"صدق ظنى بكَ" تصنمت ملامحها وأنعقد لسانها بعد سماع ما تفوه به نادر، فهل حدث هذا حقاً؟ وجدت عيناها تلقائياً ترمقه من وسط الجمع المحتشد بالقاعة، بتلك اللحظة التى تلاقت بها أعينهما سوياً، كأنها على موعد مسبق. أزدردت لعابها بخوف وهى ترسم بمخيلتها إقدامه على قتل زوجته، فربما نادر محق بما قاله، فهى تذكرت قسوة وصلابة أصابعه حول عنقها، فهل من الممكن أن يكون قاتلاً؟ هل ما زال لديها شك؟
فهى كانت ستكون ضحيته، فهى الأحق بأن تصدق ما سمعته. "نادر أنت بتتكلم جد قتل مراته؟ طب إزاى هو هنا دلوقتى ومش محبوس أو ازاى لسه شغال فى مهنته دى؟ أنا مش فاهمة حاجة." حرك نادر كتفيه دليلاً على أنه لا يعلم أكثر من تلك المعلومة القصيرة، التى أدلى بها لتوه:
"ولا أنا يا حياء. أنا قولتلك سمعت كده فى المستشفى، حتى كمان بيقولوا أنها اتقتلت فى إيطاليا، أصل مراته كانت إيطالية مش مصرية، وأن كل حاجة حصلت هناك. بس إزاى هو رجع مصر أو فعلاً هو اللى قتلها زى ما بيقولوا وطلع منها زى الشعرة من العجين برضه معرفش. ثم ده شئ ميخصنيش وأنا مالى." فحاول صرف تفكيرها عن الأمر، فعاد لإستكمال إطراءه لها قائلاً: "سيبك أنتى من الكلام ده كله، قوليلى بقى إيه الجمال ده كله والشياكة والأناقة."
تبسمت حياء تلك المرة على غير عادتها، عندما يخبرها بإطراء لجمالها أو ملبسها. شعرت بأن الجو بالقاعة أصبح خانقاً، من الدخان الذى ملأ المكان والضجيج الناجم عن تحدث المدعوين وضحكاتهم العالية. رأت من ينادي نادر، فأبتعد هو ليرى ماذا يريد منه ذلك المنادي؟ الذى لم يكن سوى صديق له.
تجولت حياء بعينيها بين الحضور، رأت أبويها جالسان على طاولة برفقة عمتها وزوجها، ولكن ملامح وجهيهما تدل على أن هناك خطب ما كالعادة، فلم تشأ أن تقترب لتعرف ماذا يحدث بينهم. ساقتها قدميها خلسة لخارج القاعة، حتى وصلت للحديقة بالخارج. رأت صغارًا يلعبون، فجلست على أريكة خشبية تشاهد ما يفعلون، كأنها تناست أن اليوم خطبتها، وأنها لابد لها من أن تظل بالداخل، ولكن هى هكذا، إذا لم تفعل ما يطرأ على عقلها لن يكون مسماها حياء.
"عروسة تسيب حفلة خطوبتها وتقعد تتفرج على العيال وهم بيلعبوا؟ وصلت تلك الجملة لأذنيها، فأستدارت برأسها لترى من يحدثها، فرأته يقف على مقربة منها يضع إحدى يديه بجيب بنطاله الأسود الملتصق به يبرز ساقيه الطويلتين. رمقته بهدوء، فعادت تنظر أمامها تصفق بتشجيع لطفلة تحاول النيل من رفيقها بلعبة الغميضة. "وأنت مالك أصلاً بالموضوع؟ أرتفع حاجباه تزامناً مع زم شفتيه، سرعان ما أرتسمت إبتسامة متهكمة على جانب ثغره.
"على رأيك وأنا مالى، بس كويس إنك عملتى نفسك أنك متعرفينيش قدام خطيبك علشان ميحصلش بينكم مشاكل، أحسن نادر يفهم الموضوع غلط." قلبت عيناها بملل وزفرت من أنفها بضيق. "وهو أنا أعرفك أصلاً ولا في سابق معرفة يا دكتور راسل؟ على مقربة منها، كان هو جالساً على الطرف الآخر من الأريكة الخشبية، فوضع ساق على الأخرى، فأحنى رأسه للخلف، يغمض عينيه مغمغماً.
"أحسن ليكى أنك ميكونش في بيني وبينك سابق معرفة، أحسن تحبيني زي اللي قبلك وتبقى نهايتك زيه." هذا أكثر ما تحتمله أعصابها الثائرة منذ رؤيته، فأنتفضت من مجلسها صارخة به. "إيه الغرور اللي أنت فيه ده؟ أصحى لنفسك وأحترم نفسك وأنت بتتكلم معايا! أنت متعرفش أنا مين وأبقى بنت مين، أو ممكن أعمل فيك إيه! لو كنت سكت عن اللي عملته فده علشان اعتبرت الموضوع سوء تفاهم، لكن غير كده أنا كنت سجنتك بتهمة الشروع في قتلي."
رفعت يدها تشير بها أمام وجهه محذرة إياه من مغبة الاستمرار في مخاطبتها بترفع وغرور لعين. فأعاد رأسه المائل إلى وضعه الطبيعي، فحدجها بنظرة متكاسلة من عيناه شبه الناعسة، وكفه يدلك مؤخرة عنقه كأنه يشعر بإرهاق. فغمغم قائلاً بتسلية. "باين عليكي طيبة أوي يا آنسة حياء، أو ساذجة." قبل أن تفه بكلمة أخرى، أخرج هاتفه من جيبه، بعد سماعه رنين وصول رسائل له، ففتح الهاتف يقرأ الرسائل بإبتسامة تزداد إتساعاً مع كل كلمة يقرأها.
ولا تعرف هي لما ظلت واقفة مكانها، ولم تعد أدراجها للداخل. الضوء الصادر من الهاتف أنعكس على وجهه، وأضفى عليه مظهراً شيطانياً، وخاصة أن ذلك المكان المتواجدان به، كانت مصابيح الإنارة غير مضاءة، ولا يضيء المكان سوى ضوء خافت يأتي من بعيد. كأنه علم بتحديقها به، فرفع وجهه عن الهاتف وهو يقول. "إيه اللي مخليكي لسه واقفة هنا؟ إلا إذا كنت عاجبك يا حياء، حتى رجليكي مش مطوعاكي أنك ترجعي القاعة تاني، القعدة معايا مسلية مش كده؟
"هو المكان ده مكتوب باسمك وأنا معرفش؟ دا أنت عديم الأدب والأخلاق فعلاً." نطقت بها حياء بإستياء واضح، فهمت بالمغادرة ولكن سمعته يقول ببرود. "وهو ده النوع اللي بيعجبكم؟ لولا بس إنك خطيبة دكتور شغال عندي كنت عرفت أرد عليكي بس... بطريقتي."
فكم تتمنى هي الآن أن لو بيدها خنجر مسموم، تطعن به قلب ذلك المتعجرف، الذي أفسد عليها ذلك اليوم الذي أنتظرته بشوق، فليس مجيئه فقط هو ما جعلها تشعر بالسوء، ولكن أيضاً غلظته، وغطرسته، فهي صدق ظنها به من أنه ليس بشرًا مثل باقي البشر، بل طاووس مغرور، مصاب بداء العظمة والكبرياء، الذي أوحى لها بأفكار إجرامية، لم تكن تظن أن تفكر بها قبل رؤيته. تصنعت الهدوء وهى تجيبه.
"صدقني لا أنت ولا عشرة من عينتك يقدروا بس يفكروا يلمسوا شعرة مني، عارف ليه؟ علشان الإيد اللي بتتمد عليا بكسرها، ولولا إن يوم المستشفى كنت تعبانة، صدقني كنت عرفتك مقامك كويس." "وهو نادر ممدش إيده عليكي بأي شكل من الأشكال؟ قالها مستمتعاً بجعل مخزون صبرها ينفذ، وخاصة من تلك الملاحظة المهينة التي أبداها لتوه. "أنت واحد حقير وسافل وحيوان كمان، اتفضل يلا أمشي من هنا، مش عايزة أشوف وشك."
قالتها حياء وهي تشير بذراعها ناحية الباب الخارجي للفندق، فزادت حرارة انفعالها عندما وجدته يسترخي أكثر بجلسته. فأستطردت بغضب. "بقولك قوم أمشي من هنا يلا." قبل أن يفه بكلمة، رأى نادر يحث الخطى على الاقتراب منهما، وربما أصابه التعجب من رؤية حياء برفقة راسل بالحديقة، وهو من كان يبحث عنها بالداخل. أقترب نادر منها قائلاً بتساؤل. "حياء، أنتي بتعملي إيه هنا؟ عمال أدور عليكي علشان نلبس الدبل." فالتفت لراسل معقباً.
"دكتور راسل، حضرتك هنا في حاجة ولا إيه؟ أكمل راسل تصفح هاتفه بغضب طفيف، ولكنه استطاع رسم ابتسامة باهتة قائلاً بصوت لا مبالي. "لأ مفيش حاجة، بس جالي مكالمة والصوت في القاعة عالى فخرجت ولقيت العروسة قاعدة هنا، فكنا بندردش مع بعض شوية، وبقولها أنها عرفت تختار واحد زيك يا نادر." رأت حياء سيمات السعادة على وجه نادر، من استماعه لإطراء راسل به، فشفتيه انفرجت باتساع يسرع في ابداء شكره وتقديره لمديره.
"متشكر جدا يا دكتور راسل على ذوقك وأنك شرفتني النهاردة وحضرت حفلة الخطوبة." لا يعلم هو أي سبب دفعه للمجيء اليوم، فهو دائماً ما كان يبدي أسفه واعتذاره عن حضور مختلف المناسبات التي تخص أي شخص يعرفه، معللاً ذلك بإنهمانه بالعمل. ولكن اليوم.. بعد ما كان اتخذ قراره بعدم الحضور، وجد نفسه يرتدي ثيابه يلبى دعوة نادر له، كأن قوى خفية دفعته للمجيء على غير عادته.
فوجد مفاجأة أخرى بانتظاره، وهي أن تلك الفتاة التي كان على وشك قتلها بمشفاه، متواجدة هنا وليس هذا فقط، بل هي عروس تلك الليلة. قبل أن يسهب نادر في مدح راسل، كانت حياء معربة عن مقتها لما يحدث بكلماتها التي لا يعلم أحد ما تنطوي عليه، سوى ذلك الرجل الجالس غير مبالٍ بما يقوله نادر. "هو إحنا مش هنلبس الدبل يا نادر ولا هنقضيها شكر وامتنان طول الليل؟ يلا بينا."
سبقته حياء بمشيتها، لعله يتبعها ولكنه ظل مكانه، كمن ينتظر الإذن بالانصراف. فأغاظته أكثر، استدارت برأسها فعلا صوتها بتبرم. "إيه يا نادر، ناوي تفضل عندك طول الليل؟ رفع راسل يده يشير لنادر بالانصراف قائلاً. "روح يا نادر، شكل خطيبتك متنرفزة وفي حاجة مضيقاها، متخليهاش تتعصب أكتر من كده، والنهاردة خطوبتها ومش لازم تتعصب في يوم حلو زي ده." تبسمت حياء بسماجة وهي تستدير بكامل جسدها لهما.
"وهي يبقى اليوم أحلى لو كل واحد معندوش ريحة الدم يحترم نفسه ويعرف أنه مش مرحب بيه، ويا ريت يمشي علشان اليوم يحلو أكتر، لأن في معازيم كتير رخيمين ومش عايزة أشوف وشهم." أعتلت ملامح وجه راسل جدية مصطنعة، وابتسامة أشد سماجة من تلك التي ترسمها على وجهها. فحمحم قائلاً بصوت رصين. "عندك حق فعلاً، ولو حد ضايقك قولى لنادر، مش بقى خطيبك والحارس الأمين عليكي."
وقف نادر بالمنتصف لا يفقه شيئاً مما يقولونه، ولكن شعر بوجود شيء مبهم، فمن يستمع إليهما يظن أنهما خصمان يحاول كل منهما النيل من الآخر. ولكنه يعلم أن حياء لم تقابل راسل من قبل، فعلام كل هذا العداء بينهما؟ وخاصة أن تلك هي المرة الأولى التي يستمع لحياء ويبدو عليها علامات الغضب وهي بالعادة فتاة هادئة ومهذبة. حاول أن يفهم ما يجري بينهما وهو لا يعلم، فتساءل موجهاً حديثه لحياء. "حياء، هو في إيه؟
هو انتوا تعرفوا بعض من قبل كده؟ نهض راسل عن الأريكة الخشبية، يستقيم بوقفته قائلاً بهدوء وبرود. "لأ، منعرفش بعض، ومكنش ليا الشرف قبل كده أن أعرف الآنسة و... بتر جملته بعد استماعه لرنين هاتفه، فأخرجه من جيبه مبتسماً، ووضع على أذنه. "حبيبتي.. أيوه يا روحي، هجيلك دلوقتي مش هتأخر عليكي، سلام." أنهى المكالمة، ووضع الهاتف بجيبه، قائلاً وهو يهم بغلق أزرار سترته.
"مبروك يا نادر، أنا لازم أمشي دلوقتي، كان نفسي أكمل حفلة الخطوبة بس عندي مشاغل كتير، تتعوض إن شاء الله يوم الفرح، سلام، واه مبروك مرة تانية يا عروسة، خطوبة سعيدة إن شاء الله يا آنسة حياء." رحل راسل بعدما عكر صفو مزاجها، فغمغمت حياء هامسة وهي تراه يعبر من البوابة للخارج. "في ستين داهية تاخدك يا دكتور راسل، إن شاء الله."
جرت ساقيها للداخل، قبل أن يقدم نادر على سؤالها عما يحدث، فلحق بها وبدأت مراسم الخطبة، وضعت خاتماً ذهبياً بإصبعها، تحدق ببريقه الذي كان يشبه بريق سعادتها عندما أفاقت من نومها اليوم، تسبح بمخيلتها أنها ستقضي يومًا لن يضاهيه يوم آخر سوى يوم الزفاف. ولكن تبدل حالها منذ رؤية ذلك الرجل المغرور، والذي هدم أمانيها اليوم، فشعورها كمن أصيبت بالسقم في يوم العيد. ***
صباح يوم جديد، وبذلك القصر المنيف، كأنه لأحد الأسر الملكية، ولما لا ومن يمتلك هذا القصر هو "رياض النعماني" أحد كبار رجال الأعمال بالمجتمع السكندري، وليس هذا وحسب، بل يمتد نفوذه وثراؤه داخل وخارج مصر أيضاً.
رجل يهابه الجميع له نفوذ ربما يفوق نفوذ السلطات الحكومية، بل أحياناً كثيرة يحل محل القانون بفض الاشتباكات التي تحدث بين رجال الأعمال بمختلف مصالحهم، فيقصده كل من له شكوى من جور أو ظلم أحد بحقه، فيشهد له الجميع بالحكمة والعدل.
جلس بالحديقة يستند على عصاه، ينحني قليلاً يستند بذقنه على يديه المضمومتين على رأس العصا المتخذة شكل ليث يزأر، يتفحص بعينيه التي مازالت حادة البصر، بالرغم من سنوات عمره الثمانون، مجموعة من الجياد التي تعدو على أرضية الحظيرة التي خصصها للفصائل النادرة من الخيول، فما زالت تلك هوايته منذ أن كان شاباً صغيراً.
يبتسم كلما رأى جواد يصهل بصوته القوي، يعلن عن جموحه وقدرته في العدو، كأنه يدعوه ليمتطيه، ولكن تلك الأيام قد ولت، فقد نال منه الكبر والمشيب. "صباح الخير يا جدو." سمع تلك التحية الصباحية فالتفت خلفه، وجد تلك الشقراء ذات الأربعة والعشرين ربيعاً، تهرول إليه بخطوات سريعة، حتى اقتربت منه وأنحنت إليه تطوقه من الخلف تقبله على وجنته. رفع يده يربت على وجهها بحب وهو يقول.
"صباح الورد على ست البنات وأجمل بنت في إسكندرية ومصر كلها، وهتبقى أشطر دكتورة كمان." تعالت صوت ضحكتها وهي تجلس بمقعد مجاور له، فهو دائم الإطراء لها، وخاصة أنه دائماً ما يخبرها بشأن جمالها الذي ورثته كاملاً عن جدتها الراحلة والتي كانت زوجته حتى انقضى أجلها منذ سنوات طوال، ربما قبل مولد تلك الفتاة بعدة أعوام. وضعت إحدى كفيها أسفل فكها قائلة بمكر.
"اممم أيوة أنت بس بتحبني عشان شبه تيتة يا جدو، يعني بفكرك بالمزة بتاعتك الله يرحمها." تبسم على قولها وهو يقول بحنين. "الله يرحمها، مقلتليش بقى يا آنسة ميس عايزة إيه في عيد ميلادك السنة دي؟ كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبتي." حكت جبهتها بتفكير. "وأنت بألف خير. مش عارفة يا جدو أنا تقريبًا مفيش حاجة عايزاها غير أن أشوفك بخير ومالي علينا حياتنا." مد يده يقرص وجنتها.
"اه يا بكاشة، اضحكي عليا بكلامك زي عوايدك، المهم أي حاجة عايزاها قوليلي عليها وهى تبقى رهن إشارتك." "أيوة أفضل دلع فيها كده يا عمي ومحدش يعرف يمشي عليها كلمة." قالتها تلك المرأة التي اقتربت منهما، وهي تحمل قدح القهوة الخاص به، فوضعته على المنضدة الصغيرة أمامه، وجلست هي الأخرى. نقر رياض بعصاه الأرض وهو يقول بحنان. "ولو أنا مدلعتهاش يا سوزانا مين هيدلعها؟ دي حبيبة قلبي." أخذت ميس يد جدها تقبلها وهي تقول.
"ربنا يباركلي فيك يا جدو، سمعتي بقى يا ست ماما دا تصريح مش من أي حد دا من رياض النعماني بذاته." أثناء جلستهم الودية، والتي لم تخلو من الفكاهة من ميس، حضر "عاصم" شقيق سوزانا وأيضاً ابن شقيق رياض الوحيد، الذي توفي بالماضي وترك "عاصم وسوزانا" بعهدته ونشأوا سوياً برفقة ابنه "وجدي" الذي توفي أيضاً بعد مولد ميس بثلاث سنوات.
فهناك جانب مظلم حزين وبائس بحياة ذلك الرجل فاحش الثراء، وهو أنه خسر كل أحبائه الواحد تلو الآخر، وبدأ الأمر بشقيقه تليه زوجته ويليها ولده. ولكن وجد سلواه بأبناء شقيقه وبحفيدته. تقدم عاصم يقبل يد عمه مثلما هو معتاد أن يفعل عندما يراه، وقبل شقيقته وابنتها التي ابتهجت برؤية خالها وتلك الهدية التي يحملها معه من أجلها. فصاحت ميس بسعادة. "ميرسي أوي يا خالو على الهدية."
وضعت القرطين المَاسَّيَّيْن بأذنيها وهي تبتسم، فأدنت برأسها من والدتها وهي تقول مستطردة. "شفتي يا ماما الحلق جميل أوي، ذوق خالو تحفة، أنا عارفة ما اتجوزش ليه لحد دلوقتي، دي مراته كانت هتفرح أوي بذوقه." كزت سوزانا كتف عاصم قائلة. "شفت حتى ميس قالت رأيها في إضرابك عن الجواز لحد دلوقتي، دا أنت عديت الأربعة وخمسين سنة يا عاصم."
ححظت عين عاصم من ملاحظة شقيقته بإقدامها على ذكر عمره، وهو من يراه ربما لن يصدق ذلك، فجسده المتناسق كشاب مازال ببداية الثلاثينات، ووسامته الظاهرة للعيان، لا تجعل أحد يستطيع التكهن بسنوات عمره. فرمقه عاصم بغيظ. "الملفوظ سعد يا سوزانا، ويا حبيبتي السن ده رقم في البطاقة، لكن الشباب شباب القلب، ثم متقوليش كده، أنتي ناسيا أن أنا أكبر منك بسنتين بس، يعني أنتي... "خلاص اسكت يا عاصم، يا ريتني ما قولت."
قالتها سوزانا، لتنفجر ميس ضاحكة من تلك المشاجرة اللطيفة التي ربما تحدث عندما تجتمع والدتها بشقيقها. تبسم رياض بوقار. "طب يلا بقى يا سوزانا أنتي وميس عشان عايز عاصم نشوف شغلنا."
أمتثلت سوزانا وميس لأمره، تاركين إياه في الشروع بالاستماع لعاصم الذي مد يده له بعدة أوراق خاصة بالعمل وبتلك الصفقات التي من المفترض عقدها، فعاصم هو من يتولى زمام الأمور الآن بإدارة الأعمال بعد إصابة رياض بوعكة صحية مؤخراً، فهو يدير الشركات بقبضة من حديد، مثلما كان يفعل عمه بسابق عهده، وازدهرت الأحوال المادية نتيجة جهده وخبرته التي اكتسبها من رياض منذ أن كان يعمل برفقته وهو بعمر الخامسة عشر بجانب تحصيله الدراسي. ***
وضعت إسعاد يدها على وجنتها، وهي جالسة أمام شرفتها المطلة على الشارع، تنتظر عودة ابنتها بعدما أخبرتها بشأن ذهابها لقضاء بعض شئونها من شراء ثياب جديدة. سمعت صوت جرس الباب، فتركت مكانها لترى من القادم. فتحت الباب فأرتجف جسدها عندما رأت زوجها على الباب، كمن رأت شبحًا مخيفًا، فهي مازالت ترهبه كعادتها دائمًا. فتلعلعت حروفها تلعثمًا ظاهرًا. "ححسان؟ ههو أنتقطب؟
حسان حاجبيه، فأرتسمت تجعيدات بجبينه، فرفع يده يتلمس شاربه الكث قائلاً بصوت غليظ. "إيه يا ولية مالك؟ شوفتي عفريت يعني؟ ومالك بتتلجلجي في الكلام كده ليه؟ ابتلعت ريقها كأنه جمر الجحيم، فحاولت رسم ابتسامة واهية على شفتيها التي أصابها الارتجاف كعادتها دائمًا عندما تراه. "لأ أبدًا يا حسان، مفيش حاجة."
أزاحها من أمامه يكمل طريقه للداخل، فجلس على أحد الأرائك، ورفع قدميه أمامه على الطاولة الصغيرة، يشير لها بالتقدم منه، كأنها إحدى جواريه. "تعالى يا إسعاد." بخزى وعار كانت قدميها تلبى نداءه لها بالاقتراب، فوقفت على مقربة منه، فتحسس بيده مكان بجواره قائلاً. "تعالى اقعدي جمبي."
جلست إسعاد حيث أشار لها بالجلوس، تضم يديها تفركهما بتوتر وخوف من مجيء ولاء، وينشب بينها وبين أبيها مشادة كلامية، ستتلقى على أثرها ضربًا مبرحًا منه. بإقدامه على جذبها إليه، كان باب الشقة يُفتح تلج منه ولاء وهي تصيح باسمة. "ماما أنا جيت." قبل أن تفه بكلمة أخرى، كانت عيناها ترصد أبيها الجالس بارتياح وليس هذا فقط، بل ربما كان سيبدأ وصلة جديدة من وصلات الود المهين بينه وبين والدتها.
سقطت الحقيبة من يدها، فدمعت عين إسعاد متأسفة على ما سيؤول إليه أمرها بعد قليل، عندما تبدأ بهجومها الضاري على والدها، وربما ستلقى نصيبها هي الأخرى. "أنت بتعمل إيه هنا؟ مش كنت هنا من كام يوم؟ مش عوايدك رجلك تجيبك هنا على طول." لم تكن تتخيل أن تتحدث هكذا بهدوء، وهي من ترى شياطين العالم تتراقص أمام عينيها عندما تراه.
بتحدٍ سافر كان يضم إسعاد إليه، كمن يثبت لها أنه ما زال الحاكم الآمر بهذا المنزل، وأن والدتها ستظل خانعة وخاضعة له، ذلك الخضوع الذي لم تتقبله ولاء منها أبدًا. فكم من مرة حثت والدتها على طلب الطلاق منه أفضل من أن تظل زوجة له لا يأتي إليها إلا وقت الحاجة. داعب شاربه كمن يحمل صكًا للرجولة قائلاً. "هو مش ده بيتي برضه ودى مراتى وأنتى بنتى؟ بلاش يعنى أجي أطمن عليكم."
ركلت ولاء الحقيبة تزيحها من طريقها، كأنها هي التي تحول بينها وبينه، فهدرت بنزق. "أنت مش هتخلصنا من الاسطوانة المشروخة بتاعتك دي؟ هات من الآخر، إيه سبب الزيارة السعيدة ده يا والدي العزيز؟ بدفعة جافة كان يبعد جسد إسعاد الملتصق به، يعتدل بجلسته يرمق ابنته بابتسامة جانبية. "ماهي دي آخرة تربية النسوان، طالعة لسانك طويل وقليلة الأدب وأنتِ بتردي على أبوكي، هو ده اللي اتعلمتيه في المدارس والجامعة يا مؤدبة."
عقدت ولاء ذراعيها أمام صدرها، تنفخ بضيق شديد وهي تتمتم. "استغفر الله العظيم، ماهو لو كنت فاضي كنت ربتني، بس نعمل إيه، جريك ورا النسوان وماشيك العوج ومش بتتقي ربنا في عمايلك هو اللي خلاني قرفت إنك أنت أبويا.... بصفعة مدوية كان يخرسها كالعادة قبل أن تكمل قولها، صرخت إسعاده صرخة عالية. سرعان ما كممت فمها بيدها عندما التفت إليها محذرًا إياها بعينيه من أن تنبت ببنت شفة.
فتبسمت ولاء من بين دموعها، تمسح بظهر يدها الدماء التي طفرت من شفتها السفلى باحتكاك خاتم والدها بها من صفعه لها. "اضرب كمان، ماهو ده اللي أنت شاطر فيه، إنك تستقوى عليا أنا وأمي." جذبتها إسعاد إليها، بعدما رأته يرفع يده يتأهب لصفعها ثانية، فضمتها لصدرها تستجديه وهي باكية. "خلاص كفاية أبوس إيدك متضربهاش تاني، هي متقصدش حاجة من اللي قالته، كفاية يا حسان."
ظلت ترمقه بمقت، وهي دافنة نصف وجهها بصدر أمها، فهو لم يدع لها شيئًا حسنًا يجعلها حتى تتقبل كونه أباها، فمنذ أن أبصرت النور، لم ترى منه سوى قسوة وجفاء بحقها وحق والداتها وشقيقتها الراحلة التي لم تتحمل قسوته وغلظته، فأسرعت بإنهاء حياتها بيدها قبل أن يفعل هو.
أرتسمت صورة شقيقتها التي كانت كالزهرة الجميلة، فهي كانت بعمر العاشرة عندما اقتحمت على شقيقتها غرفتها كالعادة عندما كانت تريد منها أن تبدي رأيها بإحدى رسوماتها الطفولية، فوجدتها تتوسط فراشها الصغير، يت تدلى ذراعها من طرف السرير، والدماء تقطر منه على الأرض، فكانت الأرض كبركة من الدماء، ولكن كل ما تتذكره أنها أقدمت على فعل ذلك بسبب شيء كان يريده هو منها ولكن لم تعلم هذا الشيء حتى الآن.
فتلك الذكرى طمست على عقلها وقلبها، تجعلها لا تتذكر سوى أنه كان المتسبب بموت شقيقتها، فإن علمت أو لا، لن يفيد ذلك بشيء، فشقيقتها انتحرت وقضي الأمر. أخذتها إسعاد معها إلى غرفتها وهي ما زالت تضمها تحت جناحها المهيض، فأبعدتها عنها قليلاً ودموعها تتسابق في إبداء أسفها. "معلش يا حبيبتي والله ما كنت أعرف أنه جاي النهاردة، خليكي هنا لحد ما يمشي، متخرجيش من الأوضة عشان ميعملش فيكي حاجة تاني أو يضربك."
أبتعدت عنها ولاء وجلست على طرف الفراش، فأطرقت برأسها أرضًا تندب حظها بأن جعل رجلاً كهذا والدها. فعلا صوتها قائلة بنحيب. "أنتي ليه مستحملاه؟ اطلبي منه الطلاق وخلصي نفسك وخلصيني معاكي، أنا بكرهه، بكرهه." أنسابت دموع إسعاد على وجنتيها فدمدمت بقهر. "ياريت كنت أقدر يا ولاء، بس أنتي مش عارفة حاجة ولا فاهمة حاجة." خرجت إسعاد من الغرفة تغلق الباب خلفها، قبل أن تسألها ولاء عن مغزى قولها.
نظرت بالصالة فوجدتها خالية، فظنت أن زوجها قد رحل مثلما أتى، ولكن وجدت باب غرفتها مفتوحاً، فأقتربت من الباب فنظرت بالداخل وجدته مستلقياً براحة على الفراش، كأنه بانتظارها أن تأتي بعد أن تؤدي مهمتها بإسكات ابنتها كحال كل مرة يأتي إليها.
دفعت الباب بيدها، وظلت واقفة على عتبة الباب تنظر إليه بصمت قاتل، فأشارة من يده أو بالأحرى من إصبعه، جعلتها تلج بخطى مرتجفة تغلق الباب خلفها، كمن حانت لها لحظة إلقائها بنيران مستعرة، بجحيم ستظل تتلظى بنيرانه ربما لما تبقى من عمرها. فما أن تنتهي زيارته لها كأنها محطة للراحة يلجأ إليها بمنتصف الطريق، يذهب وربما تمر أيام وأشهر ولا ترى له وجه، حتى يحين موعد زيارته التالية لها. ***
منذ ذلك اليوم الذي حضر به الخطبة، وهو كلما يتذكر تلك المشادة الكلامية بينهما يجد شفتيه تنفرج بابتسامة، لا يعلم ما الداعي لها وهو من المفترض أن يتأكله الغيظ والغضب، على أن تلك الفتاة أسهبت في ازدراءه، ولكن ما يشفع لها عنده، ذلك الوجه الذي تملكه، فهو يشبه وجه تلك التي فقدها بماضيه.
فتح أحد أدراج مكتبه، وأخرج منه تلك الصورة، وظل يتأملها عدة لحظات، قبل أن يعرب عن دهشته في أن كيف تحمل حياء ذلك الشبه بينها وبين تلك التي بالصورة؟ أغمض عينيه وأستند برأسه على حافة مقعده، واضعاً طرف الصور بين شفتيه، ولكن شعر بملمس يدين ناعمتين على عينيه تحجب عنه الرؤية. فسمع صوت أنثوي يهمس بأذنه. "أنا مين؟ ابتسم راسل على فعلتها يتصنع الجهل. "اممم، يا ترى أنتِ مين يا ميس؟
سحبت ميس يديها من على وجهه، فاستدار إليها بمقعده، فدمدمت بغيظ. "أنا نفسي أعرف بتعرفني إزاي يا راسل؟ دا أنا دخلت مكتبك من غير صوت وأنت شكلك كنت نايم، بتعرفني إزاي بقى؟ ضحك ملأ فاه قائلاً بصوت رخيم. "لأن مفيش حد يقدر يعمل الحركة دي غيرك يا حبيبتي، أنتي وسجود بنتي، وطبعاً سجود صوتها لسه مبقاش بالحلاوة دي، فعلشان كده بعرفك على طول." جلست على حافة المكتب مقابل له تهز ساقيها. "يا سلام."
لمح ثوبها القصير وخاصة وهي تهز ساقيها البيضاوين، فرمقها بغضب. "إيه الفستان اللي أنتي لابسااه ده؟ مش قولت متلبسيش قصير كده تاني يا ميس؟ هو كلامي مبيتسمعش؟ كشفت ميس عن هز ساقيها تنظر إليه بوجل. "ماهو أصل يعني النهاردة بقى عيد ميلادي وهربت من البيت ولبست أول حاجة لقيتها في الدريسنج، عشان أجي أشوفك قبل الحفلة بتاعت بالليل وعلشان أشوف جبتلي إيه السنة دي، وخصوصاً إنك مش بترضى تيجي تحضر عيد ميلادي."
أرتكز بمرفقيه على طرف المكتب قائلاً بجدية. "أنتي عارفة مليش في جو الحفلات ده، وعلى العموم هديتك أهي يا ستي، كنت عارف إنك أكيد هتيجي النهاردة عشان كده جبتها معايا من البيت." ترك مكانه وأخرج من تلك الخزانة الصغيرة علبة كرتونية كبيرة، فناولها إياها، فأخذتها منه باسمة، تسرع في فتحها لترى هديته لها، فأخرجت ثوب رائع باللون الأخضر متناسق مع لون عينيها التي يشتد لونها أكثر اخضرارًا عن لون الثوب. فصاحت بإعجاب ظاهر.
"واوووو الفستان جميل أوي يا راسل، أنا هلبسه النهاردة في الحفلة، ميرسي يا حبيبي." تركت الفستان واقتربت منه تقبله على وجنته، فما كان منه سوى أن احتواها بين ذراعيه يربت عليها وهي متشبثة به. أبتعدت قليلاً عنه قائلة باهتمام. "راسل أنا عايزة أجي أتدرب عندك هنا في المستشفى، قولت إيه؟ داعب طرف أنفها ممازحاً.
"بس كده، الجميل يؤمر، وأنا اللي هدربك بنفسي، مع إن مبعملهاش، بس عشان خاطرك أنتي، أنا عندي كام ميس يعني، عشان لما تتخرجي السنة دي تقولي إنك خارجة من تحت إيد دكتور راسل." "والله أحلى دكتور ده ولا إيه يا ناس؟ يتاكل أكل من كتر حلاوته." قالتها ميس وهي تلملم الثوب بالعلبة تتأهب للذهاب إلى منزلها. فلوحت له بيدها قائلة قبل أن تخرج.
"سلام يا راسل، أنا همشي عشان زمان ماما بتدور عليا دلوقتي، ومن بكرة هجيلك عشان التدريب وعشان في حاجات تشرحها لي عشان عايزة أكون جراحة شاطرة زيك يا حبيبي." أماء راسل برأسه إيجاباً على ما قالته، فخرجت تغلق الباب خلفها، فعاد ووضع الصورة بمكانها، وخرج من غرفة مكتبه، للمرور بين المرضى ويستأنف عمله، بعد تلك الراحة القصيرة التي اتخذها بعد خروجه من غرفة الجراحة، التي يقضي بها وقتًا طويلاً من ساعات تواجده بالمشفى. ***
بيوم مشمس على خلاف العادة بأيام الشتاء قارصة البرودة، كانت تجلس حياء على الشاطئ القريب من المنزل، ترى الزوارق التي تتمايل على سطح الماء، كأنها راقصات تتمايل بغنج ودلال، تحث الطيور على التحليق فوقها، كأنها جمهور حاضر من أجل حفل راقص. فتحت حياء الكتاب الذي حملته معها من البيت لقراءته، بتلك الخلوة التي صنعتها لنفسها للهروب من ضجيج العاملين بالمنزل من أجل تجهيز عش الغرام الذي سيجمعها بنادر قريبًا.
أنهمكت بقراءة الكتاب، حتى أنها لم تسمع لتلك الخطى التي تقترب منها، فأجفلت عندما سمعت ذلك الصوت يناديها. "أزيك يا حياء؟ أخبارك إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!