جلس راسل بالفراش، بعدما كان متكئاً على الوسادة الموضوعة خلفه، يحدق بالقلادة الموضوعة بكف يده تارة، ويحدق بوجه إيلين تارة أخرى. أصابته رجفة خفيفة، ولكن كانت كافية بأن تجعل جسده ينتفض على إثرها، فآثار الحمى التى أسقطته بحالة من الإعياء الشديد باليومين الماضيين، مازالت ساكنة جسده، كتلك الحرارة التى غزت وجهه وأشعرته بصداع جعل من الصعب عليه أن يمعن نظره بما حوله جيداً. "معقولة أنتى إيلين؟
جتف راسل بعبارته، وأعتصر جفنيه لعله يتأكد حقاً أن من تجلس أمامه الآن هي إيلين، وليست شبحاً أو طيفاً، كتلك الأطياف التى زارته بأحلامه المحمومة بمن أوردت قلبه مورد الهلاك وتركته غير عابئة بما سيعانيه ويلقاه برحيلها عنه. "أيوة أنا إيلين يا راسل مش مصدق."
أماءت إيلين برأسها مراراً، كأنها تريد ترسيخ حقيقة وجودها أمامه، فأدركتها حالة من السعادة لرؤيته، ولكنها لم تكن تريد مقابلته بتلك الظروف العصيبة، التى لم تعلم أسبابها حتى الآن، فرياض رفض البوح لها بما أصاب ولده، مكتفياً بإخبارها أنه أصيب بحالة من المرض والإعياء، الناتج عن إرهاقه الشديد بعمله. فوضعت شعرها خلف أذنها متسائلة بشئ من الفضول:
"بس إيه اللى جرالك خلاك تعبت أوى كده، وأنت حياتك عاملة إيه دلوقتى، أنا كل اللى فكراه أخر مرة قابلتك فيها قبل ما أسافر روسيا." "يااااه دا حصل كتير أوى يا إيلين." قالها راسل وهو يتبسم بألم، كأنه يسخر من حاله. قطبت إيلين حاجبيها بتعجب، من رنة صوته المرهقة والمتألمة، فأشفقت على حاله وهى تقول برقة: "شكلك موجوع أوى يا راسل، صوتك بيقول أن اللى حصل مش كتير بس لاء دا كمان يوجع الروح والقلب."
حرك رأسه صامتاً، كأنه لم يعد لديه طاقة على أن يخفي معالم الألم عن وجهه وصوته، كمن ظل يركض بطريق طويل حتى أنهكه كثرة الركض، وليس هذا وحسب، بل أصابته الندوب والجروح التى تركت بصماتها واضحة على روحه، التى كأنها ستظل معذبة، ولن تنال راحتها بيوم، كمن أرتكب ذنباً يجهله، وسيظل يعانى تبعاته وآثاره لما تبقى من حياته. حاول أن يغير دفة الحديث، فتبسمت شفتيه لرؤيتها بعد كل تلك السنوات الطويلة، فقال متسائلاً:
"سيبك من كل ده، وقوليلى أخبارك إيه وبتعملى إيه فى حياتك دلوقتى." أنزلت ساقها الأيمن الموضوع على ساقها الأيسر، وردت قائلة بهدوء لا يخلو من الحزن:
"بعد بابا ما أتوفى من حوالى عشر سنين، وبعده ماما، فضلت عايشة مع أهل ماما، كنت فاتحة مركز رياضى كبير وقررت أرجع أسكندرية وأستقر هنا، وهفتح مركز تانى هنا، لأن أنا بقيت زى ما تقول كده بقى عندي هوس بالرياضة واليوجا والعلاج النفسي بالطاقة الروحية والتأمل، بقيت شاطرة أوى فى الموضوع ده، وخصوصاً لما يبقى عندك سلام داخلي وتتعايش مع كل حاجة بتحصل حواليك من غير ضغوط ولا عصبية."
مط شفتيه من حماسها بالحديث من الجزء الخاص المتعلق بعملها، فهو كان يعلم بشأن حبها للرياضة منذ صغرها، ولكنه لا يعلم أنها صارت مهنة له. نهضت إيلين من مكانها وأقتربت من يده المعلق بها المحلول المغذي، فسحبته بعدما رأته قد أنتهى، كانت لمستها حانية ولكنها حازمة. ظن أنها ستتركه يعود لنومه، ولكنها أحثته على ترك الفراش وهى تقول بإصرار:
"يلا قوم خدلك شاور وتعال ننزل الجنينة تحت نكمل كلامنا، بلاش تسلم نفسك لليأس، علشان متتعبش أكتر." رفض راسل ترك الفراش، فعاد وأستلقى عليه قائلاً بحزم: "مش عايز أقوم عايز أنام يا إيلين." أغلق عينيه فظن أنها ستتركه بحاله، إلا أنها أعادت حديثها ثانية قائلة بدعابة: "هتقوم لوحدك ولا تحب أخلي الحرس ييجوا يشيلوك."
فتح عيناه فجأة بعد سماع كلمتها الأخيرة، فتلك الكلمة أخبرته إياها حياء من قبل وهى تمزح معه، فقبض على غطاء إحدى وسائد الفراش بألم، فلم يكتف بذلك، بل سحب الوسادة ووضعها على رأسه، كأنه يحاول إخفاء معالم الحزن والحسرة والقهر. ولكن تلك الصيحة الطفولية، التى دوى صوتها بالغرفة، جعلته يسرع بمحو تلك العبرة الحارة، التى سقطت من عيناه، قبل أن يزيح الوسادة عن رأسه. "بااابى."
قالت سجود وهى تقفز بجانبه على الفراش، فعلى الفور أعتدل بجلسته، وأخذها بين ذراعيه وهو يقبل رأسها بحنان. فنظرت إليه الصغيرة قائلة بإلحاح: "بابى هى مامى راحت فين مجتش معانا ليه." ما أن يأتي أحد على ذكرها، حتى تصبح أنفاسه ثقيلة، كأنه لا طاقة له على أن يلتقطها بصورة منتظمة، أو أنها ستظل عالقة برئتيه ويشعر بثقلها الجاثم على صدره.
هبت إيلين لنجدته، على الرغم من جهلها من تكون زوجته أو ماذا حدث له، فهى لا تعلم سوى أن تلك الصغيرة الجميلة هي إبنته، فهى قابلتها منذ مجيئها، ولا تنكر أنها إستطاعت أن تجعلها تقع بغرامها على الفور من عفويتها بحديثها وأفعالها الطفولية، التى لا تخلو من المشاكسة. فداعبت رأسها بحنان وهى تقول بإبتسامة: "سجود ماما هتيجى قريب يا حبيبتى." بسماع راسل قول إيلين، قال محدثاً نفسه:
"يارب ما ترجع وأنا بالحالة دي علشان مأذيهاش، لأن قلبي محروق وموجوع منها وعقابي ليها هيكون صعب." تتقاذفه الحيرة والرغبة، فعقل يرفض عودتها، وقلب يتمنى لو أن يرى طيفها ليعاتبه على ما فعلته، فلما هان الود عليها هكذا، بل أنها حطمت قلبه بدم بارد، فهو لن ينسى حديثها المهين بحقه، من أنها غير مسئولة عن سوء اختياره، وأنها لم تكن تحبه، لأنه لا يستحق أو أنه غير قابل للحب.
تتابعت أنفاسه وأهتاجت أكثر، عندما تذكر كل كلمة مهينة قالتها بحقه، فإن كان منذ برهة تمنى أن لا يقابلها حتى لا يسبب لها أذى، صار الآن يتمنى لو تقع بقبضة يده ويذيقها من شتى ألوان العذاب، سيجعلها تتجرع الندم على كل كلمة تفوهت بها، سيصبح كابوساً يطاردها، جاعلاً إياها لا تهنأ بعيشها، سيجعل أملها في أن يمنحها الغفران، كروح تتنازع على البقاء قبل أن تبلغ النزع الأخير.
لم يخرج من شروده وأفكاره إلا على جذب سجود لذراعه، فهى ترى يومان كافيان لعدم حصولها على دلاله ولعدم رؤيتها لحياء، فهى الآن ستطالب بحقها كإبنة مدللة، كأنها تعي مدى تأثيرها على أبيها. فنظرت إليه وقالت بوداعة وبراءة، تأسر القلوب بزرقاوتيها: "بابى يلا قوم علشان نروح لمامى هي سافرت تاني ليه عايزة أروح لها هي كانت بتقول هتعملي مفاجأة في عيد ميلادي."
آهات مزقت شغاف قلبه وهو يهمس بإسمها لنفسه، فكيف يحقق لصغيرته مطلبها، وهو أصبح من المحال؟ فهو لا يعلم أين هي الآن؟ ولا يريد أن يعلم، فخيراً لها وله ألا يتقابلا الآن. ولكن ربما حيلة صغيرة من تلك الحيل التى كانت يستخدمها سابقاً لإسكاتها، ستفيده الآن، فداعب وجنة صغيرته وهو يقول بحنو بالغ: "ماهي يا روحي راحت علشان تجيبلك هدية عيد ميلادك وهتيجي ودلوقتي إسبقيني على تحت على ما أخد شاور وأجي معاكي نشوف الخيل سوا."
شبت سجود من مكانها وتعلقت بعنقه، تقبله قبلات متتابعة، فتركت الفراش وركضت للخارج، فنظر لإيلين التى شعرت بحرج طفيف وهى تراه يترك الفراش. فتلعثمت بحديثها وهى تتجه صوب الباب: "أنا هستناك تحت علشان علشان نكمل كلامنا يا راسل بس متتأخرش."
خرجت وأغلقت الباب خلفها، فهو ظن أنه قادراً على السير، ولكن أرتجاف ساقيه، جعله يعود ويجلس على طرف الفراش، فقدميه ثقيلتان وربما يعود ذلك لقضاءه اليومين الماضيين نائماً علاوة على تلك الحمى التى أنهكت جسده، ولكن هو لقى ما أشد من ذلك سوءاً، فلن يكون القيام من فراشه والذهاب للمرحاض أمراً شاقاً، خاصة أنه لا يريد أن ترى صغيرته مدى ضعفه وشعوره بالخذلان من تلك التى لم يضع بباله يوماً من أنها ستكون كطعنة الخنجر بقلبه، ولن يبرأ بعدها أبداً كمرته الأولى.
"أنت أقوى من كل اللى بيحصل ده لازم تقاوم." شحذ قوته فنجح بترك الفراش، وذهب للمرحاض، فشعوره بالخواء، جعله يجلس بالمغطس كأنه يتهيأ للنوم ثانية، فأسند رأسه لحافة المغطس، وترك العنان لتلك الدموع الأبية، التى لم يذرفها إلا بأقسى ظروفه، فتتابعت شهقاته ولولا أنه يخشى أن يراه أحد هكذا أو يسمع صوته، لكان صوت صيحته وصراخه هز أرجاء القصر، ولن يخرسه شئ سوى إنقطاع أحباله الصوتية وإصابة حنجرته بالتلف.
"ليه يا حبيبتي تعملي فيا كده ليه يا حياء." قضم شفته السفلى ليوقف أرتجافها، عندما جال طيفها بمخيلته، وجهها المضئ الباعث على سريان الشوق بعروقه، وصراخ خلاياه مطالبة بها، فهى كانت بين يديه كالحلم الدافئ، فأنامله مازالت تشعر كيف كانت تتوهج وجنتيها أسفلها عندما يلاطفها، فهل كل هذا الخجل والنعومة والرقة، كانت أدوات بيديها لخداعه؟ فحتى وإن كان مستاء منها، فما زال قلبه رافضاً تصديق كل ما حدث.
بروده الماء جعله يعي على أنه قضى وقتاً أكثر من اللازم بالمغطس، فالبرودة تسربت لأطرافه، وهزت أوصاله بإنتفاضة قوية، فأنهى إغتساله وأرتدى مأزر أبيض وتوضأ وخرج للغرفة، بحث عن ثيابه وجد كل شئ مرتب بغرفة الثياب الواسعة، فأخذ منها ما يريد وأرتداه، وخرج يتهيأ للصلاة، فلا سلوى ولا منجا له الآن سوى اللجوء إلى الله. منذ متى وهى أصبحت شديدة العناية بمظهرها من أجل زوجها هكذا؟
منذ تلك الليلة التى تهدمت بها حصونها الهشة، التى شيدتها من وهم أنها تكرهه وترفض أن تكون له زوجة بالإكراه، ولكن هو استطاع أن يجعلها تشعر برعونة وسخافة أفعالها وأفكارها، على الرغم من أنه كثيراً من الأحيان يتصرف بغرابة، ولا يعطيها جواب يريح به بالها من كثرة تفكيرها بما يشغله أو يفعله، ولكن تلك اللحظات الحالمة، التى تقضيها برفقته، هي من تجعلها تراه على حقيقته المجردة كرجل يهيم بها عشقاً وراغباً في ودها ووصالها بوصال المحبين والمغرمين.
والليلة عقدت عزمها على أن تجعله يبوح بسر مناداته لها بذلك اللفظ التحببي "ماسة"، ولن تتركه إلا إذا أخبرها الحقيقة كاملة. "كده كله تمام." انتهت من زينتها التى ستسلب عقله لا محالة، وخرجت من غرفة الثياب، فلم ينتبه عليها بادئ الأمر لإنهماكه بإنهاء عمله على حاسوبه الشخصي وهو جالساً على تلك الأريكة العريضة والوثيرة.
ضيق عمران عينيه وقطب حاجبيه من استنشاقه لرائحة ذلك العطر الأنثوي الفواح، فرفع عينيه عن الحاسوب، فوجدها تقف على مقربة منه واضعة يديها بخصرها النحيل، وتبتسم له بغواية. فتح فمه حتى كاد يصل للأرض، فقال وهو يجاهد على ابتلاع لعابه: "يا خبر أبيض معقولة أنتي ميس ولا حورية نازلة من الجنة." أطاحت بما تبقى من عقله وهى تخطو بخطواتها المدللة تجاهه، فأنحنت إليه قائلة بهمس ناعم ورقيق: "تفتكر إيه يا عمران."
أغلق الحاسوب وترك مكانه، ففرض حولها آسر ذراعيه، فتلك هي المرة الأولى التى تأتيه طواعية، فخرج صوتها ناعماً وهى تكمل حديثها بتساؤل: "عمران إيه سر أنك بتقولى يا ماسة أنت كنت تعرفني قبل كده أو شوفتني قبل أول مرة أقابلك فيها في مطعم الفندق بتاعك، عايزة أعرف." تبعت حديثها بمداعبة لحيته الكثيفة، كأنها بذلك تأمن أن يكون مستأنساً بحديثه، وأن يجيبها على سؤالها، فأزاح خصلة ناعمة غطت عينيها وهو يقول بصوت متهدج:
"أنا أعرفك من يوم ما أتولدتي يا ماسة." "من يوم ما اتولدت! مش فاهمة فهمني أكتر." قالت ميس والفضول يكاد يقتلها لسماع باقى حديثه، ولكن رنين هاتفه أخرجه من تلك الحالة من الهدوء التى كان عليها، فتركها وأخذ الهاتف وابتعد قليلاً، فبعد إنهائه المكالمة، أخبرها بضرورة ذهابه. فأخذ يديها بين كفيه قائلاً بإعتذار: "معلش دلوقتي لازم أخرج يا ميس في حاجة حصلت ولازم أخرج ضروري مش هتأخر عليكي."
ذهب لغرفة الثياب، فأرتدى ثيابه على عجالة وخرج منها، أخذ هاتفه ومتعلقاته ولم ينسى تقبيل رأسها قبل خروجه كاعتذار على تركه لها خاصة بهذا الوقت.
لم تكن تنتوي الذهاب خلفه، ولكن حدسها كأنثى أنبأها بأن هناك أمراً خفياً يحدث وهى لا تعلم، فأن يكون معها وهما على وشك بدأ جولة جديدة من جولات عشقهما حديثة العهد به، ويورده إتصال هاتفي جعله يتركها متذرعاً بأن هناك أمراً طارئ يستدعي ذهابه، دون أن يخبرها أي شئ، سوى أنه سيعود إليها قريباً، كان كل ذلك مبعثاً للقلق بنفسها، فأول ثوب وجدته بغرفة الثياب وضعته عليها وهرولت خارجة من الغرفة، بعد خروج عمران.
رأته يخرج من القصر بسيارته، فتبعته بسيارتها هي الأخرى، فكلما قاد السيارة بمكان تتبعه، حتى صارت لا تعلم عدد تلك الشوارع والأزقة التى مرت بها، فوجدت نفسها بالأخير تفقد آثر سيارة عمران. فضربت مقود السيارة بغيظ: "كده يا عمران يا ترى أنت رايح فين وتوهتني علشان ممشيش وراك."
ظلت تتمتم بغيظها من أفعال زوجها، فعندما حاولت أن تدير محرك السيارة، وجدت أنه لا يستجيب لمحاولتها، فمن الواضح أن سيارتها أصيبت بعطل مفاجئ، بينما كان عمران بمكان ليس ببعيد يراها وهى تخرج من السيارة تلتفت حولها. فابتسم على حيرتها وقال بعد أن تنهد بعمق: "أه منك يا ميس ومن فضولك." أخرج هاتفه وتحدث مع أحد رجاله قائلاً بأمر: "المدام في شارع ***** تيجوا تاخدوها حالا تروحوها البيت ولو اتكلمت قولولها دي أوامر جوزك يلا بسرعة."
أنهى مكالمته، فهو ترك الحرس بالقصر وخرج بمفرده، ولكن تلك العنيدة هي من جعلته يرجئ أمر ذهابه لوجهته، حتى يأتي رجاله لأخذها والعودة بها للمنزل، فلن يبرح مكانه حتى يتأكد من ذهابها معهم بسلام. طالت جلسته بالسيارة، ينقر على المقود وينظر بساعة معصمه، حتى رأى سيارة الحرس تقف قريباً من سيارتها. فأقترب أحد الرجال منها وأنحنى لها بإحترام قائلاً وهو يشير بيده للسيارة الأخرى:
"ميس هانم اتفضلي معانا نروحك البيت دي أوامر عمران بيه." قالت ميس وهى تعقد ذراعيها، وتجز على أسنانها بغيظ: "وهو فين عمران وراح فين." "معنديش علم يا هانم كل الأوامر اللي عندي أن أروحك البيت." عندما يأست ميس من الحصول على إجابة منه، أو أن تجعله يفشى بمكان وجود زوجها، دبت الأرض وهى تسير أمامه، حتى وصلت للسيارة، فأمرت أحد الرجال بأن يرى العطل بسيارتها وبعد أن ينتهي يعود بالسيارة للمنزل.
بعد تأكده من سلامتها وأنها ستعود للمنزل بأمان، قاد سيارته حتى وصل لتلك البناية السكنية، التى أودع ليالي بإحدى شققها، فهو لم يأتي إليها إلا من أجل أمر مُلح. "أيوة يا ليالي أنا تحت وطالع دلوقتي، علشان كنت عايزة أتكلم معاكي شوية بخصوص نصر السلماني ونادر أخوه." قال عمران بهدوء، فهو فضل إخبارها بشأن صعوده إليها، حتى لا تتفاجئ بمجيئه، فأنتظر بسيارته لمدة خمس دقائق مفسحاً لها المجال، بأن تتهيأ لمقابلته.
ترجل من السيارة وأغلق بابها، ودلف للداخل، أثناء وجوده بالمصعد الكهربائي، كان عقله لا ينفك عن التفكير بما حدث لنادر، فهو علم بشأن مقتله برصاصتين، والعثور على جثته ملقاه بأحد الأماكن المهجورة، فقتل نادر بذلك التوقيت، جعله يفكر من سيكون هو قاتله، فربما الأمر لم يكن يقتصر على تخطيط نادر وشقيقه للإيقاع براسل، وأن هناك ضلع آخر ليكتمل ذلك المثلث الذى كان نادر أحد أطرافه، حتى تم إقصاؤه عن اللعبة وتم قتله.
وضع يده على الجرس، فما مرت برهة وجيزة، حتى وجد ليالي تفتح الباب بشوق متبسمة وهى تقول وعيناها ملتمعتان بألق عاطفي: "أهلا وسهلا اتفضل." نحت جانباً ودعته للدخول، فما كاد يطأ الشقة بقدميه، حتى أغلقت هي الباب، واحتضنته واضعة رأسها على ظهره وهى تستأنف حديثها الذى اقتصر على جملة الترحيب: "وحشتني أوي بقالك كام يوم غايب عني ومجتش سألت عليا غير بالتليفون."
انتفض جسده فجأة، محاولاً الفرار من ذلك العناق، الذي باغتته به فجأة، فعلى الرغم من أنه هيأ لها مسكن وعمل، ويجب أن تمتن لما فعله، إلا أنها لم تستطع منع نفسها من الانجراف خلف رغبتها بقربه، فهي لا تستطيع أن تنكر أنه خلب لبها منذ أن رأته بالمرة الأولى، فحتى وإن كانت تظن أن التعارف بينهما لم يتم إلا من أجل علاقة غرامية عابرة، إلا أن الآن مشاعرها صادقة تجاه تلك العاطفة التى باتت تشعر بها نحوه.
حل عمران تشابك يديها من حول خصره، وابتعد عنها وإستدار إليها فطالعها بغضب شديد وهو يقول بصوت عالى: "ليالي إيه اللي عملتيه ده أنا قولتلك قبل كده أنا مليش في شغل الشمال، ومبلمسش واحدة متحلش ليا فهمتيني، ثم أنا مش جاي علشان كده أنا جاي علشان حاجة تانية زي ما قولتلك تخص نصر السلماني ونادر أخوه."
صموده ورفضه لكم تلك المغريات، مازاده بعينيها إلا مقاماً عالياً، فصدرها يعلو ويهبط بوتيرة سريعة، وعيناها لا تكف عن تأمله بنهم، كأنها جائعة وجاء لها طعامها، متغافلة عن أن عدم غض البصر، ربما يوردها مورد الهلاك، إذا تركت العنان لغرائزها، ولم تلجمها بلجام القيم والأخلاق.
"أنا مش عايزة أفتكر ولا أشوف حد غيرك أنت أنا نسيت كل أيامى اللي كانت قبل منك، دلوقتي مفيش في عقلي ولا تفكيري غيرك أنت وبس، اتجوزني حتى لو لليلة واحدة أكون فيها مراتك وحلالك، حتى لو قتلتني بعدها هكون راضية بس اتجوزني." أصبح الجو بينهما مشحون بالتوتر والقلق من جانبه، فماذا فعل جعلها ترغبه إلا هذا الحد من الهوس والجنون، وهو بالأساس لم يقابلها إلا من مدة قصيرة؟
ضيقت عليه الخناق بتوسلها له وهى راكعة على ركبتيها، تعيد مطلبها مراراً وتكراراً، كأنها اسطوانة علقت بها نغمة واحدة ولا تردد غيرها، أو أنها ستلقى حتفها بعد قليل وتريد تنفيذ آخر أمنياتها.
أزاحت غزل جفنيها بصعوبة، بعدما أزعجها الضوء المتسلل من النافذة العريضة، التى غطتها ستائر لم تكن كافية لحجب ضوء الشمس الساطع، والذى ملأ الأجواء، فكلما فتحت عيناها تعود وتغلقها ثانية، ولكن ما جعلها تفتح عيناها بالأخير تلك الذراع، التى أُلقيت عليها بتملك ظاهر، فتبسمت بخفوت وهى تمرر يدها على طول ذراعه، فألتفتت بجانبها ترمق زوجها النائم بعينان ناعستان باعثتان على الدفء والحبولكن ضمت حاجبيها وهى تراه يبتسم على الرغم من كونه مازال نائماً، أو هكذا ظنت خاصة وأنه مازال يغلق عيناهولكن جذبها إليه متمتماً بأذنها بصوت
مازال آثار النوم عالق به: "صباح الجمال على حبيبة قلبي." أزدردت لعابها وهى تشعر بالخجل، فخرج صوتها ناعماً خافتاً: "صباح النور يا حبيبي." فتح عاصم عيناه، يتفرس بملامح وجهها النضرة، فزاغت هي بعيناها عنه، فعلى الرغم من أنهما تزوجا منذ عدة أيام، ويعشقان بعضهما البعض منذ سنوات طوال، إلا أنها تشعر بالخجل كلما مرت ليلة بينهما، وتتأكد بها بأنها أصبحت له زوجة، بعدما كان تظن أنه من المحال أن يجتمعا سوياً مرة أخرى.
فبتلك الأيام القليلة الماضية، ذاقت بها سعادة كانت قد حرمت على قلبها، ولكن كل تلك السعادة التى تشعر بها لم تكن كافية لتجعلها تكف عن التفكير بما حدث لعائلتها. "مالك يا حبيبتي في إيه." نطق عاصم عبارته بقلق، خاصة بعد سماعه صوت تلك التنهيدات القوية التى خرجت من بين شفتيها، بل أنها أنسلت من جانبه وتركت الفراش ووقفت أمام النافذة وأزاحت ستائرها جانباً. تنهدت غزل بشعور من التيه:
"مش عارفة يا عاصم موضوع أهلي شاغل تفكيري هموت وأعرف مين اللي عمل فينا كده وليه وكان عايز مننا إيه، إحنا طول عمرنا مأذيناش حد ولا عملنا حاجة وحشة في حد." أزاح عنه الغطاء الخفيف، تاركاً الفراش راغباً بأن يجعلها لا تفكر كثيراً بهذا الأمر، فهو خير من يعلم طباعها، فستظل تفكر بالأمر حتى ينهكها كثرة التفكير. فأحاط كتفيها بذراعه، ومال برأسه إليها وأستند بذقنه على كتفها وهو يقول بهدوء حازم:
"إحنا مش قولنا مش هنفكر في الموضوع ده دلوقتي وأن نحاول ننبسط شوية وكفاية اللي حصل." زفرت بقوة وهى تومئ برأسها فأجابته بخفوت: "عارفة يا عاصم، بس بجد مش قادرة أفرح بحاجة ولسه مشهد قتلهم قدام عيني وحمام السباحة اللي كان زي بركة الدم، كان يوم صعب صعب ومش قادرة أتخطى الموضوع." يتفهم هو كل هذا، فهى وإن كانت تشعر بالسوء والحزن لفقدان عائلتها، فهو أيضاً حزين لفقدانه وجدي ابن عمه وزوج شقيقته. استدارت
إليه غزل وهو تقول متسائلة: "عاصم أنت ممكن يكون عندك فكرة بالخناقة اللي حصلت بين وجدي ومراد قبل ما يحصل اللي حصل ده كله كان إيه سببها لأن هم الاتنين كانوا أكتر من الاخوات وعمرهم ما زعلوا من بعض يبقى إيه اللي خلاهم يتخانقوا ويحصل الخلاف من الأول." حك عاصم جبهته بتفكير، يحاول أن يتذكر تلك المشادة الكلامية بين مراد ووجدي، فهو ظن أن الأمر عابر بين صديقين، ولم يمعن التفكير به. فأجابها قائلاً على قدر ما
أسعفته ذاكرته بسرد ما حدث:
"هو أنا كل اللي فاكره أن قبل ما أدخل على وجدي مكتبه في الشركة اللي كانت مشتركة بين باباكِ وعمي رياض، لقيته بيزعق وبيقوله إحنا لازم نبلغ البوليس، وأن الشحنة اللي في المينا لازم تتفتش، وإلا هم اللي هيروحوا في داهية، ومراد قاله ساعتها أنه يهدا وهيتصرف ولازم يبلغ صاحب شركة الشحن الأول، علشان صاحب شركة الشحن كان صديق ليهم، وأنه ممكن يتأذى لو لقوا حاجة في وسط الشحنة اللي جاية، بس وجدي ساعتها قاله أنه مش هيستناه يتصرف وأن هو اللي هيتصرف وبعدين خرج وبعد كده عرفت أن مراد قاله مكنش لازم يتصرف من دماغه فالموضوع كبر بينهم وبس هو ده كل اللي فاكره."
نقرت غزل بإصبعها على طرف ذقنها وهى تقول بتفكير: "وتفتكر صاحبهم ده هو اللي ممكن يكون أذاهم وعمل كده وقتل وجدي وقتل عيلتي." رد عاصم قائلاً برفض: "مظنش لأن أصلاً اللي عرفته أن صاحبهم عمل حادثة ومات هو وعيلته قبل ما يموت وجدي." اتسعت عينى غزل وهى تقول بما يشبه الذهول: "هو أنت قصدك أن صاحب شركة الشحن هو دانيال صاحبهم اللي مات في الحادثة." "هو أنتي كنتي تعرفيه."
قال عاصم متسائلاً بغرابة، فهو لم يكن يعلم بشأن معرفتها بأصدقاء شقيقها. فأماءت برأسها مرارًا بالإيجاب: "أيوة كنت أعرفه وشوفته كذا مرة مع مراد بس مكنتش أعرف عنه حاجة غير اسمه و أنه صاحبه من أيام الدراسة بس مكنتش أعرف أن في شغل بينهم، وسمعت مراد بيحكي عن حادثة موته هو ومراته وولاده."
أخذ التوتر بالتصاعد، فإن كان دانيال هو صاحب تلك الشامة التى رآت مثلها على يد حياء، والتى لفتت انتباهها إليها، فربما هناك صلة بين ما حدث ماضياً وبين حياء، فيوم الحفلة لم يسعفها الحظ بإخبارها من يكون صاحب تلك الشامة، فالأمر أصبح معقد للغاية، ويجب عليها أن تبحث أكثر لحل ذلك اللغز المحير؛ لتنجلي الحقائق كاملة.
حقن الطبيب نصر بإبرة محقن، ليجعله يخلد للنوم، بعد موجة عارمة من الإهتياج والصياح بإسم شقيقه، فالطبيب جاء على وجه السرعة بعد تلقيه إتصال هاتفي من أدريانو يحثه على ضرورة المجيء من أجل فحص نصر، الذي جعل القبو عبارة عن كومة من الأخشاب والزجاج المحطم، فهو لم يترك شئ قابل للكسر أو التحطيم، إلا ونال منه، وكلما كانت تزداد أفعاله جنوناً، يعلو صوت صيحته وهو ينادي شقيقه كالمجذوب، أو كأنه والد تلقى خبر موت ومقتل ولده الوحيد.
أقترب الطبيب من أدريانو وهو يقول بمهنية: "عنده حالة إنهيار عصبي حاد الأفضل يروح المستشفى." أزاح أدريانو يده التى كان يسند بها ذقنه وهو يستمع لما يقوله الطبيب، فحرك رأسه بالإيجاب، ليس لشئ سوى أن ينهي الحديث بينهما: "تمام يا دكتور هنوديه اتفضل أنت مع السلامة." أخذ الطبيب حقيبته وخرجت من تلك الغرفة، التى أمر أدريانو بأن يقطنها نصر، خاصة بعد أن حطم كل ما كان بالقبو، ولم يعد بالإمكان إقامته به. سمع صوت
همهمات نصر وهو يقول بلوعة: "نادر، نادر روحت فين وسيبتني لوحدي، ليه يا نادر ليه."
علم نصر بمقتل شقيقه، جاء بإطار أن أدريانو أخبره بشأن هروبه من المنزل، ووقوعه بقبضة الشرطة، وهم من قتلوه، فعلى الرغم من أنه لا ينكر يوماً بأنه سفك دم أحد، إلا أن تلك المرة حاول نفى التهمة عنه، فنصر أولاً وأخيراً أحد رجاله المتفانين بعملهم، فهو لم تزدهر أعماله الغير مشروعة من غير مساعدته، خاصة بجلب الفتيات، اللواتي كان يربح من بيعهن أموالاً طائلة.
ولكن بإزدياد همهمته وعدم صمته عن مناداته شقيقه، أصابه بالنزق، فسحب سلاحه الناري من زنده، ووضعه بمنتصف جبهته، فقبل أن يضغط بإصبعه على الزناد، رأى بيرى تلج الغرفة بعد أن بحثت عنه بكل مكان بالمنزل. فأتسعت عيناها على آخرها وهى ترى أبيها بإستعداد لإطلاق النار على نصر، الذي يبدو عليه أنه غير واعياً لما يحدث. فوضعت يدها على فمها وهى تقول بدهشة: "بابي هو أنت هتقتله زي ما قتلت أخوه."
أهتزت الدموع بمقلتيها، فهى أكتفت من رؤية الدماء، ولم يعد لديها طاقة على رؤية المزيد، فأزاحت عبراتها التى سقطت سهوا وهى تستأنف حديثها: "كفاياك بقى قتل أنا خلاص مبقتش قادرة أستحمل كل ده وأعصابي تعبت أكتر ماهي تعبانة." أعاد أدريانو السلاح الناري إلى غمده، فأقترب منها وطوقها بذراعيه، فشعرت بعدم الراحة، كأن رائحة الدماء تفوح منه، فتململت بين ساعديه، حتى جعلته يطلق سراحها. فأزاح شعرها خلف أذنها وهو يحاول
تلطيف الجو المشحون بينهما: "خلاص يا حبيبتي إهدي مش عايزك تزعلي وأنا أصلاً كنت عايز أسفرك علشان تريحي أعصابك شوية." أجابته بيرى بقرار لا رجعة فيه: "بابا أنا خلاص مش هقعد في البيت ده دقيقة واحدة أنا هسافر فرنسا ومش هرجع هنا تاني، مبقتش طايقة البيت ولا حياتي هنا، سنين وأنا عايشة من غير روح زي الجثة اللي بتتنفس، أنا مكنتش حابة أسيبك وأسافر بس خلاص مبقتش قادرة."
قالت ما لديها ودارت على عقبيها إستعداداً لمغادرتها الغرفة، فأستشاط منها أدريانو غضباً، فهى تعلم مدى تعلقه وحبه لها، فإن كان سيسمح لها بالخروج من المنزل، فكان ذلك من أجل زواجها، أو من أجل قضاء عطلة قصيرة، ولكن أن تأتي الأن تخبره برحيلها النهائي عنه، فهو لن يسمح لها بذلك، فهو يعلم كم من العيون ترصدها للإنتقام منه، فهو لديه من الأعداء ما يفوق خيالها، وكل منهم ينتظر اللحظة المناسبة للنيل منه، ولكنه لن يسمح بأن تكون إبنته ثمناً للثأر.
خرج من تفكيره على صوت هذيان نصر ثانية، وتلك المرة حسم قراره، فوضع إحدى الوسائد على وجهه، وأخرج سلاحه الناري ثانية، فوضع فوهته بمنتصف الوسادة وأطلق الرصاص على رأس نصر ليخرسه للأبد وخرج من الغرفة كأنه لم يفعل شيئاً، آمراً رجاله كالعادة بأن يتخلصوا من آثار الدماء والجسد المغدور، فإن كان بالبداية أظهر بعض اللطف والعطف على نصر وأتى له بطبيب، فبالأخير أصابه السأم لمجرد أنه دار شجار بينه وبين إبنته، فطباعه المختلة لا يستطيع أحد تفسيرها.
لا تعلم أي شيطان وسوس لها، جعلها تأتي لهنا، فهى بعد مقابلتها له للمرة الثالثة خلال تلك الأيام الفائتة، وهى صارت تريد رؤيته بشكل مستمر، على الرغم من معرفتها التامة، بأن ما تفعله شئ لا يصح، ولكن قلبها السخيف، هو من صار يتحكم بها، ويصدر أوامره ويتبعه العقل بدون تفكير هل ما تفعله خطأ أو صواب؟
ولكن اليوم ربما تكون أخر مرة تقابله بها، فهى على وشك مغادرة الأقصر، والعودة إلى الإسكندرية، ولكنها فكرت أن ربما تتذرع بحجة مجيئها لرؤية الصغير سويلم، فهى قابلته أيضاً بكل مرة كانت تقابل بها كرم بمحض الصدفة، وكأنه مقدر لها مقابلته من غير ميعاد. مدت يدها بتردد ودقت جرس منزل الحاج سويلم، فهى جاءت لهنا أولاً، لكى تقابل الصغير، وربما تجعله ينادي كرم من أجل أن تراه. فتح الحاج سويلم الباب ونظر لنورهان متسائلاً:
"أيوة مين حضرت." تبسمت نورهان وهى تضم تلك الحقيبة الصغيرة، التى تحوي لعبة متخذة شكل سيارة للسباق، أتت بها هدية من أجل الصغير. فأجابته بتوتر: "هو ده منزل الحاج سويلم مش كده، أنا جاية أشوف سويلم الصغير قوله نورهان." رفع الحاج سويلم حاجبه وقال متفكهاً: "هو الواد سويلم بيعمل إيه من ورايا بقى يعرف بنات ولا إيه دا بدأ الموضوع بدري أوي."
ضحكت نورهان بصوت منخفض على قوله الممازح لها، فدعاها للدخول وهو ينادى زوجة ولده، على أن تأتي برفقة الصغير. جلست نورهان بتململ بغرفة المعيشة، ولكن خفق قلبها بقوة، وهى تسمع صوت كرم ينادي الصغير من الخارج، قبل أن يأذن له الحاج سويلم بالدخول. ولج كرم غرفة المعيشة، فلم ينتبه بالبداية على وجود نورهان، ولكن بعدما وقع نظره عليها تلاحما حاجبيه قائلاً بغرابة لرؤيتها بالمنزل: "آنسة نورهان."
نقل الحاج سويلم بصره بين كرم ونورهان، وهو لا يفقه شئ مما يحدث، إلا أن هجوم الصغير على الغرفة وهو يصيح كعادته، جعل كرم يلتفت إليه هرباً من النظر لنورهان. أشارت نورهان للصغير بأن يقترب منها وهى تقول بوداعة: "تعالى يا سويلم خد الهدية دي وكمان جبتلك الصور اللي صورتها لك، تعال شوفها."
أقترب الصغير منها وأخذ المظروف الأبيض الموضوع به الصور، ففتحه بحماس ليرى صوره، فجلس بجانب جده، ليشاهدا الصور سوياً، وكل صورة يراها يصيح بسعادة وهو يقص على جده ما فعله حينه. تبادل كرم ونورهان النظرات الصامتة بينهما، فأخذت كوب الماء المرفق مع أكواب المشروبات المرطبة، وأرتشفت منه لتقضي على شعورها بالتوتر، حتى قررت أن تذهب وتعود للفندق المقيمة به، فهبت واقفة وهى تقول بإبتسامة هادئة: "طب عن إذنكم لازم أمشي." ترك الحاج
سويلم مكانه وهو يقول برفض: "لاء تمشي إيه مش هتمشي إلا لما تتغدى معانا يا بنتي قولها يا سويلم." أشار لحفيده بإبتسامة، فأقترب الصغير منها وألح عليها بالبقاء، أرادت أن ترفض دعوته، ولكن رغبتها في إطالة الوقت لرؤية كرم، كانت هي الغالبة، فبعد تناولها طعام الغداء برفقته، إستعدت للمغادرة، فأصر كرم على توصيلها للفندق هو والصغير.
خرجت من المنزل، فجلست على أريكة خشبية، بجوار إحدى الأشجار، تنتظر الصغير ريثما ينتهي من إستعداده لمرافقتهما. أسند كرم ظهره للشجرة وهو يقول بطيف ابتسامة: "أنتي خلاص راجعة اسكندرية تاني." حركت رأسها بالإيجاب وهى تقول بصوت منخفض: "أيوة خلاص خلصت شغلي هنا ولازم أرجع البيت علشان بابا وماما ميقلقوش عليا." صمتت لثواني معدودة فعادت مستطردة: "هو أنت مش هترجع اسكندرية تاني وهتقيم هنا على طول." زفر كرم قائلاً بحيرة:
"مش عارف إذا كنت هرجع ولا لاء بس كل اللي أعرفه أن حالياً مش هرجع." ابتسمت لتداري شعورها بالإحباط من قوله، إلا أنها سريعاً ما شعرت بالسعادة وهو يقول بهدوء وصوت رصين: "بس بجد كانت فرصة سعيدة أن قابلتك واتعرفت عليكي يا آنسة نورهان وأكيد لو رجعت اسكندرية هاجي أزورك في الاستديو بتاعك، وعلشان أتعرف على باباكِ ومامتك."
أحس بأنه أسهب كثيراً بقوله، فألجم لسانه وأشاح بوجهه عنها، بل أنه عاد للمنزل، ليحث الصغير على ضرورة الإسراع بإنهاء ما يفعله، فخرجا سوياً وأشار لنورهان بأنهما على استعداد لمرافقتها، فمد الصغير يده ووضعها بيدها، فسار ثلاثتهم، والصغير بينهما يمسك بيديه كف كل منهما، كأنه همزة الوصل بينهما، فتمنت أن تطول المسافة للفندق، لتظل برفقتهما وقت أطول.
ولجت حياء المتجر الخاص ببيع المشغولات الذهبية، وآمرت الرجلان اللذان يسيران خلفها، بأن ينتظراها أمام المتجر، فهى لن تفر هاربة منهما، خاصة أن لا يوجد أمامها منافذ للهرب، خلعت نظارتها السوداء، وسألت البائع إذا كان يتحدث باللغة الإنجليزية أو ماشابه، فهى لا تستطيع التحدث بلغة أهل تلك البلدة، فكأن ديفيد أراد إحباط كل محاولاتها، بأن أتى بها لهنا وهى لا تستطيع التحدث مع أحد غيره.
فكان إعلان البائع عن إجادته للتحدث باللغة الإنجليزية، بمثابة ارتياح لها، فجلست على مقعد أمام ذلك الفاصل الزجاجي بينها وبين البائع، فتحدثت معه قليلاً، وأخرجت هاتفها لتجعله يرى الصور، التى تريد منه أن يصنع لها سلسال ذهبي يحمل هاتان الصورتان الخاصتان براسل وسجود. فأماء لها البائع قائلاً بإحترام: "حسناً يا سيدتي سأصنع لكِ ما تريدين ولكن أمهليني بعض الوقت حتى انتهي منها، وأريد منكِ أن ترسلي لي الصور على هاتفي."
"سأرسلها لك ولكن أريدك أن تنتهي من صنعها بأقرب وقت وتلك هي النقود التي تريدها." قالت حياء وهى تفتح حقيبتها لتخرج منها النقود، التى أخذتها من ديفيد صباح اليوم، متذرعة بأنها تريد التسوق.
بعد أن تم الاتفاق بينها وبين الصائغ خرجت من المتجر، تجولت بعدة متاجر، حتى وقفت أمام متجر خاص ببيع ثياب الأطفال، فرأت ثوب يجمع بين اللونين الأبيض والأزرق، فسجود كانت ستصبح أكثر فتنة وجمال بهذا الثوب، فدخلت المتجر وأصرت على شرائه، فرأت أيضاً ثياب أطفال لحديثي الولادة. تلقائياً وضعت يدها على بطنها تتحسسها وهى تقول بأمل وصوت هامس: "معقولة ممكن أكون حامل دلوقتي."
فتأخر أيام حيضها جعلها تأمل بأن يكون ذلك دلالة على حدوث الحمل، فهى تنظر مرور يوم آخر للتأكد من هذا الأمر، ولكن إذا صح ظنها وكانت تحمل بأحشاءها طفلاً الآن، فما سيكون مصيره ومصيرها وهى على يقين بأن ديفيد لن يجعلها تحنث بذلك الوعد والعهد الذي قطعه عليها.
تهدلت قسمات وجهها، عندما تذكرت ذلك اليوم، الذي انقلب به عالمها رأساً على عقب، إذ كانت كعادتها ذاهبة لشراء بعض المستلزمات الخاصة بالمنزل، وهى تفكر بتلك الرسائل المرسلة إليها. فلم تنتبه إلا على وجود سيارة أخرى تعترض طريقها، فقبل أن تعبر عن ضيقها من فعل سائق تلك السيارة، كان أحد الرجال يقترب من نافذة سيارتها، بل آخر ما تذكرته، ذلك العطر الذي نثره على وجهها.
تلململت برأسها وتلك الرائحة القوية تنفذ لأنفها، ففتحت عينيها رويداً رويداً، فطالعها زوج من العيون الزرقاء، فأنتفضت مكانها وهى تصيح: "إيه ده أنا فين وبعمل إيه هنا وأنت مين." ظلت تدور حول نفسها، لتستطلع ذلك المكان الموجودة به، فوجدتها حجرة معيشة كبيرة، بها أثاث فاخر، ولا يوجد بها أحد سوى ذلك الرجل الذي لا تعرف من يكون.
حاولت أن تطلق لساقيها الريح للهروب، فوجدته يسد عليها الطريق بقامته الطويلة، فأصابها الخوف وبدأت الدموع تتجمع بعينيها. رفع ديفيد يده ليحاول تهدئتها: "إهدي خالص ومتخافيش مني أنا مش هاذيكي يا حياء." قطبت حياء حاجبيها قائلة بغرابة: "هو أنت مين وتعرفني منين." قبض على ذراعها بحزم، فأجلسها بمقعد مواجه لذلك المقعد الذي جلس عليه فيما بعد، فأجابها بهدوء:
"أنا ديفيد دانيال اسكندر وأنا اللي كنت ببعتلك الرسايل وبكلمك في التليفون." صعقت بالبداية، فحاولت إخفاء رهبتها منه برفع شفتها العليا وهى تقول بعدم فهم: "طب وأنا مالي وأنت عايز مني إيه بالظبط وليه بتعمل معايا كده." "عايزك أنتي يا حياء." قال ديفيد فجأة، فأنتفضت حياء من مكانها برعب. فصاحت بوجهه: "عايزني ده إيه كمان أنا ست متجوزة أنت مجنون." وضع ساق على الأخرى وهو يقول ببرود مزعج:
"عارف أنك متجوزة ابن النعماني، الدكتور راسل رياض النعماني." عقدت ذراعيها، وهى تحاول أن توقف ارتجاف جسدها، فردت ببرود مماثل: "طب طالما عارف مين جوزي، بتطلب طلب زي ده ليه." ترك ديفيد مكانه وهو يقف أمامها بطوله الفارع، فوضع يديه بجيبى بنطاله قائلاً بشر: "لأن زي ما تقولي في تار بيني وبين عيلة النعماني وجوزك هيدفع تمنه." جفت دماءها لذكره ما سيحدث لزوجها، إلا أنها حاولت إخفاء خوفها وهى تتصنع الشجاعة:
"دا كلام فاضي، أنا جوزي ملوش عداوة مع حد ولا عمل حاجة في حد وياريت تبعد عنه وعني لأن أنت متعرفش أبوه ممكن يعمل إيه علشانه وأنا هقوله على كل السخافات اللي أنت عملتها دي." هبت حياء واقفة، استعداداً لمغادرتها، وما كادت تصل للباب حتى تخرج منه، سمعت ديفيد يقول فجأة: "ولو قولتلك أن أنا أبقى أخوكي يا حياء." جمدت أصابعها على مقبض الباب، فما هذا الهراء الذي تفوه به لتوه؟ فاستدارت إليه عاقدة حاجبيها قائلة بغرابة: "أخويا!
إزاي يعني، هو أنت إيه حكايتك بالظبط." أشار لها بالإقتراب، إلا أنها ظلت مكانها، فأقترب من أحد الطاولات وأخذ عدة صور وأوراق، وناولها إياها: "بصي في الصور دي كويس دي صورك لما اتولدتي لحد ما كان عمرك ٣ شهور والسلسلة اللي في رقبتك اللي متعلق فيها الخاتم."
نظرت حياء بالصور وهى فاغرة فاها، فتلك الطفلة تشبهها حقاً، وموضوع حول عنقها السلسال الذهبي وبه الخاتم، فما جعلها متيقنة من أن تلك الصور هي صورها، أنه كان لديها صور مثلها وهى ببيت عرفان الطيب، فمديحة كانت تحتفظ لها بصورها وهى بمثل هذا العمر، وتذكرت مرة عندما سألتها عن صورها بعد مولدها مباشرة، فأخبرتها مديحة بأنها لم تتذكر تصويرها، بل بدأت بأخذ صورها وهى بعمر الثلاثة أشهر. قالت حياء وهى فاغرة فاها من الصدمة:
"إزاي أنا مش فاهمة حاجة، إزاي أنت أخويا وأنا أختك أو إزاي بعدت عنكم وليه وإيه علاقة راسل جوزي بده كله، ثم إن الصور مش دليل أن أنا أبقى أختك ما يمكن تكون متفبركة عادي وبتضحك عليا." التوى ثغر ديفيد بإبتسامة وقال وهو يشير للأوراق بيدها: "الاوراق دي تبقى كل التقارير الطبية اللي تثبت أنك فعلاً أختي من لحمي ودمي وأنك بنت دانيال اسكندر.. إينجيل دانيال اسكندر." "إ إينجيل."
نطقت حياء الإسم بصعوبة، فلابد أنها هي تحلم الآن، لا فهذا ليس حلم بل كابوس كاد يزهق أنفاسها، فشعرت بالدوار فأسرع ديفيد بمساعدتها. فنفضت يده عنها وهى تكمل حديثها: "أبعد إيدك عني متلمسنيش أكيد أنت واحد كداب وبتضحك عليا." جلس ديفيد بمكان قريب منها وهو يقول ببرود: "أنتي ليه مش عايزة تصدقي أنك أختي فعلاً، ولو عايزة هحكيلك عرفت إزاي وإيه اللي حصل من أكتر من ٢٢ سنة." مسح ديفيد وجهه وأستأنف حديثه قائلاً بحزن:
"من حوالى ٢٢ سنة اتولدتي أنتي، كنا أربع أولاد وأنتي البنت الوحيدة، بابا وماما كانوا فرحانين جدا انك اتولدتي بنت، لدرجة أن بابا الخاتم بتاعه واللي المفروض بيتورث في العيلة وبيلبسه الابن الكبير، حطه في سلسلة ولبسهالك، وسموكي إينجيل، أنا أخوكي الكبير، وأخواتك التلاتة التانين، ماتوا مع بابا وماما في الحادثة."
"بابا كان عنده شركة شحن في المينا، كان ورثها عن جدي، كان بيتعامل مع شركة الزناتي والنعماني وكان هو وعمي أدريانو أصحابهم، بس حصل مشكلة فمراد ووجدي النعماني اتهموا بابا بأنه بيجيب مخدرات وسط الشحنات اللي هو بيستوردها من برا، ومش بس كده البوليس عرف وكانوا هيقبضوا عليه، من خوفه قرر يهرب أخد ماما واخدنا في العربية وكان بيحاول يهرب، والبوليس كان بيطارده، لحد ما العربية اتقلبت وحصل فيها انفجار، أنا وقعت في مكان بعيد وفضلت
عايش عمي أدريانو أخدني رباني، وسفرني عشت معظم حياتي في صقلية، وقرر ينتقم من وجدي ومراد، وأنا مكنتش أعرف أن ممكن تكوني لسه عايشة، لأن افتكرتك موتي معاهم في الحادثة، لحد ما فيوم فرح حفيدة رياض النعماني وعمي أدريانو شافك وشاف السلسلة وكمان شاف الشامة اللي على إيدك، فبعتلي ورجعت اسكندرية، كان لازم أتأكد من أنك أختي أو لاء، راقبت كل خطواتك لدرجة أن بقيت أعد عليكي أنفاسك، وبعت الرجالة اللي دخلوا الحمام وخدروكي أخد منك عينة
علشان أعرف واتأكد أنك فعلا أختي، بقيت أكلمك في التليفون وابعتلك الرسايل لأن اتجننت لما عرفت أنك مش بس عايشة لاء ومتجوزة أخو اللي كان السبب في دمار أهلي."
لم يبدو على وجهها سوى تعبير الصدمة والدهشة، لا يوجد كلمات تصف حالتها الآن، إلا أنها استطاعت القول بعد جهد: "وجوزي ماله بالكلام ده كله هو ملوش ذنب في أي حاجة وأنت ليه عايز تاخده بذنب حد تاني." أرادت الرحيل ولكن قبل ذهابها التفتت إليه وقالت بما يشبه التحذير: "وحتى لو كلامك صحيح وأنت أخويا مش هسمحلك تأذيه ولا تيجي جمبه، وأنا لازم أقوله على كل حاجة." ابتسم ديفيد ابتسامة مختلة قائلاً بصوت كالصقيع:
"لو ده حصل وقولتيله جهزي لبس أسود علشان تلبسيه بس مش عليه هو لاء على بنته، واللي متعرفوش أن أنا واحد من الاتنين اللي عذبوا جوزك في السجن في ايطاليا، ولولا أن أبوه أنقذه كنت خلصت عليه علشان أقضي على عيلة النعماني نهائي، وقدامك حل من الاتنين، يا تسبيه وتيجي لعندي، يا إما تستحملي اللي ممكن أعمله فيه وأستنى وشوفي اللي هيجراله الأيام الجاية، ومش بس كده أنا هخليه يخسر حبايبه واحد واحد لحد ما يوصل لدرجة أنه يفكر في الانتحار وساعتها يبقى شفت غليلي منه."
قبل أن تتوغل أكثر بتفكيرها بما حدث بينها وبين ديفيد، خرجت من حالة الشرود التي ألمت بها على إشارة الحارس لها بأن وقتها انتهى بالتسوق ويجب عليها العودة للمنزل. باليوم التالي مساءًا…
وضعت حياء القناع الذهبي، فأخفى عينيها ونصف وجهها الأعلى، فلا تعلم سر إصرار ديفيد على أن يقيم حفلة تنكرية، وأن يرتدي المدعوين أقنعة للوجه، ولم يكتف بهذا بل جعلها ترتدي ثوب كأثواب الملكات بالعصر الفيكتوري، إلا أنه حرص أن يكون ثوبها محتشماً كما أرادت وأخبرته بأنها ملتزمة بثيابها وحجابها، فهو لم يرد لها أمر، بل جعل كل مطالبها وأوامرها محل التنفيذ، شرط أن تكون هي الأخرى، أكثر تقبلاً لحياتها ومعيشتها الجديدة.
مسحت بيدها على صدرها حتى وصلت لبطنها، فكم كانت تود لو حملت معها بذرة من زوجها، لتنبت بأحشاءها لكى تصير أكثر تحملاً للفراق بينهما، عوضاً عن أنها لم تحظى بشئ منه سوى عدة صور وقميص يحمل رائحته، وقلب يحترق شوقاً لرؤياه، فأيام حيضها التى بدأت صبيحة اليوم نسفت حلمها، بأنها ربما حملت معها قطعة منه. "كان نفسك تكوني حامل منه وتخلفلي ليه أطفال يا حياء."
جاءتها تلك العبارة من ديفيد، الذي يبدو عليه أنه ولج للتو، فنظرت بالمرآة ورآت انعكاس صورته أمامها، فحُلته السوداء وقميصه الأبيض، وذلك القناع الذي رفعه عن عينيه ووضعه بمنتصف رأسه، أكسبوه مظهراً وسيماً وأكثر خطورة من رؤيتها له بالأوقات العادية خلال النهار، أو أثناء تنزهها برفقته. أجابته حياء وهى ترفع يدها تمسك بطرف قناعها بأصابع مرتجفة:
"أظن دي حاجة خاصة بيا يا ديفيد وملوش لازمة كل شوية تضايقني بكلامك ده وعلشان أريحك أنا عمري ما حبيت ولا هحب حد زي ما بحب راسل جوزي تقدر تقول رجالة العالم بكفة وهو لوحده بكفة ومفيش غيره يملي قلبي وعيني لأنه راجل بمعنى الكلمة ومن كافة النواحي." رفع ديفيد حاجبيه تزامناً مع مط شفتيه وتحريك رأسه ببطئ فقال بإبتسامة شيطانية:
"أممم للدرجة دي بتحبيه يا حياء بس أحب أقولك أن خلاص قصة حبكم دي مش هيبقى ليها وجود خصوصاً أن زمان جوزك استلم إعلان المحكمة علشان قضية الطلاق اللي المفروض رفعتيها عليه وخصوصاً لما يعرف أسباب دعوى الطلاق إيه وأنه أنتي طلبتي الطلاق لأنه عاجز أن يعيش معاكي حياة طبيعية زي أي زوج وأن بعد جوازك منه لسه عذراء زي ما أنتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!