يده لها به قائلاً بهدوء مثير: "هدية يا مامي." كيف مدت يدها وأخذت منه الثوب؟
ليس لديها إجابة على هذا السؤال، سوى أن من تقف أمامه الآن عاشقته لحد النخاع. لن تترك درب ولا سبيل إلا واجتازته، حتى تصل بالنهاية لأن تسلب قلب وعقل ذلك الطبيب الوسيم الذي يعمل بدأب ومهارة على إنقاذ مرضاه، ويتفنن بأن يصيبها هي بداء العشق.
علاقة ساحرة ومتناغمة، تشعر أحياناً بأنها غير عادلة لقلبها البكر الذي شن هو الحرب عليه، وجعله يواجه جيوشاً من الأحلام والأمنيات بمفرده، وعليه أن يجتازها ليصل بالنهاية لحافة وبر الأمان وتحصل على جائزتها الكبرى. رأت أنه من الأفضل لها ألا تنظر تجاهه. فكم هي امتنّت لوجود سجود، لعلها تلهيه عنها قليلاً لتستعيد اتزانها ثانية. فهي لم تظن أنها بيوم ستكون هكذا، متلهفة ومتعطشة لزوجها.
فأقصى أحلامها وأمنياتها وما كان تسمح لنفسها بالتفكير به عندما كانت خطيبة نادر، أن تعيش حالة من الحب والرومانسية الهادئة التي ربما تسير بنمط معين من دلال الزوج لزوجته قدر حبه لها.
ولكن معه هو فالأمر غير ذلك تماماً، فهو يجعل نبضها لا يهدأ. فبقدر ما كان يثير حنقها وكرهها من قبل، صار يثير شوقها إليه، بل بدأت تشعر بألم الشوق أثناء غيابه عنها، كأنها باتت مهوسة به. ولكنها فكرت بأنها يحق لها أن تغرم به لأذنيها، فلا أحد مد يده لها لينتشلها من بؤرة يأسها وضعفها غيره هو... فارسها المغوار. ***
لم يصدق معتصم أنه وجد أخيراً متجر والدتها مفتوحاً. فترجل من سيارته سريعاً، وولج للداخل. رآها تعمل على ترتيب أرفف العطور، ولكن شعر بانقباض قوي بعد رؤيتها بتلك الثياب السوداء. فهي حتى لم تنتبه على مجيئه، بل ظلت على حالها، تضع قنينات العطور بأماكنها المخصصة لها. فكلما حاول فتح فمه لينبئها بوجوده، يعود ويصمت ثانية، بانتظار أن تستدير إليه وتراه.
فلم ينتظر طويلاً، فبعد انتهائها والتفاتها للخلف، وجدته واقفاً على عتبة الباب، وينظر لها بصمت. فابتسمت ابتسامة باهتة وهي تقول بهدوء مميت: "أهلاً يا أستاذ معتصم." صوتها به غصة، ووجهها شاحب، وعيناها يترقرق بها الدمع كأنه على وشك السقوط. فبعد أن تأملها لبرهة، تساءل بفضول: "ولاء مالك؟ في إيه وليه لابسة أسود والحزن اللي انتي فيه ده كله؟ هي مامتك فين؟
تذكرت ولاء أن والدتها أخبرتها بشأن ذهابها لابتياع بضائع جديدة للمتجر، ولكنها تأخرت كثيراً. ولكنها فكرت أن تلك الفرصة سانحة لإخباره بكل شيء، وليحدث ما يحدث. فجلست على المقعد خلف المكتب الصغير، ودعته للجلوس وهي تقول بهدوء: "اتفضل يا أستاذ معتصم عشان نتكلم. أنت سبقت وطلبت أن أديك رأيي في موضوع جوازنا، بس حصل ظروف اليومين اللي فاتوا واتأخرت في الرد عليك، بس أنا هحكيلك كل حاجة وأنت اللي هتقرر."
شعر بالريبة من حديثها، ولكنه لم يشأ إظهار ما يشعر به، فأنصت لها بانتباه واهتمام كامل. فبدأت هي تقص عليه أسباب وفاة والدها وكيف كانت معيشتها هي ووالدتها معه. ولكنها تحاشت ذكر ما حدث من والدتها بالماضي، فسرها تم دفنه مع أبيها، وسيتم دفنه معها هي أيضاً. فما يهمها أن يعلم من يكون والدها، حتى لا يأتي الوقت ويعلم كيف كانت حياته؟ ويتهمها بأنها أخفت عنه حقيقتها. فأختتمت حديثها قائلة بعينان على وشك البكاء:
"أنا حكيتلك كل حاجة وعرفتك ظروف حياتي. أي نعم بابا مات، بس بيقولوا السيرة مبتموتش. فمحبتش ييجي الوقت اللي تفتكر أن أنا ضحكت عليك فيه وخبيت عنك حقيقتي. فدلوقتي القرار ليك، سواء عايز تكمل في موضوع جوازنا أو حابب أن الموضوع يتم كأنه لم يكن وكأننا مشوفناش بعض."
شعر بالريبة من حديثها، ولكنه لم يشأ إظهار ما يشعر به، فأنصت لها بانتباه واهتمام كامل. فبدأت هي تقص عليه أسباب وفاة والدها وكيف كانت معيشتها هي ووالدتها معه. ولكنها تحاشت ذكر ما حدث من والدتها بالماضي، فسرها تم دفنه مع أبيها، وسيتم دفنه معها هي أيضاً. فما يهمها أن يعلم من يكون والدها، حتى لا يأتي الوقت ويعلم كيف كانت حياته؟ ويتهمها بأنها أخفت عنه حقيقتها. فأختتمت حديثها قائلة بعينان على وشك البكاء:
"أنا حكيتلك كل حاجة وعرفتك ظروف حياتي. أي نعم بابا مات، بس بيقولوا السيرة مبتموتش. فمحبتش ييجي الوقت اللي تفتكر أن أنا ضحكت عليك فيه وخبيت عنك حقيقتي. فدلوقتي القرار ليك، سواء عايز تكمل في موضوع جوازنا أو حابب أن الموضوع يتم كأنه لم يكن وكأننا مشوفناش بعض." استند معتصم بمرفقه على طرف المكتب، وأصابعه تحك لحيته الخفيفة بتفكير. فحاولت ولاء أن تأخذ كفايتها من استنشاق الهواء قبل أن تسمع منه قراره النهائي.
ولكنه بسط ذراعه بطول المكتب الصغير وهو يقول باسماً: "طب هو المفروض أستنى تمر سنة على وفاة باباكي ولا ممكن بعد شهر كده ولا حاجة نعمل خطوبة ونكتب الكتاب والفرح يبقى بعدها بكام شهر؟ انفغر فاها وهي تستمع لقوله، فهي ظنت أنها ستسمع منه بأنه لن يريد الزواج منها، ولكن رأت بعينيه وشعرت بنبرة صوته المتلهفة أنه لن يتركها مهما أخبرته. فكسا احمرار طفيف وجهها، وانخطف صوتها وهي تحاول القول: "دي بقى ماما تقررها." فوضع ساق
على الأخرى وهو يقول بتفكه: "طيب أديني قاعد مستني ماما لما ترجع. مش هتطلبلي حاجة أشربها ولا أنتي بخيلة؟ تبسمت ولاء رغماً عنها وهي تقول: "إيه العشم اللي أنت فيه ده؟ لم تحتمل رؤية ابتسامته، فتركت مكانها وخرجت من المتجر وذهبت لجلب أكواب العصير من متجر العصائر القريب. فعند عودتها وجدت والدتها تترجل من سيارة الأجرة وتحمل صندوقاً كرتونياً كبيراً به قنينات العطور. فتعجبت إسعاد مما تحمله ولاء، فنظرت إليها وتساءلت:
"لمين العصير ده يا ولاء؟ هو في حد جوه؟ أزدردت ولاء لعابها وقالت بتلعثم: "ده ده أستاذ معتصم جوه وكان مستنيكي عشان يكلمك في موضوع الخطوبة بعد ما حكيتله كل حاجة زي ما قولتلك." "يعني هو عرف كل حاجة وعايز يتجوزك؟ الظاهر عليه كده أنه بيحبك فعلاً يا ولاء." قالتها إسعاد بإعجاب، فتخضب وجه ولاء بلون قانٍ. فهي لم تعد تسيطر على خفقات قلبها بعد إعلانه أنه سينتظر والدتها من أجل الاتفاق بشأن الخطبة.
فبعد أن ولجت إسعاد وبأثرها ولاء، بدأ الحديث بينها وبين معتصم بهدوء وروية. فهي أخبرته بشأن أن ينتظر مرور ثلاثة أشهر على الأقل لعقد الخطبة، ولكنه أبدى رفضه لعدم انتظاره كل تلك المدة. فهو باستطاعته انتظار شهر واحد فقط وليس أكثر من ذلك. فأمام إلحاحه ورؤيتها بوادر الموافقة على وجه ابنتها، وافقت هي الأخرى.
فهي انتظرت ذلك اليوم بشوق كبير من أن ترى ابنتها عروس. فيكفي فجعتها بموت ابنتها الكبرى قبل رؤيتها بثوب الزفاف الأبيض. فعوضاً عن ارتدائه، تم لف جسدها بطبقات من القماش الأبيض بما يسمى "الكفن"، وتم تغطيتها بطبقات من الثرى. فقبل أن تنغمس بذكرياتها المؤلمة، حاولت الابتسام لابنتها التي ترى السعادة على وجهها منذ زمن بعيد. ***
بعودة وفاء من متجرها، استطاعت حياء بأن تخفف من وطأة شعورها بالخجل من وجوده. فهي ذهبت سريعاً للمطبخ لتوصي الخادمة بوضع الطعام على المائدة. فجلسوا جميعهم ليتناولوا طعامهم بصمت. ولكن كانت وفاء هي أول من يكسر جمود الصمت الذي حل عليهم. فحدقت براسل الذي ينظر لحياء من حين لآخر وهو يبتسم. فحمحمت وقالت وهي تضع الملعقة على طرف الطبق الخزفي:
"راسل، إسعاد كانت عايزة تبيع الشقة والقهوة اللي كانوا بتوع حسان. هم دلوقتي الورثة، بس هي حابة تبيعهم وتحط فلوسهم في البنك باسم ولاء. فعايزك تشوفلها الموضوع ده. وكمان فيه خبر حلو، ولاء متقدم لها عريس وهي موافقة، بس هتستنى يمر شهر كده ولا حاجة وييجي العريس يتقدملها رسمي، وطبعاً أنت هتكون موجود، لأن أنت عارف هما دلوقتي مالهمش حد بعد ربنا غيرنا إحنا، ولازم العريس يعرف أن وراها أهل وعزوة." أومأ راسل برأسه قائلاً
بطاعة لقول وفاء: "بس كده حاضر يا ماما من عيوني. وأكيد طبعاً مش هسيبهم في موضوع زي ده. بس غريبة، ولاء مقالتليش حاجة عن العريس ده، بس أما أشوفها حاضر بتخبى عليا." "تسلم عيونك يا حبيبي." "هو الصراحة لما أبوها كان عايش كانت عايزة تفركش الجوازة لأنها كانت خايفة، بس دلوقتي الظروف اتغيرت. ربنا يسعدها يارب. بس مش عوايدك ترجع من المستشفى بدري، يعني يا راسل. خير يا ترى؟
قالتها وفاء بدهاء محبب، فظنت أنه ربما سيشعر بالخجل من قولها. ولكن جاءها رده على جناح السرعة بدون خجل أو مواربة: "قصدك إيه يا وفاء؟ عايزة تعملي عليا لئيمة؟ آه منك أنتي، آه. أنا رجعت من المستشفى بدري عشان مراتي وحشاني. فيها حاجة دي؟ ضحكا سوياً بعد سماع تلك الشهقة من حياء. فلم تكتفِ حياء بذلك، فبدأ الأمر بتململها بمقعدها، ولكن مع علو صوت ضحكاتهما، فرت هاربة لغرفتها. فمد راسل يده وقرص وجنة وفاء بحب:
"عجبك كده كسفتيها يا جميلة أنتي." ضحكت وفاء وقالت: "هي انكسفت من بجاحتك أنت يا حبيبي. أنا مقولتش حاجة، أنا بسأل سؤال بريء خالص. أنت اللي دماغك بتفسر بمزاجها. بس والله فرحنالك أوي يا حبيبي، ربنا يديم عليك السعادة يارب." "اللهم آمين يارب العالمين. بس والله عليا الكلام ده، على أساس أن مش عارفك يا ماما." نهض راسل عن مقعده بعد انتهاء قوله، فأنحنى إليها وقبل رأسها وهو مستطرداً بحنو بالغ:
"ربنا ما يحرمني منك أبداً يارب. أنا لو عملت إيه مش هقدر أوفيكِ حقك يا ماما." تأثراً بحديثه، كانت وفاء تاركة مقعدها، ووقفت أمامه ولم تمهله دقيقة واحدة حتى أخذته بين ذراعيها، وهي تربت عليه بحب وحنان. فأغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول: "أنت حبيبي قلبي وبعد ربنا مليش غيرك أنت يا حبيبي."
تبسمت سجود على ما تراه، فتركت مقعدها هي الأخرى واقتربت منهما، فمدت ذراعيها وطوقت سيقانهما معاً، فتبسم راسل على فعلتها، فترك وفاء ومد يده داعب وجنتها. "وأنا يا بابي أحضني وهات بوسة." قالتها سجود ورفعت ذراعيها إشارة منها على أنه يجب عليه حملها. فلم يتوانَ عن أخذها بين ذراعيه وهو يقبلها قائلاً بتفكه: "آه منك أنتي مش عايزاني أحضن حد غيرك." أومأت الصغيرة برأسها عدة مرات وهي تقول بصدق: "أيوه يا بابي سجود بس اللي تحضنها."
رافقت جملتها بقبلة وضعتها على وجنة أبيها، فلم يدرِ إلا وهو يشدد من ضمها إليه، ويمسد على ظهرها بحركات متتابعة، دليلاً على أنه ستكون هي أولاً وأخيراً مصدر إنسانيته وقوته. أرادت وفاء منحه وقته الخاص به وبزوجته، فمدت يديها وأخذت الصغيرة وهي تقول باسمة: "هاتها بقى يا حبيبي وأطلع أرتاح أنت يلا يا سيجو عشان أكملك بقية الحدوتة وهاتي العرايس بتاعتك دي عشان ننيمها في السرير. العصافير نامت من بدري." ردت الصغيرة قائلة بعفوية:
"والعصفورة سجود لازم تنام يا أنا." حركت وفاء رأسها بالإيجاب، فوضعت الصغيرة رأسها على كتف وفاء وهي تلوح بيدها لأبيها: "تصبح على خير يا بابي. سجود هتروح تنام زي العصافير." مال راسل برأسه للصغيرة وقبلها وهو يقول بحنان: "أنتي عصفورة بابي وروح قلبه."
بعد ذهاب وفاء بسجود لغرفتها، نظر راسل لأعلى الدرج. فوقت المرح على وشك أن يبدأ. فهو لم يحصل سوى على لمحة صغيرة عما انتابها بعد رؤية هديته لها، فما بال ما سيحدث عندما يتواجهان وجهاً لوجه. فبالغرفة كانت حياء جالسة على طرف الفراش، تقلب الثوب بين يديها وتتفحص قماشه الحريري الناعم. فهي حقاً تثني على جودة اختياره، ولكن لا تعلم لما تذكرت ذلك الثوب الذي وصل إليها وقامت بإحراقه. فهل من الممكن أن يكون راسل هو من أرسله لها حقاً.
اتسعت مقلتاها قليلاً، فلم يكن أمامها الوقت الكافي للتفكير بالأمر والحصول على إجابة مرضية من عقلها، إذا سمعت صوت صفير زوجها يأتي من خارج الغرفة، كأنه إشارة وإنذار لها على قدومه. فأرتعدت بخفة بغير إرادتها، عندما سمعت صوت الباب يفتح ويلج منه راسل.
خشيت أن تستدير برأسها لتراه، فتقدم هو منها وهو واضعاً يداه بجيب سرواله البيتي. فأخرج إحدى يديه وقبض على فكها ليجعلها تنظر إليه. فبديهياً كانت تاركة مكانها واستقامت بوقفتها أمامه، كقزمة أمام عملاق، هكذا كان حالها بذلك الوقت. فأغلقت عيناها سريعاً لكي لا تلتقي بعينيه. فقطب جبينه وهو يقول بغرابة: "مالك يا حياء؟ في إيه؟ مش عايزة تبصيلي ليه؟ فتحت حياء إحدى عينيها بحذر وقالت والثوب ينزلق من بين أصابعها:
"إيه الهدية دي يا راسل؟ قهقه راسل على قولها، ليس على شيء إنما على أنها جعلته يشعر بأنه لا يصح أن يهدي الزوج زوجته هدايا كتلك. فكم هي حقاً خجولة، تذهب عقله بحياءها. فالرجل دائماً يهوى المطاردة، تستهويه الخجولة والتي تشبه الدرة الثمينة التي لا تلمسها يد سوى من يقتنيها. فأدنى برأسه منها وهو يقول بصوت هامس: "وفيها إيه يا حبيبتي؟ حاجة شوفتها وعجبتني فجبتها لمراتى حبيبتي، مش أحسن ما أشتريها لواحدة تانية."
رغب المزاح معها بشق عبارته الأخيرة، فلم يكن يعلم أن مردود حديثه لديها سيكون له صدى قوي كهذا. فهي فتحت عينيها تنظر إليه بعدم استيعاب لما قاله، بل أنها دفعته بصدره، فابتعد عنها قليلاً. فصاحت حياء وهي تقول رافعة سبابتها بوجهه: "واحدة تانية! ده أنت لو عملتها عارف هعمل فيك إيه أنا أنا.... لم تحسن إكمال جملتها، كأنها لم تعثر على العقاب الملائم، ولكن تأوهت بصوت مسموع بعد إقدامه على قضم إصبعها الممدود بوجهه،
فسمعته يقول بتحذير ولطف: "مترفعيش صباعك في وشي كده تاني، عشان أنا بكره حد يعمل لي الحركة دي، بتعصبني." وإن لم يكن ألم قضمه لإصبعها قوياً، ولكن شعرت بالضيق من تحذيره لها. فقبل أن تدمع عيناها، كان جاذباً إياها إليه. فتأوه معقباً بعشق جارف: "أنا مش قصدي أزعلك يا حبيبتي، بس بجد الحركة دي بتنرفزني موت، معلش بقى اتجوزتي واحد معقد."
إزدواجية مشاعره، تجعلها بحيرة من أمرها دائماً. فبلحظة يثير ضيقها، وباللحظة التالية يجعلها تشعر بأنها تحلق على إحدى الغيمات الوردية بسماء العشق. "راسل، هو أنت قبل كده بعت لي هدية زي دي على بيت بابا عرفان الله يرحمه، مش كده؟ قالتها حياء فجأة، قبل أن يبدأ بعناقها، فأبتعد عنها ونظر إليها ملياً. ملأت تعابير الدهشة وجهه وقال بعد أن مط شفته السفلى قليلاً: "إزاي يعني؟ هبعت لك هدية زي دي وبمناسبة إيه؟
هو أنتي كنتِ شيفاني وقح للدرجة دي؟ جايز دلوقتي أنا كده معاكي بس عشان أنتي بقيتي مراتي، لكن قبل كده أعمل حاجة زي دي إزاي؟ استشعرت الصدق بنبرة صوته، عوضاً عن أن راسل لم يكن بالرجل الذي يستطيع نكران أفعاله حتى وإن كانت خاطئة. فخيم الصمت عليهما، كمن يخشى كل منهما التفوه بكلمة. فهي رأت علامات الضيق بوضوح في عينيه، فلم تجد حلاً آخر لإعادة تيار المشاعر الجارف بينهما، سوى ذهابها لترتدي الثوب.
فانحنت وألتقطته من على الأرض، فلم يأتي راسل أي حركة، بل أنه ترك الغرفة بأكملها وذهب للشرفة. استند بكتفه على الجدار وهو عاقداً ذراعيه ينظر للسماء، وللقمر بضوئه الفضي الباعث على الشجن. فهو لم ينسَ ما قالته بالداخل، فعقله يبحث عن مغزى لقولها، ولكنه لم يجد ما يريح عقله من كثرة التفكير. فما معنى أن تصل هدية كتلك إليها وتظنه أنه هو الفاعل. "راسل...
خرج من دائرة أفكاره على ملمس تلك اليد الناعمة التي حطت على كتفه، وهمستها الرقيقة المنادية. فاستدار إليها وعلقت أنفاسه بصدره بعد رؤيتها، يجزم أنها حورية بحر تخلت عن عالمها من أجل أن تأتيه لتغويه بالذهاب معها إلى عالمها. تلك الأسطورة الخرافية التي تداولتها الألسن منذ زمن بعيد، والتي كان يستمع إليها بصغره قبل النوم. "إيه الجمال ده كله؟
فاللون الأسود لم يزد لون جلدها الأبيض سوى صفاء ونقاء، ورائحة عطرها مدعاة للغواية. وخصيلاتها المنسرحة على أحد كتفيها كستار الليل الساحر العالق به النجوم المضيئة متمثلة بمشبك الشعر الماسي الموضوع بجانب رأسها. فلا ينقصها سوى شيء واحد ألا وهو... وردة.
بحث عن المزهرية حتى وجدها بأحد أركان الشرفة، فأخذ إحدى الورود التي يبدو عليها أنها تم قطفها اليوم من الحديقة. فأوراقها يانعة وما زالت رائحتها مختزنة بين تلك البتلات الناعمة.
فمد يده بالوردة وثبتها بشعرها، وهي تقف بين يديه كالمسحورة ومسلوبة الوعي. فبعد أن انتهى، أخذ أحد كفيها وجعلها تدور حول نفسها، يتطاير ثوبها حولها، ضارباً سيقانه بخفة. أشعلت به النيران. فقد حان وقد حصاد تلك الأشواق التي زرعتها بابتسامتها ورويتها من غدير عذب المشاعر. ***
هبطت الدرج وهي تتمنى نفسها بعدم رؤيته، فيكفي ثلاثة أيام وهي حبيسة غرفتها خشية لقياه وأن يحدث ما حدث سابقاً ويصفعها ثانية. فمنذ ذلك اليوم وهي تتحاشى التواجد معه بمكان واحد. فعند ذهابهم للمشفى، تفضل الذهاب بسيارتها، وتذهب والدتها معه بسيارة أخرى. وضعت يدها على صدرها، وزفرت أنفاسها براحة لعدم رؤيته. ولكن لم تدم راحتها طويلاً، إذ وجدته يلج من الباب الفاصل بين المنزل والحديقة. فارتعدت بخفة كأنها رأت مسخاً. فرمقها
بلامبالاة وهو يقول ببرود: "إيه شوفتي عفريت عشان تتخضي كده؟ ولا اللي زيك ميعرفوش يعني إيه خوف؟ ولا أدب؟ أطبقت أسنانها ببعضهما من خلف شفتيها المطبقتين، فوجدت نفسها قائلة بسخرية: "وهخاف منك ليه إن شاء الله؟ فطالعتْه من رأسه لأخمص قدميه وهي تكمل حديثها: "أنا شايفة إنك مبسوط بالقعدة هنا أوي. صحيح هتلاقي عز زي ده فين؟
اتسعت طاقة أنفه كثور هائج، وهم بالإقتراب منها. فأرتدت بخطواتها للخلف، ووضعت يديها على وجهها، كأنها تتخذ حذرها من صفعة محتملة. فبمجيء والدتها وضع نهاية لذلك الحوار المهين بينهما. فخطا خطواته تجاه خالته، ومد يده لها وهي تهبط الدرج. فنظرت إليه بامتنان، ووضعت يدها بيده. فمثلما عاد بها للمنزل بالأمس متأبطة ذراعه، خرج بها للذهاب إلى المشفى وهند تتبعهما، تشعر بحرق الدموع لأجفانها، تريد البكاء من خشونة وصلابته بالتعامل معها للمرة الأولى.
وصلوا للمشفى، فهرولت خالته نحو غرفة زوجها، بعد علمها من الممرضة أنه الآن بطور الاستقرار لحالته الصحية، بل أنه فتح عينيه ويريد رؤيتها. ولجت الغرفة وأقتربت منه، فدمعت عيناها وهي تربت على صدره وتقول بصوت نائح: "ألف سلامة عليك. وبعد الشر تقوملنا بالسلامة يارب." "الله يسلمك."
قالها وعيناه تنظر للخارج عبر الزجاج الفاصل بين الغرفة وبين الرواق، فرأى ابنته تحاول كبت دموعها، وهي تبادله النظرات، وعيناها تستجديه بالصفح عنها، وأن يغفر لها ما كان من أمرها. فلم تنتظر هند السماح لها بالدخول، بل ولجت الغرفة وهرولت نحو فراش أبيها، فأخذت يده تقبلها بندم وأسف: "بابا أنا آسفة سامحني. أبوس إيدك سامحني. عارفة إن غلطت وغلطي ميتتغفرش، بس أرجوك سامحني."
جذب أبيها يده من بين كفيها بعنف، فهو لا يريد رؤية وجهها. على الرغم من أن قلبه يبكي على حالها، فهي بالأخير ابنته وصغيرته المدللة التي لم يدخر جهداً ليجعلها تحيا سعيدة بكنفه. ولكن ربما زاد هو بدلالها حتى خرجت الأمور عن السيطرة. استقامت هند بوقفتها، بعدما كانت منكفئة على يد أبيها، فرأت كرم هو الآخر يقترب منهم وهو يقول: "ألف سلامة عليك يا عمي، شدة وتزول إن شاء الله."
فرت دمعة حارة من عينيه، فأسرعت زوجته بمحوها، فهي لا تريد أن ترى ضعفه ولا تريد أن يراه أحد هكذا. ولكن لم تستطع محو تلك الغصة التي علقت بحلقه وهو يقول: "الله يسلمك يا كرم." نظر لزوجته، فأخبرته عيناها صراحة أن كرم صار يعلم ما حدث لهما. فزاغ بعينيه عن وجهه، حتى لا يرى انعكاس ذله بوجه أحد. فأشفق كرم على حالته وحالة خالته البائسة، فلم يتردد بقول ما لديه، فحمحم يجلي صوته قائلاً بهدوء لا يعلم من أين أتاه بتلك اللحظة:
"عمي أنا منكم ومليش غيركم، ومحدش هيصونكم ويصون سركم زيي. وإن كان على اللي حصل، فأنا مستعد أتجوز هند وأحل المصيبة دي." تشنجت أطرافهم، ولم يجرؤ أحد منهم على قول كلمة. فلا شيء يدل على أنهم ما زالوا على قيد الحياة سوى أنفاسهم التي يلتقطونها بوتيرة سريعة. فلو لم يكن التنفس ضرورياً، لربما كانت انحبست أنفاسهم وعلقت بصدورهم بعد قول كرم. "تتجوزها! وليه تعمل في نفسك كده يا ابني؟
قالها زوج خالته بغرابة. فنظر لزوجته، التي لم تستطع أن تخفي ذلك البريق الذي لمع بعينيها، من أن ربما هذا هو الحل الوحيد، وربما يكون كرم هو القادر على إصلاحها وتقويم سلوكها. ولكنها عادت تأنب نفسها، فلم تجعل ابن شقيقتها يتحمل وزر أخطائهما. فقالت برفض قاطع: "لأ يا كرم، لأ. وأنا مرضاهالكش ليك يا حبيبي."
شعرت هند بقسوة الحديث الدائر بينهما، فهي صارت الآن بنظرهم سلعة معروضة للبيع ولكن بها تلف وعيوب. فعندما تقدم المشتري لابتياعها، أسرع البائعين بإبراز عيوبها. شعور عارم بالإهانة جعل الدماء تسري بعروقها حارة، كلسعات الشمس الحارقة. فجاء حديث كرم متمماً لغليان دماءها، خاصة وهو يقول ببرود: "أنا بس هتجوزها فترة لحد ما حضرتك تقدر تحل المشكلة بينك وبين الراجل اللي هددك بالفيديو. وكمان لقيت حل للموضوع ده."
قطب والد هند حاجبيه قائلاً بغرابة متسائلاً: "حل إيه ده اللي لقيته يا كرم؟ وضع كرم في جيبه ورفع رأسه بشموخ أمام عينيها وهو يقول:
"لو الراجل اللي هددك بالفيديو اتكلم وحب يعمل حاجة بيه، هقول إن اللي كان معاها في الفيديو أنا. لأن كده كده الشاب مكانش باين في الفيديو، كل اللي كان ظاهر منه ضهره بس. فلو اتجوزنا وحابب يهددك، أنت اللي هدديه إنك هترفع عليه قضية أنه قدر يصور بنتك وجوزها في حياتهم الخاصة وكان عايز يشهر بيك وبينا. بس لازم نتجوز بسرعة، يعني نقلب الترابيزة عليه. ودلوقتي بقى كتير عارفين الفبركة اللي بتحصل في الصور والفيديوهات، ومظنش هو هيفضح نفسه أنه هو اللي خطط لده كله عشان يكسب قصادك في الانتخابات."
صمت زوج خالته هنيهة، يزن الأمور بعقله، ليرى مدى صحة اقتراح كرم. فلا ينكر أن حديثه لقى هوى بنفسه. فهو يريد الخروج من هذا المأزق الذي وضعتهما به ابنته المدللة.
نظرت هند لأبويها وهي فاغرة فاها، فهي تراهما يتبادلان النظرات بينهما، كأنهما الآن سيعلنانها صريحة وأنهما موافقان على هذه الزيجة. فهي لا تريد الزواج منه أو من أي أحد آخر، خاصة أنها شعرت بأن ربما سيكون زواجها من كرم بداية الحط من شأنها وكرامتها، حتى وهي بذلك المأزق تفكر بمظهرها العام أمام أصدقائها. فهي من كانت تخبرهم دائماً بأن زوجها لن يكون له مثيل أو بديل، لتأتي الآن وتتزوج ممن لم تضعه ببالها يوماً. ***
أمام إحدى الشقق بتلك البناية السكنية الراقية، والتي تعد واحدة من أفخم البنايات التي ورثتها قسمت عن شقيقها الراحل، كان شكرى يصطحب فتاة من أحد الملاهي الليلية التي لا يمكث بها، ولكن يذهب لهناك لإصطياد فتاة تقضي معه إحدى لياليه الآثمة. وضع ذراعه حول كتفها وهو يضمها إليه، فحدق بوجهها وهو يمنى نفسه بقضاء ليلة ماجنة مثلما اعتاد أن يفعل بالأونة الأخيرة. فهو يغدق عليهن أموالاً كانت بالسابق لرجل جمعها بالكد والشقاء، ليأتي هو وينفقها بملذاته المحرمة.
ولجا للشقة فتغنجت الفتاة وهي تقول بميوعة: "ده أنا هخليك النهاردة تقضي سهرة تحلف بيها العمر كله، بس سيبلي نفسك خالصة." دنا بوجهه منها وهو يقول بخبث: "وأنا ملك إيدك يا جميل."
جرته خلفها من رابطة عنقه، حتى وصلا لغرفة النوم الرئيسية. فبحيلة منها استطاعت إقناعه بأن تعصب عينيه من أجل أن يلهو مع بعضهما قليلاً. فلم يبدِ اعتراضاً، فبعد أن عصبت عينيه، جاءه منها أمر ثانٍ بأن يتخلى عن سترته يليها قميصه وهكذا حتى وجد نفسه مستلقياً على الفراش يستره ملاءة بيضاء. فلم تكتفِ بذلك، بل أوثقت يديه بأصفاد حديدية وثبتتها بالطرف المعدني للسرير. فتبسم ضاحكاً وهو يقول:
"ده أنتي طلعتي شقية أوي، بس لازمتها إيه الكلبشات دي؟ فكيها." رنت أصوات احتكاك الأصفاد بالطرف المعدني للسرير بأذنيه، ولكن لقى الأمر هوى بنفسه الخبيثة، فعاد معقباً: "ولا أقولك بلاش، حبيت الموضوع." "لأ ولسه هتحبه أكتر كمان." اخترقت تلك الجملة مسامع شكرى، فذلك صوت رجولي. فحرك رأسه بعصبية، يريد التخلص من عصبة عينيه. فأهتاج أكثر وهو يقول بانفعال: "هو في إيه وأنت مين؟ إيه اللي بيحصل؟
مد راسل طرفي سبابته وإبهامه وسحب قطعة القماش الموضوعة على عينيه. فعندما وقع بصر شكرى على وجه راسل، انتفض جسده، فخشى أن يسقط الغطاء الساتر له. ولكنه لم يمنع صراخه وهو يقول بحدة: "أنت بتعمل إيه هنا ودخلت هنا إزاي؟ هو في إيه بالظبط؟ زادت حرارة الانفعال لدى راسل بعد سماع صراخه، فلكمه بوجهه وهو يقول من بين أسنانه: "هو أنت ليك عين تتكلم وتبجح كمان؟ ده أنت طلعت واطي أوي."
أبتعد راسل عن الفراش، وأخرج النقود من جيب سترته، وناولها للفتاة قائلاً بأمر: "فلوسك أهي ويلا أمشي، مهمتك خلصت لحد كده." أخذت الفتاة النقود ووضعتها بين طيات ثوبها من الأعلى فقالت وهي تمضغ علكتها: "تسلم الأيادي يا باشا، متؤمرش بحاجة كده ولا كده." وضعت يدها وتلمست كتفه، فأزاحها عنه بغضب عارم. فنظرات عينيه كانت على وشك حرقها. فخافت من إقدامه على شيء يجعلها تندم على فعلتها، فركضت خارج الغرفة، بل من الشقة بأكملها.
جلس راسل على المقعد بجانب الفراش، واضعاً ساق على الأخرى، ينظر لشكرى ببرود. يراه كجرذ وقع بمأزق ولن يجد طريقاً للفرار. يحاول شكرى فك وثاقه ولكن ينتهي الأمر بالفشل. "أنت عايز مني إيه وليه عملت فيا كده؟ قال شكرى عبارته بتساؤل، لعله يحصل منه على إجابة. فهو لم يظن أنه سيعاود الاشتباك معه ثانية، ولكنه فكر أن ربما حياء أخبرته بأمر إقدامه على الاعتداء عليها. فحاول نفي ذلك الأمر وهو يقول بإصرار:
"أوعى تصدق حياء في أي حاجة تقولهالك، دي كدابة أو تكون ضحكت عليك وفهمتك أنها بريئة. دي هي اللي عايزة تغطي على علاقتها السابقة بخطيبها الدكتور نادر. دول كانوا بيحبوا بعض والكل عارف، وهي كمان مكنتش شايفة حد غيره. دي هي اللي خلت عرفان ومراته يوافقوا عليه عشان كانت بتحبه. حتى كمان شوفتها مرة كانوا مع بعضهم. صدقني هي دي الحقيقة، حتى بتضحك عليك وتلاقيها اتجوزتك عشان أنت غني وتفضل عايشة في المستوى اللي كانت عايشة فيه، ومش بعيد كمان تكون لسه على علاقة بيه ومستغفلاك."
قضى بعبارته الأخيرة على كل ذرة صبر حاول راسل الحفاظ عليها. فبعد سماعه حديثه المهين بحق زوجته، ترك مكانه واقترب منه وظل يلكمه بوجهه وهو يصرخ به بهسترية: "اخرس يا حيوان! دي مراتي أشرف من مليون من عينتك." لم يكتفِ راسل من لكمه بوجهه إلا بعدما وجد الدماء تسيل من فمه وأنفه. فأبتعد قليلاً وهو يلتقط أنفاسه اللاهثة من فرط غضبه. فنظر ليده وجد بها آثار بقع الدماء. فلم يأبه بها قدر اهتمامه بأن يدحض أقوال ذلك الرجل الخبيث.
ولكنه نظر إليه بكره شديد وهو يقول ببرود: "ده حاجة بسيطة جنب اللي هتعمله فيك مراتك حرمك المصون قسمت هانم. زمانها جايلك في السكة، أصل زمان وصلها الفيديو الحلو بتاعك أول ما وصلت أنت والبنت الشقة. ولما تيجي تلاقيك كده ومربوط، بعد اللي شافته هتشفيك زي اللحمة وتستاهل والله. ومش بعيد ألاقي خبر وفاتك في الجرنال بكرة الصبح بعد ما تقطعك هي حتت. وأه حاجة كمان لازم تسد بؤقك لحد ما تجيلك، عيب تسمع بيك الجيران."
قال راسل ما لديه، وأخذ قطعة القماش التي استخدمتها الفتاة في عصب عينيه، ووضعها على فمه ليمنع صراخه. وخرج بعد ذلك من الشقة. فأحمر وجه شكرى من كثرة محاولته لإزاحة قطعة القماش عن فمه، فخرج صوته مكتوماً. فهو إن لم يفر هارباً الآن، سيلقى مصيراً أسود على يد قسمت. ولكن كيف له بالفرار وهو مقيد اليدين، ولا يخرج صوته لعل أحد ينجده.
فلم يمر وقت طويل بعد ذهاب راسل، حتى سمع شكرى صوت فتح باب الشقة بالخارج. بل أن من ولج للتو صفع الباب، فكاد أن يتحطم من شدة غلقه. فعلم أن زوجته قد وصلت الآن، فبكى رغماً عنه عندما تخيل رؤية وجهها عندما تلج الغرفة وتجده بتلك الحالة، وليس هذا فحسب بل أنها شاهدت مقطع فيديو له بأنه هو من بدأ الأمر بإرادته. فهي لن تصدقه إذا حاول الادعاء بأن راسل هو من دبر له كل هذا. ***
نظرت حياء بالساعة المعلقة على الجدار للمرة الثالثة. فلما تأخر هكذا، واليوم سيذهب لقصر أبيه من أجل ميس، التي هاتفَتْه وألحت عليه بضرورة المجيء خاصة بيوم كهذا. فوجدته يلج الغرفة على جناح السرعة ويخلع عنه ثيابه التي كان يرتديها. تعجبت حياء بالبدء من عدم ملاحظته جلوسها بالغرفة، بل أنه ذهب رأساً للمرحاض. فبعد أن قضى قرابة الخمس عشرة دقيقة، خرج يرتدي مأزر الحمام ويجفف رأسه بالمنشفة.
فسمع رنين هاتفه باسم ميس. فأغلق الهاتف وألقاه على الفراش، وذهب لغرفة الثياب. كل هذا وحياء بحالة من الذهول لما يفعله. فذهبت خلفه وجدته انتهى من ارتداء بنطاله، وأخذ قميصاً ليرتديه. فأقتربت منه لتغلق له أزرار قميصه وهي تقول بغرابة: "مالك يا راسل؟ في إيه؟ دخلت ولا كأنك شايفني؟ رد راسل قائلاً وهو يحاول الابتسام: "مفيش، بس كنت عايز أخلص بسرعة عشان نلحق نروح قصر النعماني، لأن أنتي عارفة لما بشوفك بتوه وبنسى نفسي."
لم تجد حيلته معها نفعاً تلك المرة، فصوته خالياً من تلك الحرارة التي دائماً ما تستشعرها بنبرة صوته عندما يبدأ بمغازلتها. ولكنها فضلت إرجاء الأمر لوقت لاحق، فهي لا تريد تأخيره. فهو أصر عليها بأنه سيصطحبها معه، على الرغم من رفضها أن تلج ذلك القصر ثانية بعد ما حدث لها هناك. ولكن ستذهب إكراماً له ولابنة شقيقه.
فجلست بالمقعد المجاور لمقعده بالسيارة، ولكن لمحت شروده، فمدت يدها ووضعتها على يده. فكأنه انتبه عليها الآن، ولكن لاحظت أنه سحب يده، معللاً بأنه لا يريد أن يتشتت ذهنه أثناء قيادة السيارة وتتعرض حياتهما للخطر. فانزوت بمقعدها تشعر برغبة في البكاء من جفاءه معها اليوم، ولا تعلم لماذا صار هكذا؟ فهي تتذكر أن بصباح اليوم كانت أمورهما على خير ما يرام بعد ليلة حالمة بمساء الأمس.
فُتحت أبواب القصر بعد علمهم بقدومه، فترجلا من السيارة. ومد يده وقبض على كفها، فسارا حتى ولجا لبهو القصر. فهربت إليه ميس وهي تقول باسمة: "حبيبي أتأخرت ليه كده؟ كنت هزعل لو مجتش وخصوصاً أنك مردتش عليا لما رنيت عليك." لاطف وجنتها وهو يقول بحنان: "معلش كان ورايا شغل وعلى ما خلصت. وإزاي يعني مجيش في يوم زي ده؟ هو أنا عندي كام ميس؟ "تسلم لي يا حبيبي." قالتها ميس وهي تقبله على وجنته. وقبلت حياء ترحيباً بقدومها،
فتبسمت لها حياء قائلة بود: "مبروك يا ميس وربنا يتمم بخير." ردت ميس وهي تسير أمامهما بطريقهما لغرفة المعيشة: "الله يبارك فيكي يا حياء. طب تعالوا بقى عشان العريس قاعد مع جدو وخالو عاصم وماما في الصالون." وصلوا إلى غرفة المعيشة، فتقدمت ميس وجلست بجانب جدها، وهي تشير لهما بالجلوس. تحاشى راسل النظر لأبيه، رغم رؤيته كيف انتبه على مجيئه مصطحباً زوجته.
فوقعت أنظار راسل وحياء على العريس المنشود بابتسامة سرعان ما تحولت لصدمة ودهشة، خاصة بعدما تلفظا باسم العريس بصوت واحد: "نادر." يتبع...... !!!!!!!!!! أنار الله دروبكم وأسعد قلوبكم وفرج كروبكم ورزقكم سعادة الدارين ❤️❤️❤️ لينك الحلقة على الواتباد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!