تصبب العرق من جبينها، كأنها في يوم صيفي شديد الحرارة، خلاف تلك الأيام التي جمعت بين البرودة الخفيفة ودفء الجو. حاولت أن تبلل شفتيها اللتين أصابهما الجفاف فجأة، كما أصاب حلقها. بيد مرتعشة حاولت إخفاء رجفتها عن أعينهما، فتناولت كوب الماء الموضوع أمامها على تلك المنضدة الصغيرة.
بعد إنهاءها الكوب، كادت أن تخطئ بوضعه على حافة المنضدة، لولا تداركها نفسها ووضعته بالمنتصف. فحتى لو شربت نهرًا من الماء، لن يكون كافيًا بإطفاء تلك النيران التي اشتعلت بداخلها بعد سماع ما قاله زوج ابنتها. ابتلعت ما أمكنها من ريقها، فخرج صوتها يحمل دهشة: –أنت بتقول إيه يا وحيد؟ وإزاي تتهم حماك بتهمة زي دي؟ مش ممكن شكري يعمل كده.
لم يأخذ وحيد بمنطق دهشتها المزيفة، فهو لم يصمت من البداية إلا من أجل زوجته. على الرغم من تأنيب ضميره المتكرر له ووخزه ووصفه له بأنه شيطان أخرس، ولكنه خشي خسارة هبة، وخشى أيضًا أن تجد نفسها بلا عائلة، وتتهدم حياتها أكثر فأكثر. فوضع يديه في جيبي بنطاله قائلاً بفتور: –روحي اسأليه، بس نصيحة مني بلاش تحاولوا تاخدوا هبة من هنا تاني، أصل لو ده حصل ههد المعبد على دماغ الكل.
أسرعت قسمت بترك مقعدها، بل أنها تركت الشقة بأكملها. ومازالت هبة تقف بالقرب من أحد المقاعد كتمثال حجري، واضعة يدها على فمها، وعيناها على اتساعها كمن توشك أن تفارقا محجريهما، من صدمة ما سمعته للتو. فكيف فعل أبوها هذا؟ لماذا انهارت تلك الصورة المثالية التي وضعتها له بقلبها، بل تحطمت بسماع ما قاله زوجها. نظر إليها وحيد مطولاً، لا يعرف ماذا يفعل هو الآن. ولكنه هتف باسمها بضعف: –هبة.
تتابعت أنفاسها بعد سماعه يناديها، فأسرت بالجلوس قبل أن تعجز قدماها عن حملها أكثر من ذلك. نظرة الحزن في عينيها تقتله، ولكن هو لم يشأ كشف الستار عن ذلك السر، ولكن بفعلة والدتها، جعلته يتخذه سلاحًا للدفاع عن حقه بزوجته. أقترب من مجلسها، فجلس القرفصاء أمامها، ووضع يديه على ذراعيها يمسد عليهما بلطف: –هبة، أنا آسف لو كنت زعلتك أو خليتك تعرفي حقيقة بشعة زي دي عن باباكِ. –أنت عرفت إزاي يا وحيد؟
قالتها هبة بتساؤل، فمن حقها الآن أن تعرف كيف علم هو بهذا الشأن، وهو لم يقابل والدها من بعد انتهاء عزاء خالها عرفان. أطرق وحيد برأسه قليلاً، كأنه يفكر كيف يصيغ لها الإجابة التي لا شك فيه ستجعلها تبكي. فما لبث أن رفع وجهه لها وهو يقول بصوت مرهق:
–عرفت يوم العزا بتاع خالك، لما العزا خلص كنت بدور على باباكِ عشان أقول أن أنا همشي، فلقيته واقف في مكان ضلمة في الجنينة ومعاه راجل تاني بيتكلموا. افتكرت أنه بيعزيه، بس صوت الراجل كان عالي، فمقربتش منهم ووقفت أسمع بيقولوا إيه. فلقيت الراجل بيهدد أبوكِ أنه لو مدفعش له المليون جنيه اللي اتفقوا عليه قصاد أن الراجل ده يخبط عربية خالك بعربية نقل كبيرة عشان يموتوا، هيفضحه. فباباكِ
قاله: "لما أستلم الورث هدفع لك المليون جنيه". أجهشت هبة بالبكاء، وصارت تنتحب بملء فاها على ما سمعته، فوالدها ليس دنئًا فقط، بل قاتل أيضًا. فهي لم تخبر زوجها لماذا هي تركت المنزل أتت إليه، مكتفية بأنها أخبرته بشأن أنها لن تجعل والديها يفرقان بينهما، متحاشية الذكر للسبب الأساسي لتركها المنزل.
طوقها بذراعيه ليجعلها تكف عن البكاء، فهي ليست مذنبًة بأن لديها أبًا كهذا. فهو لن يجعل ما حدث ينال من حبه لها، فهي نقية طاهرة كزهرة بيضاء يرغب بأن تنثر عطرها بحياته. فهو سيعمل على النسيان من يكون والدها، مكتفيًا بمن تكون هي، وأنها زوجته وحبيبته وعشقه الأول والأخير. ***
وقفت حياء أمام البوابة الرئيسية لدار رعاية الأطفال، تحمل بيدها حقيبة بلاستيكية كبيرة. كان محتواها حلوى وألعاب ودمى، اشترتهم هي من أجل الأطفال، لعل بإدخالها شيئًا من السرور على قلوب هؤلاء الأطفال، سيرزقها الله بالراحة والهدوء اللذين تحتاجهما بوقتها الحالي. فتبسمت لحارس الدار الذي سرعان ما فتح الباب بعد إخبارها له بشأن مجيئها. فخطت بقدميها للداخل، فرأت الأطفال يلهون بالحديقة، فحثت الخطى على الاقتراب منهم
تناديهم بابتسامة واسعة: –تعالوا هنا يا حبايبي. لبى العديد من الأطفال نداءها، بينما انزوى البعض منهم بجانب المرأة التي تعمل على الإشراف على تنقلهم داخل الدار حتى لا يتأذى أحد منهم. انتقلت حياء بجوار المرأة، ومدت يدها لها بما تبقى معها من حلوى وألعاب وقالت بابتسامة رقيقة: –لو هما خايفين مني، اديهم انتي الحلويات والألعاب دي.
تناولت المرأة من يدها الحقيبة، شاكرة لها لطفها وكرمها. فجلست حياء بجانبها على أريكة خشبية، رغبة منها في قضاء بعض الوقت هنا قبل عودتها للمنزل. ظلت عيناها تتابع الأطفال وهم يركضون بسعادة، وكل منهم يحمل دميته. فنظرت بجانبها للمرأة وقالت: –هي الأستاذة عديلة صاحبة الدار مش موجودة؟ كان نفسي أشوفها. أجابتها المرأة وهي تضع فتاة ربما لم يتخط عمرها الثلاث سنوات على ساقيها:
–لأ، موجودة بس موجود معاها ضيف شوية كده. وهتلاقيها خارجة أهي، جاية هناك أهي. نظرت حياء وهي باسمة المحيا حيث أشارت المرأة، فوجدت صاحبة الدار تتأبط ذراع رجل وتمشي بخطوات متأنية. فخبت ابتسامتها شيئًا فشيئًا، فهي لم تكتفِ بذلك، بل مدت يدها تفرك عينيها، لعل ذلك الرجل الذي تراه ما هو إلا شبيه راسل، ولكنه هو بذاته، وليس شخصًا آخر. فهي أصبحت تميزه بسهولة. ولكن ماذا يفعل هنا؟ قبل أن تسعفها قدماها بالهرب قبل اقترابهما،
كان هو الأسرع بندائها: –آنسة حياء، آنسة حياء. تيبست قدماها غير قادرة على الاستدارة أو النظر لهما، ولكن أيقنت بأن بعد قطعهما خطوات قليلة صارا خلفها. فلم يعد لديها مفر من أن تستدير إليهما، وهي تريد لو بإمكانها أن تتلاشى من الوجود. تلمست عديلة نظارتها، تطمئن من وجودها على وجهها، فحدقت بحياء مليًا حتى تذكرتها فهتفت بها بابتسامة: –أيوه، أنا افتكرتك. مش انتي حياء وجيتي هنا قبل كده وأخذتي حاجتك اللي كانت هنا؟
جف فمها، فلم يعد بإمكانها ترطيب حلقها لتخفف من وطأة ذلك الموقف الذي وضعت به. فلما دائمًا يبدأ الأمر الذي يخصها وهي بمفردها، وينتهي بحضوره في أسوأ حالات ضعفها. يحدق بها صامتًا، كأن ليس لديه ما يقوله. فهو استطاع أن يفطن، حسبما أخبرته قسمت، بأنها فتاة جلبها عرفان من دار رعاية الأطفال، بأن تلك الدار هي من كانت مأوى لها بصغرها.
أراد رفع الحرج عن عاتقها، ولكن قبل أن يبدأ بكلمة، سمعوا صوت عاملة بالدار تنادي عديلة، تخبرها بشأن مجيء أسرة من أجل تبني طفل. فأسرعت عديلة بالابتعاد بعدما ربتت على ذراع راسل بابتسامة وقالت: –خلاص يا راسل، نكمل كلامنا بعدين. هخلص مع الناس دي وأرجع لك تاني. تبسم لها راسل بهدوء قائلاً: –تمام، مفيش مشكلة. أبتعدت عديلة، فتأكل الفضول حياء لمعرفة سبب وجوده هنا بهذا الوقت، أو ماذا يفعل هنا؟ فنظرت له متسائلة:
–هو أنت بتعمل إيه هنا؟ –بتسألي ليه؟ قالها راسل بابتسامة واسعة من نبرة صوتها الفضولية. فلا يعلم الآن لماذا واتته رغبة إثارة غيظها مثلما كان يفعل بالسابق. فهو لا ينكر أن هدوءها هذا يقلقه. فحركت كتفيها بلامبالاة وقالت: –عادي، أنا بس مستغربة إن كل مكان أروحه ألاقيك زي... –زي العفريت اللي بيطلع لك في كل مكان. قوليها يا حياء. قال راسل عبارته، رافعًا حاجبه بمكر. فما كان منها سوى أن تبسمت بهدوء وقالت:
–مكنتش هقول كده على فكرة. ميبقاش ظنك سيء. لم يرغب بانتهاء حديثهما، خاصة بعدما رآها تنظر لساعة معصمها كأنها على وشك المغادرة. ولكنه أراد لها البقاء بعض الوقت. فدعاها للجلوس حتى تعود صاحبة الدار. فلم تمانع، بل حرصت على الجلوس على الأريكة الخشبية بأقصى طرفها، وهي تخشى النظر إليه. فبادر هو بالحديث قائلاً: –أنتي عايزة تعرفي أنا هنا ليه؟
هقولك. كل دار رعاية أطفال مخصص ليها جزء عندي في المستشفى، علشان لو في طفل محتاج عملية أو مصاب بمرض يتعالج كويس. صدقة جارية على بابا اللي بنى لي المستشفى، ووصاني أنا وماما أن أعمل كده. فأنا بعمل بوصيته. وأعرف عديلة هانم من كذا سنة. –أنت غريب قوي على فكرة. تلك هي الجملة الوحيدة التي نطقت بها، فأثارت غرابته من قولها، فبما تقصد بها؟ وما وجه الغرابة به؟ فالتحم حاجباه ببعضهما بتعبير التعجب من سماع قولها، فقال متسائلاً:
–تقصدي إيه بكلامك ده؟ قالت حياء بسرعة واستحياء، مخافة أن يكون أخطأ بفهمها: –أنا قصدي إن اللي سمعته عنك حاجة، واللي شوفته بتصرفاتك حاجة تانية. يعني اللي يشوف اللي بتعمله ميصدقش إنك واحد لا يُطاق وقتلت مراتك زي ما بيقولوا. عضت على لسانها بعدما أفرغت من حديثها. فما هذا الهراء الذي تفوهت به للتو؟
زاغت بعينها قبل أن تنقل بصرها بحرص لوجهه، فكأنها ألقت عليه تعويذة الجمود. فملامحه كأنها قدت من حجر، لا تأتي بحركة، كأن أطرافه أصبحت خالية من الحياة. فإن كان جسده ساكنًا، فالدماء تتدفق حارة بشرايينه، بل شعر بضغط الدماء برأسه، كأنها على وشك الانفجار بين فينة وأخرى. فمن أين علمت هي بذلك؟
ولكنه تذكر أن خطيبها السابق كان يعمل بمشفاه، وأن تلك الشائعة ملأت أرجاء المشفى، وعلم هو بها بالرغم من حرص العاملين لديه بأن لا يظهروا له ذلك. فكسر حاجز الصمت قائلاً بهدوء مروع: –مين اللي قالك الكلام ده؟ أكيد نادر. أومأت برأسها عدة مرات. ولكنها استمعت إليه معقبًا: –وأنتي تفتكري إيه إن أنا فعلًا قتلته؟
بحركات متتابعة كانت تنفي تصديقها بهذا الأمر الآن. فربما هي ببادئ معرفتها به صدقت أنه أقدم حقًا على قتل زوجته، ولكن الآن هي لا تخفي عن نفسها عدم إيمانها بشيء يزعزع تلك الثقة لديها والتي بنيت على رؤيتها له من منظور آخر بتلك الآونة. فابتلعت ريقها قائلة بصوت جاهدت على أن يخرج من جوفها: –دلوقتي مصدقش إنك ممكن تكون عملت كده، بس ليه هم قالوا عليك كده؟ ولو أنت فعلًا مقتلتهاش، مين اللي قتلها؟
زفرة حارة خرجت من أنفه، وهو يحاول أن يحافظ على ما تبقى لديه من هدوء. فالخوض بذلك الأمر لن يكون بالشئ الهين، خاصة أنه حاول عدم التحدث مع أحد بشأنه بالسنوات الماضية. وعلى الرغم من رغبته بعدم إخبارها بحقيقة الأمر، إلا أنه وجد لسانه يتحدث بحرية كأنه يحدث ذاته، فبدأ بسرد الأمر من البداية.
صوته كان خاليًا من الدفء ومن الشعور، خاليًا من أي شيء تستطيع هي التنبؤ من خلاله إذا كانت تلك المحادثة بينهما ستنتهي مرور الكرام أم لا، ولكنها أصغت إليه ليس بأذنيها فقط، بل بجوارحها كاملة. رأته يشد على أصابع يده اليسرى بكفه الأيمن حتى ابيضت مفاصل يده وهو يقول:
–صوفيا مراتي كانت جميلة جدًا، تفتن أي حد بجمالها. جت المستشفى بتاعتي في حادثة عربية، مكنتش حالتها سيئة، كانت حاجة بسيطة. حصل موقف بيني وبينها وضربتها بسبب جرأتها في الكلام، بس اعتذرت ومشيت من المستشفى. قابلتها مرة تانية، غوتني بجمالها زي أي راجل يكون عايش حياته من غير ست أو حب. بس صممت أن ما يكونش بينا أي علاقة غير شرعية، وطلبتها للجواز ووافقت. قالت لي أنها ملهاش غير أخ واحد بس عايش في إيطاليا، جه مصر وحضر فرحنا وبعدين سافر تاني. كانت رسامة ونحاتة، والشهادة لله كانت رسامة شاطرة قوي، وعرفت ترسم عليا الدور صح. روحنا قضينا شهر العسل وبعد ما رجعنا عرفت أنها حامل في سجود.
بس اتجننت وقالت: "مش عايزة أطفال دلوقتي واحنا لسه في بداية حياتنا الزوجية". أنا فرحت إن هيبقى ليا طفل من مراتي وحبيبتي، وفضلت مراعيها لحد ما قربت تولد عشان متعملش حاجة وتنزل البيبي. بعد ولادة سجود بـ 3 شهور صحيت في يوم لقيتها اختفت وملهاش أثر في مصر نهائي. اتجننت وخوفت يكون جرالها حاجة. افتكرت أخوها اللي في إيطاليا فسافرت له، بس مكنتش أعرف عنوان ولا أي حاجة ليه. كان ليا معارف في السفارة الإيطالية، ساعدوني لحد ما قدرت أوصله بس...
كف عن الحديث، وحجب وجهه بكف يده، وضغط على جانبي رأسه، لعل ذلك الألم الذي داهمه من سرد ما حدث يهدأ قليلاً. فأشفقت على حاله وقالت بصوت خافت: –أنا آسفة لو كنت ضايقتك. لو مش حابب تكمل كلامك بلاش. أزاح يده من على وجهه قائلاً بشعور قوي من الألم: –لأ، هكمل. جايز أرتاح من الوجع اللي فضل ينهش في قلبي لحد ما مات. أخذ نفسًا عميقًا وأطلق زفرة حارة وهو يقول:
–لما وصلته اكتشفت أن صوفيا معاه وعايشة معاه، وعرفت كمان إنه مش أخوها، لأ ده جوزها. شهقت حياء بفزع وهي تضع يدها على فمها، وعيناها جاحظتان من قوله. فما زادها إكمال حديثه سوى شعورها بالغثيان، وخاصة وهو يقول:
–أيوه، طلع جوزها وهما الاتنين نصابين. هي بتسافر أي بلد وتشوف راجل مناسب وغني وتوقعه في حبها وتنصب عليه. لكن أنا اضطرت تتجوزني عشان كنت رافض أن يكون بينا علاقة من غير جواز. وكمان محطتش في بالها إنها ممكن تحمل مني وتخلف قبل ما تكمل نصب عليا. فطبعًا عرفت كل المعلومات دي، عقلي طار. روحتلهم بيتهم، خافت لما شافتني بس محستش بنفسي إلا وأنا بضربهم الاتنين. وجه البوليس وخدني، واتهموني بالجنون وإني اتعديت عليهم من غير وجه حق.
حاولت أثبتلهم إنها مراتي محدش صدقني، وخصوصًا إن أنا عربي ومسلم وفي بلد غربي فالموضوع صعب. هي كمان قالتلهم إن أنا كنت بجري وراها عشان آخدها من جوزها، وإني بحبها لدرجة الجنون، عشان كده بتوهم إنها مراتي. جت هي وهو قسم الشرطة، عرضت عليا مقابل إنها تطلعني من الورطة دي وتسيب لي سجود، أدفع لها مبلغ كبير، وإلا هفضل محبوس ومش بعيد كمان تلبسني تهمة تانية. وافقت، كنت عايز أخرج من القسم بأي طريقة، واتفقت معاها أدفع لها الفلوس
أول ما أرجع مصر. خرجت من القسم تايه، حاسس إن كل اللي بيحصل حلم. مش معقول يكون الحلم الجميل انتهى نهاية مفيش عقل يصدقها. رجعت الفندق اللي كنت قاعد فيه عشان آخد شنطتي وأرجع على مصر. وأنا خارج من الفندق لقيت البوليس بيقبض عليا بتهمة قتل صوفيا، وأنا المتهم الأول لأن لسه كنت محبوس بسبب ضربها. حاولت أقولهم إني مقتلتهاش محدش صدقني. أخدوني وودوني على البيت اللي اتقتلت فيه، روحت لقيت جثتها متفحمة وجوزها قاعد يعيط جنبها، وأول
ما شفتني قعد يصرخ ويقول: "أنت اللي قتلته". أخدوني على السجن وبدل ما أتقدم لمحاكمة، دخلت سجن شفت فيه العذاب ألوان، ضرب وإهانة وتعذيب محدش يستحمله. ولسه آثارهم على جسمي لدرجة وصلت أن حتى الألم مبقتش حاسس بيه. إحساسي مات، كل حاجة جوايا ماتت ماتت يا حياء. لدرجة أن لما رجعت مصر شكيت في نسب بنتي وعملت تحليل إثبات نسب عشان أعرف إذا كانت بنتي ولا لأ. رجعت تايه ومدمر، والوحيدة اللي قدرت تحافظ على شوية الرحمة اللي فاضلة في قلبي هي سجود بنتي.
لا تعلم لما شعرت بأنه على وشك البكاء، فصوته به غصة، وشفتاه ترتجف، ولكن عيناه متحجرة. فأعصر الألم قلبها مما سمعته منه، فهو وقع فريسة لامرأة لم يكن له ذنب سوى أنه أحبها. شعرت برغبة بالبكاء ليس على شيء، سوى أنه يشعر بالألم، وهي لا تملك ما يساعدها بالتخفيف عنه. فلم تجد إلا بضع كلمات تتمنى أن تأتي بثمارها: –ربنا يبارك لك فيها، وحاول تنسى اللي فات زي ما أنا بحاول.
لم تزد كلمة أخرى، فخيم الصمت عليهما. لا يفعلان شيئًا سوى أن يحدق كل منهما بالفراغ، كأنهما يعيدان ترتيب حياتهما من جديد بمخيلتهما. فالخيال هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أن تشاركه مع أحد. فما نسجته بمخيلتها الآن جعلها تشعر بحرارة تغزو وجنتيها، خاصة وهي تفكر كيف سيكون حاله إذا عاد وأغرم من جديد، وأنت تكون هي مبلغ مقصده تلك المرة. فطالما تمنت أن تشعر بنبضها لا يهدأ مثلما تشعر به الآن، خاصة وأن خفقات قلبها تناديه، تستشعر مذاق نطق حروف اسمه على شفتيها بتمهل، وهي تهمس بها لذاتها، حريصة ألا تصل همساتها الرقيقة إليه.
*** تعجب زملاؤها بالعمل من نشاطها وحماسها المفرط منذ مجيئها للمصرف. فبالأيام الماضية كان العبوس يحتل قسماتها، والحدة ترافق صوتها مع كل من يتحدث معها، فكأنها ليست ولاء التي يعرفونها. فالعميل الجالس أمامها هو ثالث عميل تستطيع إنهاء مطلبه بدون الحاجة لها بالذهاب للمدير. حدقت بكل العيون الناظرة إليها، توزع ابتسامتها عليهم، فظل كل منهم ينظر للآخر بغرابة.
فضحكت بصوت خافت على ما اعتراهم من عدم تصديق لكونها أنها هي بذاتها ولاء التي كانت تأتي للعمل بفتور وملل. رأت اثنين من الرجال قادمين إليها، فأحدهما شابًا والآخر رجل كهل. جلس معتصم على مقعد مقابل مقعد الرجل الآخر، فنظر إليها قائلاً بابتسامة مهذبة: –صباح الخير. أنا كنت جاي النهاردة عشان أعمل تحويل لمبلغ مالي من حسابي لحسابه، وعايز أفتح حساب تاني باسم مجموعة فنادق الصفوة، ممكن؟ بادلته ولاء ابتسامته وقالت بهدوء:
–صباح النور. أكيد طبعًا يا فندم. ممكن حضرتك بس تعطني رقم الحساب بتاعك ورقم الحساب بتاعه، وكمان عايزة البطاقات الشخصية. أخرج معتصم جواز سفره من جيب بنطاله قائلاً: –الصراحة مش معايا بطاقة شخصية، بس معايا الباسبور بتاعي. اتفضلي.
أخرج الرجل هويته وأعطاها لها، فأخذت ولاء العمل على تحويل المال. فبعد اطمئنان الرجل على أنه أخذ نقوده كاملة، اعتذر من معتصم مغادرًا، فمهمته انتهت إلى هذا الحد، وأصبحت الفنادق رسميًا وقانونيًا ملكًا لهم.
انتظر معتصم حتى تنتهي ولاء من إنشاء حساب خاص للفنادق. فكلما رفعت وجهها عن جهاز الحاسوب، تجده يبتسم لها، فتشيح هي بوجهها سريعًا. فتلك هي المرة الأولى التي يزورها الخجل إذا رأت رجلًا يبتسم لها. فدائمًا ما كان الغضب والنفور يتملكان منها، وأحيانًا كثيرة كان يصل بها الأمر للشجار.
ولكن نظرته مربكة للغاية. فقميصه الأبيض قد ترك الأزرار الأولى منه بدون إغلاق، ولكن ليس بالأمر السافر والمخجل. يثني طرف قميصه عن معصميه، وبنطاله الأسود حالك السواد ملتصقًا به، ويصفف شعره المائل للون البني بعيدًا عن وجهه، ولحيته ليست بالكثيفة، بل يبدو عليها حديث النمو، وجسده يميل للنحول. –دقائق بس يا فندم وكل شيء هينتهي. ماذا تفعل هي الآن؟ لماذا تنظر إليه هكذا؟
نفضت رأسها وهي تستعيذ بداخلها من رعونة تصرفاتها المبطنة. ولكنها هي لم تكن وحدها من تركت الأعين تقيم ما تراه، فهو الآخر لا يحيد بعينيه عنها. فعندما كانت تلح عليهما غزل بالزواج، كان عمران يخبرها بعدم ميله لبنات حواء، بينما معتصم أبدى رغبته بالإقتران بفتاة شرقية ومن موطنه، فهو لم يزهد بالنصف الأكثر احتياجًا له كشقيقه، بل دائمًا ما يعطي نفسه وعدًا بأنه سيعثر عليها يومًا ما. –براحتك يا آنسة، أنا مش مستعجل.
قالها بابتسامة استطاعت شق شفتيه من كثرة ما تراوده الأفكار بشأن تلك الفتاة. فهمس بصوت استطاعت هي سماعه وهو يقول: –كيلوباترا. قطبت ولاء حاجبيها قائلة بعدم فهم: –أفندم حضرتك بتقول حاجة؟ حرك معتصم رأسه وحمحم قائلاً: –لا أبدًا، خلاص كده كله تمام. أومأت ولاء برأسها بمهنية وهي تقول: –تمام يا فندم، شرفتّنا.
نهض معتصم عن مقعده وتأهب للرحيل، ولكنه عاد لمكتبها ثانية عندما تذكر أنه لم يأخذ جواز سفره. فأخذه ووضعه في جيبه، ومازال مبتسمًا لها، مما جعلها تشعر بحرارة شديدة كأنها تقف أمام الشمس مباشرة. فهي لو أخبرت أحدًا بما تشعر به الآن لن يصدقها. فهي من أعلنت راية الحداد على قلبها البكر من قبل مجيء من يسكنه. فلما رغبت هي الآن بتنكيس راية الحداد ورفع راية المهادنة.
عاد معتصم لمكتب غزل هائمًا، فهو ولج المكتب وجلس أمامها واضعًا يده على وجنته، ولم ينسَ إطلاق زفرة حارة من وقت لآخر. فنظرت له غزل بغرابة وهي تقول: –معتصم، مالك في إيه؟ جاي هيمان على نفسك ليه كده؟ غامت عيناه بشعور كاسح قائلاً بصوت متهدج: –لقيتها يا غزل، لقيت كيلوباترا بتاعتي. فاتها مغزى حديثه، ولم تفهم شيئًا سوى ذلك الاسم الذي كان يطلقه على عروسه المستقبلية، فضيقت عينيها وهي تقول بابتسامة عريضة: –أنت قصدك إنك...
أومأ معتصم برأسه مرارًا وقال: –أيوه، لقيت العروسة اللي كنت بدور عليها. أنا عايز أقوم أبوسك يا غزل، إنك خلتيني أروح البنك النهاردة، بس رجلي مش شيلاني. ضحكت غزل ضحكة صاخبة بسبب ما تفوه به معتصم. فوجدت عمران يلج الغرفة هو الآخر، فتركت مقعدها واقتربت منه وهي تقول: –تعال شوف يا عمران أخوك واللي جراله. هب معتصم واقفًا، وسحبها من مرفقها يقربها منه قائلاً برجاء وصوت منخفض:
–أبوس إيدك يا غزل، بلاش تفضحيني قدام عمران، هيقضي اليوم كله بيتسلى عليا. جلس عمران واضعًا ساقًا على أخرى متسائلاً: –ماله معتصم؟ حصل إيه؟ –كنت عايزة أقولك أنه خلص موضوع البنك وكله تمام. قالتها غزل بابتسامة، بينما عقبت بهمس لمعتصم: –خليك فاكرها سترت عليك أهوه. تجمدت تعابير وجهه، بينما هتف بذهول: –سترتي عليا! ليه؟ قفشاني في وضع مخل؟ أنا بس مش عايز أقوله لأني عارف هيقولي إني خيالي وقلبي رهيف.
يتابع عمران الهمس بين معتصم وغزل بريبة، فعلام يتهامسان. ولكن قبل أن يسأل عن حديثهما الهامس، سمع طرقًا على باب الغرفة، ودلف أحد العاملين بالمطعم، فهو قد أوصاه بشأن إخباره بمجيء "ميس النعماني". فقبل أن يقول شيئًا، جذبه عمران معه وخرجا من الغرفة. فهمس له العامل ببضع كلمات، تبسم على أثرها عمران وأمره بالانصراف. خرج عمران للمطعم، وجد تلك الحسناء وصديقاتها. فأقترب من طاولتهن قائلًا بترحيب: –أهلًا بيكم، شرفتوا المكان.
طلعت إليه ميس بهدوء، ولكنها تساءلت بقرارة نفسها من يكون هذا الشاب؟ فهو لا يرتدي الزي الخاص بالعاملين، بل أنه شديد الأناقة والوسامة بحلته الرمادية، ونظارته الشمسية الموضوعة بمنتصف شعره الكثيف. فرمقه ميس بغرابة وقالت: –مين حضرتك وعايز إيه؟ انحنى عمران قليلاً بحركة مهذبة، فما لبث أن استقام بوقفته، ووضع يديه بجيب بنطاله قائلاً:
–أنا عمران الزناتي، صاحب الفندق والمطعم. والنهاردة احتفالًا بملكيتي للفنادق، فالحساب علينا يا آنسة لأن عرفت إنك زبونة مميزة هنا في المطعم. –تمام، شكرًا.
قالتها ميس وعادت تنظر لقائمة الطعام. فنظرت بطرف عينيها، وجدته مازال واقفًا مكانه، بل يحدق بها بتفحص أخجلها. فقبل أن تسأله عن سبب تحديقه بها، وجدته ينصرف، يمشي بخيلاء. ولا تعلم لما شعرت بأنه يشبه الطاووس الذي يستطيع جذب الأنظار إليه بغروره، ويغفر له الجميع هذا التعالي لبريق ألوانه الزاهية التي تسبي العيون الناظرة إليها. فبإحدى الزوايا كان يتوارى عن الجميع، وعيناه وشفتاه تتلو نذور الويل والوعيد. ***
فاليوم هو يوم عطلتها من العمل، فلم تبارح شقتها. فمن خلف الستار الأبيض الموضوع على النافذة المطلة على الشارع، كانت حياء تنظر لهاتفها الممسكة به. ولم يكف عن الرنين منذ ما يقرب الخمس دقائق. فكلما رأت اسمه ينير الشاشة، تعمل على غلق الصوت حتى ينتهي الرنين. فهو لم يكتفِ بهذا وحسب، بل إنه قابع بسيارته المصفوفة أسفل المنزل. صاحت صالحة برفق: –ما تردي يا بنتي على التليفون دا، مش مبطل رن. –لأ يا دادة مش هرد.
قالتها حياء، ومازالت ترصد بعينيها ما خلف الستار، حريصة على ألا يراها. فهي مازالت غاضبة من نفسها على تلك الأحاسيس والمشاعر التي صارت تكنها له. فكيف تركت العنان لقلبها هكذا وهي من طعنت بخنجر الغدر بسبب عشق لم يكن له وجود إلا بخيالها؟ ولا تريد تكرار هذا الأمر ثانية. ولكنها رأت سيارته تترك مكانها، فربما أصابه السأم من مهاتفتها فقرر الذهاب. فتهدلت ملامحها وهي تقول: –زهقت بالسرعة دي ومشيت.
ولكن سمعت رنين هاتفها بوصول رسالة لها، فأسرت بفتح الهاتف لتعلم فحوى تلك الرسالة. فقرأتها بصوت هامس: –أنا كنت برن عليكي عشان يوم ما كنتي في دار الرعاية في حاجة وقعت منك وأنا لقيتها وكنت عايز أديهالك. لو عايزة تاخديها ابقي تعالي المستشفى خديها. سلام. فكرت كثيرًا، ما ذلك الشيء المفقود منها؟ وعندما يأست من التفكير، ذهبت لغرفتها كي ترتدي ثيابها وتذهب لمشفاه لمعرفة ماهذا الشيء.
خرجت من غرفتها، وأخبرت صالحة بضرورة ذهابها من أجل مقابلته. فهي تخبرها بكل شيء. فأقترحت صالحة الذهاب معها، فأبدت رفضها لذلك، معللة بأنها لن تتأخر كثيرًا، بل ستعود سريعًا.
خرجت من المنزل، فلم تعثر على سيارة أجرة، فسارت حتى تركت الحي المقيمة به، ووصلت للشارع الرئيسي. ولكن قبل أن تشير للسيارة، وجدت عدة رجال يقتربون منها. فزعت حياء من رؤية وجوههم، فحاولت أن تلوذ بالفرار، ولكن رجلًا منهم كان الأسرع بإمساكها من مرفقها. حاولت الصراخ لعل أحدًا ينقذها، فكمم فمها بمحرمة قطنية. بمجرد وضعها على أنفها، فقدت وعيها. فحملها عائدًا للسيارة، وضعها بالمقعد الخلفي، وأسرعوا بالذهاب. فبعد نصف ساعة تقريبًا كان الرجل يلقي بجسد حياء على فراش شبه متهالك بغرفة تشبه القبو.
صاح الرجل بالرجال خلفه قائلاً بأمر: –يلا أنت وهو اخرجوا برا على الباشا ما ييجي وأنا قاعد جنبها. انصرف الرجال، بينما جلس آمرهم على مقعد بجوار الباب، فأخرج هاتفه يعبث به، لحين مجيء سيده، الذي ألح عليه بضرورة جلب حياء، وإلا سيكون آخر يوم بالعمل له بخدمته. فلم يتوانى عن تنفيذ ما أمره به. بدأت حياء تستعيد وعيها المفقود، فأعصرت جفنيها بقوة من ذلك الشعور بالألم الذي ثقل رأسها. فوضعت يديها على جانبي رأسها. فتأوهت بخفوت:
–آآه، إيه الصداع ده. رفرفت بأهدابها عدة مرات، قبل أن يصطدم بصرها بوجه ذلك الرجل الجالس بجوار الباب. فانتفضت واعتدلت بجلستها وهي تصيح بخوف: –أنت مين وجبتني هنا ليه؟ عايزين مني إيه؟ –فين الملف بتاع الصفقة يا حياء؟ تلك هي الجملة التي وصلت لمسامعها، قبل أن تستدير برأسها وترى عاصم يقف على عتبة الباب، ينظر إليها بتهديد. فقطبت حاجبيها وهي تقول بغرابة: –ملف إيه يا عاصم بيه؟ حضرتك تقصد إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
بثلاث خطوات كان عاصم قاطعًا المسافة بينه وبينها، فأقترب منها قابضًا على حجابها بقوة، حتى كاد يقتلع خصيلاتها معه. فصاح بها بجماع صوته: –أنت هتستهبلي يا روح أمك؟ مش عارفة بتكلم عن إيه؟ عن الملف اللي المفروض كنا نعمل بيه صفقة الشحن بتاعة المينا. الورق اختفى، بعتيني بكام؟ انطقي، لأن محدش يعرف بالملف ده غيري أنا وأنتي.
تبع حديثه بصفعة لها على وجنتها، فجحظت عيناها مما فعله. فهي وضعت أوراق تلك الصفقة بالخزنة الخاصة به بالمكتب مثلما أمرها، ولم تراه ثانية. فسقطت دموعها وهي تضع يديها على وجنتها وقالت بنحيب: –والله ما عملت حاجة يا عاصم بيه، أنا حطيت الملف مكان ما قولتلي وغير كده والله ما شفته ولا عملت حاجة. صدقني.
عاد لهز رأسها ثانية، وعروقه بارزة من الغضب. فتلك ليست المرة الأولى التي يتم خداعه بها. فمن قبل فعلت فتاة ما فعلته وكان مصيرها أنها نالت عقاب جريرتها عقابًا قاسيًا منه. جز على أسنانه وفح من بينهما بتحذير: –أحسن لك ما تكذبيش، عشان أنا مش هصدق دموعك دي وهيبقى عقابك قاسي قوي. لأن مش عاصم النعماني اللي يتضحك عليه، فاهمة؟
مع آخر كلمة له، دفعها فسقطت على الفراش، قبل أن تعتدل مرة أخرى. لمحت دخول رجل آخر يحمل أصفادًا حديدية. فقبل أن تقول شيئًا، أسرع عاصم بوضع الأصفاد بيدها. ولم يكتفِ بهذا، فأمر أحد رجاله بأن يجلب له حبلاً، فأوثق قدميها به. فظلت ترفس بقدميها تحاول تحرير يديها وقدميها فلم تفلح بذلك. فصرخت عاليًا برجاء: –يا عاصم بيه، والله العظيم ما عملت حاجة، والله العظيم أنا بريئة. رمقها عاصم قائلاً بسخرية: –بريئة!
شوفي حد تاني أضحكي عليه. أنا هعرفك إزاي تلعبي مع عاصم النعماني. وخلّيكي هنا لحد ما تقري بكل حاجة. فرفع يده يشير لرجاله بأمر: –وأنتم خلوا عينكم عليها واعملوا معاها واجب الضيافة. التوى ثغره بابتسامة هازئة، فانتفض كل عرق بها. فماذا يقصد بتلك الكلمة؟ فماذا سيفعلان بها؟
فتلك الابتسامات على وجوههم لا تبشر بخير أبدًا. فأنزوت بجسدها ما أمكنها بالفراش، وهي تحاول ضم جسدها. فمن الأفضل أن يقتلوها على أن يسمها أحد. فكم تشعر هي بالغباء الآن على عدم إجابة راسل عندما هاتفها. خرج عاصم من الغرفة الموجودة بمبنى ملحق بقصر النعماني. فأثناء مروره بالحديقة، تقابل مع ميس، التي خرجت لتوها من الداخل. فتبسمت له قائلة بوداعة: –خالو، أنت كنت فين؟ وحشني.
رفع عاصم حاجبه الأيسر من تلك الوداعة بصوتها، والتي يعلم أن خلفها شيئًا تريده منه. فغرز يده بشعره قائلاً: –اممم، خير. عايزة إيه يا ميس؟ عبست ميس وضمت حاجبيها بضيق وهي تقول: –يعني عشان قولتلك وحشني يبقى عايزة حاجة يا خالو؟ رأى أنها ربما حقًا لم تكن تريد شيئًا سوى أن تخبره باشتياقها له، فأحاط كتفيها وجعلها تسير معه. فمال على رأسها يقبلها بحنان:
–حبيبة قلبي، متزعليش بس خالك اليومين دول دماغه مشغولة بالشغل، وخصوصًا لما السكرتيرة الشخصية بتاعتي خانت ثقتي فيها وضيعت مني ملف آخر صفقة. كفت ميس عن السير وتطلعت إليه باستفسار: –أنت قصدك على سكرتيرتك اللي اسمها حياء؟ هز عاصم رأسه بالموافقة، فدمدم بغيظ: –أيوه، هي. حتى هي دلوقتي هنا في الأوضة اللي ورا القصر. أنا هعمل لها الأدب وأعرفها إزاي تعمل كده. سمعت ميس ما قاله، فشعرت بالخوف. هتفت به بقلق:
–خالو، أنت مش هتقتلها صح؟ ضحك عاصم على قول ميس فقال: –أنتي مفكراني قاتل قتلة؟ أنا بس هعرفها غلطها مش أكتر عشان تحرم تعمل اللي عملته. وكمان تقر هي ودت الملف لمين لأن الصفقة دي شركات كتير بتجري وراها والورق فص ملح وداب مش لاقي له أثر. –إن شاء الله تلاقيه يا خالو. سلام دلوقتي عشان راحة المستشفى عند راسل. قالتها ميس وهي تسرع في الذهاب. فألتقط عاصم ذراعها قبل أن تبتعد. فحدقت به بانتظار معرفة ماذا يريد منها.
فوجدته يهتف بها: –ميس، قولتلك لو عايزة بدل المستشفى يبقى عندك اتنين وتبقى بتاعتك. ليه مصرة على مستشفى راسل؟ –عن إذنك يا خالو. هتفت بها ميس بهدوء وهي تتأهب لمغادرة المكان. فهي سأمت ذلك الحديث منه ومن والدتها. فهي لن تستمع لأحد منهما. فهي لا تشعر بالأمان إلا إذا كانت قريبة من راسل. نظر عاصم لأثرها حتى اختفت عن ناظريه، فأكمل سيره للداخل ليخبر عمه بما حدث. فلا صغيرة ولا كبيرة تحدث إلا إذا كان رياض يعلم بشأنها. ***
طرقت الخادمة باب الغرفة عدة طرقات مهذبة، لتسرع بعد ذلك بإدارة مقبض الباب، فولجت الغرفة. وجدت هند مازالت نائمة منذ الأمس، بعد عودتها بساعة متأخرة من الليل. ولا تعلم لما أصبحت تعود هكذا بوقت متأخر منذ سفر والديها لقضاء أمر هام، على أن يعودا بعد أسبوعين فقط. فكأنها كانت بانتظار سفرهما لتلهو هي للساعات الأولى من فجر اليوم التالي برفقة أصدقائها. أشفقت الخادمة من تلك الحالة التي أصبحت عليها. فهي اختبرت غرورها وعجرفتها كثيرًا، ولكن ليس للحد الذي تعود به تترنح من شرب الخمر والسهر برفقة رفقاء السوء.
أقتربت بحذر ووكزت كتفها بلطف وهي تقول: –آنسة هند، آنسة هند. فوقي بقى، إحنا بقينا العصر حضرتك. –يوووووه، عايزة إيه انتي دلوقتي؟ سبيني أنام. صاحت هند بجملتها بوجه الخادمة، وسحبت وسادة صغيرة ووضعتها على رأسها لكي لا تستمع لصوتها. ولكن لم تستمع الخادمة لما قالته، فعادت لتقول بصوت هادئ: –يا آنسة هند، الأستاذ كرم ابن خالة حضرتك موجود تحت وجاي يشوفك. وقالي إنه عايز يقابل حضرتك.
أزاحت هند الوسادة عن رأسها بعد سماع ما قالته الخادمة. فإن كانت مستاءة من إقدامها على إيقاظها من نومها، فهي صارت الآن مستاءة أضعافًا كثيرة بسماع مجيء كرم وأنه يريد رؤيتها. فدمدمت بصوت ساخط: –روحي قوليله نايمة وأن بابي ومامي مسافرين. رفعت يدها تشير لها بالانصراف، فزفرت الخادمة بيأس وخفوت من أفعال تلك الفتاة، فتركت الغرفة وخرجت.
سمعت هند صوت رنين هاتفها، فسحبته من على الكومود، فتبسمت بعد رؤية ذلك الاسم ينير الشاشة، ففتحت الهاتف فجاءها صوت رجولي قائلاً: –معقولة لسه نايمة لدلوقتي؟ أنتي وحشتيني. أعتدلت هند بفراشها وهي تمسح عينيها قائلة بنعاس: –ماهو بسبب السهرة بتاعة امبارح أنا رجعت البيت مش شايفة قدامي خالص.
–طب إيه رأيك النهاردة هنسهر سهرة بتاعة امبارح متجيش حاجة جنبها. أهم حاجة القمر يبقى راضي عني. أنا بحبك قوي يا هند، بحبك، نفسي أفتح عيني وأغمضها ألاقيكي بقيتي مراتي.
استندت للوسائد خلفها وشفتيها مبتسمة باتساع. فهي منذ أن قابلته وهو حريص على دلالها، يسمعها أعذب الكلمات وأرقها. جعلها تنسى ما كان سابقًا من أمرها. فهي عندما رأت أن لا طائل لها ولا فائدة من حبها لراسل، فتحت نوافذ قلبها لأول من رشقها بعبارات الغزل والإطراء، كمن أرادت أن تثبت للجميع أن هناك من يريدها حد الموت. كذلك الشاب الذي تقضي الليل برفقته وبرفقة أصدقائها، ونهارها لا يكف عن مهاتفتها وإرسال الرسائل النصية والصوتية. فهي ترى أنه يعتني بها كثيرًا، وهذا ما تريده وتحتاجه بوقتها الحالي.
وصلت لغرفة المعيشة، فتبسمت الخادمة وقالت بحرج: –أنا آسفة يا أستاذ كرم، بس الآنسة هند لسه نايمة لدلوقتي. علم كرم مدلول حديث الخادمة، فرجفة صوتها الخفيفة أنبأته بأن هند رفضت مقابلته، وتعللت الخادمة بأنها نائمة. فقبل أن يبدأ بلعن نفسه وجلد ذاته على مجيئه، هتف بالخادمة ببرود: –أنا بس جيت أطمن عليها عشان خالتي اتصلت عليا وقالت لي إن أبقى أجي أشوفها وأطمن عليها على ما يرجعوا بالسلامة. فطالما هي كويسة أنا ماشي، عن إذنك.
–طب استنى أشرب حاجة يا أستاذ كرم. قالتها الخادمة وهي تحاول رفع الحرج عنه الذي تسببت به تلك النائمة المتعجرفة. أبدى كرم رفضه لاقتراحها، فأسرع بالخروج من المنزل. فضربت الخادمة كفيها ببعضهما بشفقة وهي تقول: –يا عيني عليك يا أستاذ كرم، باين عليك واقع على بوزك وبتحبها وهي جبله مش حاسة بيك. ربما كل من يراه يستطيع كشف حبه لها بسهولة، عداها هي التي لا تريد هذا الحب ولا تريده هو أيضًا.
فبعد خروجه من منزل خالته، تذكر ذلك الموعد الخاص بتدريس اللغة الفرنسية بالمركز التعليمي. فبعد انقضاء خمسة عشر دقيقة، كان يلج القاعة التي اعتاد مقابلة الطالبات بها، فوجدهن جميعًا بإنتظاره. فتبسم قائلاً باعتذار: –معلش اتأخرت عليكم النهاردة شوية. يلا بينا نبدأ بسم الله.
بدأ كرم بالشرح، بينما هامت تلك الفتاة بالنظر إليه، فوضعت وجهها بين كفيها وهي ترمقه بهيام. فندت عنها زفرة مشتاقة، ولكن بتذكرها أن اليوم هو آخر يوم ستراه به، قبل انتهاء اختبارات نهاية العام الدراسي ومجيء العطلة الصيفية، فأغتمت ملامحها. فهي حتى لم تنتبه على ندائه لها إلا بعدما وكزتها صديقتها. –سهى يا سهى. صحصحي شوية، قومي جاوبي على السؤال ده يلا. نطق بها كرم في محاولة منه أن يستجلب انتباهها لما يقوله. فما كان منها سوى
أن أبدت أسفها وهي تقول: –آسفة يا مستر كرم. بلفظها اسمه بلكنة صوتها التي ضمنتها كل رقتها، اجتاحت حواسه الحرج، خاصة بعدما تذكر الآن أنه استمع إليها وهي تصرح لصديقتها المقربة بحبها له. ساد الصمت وهو مازال يحدق بها كأنه يراها اليوم لأول مرة. فهو لم يتمعن النظر بوجهها من قبل، أو بالمعنى الأدق لم تشأ عيناه أن ترى أنثى من بنات حواء سوى هند ابنة خالته.
فإن كانت ملامحها مازالت تحمل طابع الطفولة، فلا يستطيع إنكار تلك الجاذبية التي تملكها، وربما عندما تكتسب المزيد من العمر ستصبح شابة جميلة، فلما لا. انتشله صوتها من بحر أفكاره المتزاحم بأفكار هادرة كالأمواج تزوره لأول مرة بشأن تلك الصغيرة. ***
صارت الساعة الثامنة مساءً ولم تعود حياء بعد. فصالحة قطعت الشرفة ذهابًا وإيابًا وهي تنظر بكل اتجاه لترى إذا كانت قادمة أم لا. فهي هاتفتها أكثر من مرة، ولكنها تجد هاتفها مغلق. فدب القلق بقلبها، تخشى أن يكون أصابها مكروه. فطفقت تدعو الله سرًا بأن يعيدها إليها سالمة. فهي وصلت الآن لذروة قلقها، فلم تنتظر دقيقة أخرى، وأسرت بارتداء عباءتها السوداء وحجابها وخرجت من المنزل. فهي فكرت بالذهاب لذلك المشفى الذي أخبرتها به، لتعلم سبب تأخرها كل هذا الوقت.
–جيب العواقب سليمة يا رب. قالتها صالحة وهي تشير بيدها لعربة أجرة. فأسرت باتخاذ مكانها وأخبرت السائق بعنوان المشفى. فطوال الطريق الذي قطعته عربة الأجرة، كانت صالحة تفرك يدها بتوتر وقلق وخوف، والعديد من الأفكار السوداء ملأت رأسها من أن حياء ربما مسها سوء وهي لا تعلم. وصلت العربة أمام المشفى، فترجلت صالحة بعد أن أعطت السائق نقوده. هرولت بخطواتها حتى وصلت للداخل، وطلبت مقابلة راسل على وجه السرعة من أجل أمر هام.
وقفت صالحة بجانب إحدى الممرضات أمام غرفة مكتب راسل. فطرق الممرضة الباب، وولجت تستأذن لصالحة بالدخول. فولجت صالحة والقلق مرتسم على وجهها. وجدت راسل جالسًا خلف مكتبه، وفتاة لا تعلم من تكون تجلس على الأريكة الجلدية تتصفح إحدى المجلات. فوقفت بمنتصف الغرفة وهي تقول بتساؤل: –هي حياء فين يا دكتور راسل؟ بسماع اسم حياء، ترك راسل مقعده ودار حول مكتبه، ووقف أمام صالحة قائلاً بقلق: –مالها حياء وجاية تسألي عليها هنا ليه؟
أنا مشوفتهاش. دبت صالحة صدرها وهي تقول بنواح: –يالهوي يا لهوي! هتكون راحت فين دي؟ خرجت من البيت على أساس أنها جاية هنا ورنيت عليها تليفونها مقفول. دي خرجت من الضهر ولسه مرجعتش يا مصيبتي. ليكون جرالها حاجة. بسماع كلام صالحة، جفت الدماء بعروقه، وتوقفت حواسه. فما معنى حديثها؟ فأرتجفت شفتاه وهو يقول: –يعني إيه الكلام ده؟ هتكون راحت فين؟ طب بلغتِ البوليس؟
هزت صالحة رأسها نفيًا، وهي تمسح أنفها بمحرمة ورقية، وعيناها مازالت تذرف الدموع خوفًا على حياء. فبعد أن استمعت ميس لذلك الحوار الدائر بينهما، قطبت حاجبيها قليلًا من اسم الفتاة. فالفتاة التي بحوزة خالها تسمى حياء أيضًا. فتساءلت ميس: –هي حياء دي شغالة عند خالو عاصم يا راسل؟ –أيوه، أنتي تعرفيها يا ميس أو شوفتيها؟ نطق راسل بعبارته وأقترب من ميس فجذبها من مرفقها حتى استقامت بوقفتها. فأومأت ميس برأسها وهي تقول:
–أيوه، دي عندنا في القصر. خالو عاصم جابها النهاردة. –جابها القصر ليه وعايز منها إيه؟ صاح بها راسل بغضب جم، فأرتعدت ميس من صياحه بوجهها. فقالت وهي تحاول وضع مسافة آمنة بينها وبينه: –بيقول أنها اتسببت في ضياع ملف صفقة مهم وحابسها في القصر عشان تعترف ودته فين.
اجتمعت شياطينه كافة بعد سماع ما قالته ميس، ومعرفته بما فعل عاصم بحياء، فلم يمهل نفسه ثانية أخرى للتفكير، بل خلع عنه رداءه الطبي وألقاه من يده، وخرج من الغرفة مهرولاً للذهاب لقصر النعماني. بينما نظرت صالحة لميس باستجداء وهي تقول: –أبوس إيدك يا بنتي وديني ليها، دي ملهاش حد غيري. أشفقت ميس على حالتها فردت قائلة وهي تسبقها للخارج: –تعالي معايا، أنا هوديكِ ليها.
تبعت صالحة ميس، حتى وصلتا لسيارتها بالخارج. فميس تفكر فيما أصاب راسل بعد سماعه ما حدث لحياء. فتلك هي المرة الأولى التي تراه هكذا، بل وصل به الأمر أن يصرخ بوجهها، وهو الذي لم يعاملها يومًا كأي أحد، بل دائمًا ما كانت تشعر بتميز مكانتها بقلبه. فربما بالأمر شيء تجهله، ولكن ما هو يا ترى؟ يقود سيارته التي تطوي الأرض بسرعة مغمغمًا بغيظ ووعيد: –أصبر عليا يا عاصم يا نعماني أما أوريك جناني على حق. مبقاش أنا راسل.
ظل طوال طريقه وهو يسب ويلعن بعاصم، حتى وجد نفسه أمام القصر. فأطلق البوق عدة مرات، فربما أصاب الحارس بالصمم، فأسرا بفتح البوابة الكبيرة لكي يكف عن ذلك. لج بسيارته حتى وصل للباب الداخلي للقصر، ترجل من السيارة بسرعة، فهو حتى لم يأبه بغلق بابها، بل ركض للداخل. فوقف في بهو القصر وصاح بملء فاه: –عااااااااااصم! اجتمع كل من كان بالقصر أثر سماع صياحه، فسوزانا هبطت الدرج بخطوات سريعة وهي تقول بقلق: –هو في إيه؟ ماله عاصم؟
لم يرد جوابًا على سؤالها، بل تقدم بخطواته حتى وصل لمجلس رياض المعتاد بغرفة المعيشة. لم يرف له جفن، بل كان جالسًا كعادته وحوله رجاله المخلصين، ففضل أن يتحدث مع ذلك الغاضب بلين عوضًا عن أن يتطرق الأمر للعنف. فحاول قدر استطاعته امتصاص غضب ذلك الواقف أمامه، كأنه مارد من الجن أُرسل من الجحيم لتوه. فملامح وجهه لا تنبئ بخير أبدًا، ولا يعلم هو علام كل هذا. فأستند بكفيه على عصاه، يحني رأسه مغمغمًا:
–أنت عايز إيه يا راسل وجاي عمال تزعق ليه وتقل أدبك؟ علا صوت راسل الحانق وهو يجيبه: –هي فين يا رياض يا نعماني؟ زوى رياض بين حاجبيه قائلاً بعدم فهم: –هي مين دي؟ عض راسل على نواجزه مغمغمًا: –فين حياء؟ فهم رياض ما يرمي إليه، فأجابه ببرود: –آه حياء، وعايز منها إيه يا راسل؟ –عايزها. قالها راسل ببساطة، إلا أنه عاد معقبًا:
–لو ما أخدتش حياء، وغلاوة بنتي لهولع نار محدش هيعرف يطفيها، وأول اللي هيتحرق بيها ابن أخوك الغالي عاصم بيه. وأنت عارف أنا مليش عزيز ولا غالي ولا يهمني إذا كان ابن أخوك يعيش أو لأ، وهخليه يحصل اللي راح زمان. عند هذا الحد، هب رياض واقفًا قدر ما أمكنه جسده الواهن. فرفع عصاه ووكز راسل بها بصدره، حتى ارتد خطوة للخلف. فرفع سبابته بوجهه قائلاً بتحذير:
–أنت لو ما احترمتش نفسك يا راسل هيبقى ليا معاك تصرف تاني. أنا صبرت عليك كتير ومش عشان أنا بسكت على كلامك وعمايلك، يبقى خلاص فكرت نفسك هتناطحني؟ أصحى لنفسك واعرف أنت بتتكلم مع مين. أنا رياض النعماني يا ابن بنت الساعي.
ولج عاصم للداخل على صوت شجار راسل ورياض. فبعد خروجه من المبنى الملحق بالقصر، بعد قضاء ساعة بأكملها يحاول أن يجعل حياء تدلي باعترافها، ولكن جوابها لم يكن سوى أنها لا تعلم عما يتحدث. فلا يعلم من أين جاءت بكل تلك القوة التي جعلتها تتحمل إرهابه لها، المتمثل بالضرب، وإخافتها من أنه سيجعل حياتها جحيمًا. ولكن إغماءها هو من جعله يعود للقصر على أن يعود إليها بوقت لاحق. –هو في إيه؟
ثلاث كلمات فقط استطاع عاصم قولها، قبل أن يقترب منه راسل قابضًا على عنقه بذراعه. بل لم يكتفِ بذلك، بل سحب سلاحه الناري من غمده، ووضع فوهته على أحد جانبي رأسه. فصرخت سوزانا وهي تقول بخوف: –أنت مجنون! أنت هتعمل فيه إيه؟ سيبه!
شد راسل على عنقه أكثر، وعاصم يحاول أن يفلت من بين يديه. فأحمر وجهه وجحظت عيناه وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه. ولكن كلما حاول الخلاص من بين يده، يعود راسل ويحكم ذراعه حول عنقه. ولم يبالِ بكل هؤلاء الرجال الذين يطوقونه وكل منهم مصوبًا سلاحه بوجهه. فأدنى راسل برأسه من أذنه قائلاً: –بطل حركة عشان ممكن أكسر رقبتك في أي وقت، وقول لرجالتك ورجالة عمك يبعدوا أحسن ما أتجنن وأضربك طلقة وأخلص عليك. دا لو أنت لسه باقي على عمرك.
رفع عاصم يده يشير للرجال بالابتعاد، لعل ذلك المجنون يخفف من ضغط ذراعه حول عنقه. فبعد اطمئنانه لابتعادهم، هز جسد عاصم بذراعه وهو يقول: –ودلوقتي قول لي أنت وديت حياء فين وعملت فيها إيه؟ –حياء في الأوضة اللي في الجنينة برا. لفظ عاصم عبارته بشق الأنفس. فسحبه راسل معه إلى الخارج، فتبعهما كل من رياض وسوزانا. وصل راسل للمبنى، فركل الباب بقدمه، ومازال رافضًا ترك عاصم قبل رؤية حياء.
وجد بالداخل رجلين، أسرعا بإخراج أسلحتهما، ولكن أمرهما عاصم بوضعها أرضًا. سار بممر حتى وصل لغرفة أخرى لا يوجد بها سوى فراش ربما تخلى عنه أصحاب المنزل منذ وقت طويل. وقع بصره عليها، فدفع عاصم عنه وأقترب منها. فثيابها مبتلة بالكامل، تضم قدميها لصدرها وترتجف كمن تشعر ببرد شديد، ويرجع ذلك لأوامر عاصم لرجاله بإفاقتها، فسكب أحدهم دلوًا من الماء عليها ليجعلها تفيق من إغمائها.
وليس هذا فحسب، فوجهها تركت آثار أصابع عليه، ودماء تنزف من جانب فمها. فناداها بلهفة وخوف: –حياء، حياء ردي عليا. كأن صوته يأتيها من مكان بعيد، فهي غير قادرة على رفع جفنيها لترى من يناديها، ولكنها تعلم من يكون صاحب هذا الصوت القوي. فبالكاد خرج صوتها وهي تقول: –راسل، قوله أنا معملتش حاجة، والله ما عملت حاجة، ومتخليهوش يضربني تاني. عاد من جديد لعاصم، وقبض على ثيابه وهو يصرخ بوجهه حانقًا:
–أنت عملت فيها إيه وإزاي تمد إيدك عليها؟ وصل عاصم لحافة صبره من أفعال راسل، فنشب بينهما عراكًا وحاول كل منهما النيل من الآخر. فلم يفلح رياض بجعلهما يكفا عن العراك. شهقت ميس وهي ترى راسل وخالها يتعاركان، فحاولت هي فض الشجار، فأقتربت من راسل الجاثم على صدر عاصم، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تجعل راسل يبتعد عنه. فأستقام راسل بوقفته وهو يلهث، يحاول التقاط أنفاسه.
ولكن صالحة التي اقتربت من حياء وهي تربت عليها باكية على حالها الذي رأته به، فظلت تمسد على جسدها وهي تقول: –مالك يا حبيبتي؟ أنا دادة سمعاني يا نور عيني؟ ولكن لم يأتها رد منها، فربما عادت لإغمائها ثانية. فظلت صالحة تربت على وجهها برفق وهي تقول: –أصحي يا حبيبتي ردي عليا، حياااااء. أنتبه راسل على قول صالحة، فأقترب من الفراش ثانية، ورفع يدها، يتحسس بأصابعه نبضها. فرأى أنه من الأفضل خروجها من هنا.
ولكن قبل أن يعمل على إخراجها من الغرفة، أخرج سلاحه الناري مصوبًا به ثانية بوجه عاصم، قائلاً ببرود: –دي عشان أنت مديت إيدك عليها. سحب زناد سلاحه، وأطلق منه رصاصة استقرت بمنتصف ذراع عاصم الأيمن. ولكن قبل أن يعود إليها، دوى صوت طلقة نارية أخرى شهق على أثرها الجميع. يتبع ..... !!!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!