الصيحات العالية والشهقات التى شابها الصدمة، لم تكن كافية للتعبير عن تلك الدهشة التى خلفها راسل بنفوسهم، خاصة بعدما أطلق رصاصة أخرى من سلاحه النارى.
أتجهت أنظار الجميع صوب ذلك الثقب الصغير الذى أحدثته الرصاصة بالجدار. فعاصم، على الرغم من الألم الذى يشعر به فى ذراعه المصاب وغزارة الدماء النازفة منه، جحظت عيناه بخوف بعدما استدار برأسه ونظر لأثر الرصاصة التى لم تبتعد عن رأسه سوى سنتيمترات قليلة. فلو أخطأ راسل فى تصويبها بالجدار، لكانت أصابت جبهته لا محالة. فلم ينبس أحد ببنت شفة. فمن لديه القدرة على الحديث بعدما كان سيخر عاصم صريعاً منذ وهلة. فبدأ
راسل القول بصوت كالصقيع: –الرصاصة التانية دى تحذير ليك على اللى ممكن يحصلك لو جرالها حاجة. سقطت العصا من يد رياض. فأسرعت سوزانا وميس بإسناده. فراسل ولا شك سيرسله إلى حتفه. ظل صدره يعلو ويهبط وبالكاد خرج صوته وهو يقول: –خلوه يمشى من هنا. أمشى أمشى. ياه، هل زاد بتهوره تلك المرة عن سابقيها؟ فعلى الرغم من كرهه الشديد لعاصم، إلا أنه لم يفكر مطلقاً بيوم من الأيام أن يفعل ما فعله. فما الذى دهاه اليوم؟
توافد الحرس من الخارج. فمنهم من ساعد رياض على الخروج، ومنهم من ساعد بأخذ عاصم من أجل ذهابه للمشفى. فلم يتبقى بالغرفة سوى راسل وميس وصالحة وحياء الغائبة عن الوعى.
تلك هى المرة الأولى التى تختبر بها ميس جنونه الذى طالما سمعت عنه. فهى لم تصدق أحد من قبل بشأن إخبارها بأن راسل ربما يصل به الحال إلى عدم التريث والتروى بوزن الأمور، ويمكن أن يقدم على ارتكاب أفظع الأمور كالتى فعلها منذ دقائق. فهو كان على وشك قتل خالها عاصم، ولم يكن سينتهى الأمر إلى هذا الحد، بل ربما كان جدها سيتأذى هو الآخر لعلمه بمدى حبه لإبن شقيقه. فقالت ميس بصوت خرج بالكاد من حلقها:
–راسل أنت كنت هتقتل خالو عاصم. معقولة للدرجة دى. وضع راسل سلاحه بغمده وهو يجيبها: –مكنتش هقتله ولا حاجة. أنا بس كنت بهدده. صاحت ميس ومدت ذراعها تشير للثقب بالجدار وهى تقول: –بتهدده! والرصاصة دى اللى لو كانت إيدك بس أرتعشت كانت جت فى دماغه قتلته. أغمض راسل عينيه بشئ من الإرهاق. فهو يعلم مدى استيائها وحنقها منه الآن. إلا أنه حاول إنهاء هذا الجدل خشية إثارة المزيد من غضبها وغضبه.
فأولاها ظهره وهو يهم بالإقتراب من حياء قائلاً بهدوء وصل حد البرود: –متخافيش. أنا متعلم ضرب نار كويس وأعرف أمتى أخلى رصاصتي تخيب وأمتى أخليها تصيب. قبل أن يضع يده ويحاول إفاقة حياء، أسرعت ميس بجذبه من ذراعه وتطلعت إليه بعينان مشتعلتان من الغضب. فصرخت بوجهه: –أنت إيه برودك ده وعلشان إيه. ده كله علشان دى وتبقالك إيه دى علشان تفكر تقتل حد علشانها ها. رد عليا.
نفض يدها عن ذراعه وقبض على كتفيها. فشعرت بقسوة كفيه وهو يهز جسدها بين يديها قائلاً بحدة مماثلة: –مش وقته الكلام ده يا ميس ومش هنتكلم فيه دلوقتى. أنا مش فايقلك. خلينى أخدها وأمشى من هنا.
تركها واقترب من الفراش. وكل هذا يحدث تحت أنظار صالحة التى لا تفقه شئ مما يقولونه. فما يهمها الآن أن تخرج حياء من كل هذا سالمة. فبحيلة منه كطبيب استطاع جعلها أن تفتح عيناها ببطء، ولكنها عاجزة عن الحركة من تلك الآلام الشديدة التى تشعر بها بجميع أنحاء جسدها. ***
آلام شديدة بالرأس داهمتها بقوة وهى تحاول فتح عينيها الناعستين. فظلت تمسح بكفها الناعم على وجهها. لعها تستطيع إزالة النعاس عن جفنيها. فتأوهت بصوت منخفض وهى تحاول الاعتدال بجلستها في الفراش. غرزت أصابعها بخصيلاتها السوداء وحكت فروة رأسها لتعاود النزول بيدها حتى وصلت لمؤخرة عنقها. أنفرجت شفتيها وانفلت من بينهما صوتها وهى تتثاءب.
جعدت جبينها وهى تتطلع للغرفة. فتلك ليست غرفتها بمنزل والدها. فخفضت بصرها لتنظر لنفسها بعد شعورها بتلك البرودة المفاجئة التى اجتاحتها. فأصدمت عيناها بما جعلها تلطم وجنتيها عندما فطنت بأى حال هي بالفراش. ولم تنته الصدمة لهذا الحد، بل سمعت باب المرحاض يفتح وخرج منه ذلك الشاب وهو يجفف رأسه بالمنشفة. فأزاحها عن وجهه وهو يقول بإبتسامة عريضة: –صباح الخير يا هند يا حبيبتي.
فلو التحفت بأغطية العالم أجمع، لن تستطيع أن تواري تلك الفضيحة التى جلبتها لنفسها. فدمعت عيناها وانتحبت وهى تحاول سحب الغطاء لعنقها. فرمقه هند بصدمة. استطاعت تجميد أطرافها. ولكن صوتها النائح خرج يخترق أذنيها قبل أذنيه: –إيه اللي انت عملته دي. إزاي تعمل كده. إزاااااااي. لم تكف عن الصراخ والنحيب. فترك المنشفة من يده وجلس بجانبها على الفراش. مد يده ووضعها على وجنتها لعله يجعلها تكف عن الصراخ.
فنظرت بعينيه الباردتان كإحدى أيام الشتاء. فقال بعدم اكتراث: –انتي مكبرة الموضوع ليه كده يا هند يا حبيبتي. ثم هو أنا اللي جبتك معايا غصب عنك. انتي جاية معايا بمزاجك. ومتبقيش تفكيرك رجعي كده. اللي حصل عادي. نفضت يده عن وجهها وهى تقول بغضب: –عادي! عادي إزاي. أنت مجنون. دي مصيبة. عارف يعني إيه مصيبة. ظلت تلتفت برأسها يميناً ويساراً لعلها تبحث عن حل. فعادت بعينيها لوجهه وهي تقول: –إحنا لازم نتجوز بسرعة.
ترك مكانه ووقف أمام المرآة يمشط شعره. فرد قائلاً بلامبالاة: –أنا مش بتاع جواز يا حبيبتي. إحنا نتصاحب أه. لكن نتجوز. سوري يا بيبي. لفت الملاءة حول جسدها وتركت الفراش واقتربت منه وجذبته من ذراعه. فصاحت به بجامع صوتها الحانق: –أنت مش كنت بتقول إنك بتحبني وبتتمنى اليوم اللي تتجوزني فيه. دلوقتي غيرت رأيك. أزاح يدها عن ذراعه ومازال على هدوئه المميت. فابتسم ماكراً:
–وأنا إيه اللي يخليني أتجوز واحدة سلمت نفسها بسهولة وهي مش واعية لنفسها بسبب شربها للخمرة. أنتي يا روحي للتسلية وبس. وصدقيني أنا في خدمتك على طول. لطمته على وجهه بكف يدها. فقبض على كفها. كاد أن يسحق عظامها. فسرعان ما دفعها عنه. فترنحت بوقفتها وكادت تسقط لولا أنها حافظت على ثباتها. فلم يمهلها دقيقة أخرى. بل أخذ ثيابها المنثورة بالغرفة وألقاها بوجهه وهو يقول: –البسي هدومك ويلا أمشي من هنا. مش عايز أشوف وشك تاني. يلا.
ظل يدفعها بيده وهى تتقهقر بخطواتها للخلف. فعينيها لم تكف عن ذرف الدموع. فسالت زينة عينيها ولطخت وجنتيها. فتعالت أصوات شهقاتها وهي ترى مستقبلها المظلم إذا علم والداها بما فعلته. فدلالها الزائد جعلها تصل لطريق لم تظن يوماً أنها ستخطو به أولى خطواتها الحمقاء. لم تدرِ كيف ارتدت ثيابها وحذاءها. فحتى لم يمهلها الوقت لتصفف شعرها الأشعث. بل أخذها من يدها وهو يجرها خلفه كأنها حقيبة من القمامة سيلقي بها خارج منزله.
فتح باب المنزل ودفعها بعدما ألقى بمفتاح سيارتها على الأرض وهو يقول: –مفتاح عربيتك أهو. ويلا غورى من هنا. وحسك عينك تحاولي تعملي حركة كده ولا كده. أصل أه، نسيت أقولك أن أنا صورت الليلة بتاعت امبارح كلها. هبقى أبعتلك نسخة منها عشان تبقي تفتكريني. فهو لم يكتفِ بسلبها حياتها وعفتها وطهارتها. بل حرص على أن يجعل حياتها جحيماً. فكيف كانت بكل هذا الغباء؟
فما أرادت إثباته للجميع أتى بثمار الخيبة والحسرة. بعدما أغلق الباب بوجهها. انحنت تلتقط مفتاح سيارتها. التي رأتها مصفوفة أمام المنزل. استقلت السيارة. فوضعت ذراعيها حول المقود ودفنت رأسها بينهما وهي تنوح. فكل عالمها تهدم أمام عينيها. ولا أحد ملام غيرها. فهي من رفضت الاستماع لنصائح من حولها. وها هي تجني ثمار غرورها اللعين. فبما تفرق هي الآن عن الفتيات صاحبات الخلق السيء؟
فهي لم تجد رادعاً لها. فكان زهوها بجمالها ومالها يطمس على قلبها وعقلها ومنعها التفكير السليم والخلق القويم. *** بخطوات حثيثة كان يقترب من الغرفة. أدار مقبض الباب بصوت يكاد لا يسمع. ولج للداخل يحمل صغيرته على ذراعه تتعلق بعنقه. فألقى ببصره على تلك التي تتوسط الفراش. غارقة بسبات عميق. ملامحها هادئة لا تنم على شيء سوى الراحة والهدوء.
فبعد خروجهم من قصر النعماني، فضل المجيء بها لمنزله. حتى لا يحاول عاصم أخذها ثانية. خاصة بعدما حدث بينهما. فهو يعلم أن عاصم إذا مرر الأمر، يظل أثره عالقاً بنفسه. ولا يعلم أحد بأي وقت يأخذ ثأره. فإن كان له بذلك، يجب عليه أن يتخطاه هو الأول حتى يستطيع الوصول إليها. تأملها كثيراً. كأنه يراها لأول مرة. حتى انتبه على تقبيل سجود له على وجنته وهي تسأله: –بابي هي مين دي. تبسم راسل بوجهها وهو يجيبها بحب:
–دي تبقى مامتك يا سجود. فغرت الصغيرة فاها من قوله. ولم يعَ تأثير تلك الجملة التي لا يعلم كيف استطاع قولها بثقة. تجلت بكل حرف نطق به. إلا بعدما رأى سجود تحاول الفرار من بين ذراعيه. فبطت بقدميها لتجعله يفلتها من بين ساعديه وهي تصيح بسعادة: –هاااااى مامى رجعت من السفر. سيبني يا بابي.
تخبطها بين ذراعيه جعله يطلق سراحها. فوطأت الصغيرة الأرض بقدميها وسرعان ما ركضت إلى الفراش المستلقية عليه حياء بوداعة. صعدت بجوارها ووثبت عليها تقبلها على وجهها بكل مكان يستطيع فمها الصغير الوصول إليه. تململت حياء بنومها من شعورها بشيء جاثم على جسدها. ولكن ما زالت غير قادرة على فتح جفنيها. ويرجع ذلك لمفعول تلك العقاقير الطبية التي حقنها بها راسل من أجل جعلها تنام لفترة أطول. لتمر الساعات الأولى من شعورها بذلك الألم بسبب تلك الكدمات التي غطت وجهها. وأيضاً جسدها حسبما أخبرته وفاء وصالحة وهما يعملان على تبديل ثيابها وهي غير واعية لما يفعلانه.
أقترب راسل من سجود. التي بعدما أعطتها حصتها كاملة من القبل. وضعت رأسها على كتفه. تميل بنصف جسدها وذراعها النحيل يحتضن خصر حياء. أزاح راسل شعر الصغيرة عن عينيها. فربت على ظهرها. ليجعلها تستمع لما يقوله. فنادها برفق: –سيجو يا حبيبتي يلا تعالي معايا. حركت سجود رأسها بعنف رافضة قوله. فدفنت وجهها بعنق حياء مغمغمة: –لاء يا بابي. أنا هنام في حضن ماما. هي مش بتصحى ليه.
حاول جذبها بصعوبة. فكلما سحب ذراعها تعود وتفلت من يده لتعود مكانها بجوار حياء. فتعجب راسل من أن سجود لا تتذكر أنها رأت حياء من قبل. ولكنه عاد وتذكر أن سجود ما زالت صغيرة وهي لم تقابل حياء سوى مرة واحدة منذ بضعة أشهر. ولكنه تذكر بحزن أيضاً أن حياء التي قابلتها سجود غير تلك الراقدة لا حول لها ولا قوة ووجهها به آثار لكدمات. فقبل أن يعود لأخذ الصغيرة. وجدها ترمقه بتساؤل:
–بابي هي مامى متعورة في وشها ليه. مين اللي ضربها يا بابي. أنا هضرب اللي عمل في مامى كده. تبسم على قولها ومحاولتها لتبيان شجاعتها بالدفاع عن من ظنت أنها والدتها. فأنحنى حاملاً إياها هذه المرة بإصرار وهو يقول: –طب تعالي وإحنا هناخد حق ماما من اللي عمل فيها كده. بس سيبيها تنام بقى يا سيجو. ولما تصحى تعالي شوفيها.
تعمقت الصغيرة بكتفي أبيها. تنظر لحياء وهو يحملها يتجه صوب باب غرفته التي رغب أن تمكث حياء بها. خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفهما. هبطا الدرج. حتى وصلا لمجلس وفاء وصالحة. فوضع راسل سجود بين ذراعي وفاء. فلم تكتم الصغيرة صيحتها وهي تقول بسعادة وتصفق بيدها: –أنا وفاء مامى رجعت وهي نايمة فوق بابي. خلاني روحت شوفتها.
تلقائياً تحول بصر وفاء وصالحة لوجه راسل. فحاول أن يزوغ بعينيه عن مرمى بصرهما المتفحص وأعينهما اللتان لم تخليا من سؤاله عن صحة أقوال الصغيرة. فأراد الانصراف وهو يحمحم قائلاً بهدوء: –ماما أنا رايح المستشفى. ولو في أي حاجة اتصلي علي. لم ينتظر سماع رد وفاء على قوله. بل أسرع في الخروج من المنزل. فعند وصوله لسيارته وضع يده على صدره يزفر براحة من كونه استطاع الهرب منهم. ابتسمت صالحة لوفاء وهي تقول بإستحياء:
–أنا مش عارفة أشكركم إزاي علشان اللي عملتوه علشان الست حياء. أنتوا ولاد أصول. مدت وفاء يدها تربت على ساق صالحة وهي باسمة: –متقوليش كده. أنتوا منورين. ولما راسل حكالي حكايتها بجد صعبت عليا أوي. الله يكون في عونها. أطلقت صالحة زفرة عميقة وهي تقول: –من ساعة موت عرفان بيه والست مديحة وحياتها اتشقلبت يا حبة عيني. بقت الدنيا تشيلها وتحطها. بنت الأكابر اللي عمر الحزن ما عرف لها طريق. بقت عايشة حياتها حزن ودموع.
–ربنا قادر يصلح حالها بطرفة عين. بس الصبر مطلوب. قالت وفاء عبارتها وهي ترى سجود تجذب يدها من أجل شيء تريده. فنهضت صالحة وهي تقول: –طب أنا هروح الشقة أجبلها هدوم وأجي على طول. جايز على ما أرجع تكون فاقت. أومأت وفاء برأسها موافقة. فخرجت صالحة من المنزل. عادت سجود بجذب يد وفاء وهي تقول بإلحاح: –أنا وفاء. تعالي وديني لمامي فوق وافتحيلي الباب علشان بابي قفله بالمفتاح قبل ما يمشي. تلاحم حاجبا وفاء وهي تقول بغرابة:
–هي إيه حكاية مامى دي يا سجود. هو أبوكي عامل إيه من ورايا بالظبط. مش مرتحاله. أنا فوتله أنه دخل عليا بواحدة مضروبة وحالتها حالة. وقولت جايز مساعدة إنسانية. بس شكل الموضوع في إن. تفتكري في إيه يا بت يا سجود. رفعت الصغيرة شفتها العليا من قول وفاء. على الرغم أنها لم تفقه شيئاً من قولها. ولكنها لم تجد تعبيراً آخر للتعبير عن دهشتها سوى رفع شفتها وتضيق عينيها. فوضعت وفاء يدها على وجنتها قائلة بتساؤل:
–وده اسمه إيه بقى يا بنت أبوكي. أنا لما أبوكي اللي هرب مني ده يرجع لازم أعرف كل حاجة.
لم يعنِ الصغيرة سوى تنفيذ مطلبها. فبعد رجائها الذي وصل حد الإلحاح. فضلت وفاء تنفيذ ما أرادته. فهي لا تريدها أن تبدأ بالبكاء وربما يتطور الأمر إلى صراخ ونواح. فأخذتها وصعدت الدرج ووصلت غرفة راسل. القابعة بها حياء. فأدارت المفتاح بالمقبض. فلم تنتظر الصغيرة أن تفتح الباب بل هي من أدارت المقبض واقتحمت الغرفة. وعادت لتستكين ثانية بجوار حياء. ولكن هذه المرة براحة تامة. فأبيها ليس هنا ليمنعها من فعل ذلك. فلتنعم بتلك اللحظات
التي طالما حرمت منها. فهي لم تختبر ذلك الشعور بأن تكون بين ذراعي والدتها. فإن كان أبوها ووفاء والمحيطين بها يحرصون على دلالها. فلم يكن هذا كافياً لها. بل هي تريد دلال آخر. ذلك الدلال الخاص بوالدتها. مثلما ترى الصغيرات بمثل عمرها يتمتعن بحب ودفء أحضان أمهاتهن.
***
بعد خروجها من مركز التجميل الأشهر بذلك الحي الراقي. وجدته يقف بجوار سيارته. بل لم يكتفِ بذلك. بل هو يحمل بين يديه باقة كبيرة من الورود والزهور المفضلة لديها. فبعد مجيئه أول مرة لقصرها توالت زياراته المتكررة لها. فمرة يأتي إليها بالفندق ومرة أخرى لهنا. مدت يدها تزيح خصيلاتها عن عينيها. وهي تشعر بالحرج. فهي لا تريد أن تثار الأقاويل حولهما. خاصة أنه الآن شخصية مشهورة بالمجتمع. ولا بد أن يتساءل الجميع عن من تكون تلك التي يركض خلفها من مكان لآخر.
هبطت الدرجات الثلاث الرخامية. فأسرع فواز بالاقتراب منها ومد يده لها بباقة الزهور مبتسماً: –الورد للورد. أحلى ورد لست البنات. مدت يدها بتردد وأخذتها منه. فتبسمت بحرج وتوتر وهي تقول: –مكنش في داعي تتعب نفسك يا فواز. مش كل مرة هتشوفني فيها هتجبلي ورد. –أنا لو أطول هجبلك حتة من السما يا ست البنات.
قال فواز جملته. فتوهج وجه غزل من إطرائه لها. فهي لا تريد أن تتسبب له بإيذاء نفسي إذا أخبرته بأنها لا تريد إطراء أو مغازلة من أي رجل. فهي شيدت أسوار وحصون حول قلبها. فلم يعد لديها مقدرة على الحب. غير محبة أبناء شقيقها. ولكن كيف تصيغ له عبارة مناسبة لتجعله يكف عن حضوره المتكرر والتفوه بعبارات التودد لها. فقبل أن تفوه بكلمة كان فواز يقول مستطرداً: –لو معندكيش مانع ممكن نتغدى مع بعض.
ضمت الباقة لصدرها لا إرادياً وهي تحاول أن تجد سبباً أو مبرراً لعدم موافقتها على اقتراحه. فبفعلتها جعلته يظن أنها ترحب بدعوته. فزادت ابتسامته اتساعاً. ولكن سمعا صوت أنثوي قادم من مكان قريب. فالتفتت غزل لمصدر الصوت. فاتسع بؤبؤ عينيها من رؤية سوزانا النعماني. فبخطوات قليلة كانت تقف سوزانا وجهاً لوجه معها. أنفرجت شفتيها لتقول شيئاً. فكانت سوزانا الأسرع بقولها:
–معقولة أنتي غزل الزناتي. أنا مش مصدقة عيني. طب إزاي. أكيد أنا بحلم. قبضت غزل بيمينها على وريقات الورد فسحقتها بين أصابعها وهي تقول من بين أسنانها المطبقة بغضب مميت: –وهى غريبة أنك تشوفيني يا سوزانا. أصل اشتقت لاسكندرية واشتقتلكم. فجيت على ملا وشي زي ما انتي شايفة. عقدت سوزانا ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بتهكم واضح:
–أنا صدقت دلوقتي المثل اللي بيقول مسير الحي يتلاقى يا غزلي. دي الدنيا طلعت صغيرة أوي فعلاً. بس مقولتيليش كنتي فين السنين دي كلها. –كنت في أرض الله الواسعة. عن إذنك وفرصة سعيدة إن شفتك يا سوزانا.
بعد أن انتهت من قول عبارتها. اتجهت صوب سيارتها. وملامح وجهها ملأها التجهم والعبوس. يتبعها فواز بسيارته. ولم يمنع ضيقه هو الآخر من رؤية سوزانا وتسببها في إفساد تلك الدقائق الحالمة التي كان يعيشها. فهو كان قاب قوسين أو أدنى من الحصول على موافقتها بأن ترافقه لتناول طعام الغداء سوياً. قادت غزل السيارة. ولم تنسَ أن تضرب المقود بكفها من حين لآخر. فمن أين ظهرت لها سوزانا؟ فهي تعلم أنها لن تخفي الأمر عن شقيقها عاصم. عاصم!
اسم ظل ينخر بقلبها سنوات طوال. فمن كانت تشعر بدقات قلبها تتلاحق من رؤيته وسماع اسمه. صارت تشعر بنيران تتأجج بداخله. أوقفت السيارة بغتة. فكاد رأسها يصطدم بالمقود وهي تتذكر ذلك اليوم. الذي غير حياتها للأبد. فأخذتها الذكريات وبدأت ترى كل شيء أمامها. كمن شاهدت فيلماً وتستعيد أحداثه. عودة لوقت سابق.
تجمعت عائلتها بأكملها بحديقة المنزل. كما اعتادوا أن يفعلوا بيوم العطلة الأسبوعية. يركض عمران ومعتصم بالحديقة. ويجلس باقى أفراد عائلتها حول طاولة يتحدثون بشأن خطبتها المرتقبة. ناداها والدها بإلحاح: –غزل غزل تعالي هنا يلا. عبست ملامحها وهي ترى إلحاح أبيها لها بأن تعطيه قرارها النهائي بشأن زواجها من شاب آخر. خاصة بعد تلك الصدمة التي خلفها عاصم بنفسه من إقدامه على خيانتها قبل زواجهما بأسبوع واحد. فأقتربت غزل من
أبيها وهي تقول بحدة خفيفة: –بابا قلت لك مش عايزة أتجوز دلوقتي خلاص. مليش نفس أتجوز. –ده كله يعني علشان عاصم النعماني. ما خلاص خلصنا من الموضوع ده يا غزل من فترة. ولا هتقضي بقية عمرك تعيطي على اللي راح. ثم خلاص إحنا وعيلة النعماني مبقاش ينفع نجتمع في مكان واحد تاني ولا يبقى في بينا صلة نهائي.
تلك الكلمات التي صدرت من شقيقها مراد بوحشية جعلتها تجفل قليلاً. فربما هي حقاً زادت بالأمر. ولكن قلبها ليس عليه سلطان. فكيف تستبدل خفقات نطقت باسم حبيب غادر وتنطق باسم أحد آخر.
تجمعت الدموع بعينيها وركضت للداخل. فسرعان ما لحق بها الصغيران اللذان اعتادا على اللعب معها. وصلت لغرفتها وأرتمت على الفراش تبكي. ولكنها شعرت بيد صغيرة تمسد على خصيلاتها الناعمة. ولم يكن سوى عمران الذي بدأ بالبكاء لرؤيتها تبكي. أما معتصم تمدد بجانبها وظل يقبلها على وجهها. فتبسمت رغماً عنها لأفعالهما. فهما يتركان والدتهما ويركضان خلفها هي. فأعتدلت بجلستها ومسحت عينيها: –انتي سيبتوا لعبكم تحت وجيتوا ورايا ليه.
جلس عمران بجانبها قائلاً: –علشان أنتي بتعيطي يا غزل. تعالي يلا علشان ننزل الجنينة ومش هقول لجدو وبابا يزعلوكي تاني.
قبلته غزل واستدار لتقبيل معتصم. وجدته يغط بنوم عميق. فذلك الصغير يملك سرعة فائقة للغرق بالنوم. فأدنت برأسها من وجهه وقبلته. وأخذت عمران لتعود لمجلس عائلتها بالحديقة. ولكن لم تمر دقائق وقبل عبورها من الباب الفاصل بين المنزل والحديقة. رأت رجال ملثمون يقتحمون المنزل والحديقة. ودوى صوت الطلقات النارية والقصف العشوائي للرصاص. فصرخت غزل وأخذت عمران بين ذراعيها. بعدما رأت عائلتها تصرع غدراً بالرصاص.
فتلك الجملة اخترقت أذنيها تترافق مع صوت الرصاص. وأحد الرجال الملثمين يقول: –ده عشان تعرفوا أن رياض باشا النعماني محدش يزعله ويفضل ساكت. لا هو ولا ابن اخوه. عاصم بيه.
سالت دماء عائلتها وطافت أجسادهم بالمسبح. فبتلك اللحظة كمن عجزت قدماها عن الحركة. لم تفعل شيئاً سوى أنها اختبأت خلف المقاعد وهي تبكي وتحتضن عمران الذي لم يكف عن البكاء والنداء لوالديه بعدما رأى ما حدث لهما. فقبل أن ترى أحد قادماً للداخل سحبت عمران وركضت للدور العلوي. ولجت غرفتها وأخذت معتصم وعمران واختبأوا أسفل السرير. حرصت على عدم إصدار أي صوت ووضعت يدها على أفواههما. سمعت صوت الأقدام تقترب من الغرفة. فسالت دموعها وهي تبتهل لله أن تنجو هي وأبناء شقيقها.
سمعت أصوات رجلين يتحدثان: –الظاهر مفيش حد تاني هنا. يلا بينا على تحت. –استنى لسه فيه البت بنت عمران الزناتي وولاد أخوها. قالها الرجل بإصرار. فجذبه رفيقه قائلاً: –الباشا مش عايز يقتلها. هو عايزها تعيش وتتحسر على أهلها. فتعال ندور على العيلين يلا بينا.
ابتعدت أصوات الأقدام واطمأنت غزل لابتعادهما. فخرجت من أسفل السرير وحثت عمران ومعتصم على إطاعتها. فهي تعلم خبايا ذلك القصر وتعلم كيف تنجو من هنا قبل أن يعثر عليها أحد. فبأحد الممرات السرية للقصر كانت غزل تهرول وتجر معها عمران ومعتصم. حتى خرجت من القصر. ولم يكن خروجها إلا أعجوبة أنها استطاعت الهرب قبل أن تلقى حتفها هي وأبناء شقيقها.
عادت من ذكرياتها وهي تنتحب ملء فاها. وتعالت أصوات شهقاتها. وظلت تضرب بيدها على المقود. حتى شعرت بالألم. فلماذا فعلوا بها ذلك؟ ولماذا سلبوها عائلتها؟
فعاصم هو من بدأ بالغدر منذ البداية. وكانت هي الأحق بتركه حتى لا تصبح حياتهما الزوجية مأساة إذا تزوجا بالفعل. ولكن شاء القدر كشف خيانته لها قبل أن يتزوجا. لتتوالى بعد ذلك الصدامات والمشاجرات بين العائلتين. حتى صار العداء على أشده بينهما. وصار يعلم بخلافاتهما القاصي والداني. ***
منذ علمه بأن زوج ابنته صار الآن يعلم من هو الفاعل الحقيقي لذلك الحادث الذي توفي على أثره عرفان وزوجته. وهو لا يهدأ. زارعاً غرفته ذهاباً وإياباً. وقسمت جالسة تضع يدها على وجنتها تفكر هي الأخرى. فهي تتمنى أن يكون وحيد صدق أن ليس لها يد بما حدث وأنها لم تكن تعلم بما فعل زوجها. رفعت رأسها عن يدها ترمق بتساؤل: –هنعمل إيه دلوقتي يا شكري بعد ما جوز بنتك عرف اللي فيها. جلس على حافة الفراش وهو يفرك يديه بتوتر وخوف قائلاً:
–مصيبة. ليروح بجد يبلغ عني يا قسمت. هتبقى مصيبة وكل اللي مستخبي هيبان ونروح في ستين داهية. ومش بعيد نلاقي حبل المشنقة ملفوف حوالين رقبتنا احنا الاتنين. بسماع ما سيؤول إليه مصيرها صاحت به: –حوالين رقبتي أنا ليه يا حبيبي؟ وأنا مالي. انتفض شكري من مكانه وقبض على ذراعها. غارزاً أصابعه بلحمها. فهز جسدها بقوة وهو يقول:
–نعم يا أختي. على أساس إنك مش راسية على الحوار كله من الأول. وأنتي وافقتي على قتلهم عشان كنتي متغاظة من أخوكي ومراته. جاية دلوقتي تقولي وأنتي مالي. نفضت يده عن ذراعها. تمسد عليه. لعل الألم الذي تشعر به يهدأ. فصرخت بوجهه بحدة: –حسك عينك تمد ايدك عليا تاني يا شكري. وبدل ما وحيد هو اللي يبلغ عنك. أنا اللي هوصلك لحبل المشنقة. وأنا أساساً مفيش عليا دليل.
لم يبدُ عليه الخوف. بل على النقيض ظل يضحك بقوة حتى دمعت عيناه. فأثارت غرابتها مما يفعله. فمن بمثل حالته لابد أن يشعر بالخوف. فكف عن الضحك وقال: –مفيش عليكي دليل. انتي فاكراني أهبل يا قسمت عشان أسيب رقبتي في إيدك من غير ما أكون ضامن أن إحنا الاتنين نروح في داهية سوا. –قصدك إيه يا شكري. قالتها قسمت بصوت شابه الارتجاف. فهي تعلم أنه ليس بالشخص الهين أو الساذج. فجلس شكري واضعاً ساقه على الأخرى وقال:
–قصدي يا قسمت يا حبيبتي أن أنا عندي تسجيل صوت وصورة لينا احنا التلاتة. أنا وأنتي والسواق اللي خطف عربية أخوكي. عشان أبقى ضامن نفسي عشان لو كنتي حابة تلعبي بديلك وتغدري عليا. أطربق الدنيا على دماغك ومخليكيش تلحقي تتهني بقرش واحد من فلوس عرفان. أرخت قدماها فجأة. فجلست ساقطة على المقعد خلفها. فهي لم تضع بحسبانها أن يكون اتخذ كافة الاحتياطات اللازمة لتأمين جانبه.
ملأ الصمت الأجواء. فيخشى كل منهما أن تعلو أنفاسه فيسمعها الآخر. ولكن لابد لهما أن يتحدثان بشأن تلك الكارثة التي تلوح لهما بالأفق. فأزدردت لعابها وهي تقول بخوف تستشعره لأول مرة: –طب هنعمل إيه يا شكري دلوقتي. حك شكري جبهته بتفكير. لعل يجد حلاً بإمكانه أن ينقذه مما ربما سيحدث لهما. إذا تفوه وحيد بالحقيقة. فرفع رأسه ونظر إليها مطولاً وهو يقول ببرود وجمود: –يبقى مفيش حل غير إن إحنا نخلص من وحيد خالص.
رمش بأهدابها. كأنها لا تعي مغزى حديثه. فقالت متسائلة: –نخلص منه إزاي يعني مش فاهمة. –يعني نقتله هو كمان يا قسمتي. قالها شكري ببرود مغلف بحقد أسود. غير آبه بابنته وما يمكن أن يصيبها. فكل ما يريده هو إخفاء كل الدلائل على قتله عرفان الطيب وزوجته. نزل عليها حديثه كحبات الحصى. فهي لم تفكر مطلقاً بهذا الشأن. فأزدردت لعابها وقالت بتلعثم ظاهر: –نـ نقتله. أنت اتجننت يا شكري. عايز بنتك تبقى أرملة في عز شبابها.
ضحك شكري بعد سماع قولها. فنظر إليها بسخرية: –ماهو لو وحيد فضل عايش. ممكن يودينا في داهية في أي وقت. ثم يعني هو هييجى عندك أعز من أخوكي. ابن أمك وأبوكي يا قسمت. ضحكتيني وأنا مضايق.
ذكرها بتلك اللحظة التي أسلمت عقلها وأذنيها له. يوسوس لها كالشيطان. فجعلها تتخيل مصيرها إذا أتم عرفان مخططه وجعل حياء تتقاسمها الإرث. فوافقت على اقتراحه بقتل أخيها. كتلك اللحظة التي نسي بها قابيل أن هابيل شقيقه ويحمل دماءه. وعوضاً عن أن يكون حانياً كان قاتلاً. يشرع بذلك جريمة نكراء. من أن الأشقاء ربما بغفلة منهم يستطيع الشيطان تحريك أهوائهم وتحدث الفاجعة. ***
اليوم استطاعت فتح عينيها بدون أن تشعر بذلك الخدر الذي كان يمنع عليها أن تشعر بما يجري حولها. فرفعت يدها بثقل لتتحسس ما هو ذلك الشيء الجاثم على صدرها. فأصدمت يدها برأس صغير. رمشت بعينيها عدة مرات وخفضت بصرها. فرأت سجود دافنة رأسها بصدرها وتحتضن خصرها. فطافت عيناها بأركان الغرفة وهي تقول بصوت خافت متعب: –أنا فين. وقع بصرها على صورته المعلقة على الجدار. فعلمت أين تكون هي؟
فربما هي بمنزله وتلك الصغيرة هي ابنته. فهي ما زالت متذكرة إياها. شعرت سجود بتململ حياء. ففتحت عينيها ورأت حياء تنظر لها. فصرخت بسعادة: –هااااا مامى صحيت. أنا هروح أنادي لبابي. تركت سجود الفراش وركضت خارج الغرفة. فحاولت حياء أن تعتدل بجلستها. فأضناها رفع جسدها كأن جميع أعضاءها توقفت فجأة.
ولكن استطاعت أن تقعد نصف جالسة. فلم يعد بإمكانها أن تفعل أكثر من ذلك. دقائق ووجدت راسل يلج الغرفة ويحمل سجود يتبعه صالحة وامرأة أخرى استطاعت التكهن بكونها والدته. تركت سجود ذراعي أبيها وعادت تجلس بجانبها ثانية وهي تقول: –مامى وحشتيني أوي. أنتي نمتي كتير. نظرت حياء لراسل بإنتظار تفسيره لما يحدث. فوجدت صالحة تقترب منها تحتضنها وتقبلها بلهفة ودموعها تسيل على خديها. –ألف الحمد لله على السلامة يا حبيبتي.
–الله يسلمك يا دادة. هو أنا إيه اللي جابني هنا. قالتها حياء بصوت خافت بإنتظار أن يخبرها أحد بما حدث. فكان راسل هو المجيب على سؤالها: –أنا اللي جبتك هنا. أنا والدادة بتاعتك علشان أنتي كان مغمى عليكي وكنتي تعبانة بسبب آثار الضرب والكدمات. تقدمت وفاء من الفراش وهي باسمة وقالت: –ألف سلامة عليكي. أنتي نورتي البيت. ردت حياء قائلة بخجل: –شكراً لحضرتك وأسفة لو كنت سببتلكم إزعاج.
امتعضت سجود من استئثار الجميع بالحديث مع حياء. ولم يتركوا لها مجال لإظهار محبتها واشتياقها وسعادتها بعودتها حسبما تعتقد أنها والدتها. فمدت سجود يدها وأدارت وجه حياء لها وهي تقول: –مامى هو أنا مش وحشتك. أنتي وحشتيني أوي. جبتيلي هدية إيه معاكي. تكاد تجن حياء من التفكير بالسبب الذي جعل الصغيرة تناديها هكذا؟ فمن لديه تفسير هو. ولكنه يقف صامتاً كأنه غير راغب في إخبارها بما يحدث.
أشار راسل لوفاء وصالحة بالخروج. واستطاع إقناع سجود بالذهاب لغرفتها لجلب دميتها الجديدة لتجعل حياء تلهو بها معها. فبعد خروجهم تجولت يد حياء على الغطاء تضمن تغطية جسدها. فحمدت الله أن شعيراتها تختبئ خلف وشاح معقود للخلف. جلس هو بمكان يستطيع رؤيتها بوضوح وأن يترك لها مساحة ومسافة آمنة بينهما. فبدأ حديثه بهدوء:
–أنا عارف أنك مستغربة ليه سجود بنتي بتقولك يا مامى. لأن هي فاكراكي مامتها اللي رجعت من السفر زي ما كنت بقولها على طول. وجايز غلطة مني إني أخليها تتعلق بأمل كداب. بس مكنش عندي حل غير كده. قولت جايز لما تكبر أقدر أقولها الحقيقة. فلو أنتي اتضايقتي منها أنا مش هخليها تدخل الأوضة تاني. –لاء متمنعهاش. خرجت صيحتها المحتجة بقوة. لم تكن تعلم بأنها تملكها خاصة بحالتها تلك.
فعودة الصغيرة هي ما منعته من معاودة الحديث معها ثانية. فظل جالساً يراقب مداعباتها وملاطفتها للصغيرة. قدر استطاعتها. قضت وقتها بمنزله حتى تماثلت للشفاء. فكم عشقت هي وجودها بالمنزل. تقضي وقتها برفقة الصغيرة ووالدته ومربيتها صالحة. فكم من مرة ظلت مسهدة تنتظر عودته للمنزل. ولكنه كأنه فضل المكوث خارج المنزل أثناء إقامتها.
فهي لم تراه سوى سويعات قليلة بالنهار عند عودته للاطمئنان عليها وليرى صغيرته ووالدته. ويعود بعد ذلك لمشفاه. اليوم جلست بحديقة المنزل والصغيرة جالسة على ساقيها تصر عليها بأن تطعمها بفمها. فوضعت الملعقة بفمها وهي تقبل رأسها فقالت: –ألف هنا وشفا يا سجود. –قوليلي يا سيجو يا مامى زي ما بابي بيقولي هو وولاء. قالتها الصغيرة وعادت فتح فمها لتطعمها. فداعبت حياء وجنتها وهي تقول:
–أنتي جميلة أوي يا سيجو. بس على الرغم أن باباك عينيه مش لون عينيكي. بس حاسة كأن شيفاه فيكي. فنسيت حياء أنها تحدث الصغيرة. فأسترسلت بحديثها معقبة بصوت هامس: –أبوكي اللي ما قابلتش حد زيه. يقدر يخلي اللي قدامه معندوش غير حل من اتنين. يا يبقى نفسه يقتله. يا يعشقه. –بتقولي إيه كده.
قال راسل فجأة. فأنتفضت حياء بعد سماع صوته. فأرتعشت يدها وسقطت الملعقة منها. ظل صدرها يعلو ويهبط بخوف خشية أن يكون استمع لما قالته. ولكن لا يبدو على وجهه أنه علم بقولها.
فجلس على المقعد المقابل لها وهو يدعو صغيرته للمجيء إليه. ولكنها رفضت مطلبه بأن تشبثت بعنق حياء ورفضت تركها. فهو لا يلوم ابنته على تعلقها بحياء. فمن بإمكانه مقاومة براءتها. فلما يشعر هو بتزايد خفقات ذلك الراقد بشقه الأيسر. فهو أرسله بسبات عميق منذ سنوات. فلما عاد يخفق من جديد؟
ربما طرح هذا السؤال على ذاته بوقت متأخر. فهو لم يشعر بعمق المشاعر التي غرق بها إلا بعدما وصلت للحافة. تغرق كل ما عداها من شعور بالكراهية أو المقت أو الرغبة بإكمال حياته مكتفياً بابنته فقط. تلاشى كل منهما النظر لوجه الآخر. كأن النظرات ستفضح خبايا النفوس. وتلك المشاعر حديثة العهد بقلبين. وجدا الراحة بعد عناء من المقاومة.
وضعت آخر قطعة من ثيابها بتلك الحقيبة الصغيرة التي أتت بها صالحة. فهي قضت هنا وقتاً ليس بالكثير. ولكنها تشعر كأنها قضت عمراً بأكمله. فكيف ستعود لرتابة حياتها بعدما اعتاد على أن تفيق على صوت الصغيرة بالصباح أو تراه جالساً على رأس المائدة يتناول إفطاره قبل رحيله. ولا يغفل عن أن يهديها ابتسامة تجعل قلبها ينتفض بين أضلعها كالعصفور. ويفقد أحوالها قبل خلودها للنوم. ولكن يجب عليها الرحيل. فكما أخبرتها صالحة بأنه لا يحق لها المكوث هنا أكثر من ذلك.
رجفة سرت بقدميها بسبب كبتها دموعها. جعلتها عاجزة عن الوقوف. فجلست على الفراش بجوار الحقيبة ووضعت يدها على فمها حتى لا يستمع أحد لبكائها. فطافت عيناها بالغرفة وبالفراش أيضاً. كأنها صارت تحفظ كل ركن بالغرفة. فعلقت عيناها بصورته المعلقة على الجدار. فتركت مكانها وقفت أمام الصورة. تبسمت من بين دموعها وهي تقول: –مين كان يصدق أن أنا أحبك كل الحب ده. واللي كان يشوفنا يقول أن مش بعيد حد فينا يخلص على التاني.
أفتر ثغرها عن ابتسامة وهي تتذكر كل المشادات الكلامية بينهما منذ أن قابلته أول مرة. يأست من كتمان دموعها التي عادت وألحت عليها. عادت للحقيبة تلملم ما تبقى لها من أغراض. فكلما أسرعت بالخروج من هنا كان هذا أفضل لكليهما. سمعت طرقة خفيفة على باب الغرفة وصوته يناديها من الخارج. فحملت الحقيبة. وفتحت الباب بعدما عملت على محو دموعها حتى لا يراها. فتحت الباب وحاولت الابتسام وهي تقول: –كويس إنك جيت عشان أسلم عليك قبل ما أمشي.
قطب جبينه من قولها. فإلى أين هي ذاهبة؟ فهو ليس له علم بما تنتوي فعله. فنظر للحقيبة بيدها وتصاعدت نظرته لوجهها ثانية وهو يقول بغرابة: –هتمشي تروحي فين يا حياء. خفضت وجهها أرضاً تحاول بلع تلك الغصة بحلقها فقالت: –هرجع بيتي. أنا خلاص دلوقتي بقيت كويسة وخفيت. وأنا مش لاقية كلام أشكرك بيه على اللي عملته معايا. وملوش لازمة إني أفضل هنا أكتر من كده. فشكراً على كل حاجة.
لا ينتظر منها كلمة شكر أو امتنان. فهو لم يفكر بأمر رحيلها مطلقاً. ولا يريدها أن تذهب ويعود هو لما كان عليه سابقاً. فلم يتفوه سوى بتلك الكلمات: –حياء خليكي هنا. هزت رأسها نفياً وقالت: –مش هقدر أقعد تاني أكتر من كده خلاص. فأرجوك سيبني أمشي. عن إذنك. تقدمت خطوة للأمام. لعله يتنحنى جانباً ويجعلها تخرج من الغرفة. ولكنه ظل كالسد المنيع حاجبًا عنها رؤية شيء خارج إطار الباب. همت بفتح فمها ثانية لتقول شيئاً.
ولكنها سمعته يقول: –حياء تتجوزيني. *** يتبع.... !!!!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!