تخبطها بين ذراعيه بوحشية، جعله أكثر إحكاماً لساعديه حول كتفيها. كأن بقوله أثار أنثى أسد جريحة. كانت بإنتظار سماع أي كلمة لتنشب مخالبها به. فأي قوة ساحقة تملكها ذات الجسد الضئيل والنحيف هذه، لتستطيع أن تجعله وهو يفوقها ضخامة وقوة، يكاد يختل توازنه من ضرباتها المتلاحقة على صدره، وصراخها بوجهه. كأنها على وشك إخراج حمم بركانية من فاها.
فهي لم يكد ينتهي من قول عبارته، حتى أطاحت بقناعها الموضوع على وجهها، وملأت الغرفة صياحاً احتجاجاً على قوله. فلو كان أقدم على قتلها، لن تكون شرسة هكذا بإبراز دفاعها وهجومها المستميت بالحفاظ على سمعة زوجها. فما عصف بذهنها أيضاً هو كيفية علمه بأمر أنها مازالت عذراء ظاهرياً على الرغم من كونها زوجة فعلية لراسل، وتشاركا سوياً ليال حالمة من العشق والود والمحبة بين الزوجين. ولكن أراد الله لها أن تكون على تلك الحالة كفتيات كثيرات.
–ااااااانت بتقول إاااااايه؟ وإزاي تعمل كده وتتهم جوزي بحاجة زي دي، فهمني. وإزاي أصلاً عرفت بموضوع العذرية؟ انطق قول رد عليا، عملت فيا إيه بالظبط؟ صرخت حياء بكل ما أوتيت من قوة. تكاد الدماء المحتقنة بوجهها تنفجر من شدة غضبها واستياءها. لم يعد أمامه حيلة أخرى لإخراسها، حتى لا يستمع المدعوين بالأسفل لصوتها، سوى أن يطلق سراحها، ريثما يغلق الباب. أوصد الباب والتفت إليها قائلاً بصياح:
–بس أخرسي ووطي صوتك ده، هتعمليلنا فضيحة. كل ده علشان جوززززك يعني؟ عاملة نفسك أنك خلاص أتقبلتي حياتك الجديدة وأنتي أساساً كل تفكيرك فيه. وأه عرفت كل حاجة، لأن لما جبتك عندي وأنتي متخدرة خليت دكتورة فحصتك علشان أعرف إذا كنتي حامل ولا لاء قبل ما أخد أي خطوة معاكي وأعرفك الحقيقة. وهي اللي قالتلي على حالتك. دمعت عيناها واقتربت منه وهي تجز على أسنانها، كأنها تمنع فرار المزيد من دموعها. فقالت بصدق لا يقبل الشك:
–أنا مش بفكر في راسل بس ولا بحبه، لاء دا أنا بتنفسه زي الهوا. يعني دلوقتي وهو بعيد عني عايشة زي الجسد من غير روح. لأن قلبي ده هو نبضه. وأنت السبب اللي خلتني أبعد عن جوزي وبنتي. كنت عايشة مبسوطة جنبه. دلوقتي خليتني في نظره قليلة الأصل. سيبته في محنته وأنا اللي كان نفسي قبل ما أسيبه وأسيب البيت أن أموت بين إيديه.
طار صوابه من كثرة وصفها لعشق زوجها. فأي دماء لعينة يحملها بعروقه، تتقاسمها هي وإياه، يجعلها لا ترى سواه وتتقبل معيشة لا تريدها من أجله. فأي سحر ألقاه عليها، جعلها تغرم به لهذا الحد من الجنون. فقطب ديفيد حاجبيه قائلاً بما يشبه الذهول: –أنا نفسي أعرف هو عامل ليكي إيه مخليكي تحبيه الحب ده كله. فرت دمعة كبيرة من عينيها، فمسحتها بطرف أناملها قائلة بصوت ملأه الحنين والفخر:
–قول معملش إيه ليا. لما أبقى تايهة في الدنيا ويبقى هو أول إيد تتمدلي. لما أقع في مشكلة وعلشان ياخدلي حقي اتحدى ابن عمه وردلي كرامتي. لما ييجي عليا الوقت اللي أبقى فيه حيرانة وخايفة، وهو يطبطب عليا وميخلنيش أفكر في أي حاجة. كان بيعاملني كأني بنته قبل ما أكون مراته. لما يفتحلي قلبه وأشوفه على حقيقته غير الصورة اللي كل الناس شيفاها. وقلبه زي قلب الطير مفيش في حنيته ولا رِقته. عايزني بعد كل ده محبوش وأعشقه.
أسدلت جفنيها لتمنع انسكاب المزيد من دموعها. فعادت وتذكرت ما أخبرها به، ففتحت عيناها على الفور، كأن الهدوء الذي اكتسبته منذ برهة، لم يعد له أثر. فقبضت بيديها الصغيرتين على ياقة سترته، تفح من بين أسنانها: –لو مسحبتش دعوى الطلاق دي يا ديفيد، أنا هروح المحكمة وهناك هقول على كل حاجة وعليا وعلى أعدائي. مالذي يجعل يديه عاجزتان عن صفعها أو ضربها؟
فلا إجابة لديه سوى أنها شقيقته. تلك الصغيرة التي شعر والداه بالسعادة لمجيئها للعالم ووضعا خططهما عن كيف ستكون حياتها بالمستقبل، وبأي مهنة ستعمل. فهذا ما يلجمه ويردعه عنها، حب والديه. وهو من كان يعشقهما، وشعر بالحزن لفراقهما هما وأشقاءه الثلاثة الآخرين. بكفيه العريضين كان قابضاً على يديها، لتحل وثاق سترته. بهدوء غير معتاد عليه، فقال بتهكم:
–متخافيش أوي كده، أنا لا رفعت عليه قضية ولا عملت حاجة. أنا قولت كده علشان أشوف رد فعلك، وهل أنتي فعلاً بتحاولي تتأقلمي على وضعك الجديد ولا بتوهميني وبتضحكي عليا؟ سحبت يديها بسرعة، تحاول التقاط أنفاسها، التي أنهكها كثرة صراخها وصياحها وحركتها المفرطة. فردت قائلة وهي ترفع رأسها بإباء: –كويس أنك معملتش كده، لأن لو كان حصل، مكنتش هسكتلك يا ديفيد. –للدرجة دي يا حياء؟
نطق ديفيد وهو يضيق عينيه بتساؤل. فهو حقاً يشعر بالحيرة من قوة تلك الرابطة التي تشعر بها تجاه زوجها. فأجابته حياء ببرود وهي تنظر بالمرآة: –وأكتر كمان، لأن مش معنى أن سمعت كلامك وسيبته هسمحلك أنك تقرب منه تاني. فالتفتت إليه مستطردة بتحذير:
–وعايزاك تعرف أنا لا ضعيفة ولا قليلة الحيلة. كل الموضوع أن مش حاباه يتأذى بسببى أو أكون أنا السبب في حرمانه من بنته اللي هي عنده أغلى من نور عيونه. وبالنسبة ليا أنا كمان بنتي وحبيبتي حتى لو مش أنا أمها الحقيقية ولا خلفتها بس كفاية عليها أنها حتة منه وشايلة دمه. مكنتش عايزاه ييجي في يوم ويلومني أن أتسببت في أذاه هو وسجود. لأن أنا ممكن يعوضني لكن بنته مش هيقدر يعوضها.
وخزة مؤلمة وخزتها بقلبها من مجرد تخيلها، أن تأتي أنثى أخرى لتحل محلها بقلبه. فهي تتمنى الموت قبل أن يأتي هذا اليوم وترى امرأة أخرى تأخذ منه ما أخذته هي سابقاً، وأن يكون لها زوج وحبيب. فراسل صاحب بيع وصيت بطرق وسُبل الغرام. فمنذ أن أصبحت له زوجة، وعلمها خفايا وأسرار العشق، وهي باتت عاشقة له، ولا تستطيع التخيل أن يهمس لأنثى أخرى بتلك الكلمة السحرية "بحبك" بصوته العميق والدافئ، الذي كان يرسل تيارات عارمة من الاشتياق والحنين بخلاياها.
التقط ديفيد قناعها الذي أطاحت به، وناوله لها أمراً إياها بلطف ولين: –طب إلبسي قناعك ويلا ننزل تحت، زمان المدعوين مستغربين أن اللي عازمهم مظهرش لحد دلوقتي. أخذت منه القناع، ووضعته على وجهها. مد يده لها وأخذ يدها وجعلها تتأبط ذراعه، كإجراء احترازي ليضمن هدوءها، حتى لا تفتعل شجاراً كالذي حدث بينهما منذ قليل. فكلما حاولت سحب يدها، يعود ويشد عليها بتحذير. –إهدي يا حياء وبطلي عمايلك دي.
هبطا الدرج سوياً، فسمعت حياء صوت التصفيق الحار من المدعوين، الذين لم تستبين ملامح أحد منهم، بل جميعهم يرتدون الأقنعة والملابس الأنيقة. فلو كان زمام الأمور بيدها، لكانت فرت هاربة لغرفتها الآن، وهي ترى الجميع ينظرون لها بتعجب، من كونها فتاة محجبة وتتأبط ذراع ديفيد. أقترب أحد الرجال منهما رغبة في مصافحتها، فلم تمد يدها له. وأدنت برأسها من ديفيد قائلة بضيق: –قوله أن مبسلمش على رجالة وهو عمال يضحك كده.
تمددت شفتي ديفيد بتعبير الجهل وهو يقول بتساؤل: –مبتسلميش على رجالة ليه؟ عندك مرض معدي؟ قلبت حياء عينيها بملل وهي تقول بنزق: –معنديش مرض معدي ولا حاجة بس أنا مبحبش أسلم على رجالة مش من محارمي ولا بحب حد غريب يلمسني. –يعني إيه محارمك دي يا حياء؟ ساعات مش بفهم كلامك ولا تصرفاتك يا حياء. قال ديفيد بفضول. فكثيراً لا يفهم ما تقوله، أو ما تعنيه بحديثها. ربتت على ذراعه وهي تقول بلين على غير عادتها معه:
–هفهمك كل حاجة بعدين يا ديفيد. ولو حابب أكلمك عن الدين الإسلامي وإيه معنى تصرفاتي دي، معنديش مانع. تغضن جبين ديفيد على الفور: –مش عايز نتكلم عن حاجة وخلينا نستمتع بالحفلة يا حياء.
توافد الحضور عليهما للترحيب بها، مكتفية هي بإيماءة خفيفة من رأسها، وابتسامة متصنعة، تشعر بأنها تشد عليها حتى لا تنفجر صارخة بوجه أحد منهم. فما كاد ديفيد يبتعد عنها للترحيب بقدوم أحد المدعوين، حتى فرت هاربة إلى أحد زوايا الصالة الواسعة المكتظة بالحضور. بدأت الموسيقى تصدح بالمكان وبدأ المدعوين بالرقص على أنغامها.
أغمضت عينيها وتذكرت تلك الليلة التي قضتها بين ذراعي راسل يراقصها على أنغام موسيقى الفالس الناعمة. فكأنها تشعر بدفء ذراعيه حولها الآن وهي واضعة ذراعيها حول جسدها، ودقات قلبه الهادرة، وهي واضعة رأسها على صدره، التي كانت تتناغم مع دقات قلبها تارة هادئة وتارة صاخبة. فلو ظل الحال هكذا ستصاب بالجنون لا محالة. فيكفي تلك الأيام التي لم تراه بها، فهي لا طاقة لها على المزيد. ***
لم تجمعهما مائدة طعام واحدة، منذ أن كان بالرابعة عشر من عمره. ولكنه الآن جالس على رأس المائدة الطويلة بالطرف الآخر. فالمسافة بينهما لا تقتصر على طول المائدة، بل على سنوات من الجفاء. فهو بالأساس لا يلومه على جحوده، بل يلوم نفسه على أنه همش دوره بحياته، كأنه لم يكن يعنيه أنه ولده من صلبه ويحمل دماءه. معززاً الأمر بأن والدته هي المخطئة بالبداية، ولكن بالأساس هو المخطئ ولا أحد غيره. فهو تبع نزواته، حتى وصل به الأمر إلى هذا الحال، من كونه يرغب مسامحة ولده بأي ثمن. ولكن راسل لم يكن يمنحه الغفران بسهولة كما يظن.
كسر الصمت الذي حل على رؤوسهم وهم جالسين يتناولون طعام العشاء، صيحة سجود العفوية وهي تقول بإلحاح: –بابي هي مامي اتأخرت ليه؟ عيد ميلادي بكرة أنا وفاء قالتلي. أبتلع راسل ما بجوفه يرافقه غصة خانقة، إلا أنه استطاع القول بثبات ظاهري: –هتيجي يا حبيبتي بس كملي أكلك يا سيجو. تركت سجود مقعدها، وعوضاً عن ذهابها إليه، ذهبت لرياض وهي تمط شفتيها تمهيداً لبكاءها: –جدو قوله يجيبلي مامى. –خلاااااااااص بقى ياسجود أسكتي.
خرجت تلك العبارة من فم راسل بصوت مدوي، فأجفل الجالسين من صراخه. فأنكمشت الصغيرة بين ذراعي رياض وهي تبكي من صراخ أبيها. أخذت يد رياض تربت على جسد الصغيرة، لعلها تهدأ من نوبة البكاء التي أصابتها. فعند هذا الحد نظر لراسل بعين الغضب قائلاً بصوت عميق: –متصرخش في وش بنتك كده تاني وأنا قاعد، فاهم؟ وضع راسل السكين والشوكة من يده على طرف الطبق الخزفي بحدة، حتى كاد يقسم الطبق لنصفين. فهب واقفاً مكانه قائلاً بسخرية:
–لو إحنا مضايقينك يا رياض باشا، معلش استحمل بقى، ماهو مبقاش ليا مكان تاني ولا تحب أقعد في الشارع زي المتشردين؟ وضع رياض سجود أرضاً وهو ينظر لوفاء قائلاً بهدوء: –لو سمحتي يا ست وفاء خدي سجود. فعاد ونظر لإيلين وسوزانا مستأنفاً حديثه: –وإنتي كمان يا سوزانا أنتي وإيلين اتفضلوا على أوضكم علشان عايز أتكلم مع ابني المحترم شوية ومش عايز حد حاضر في الدور الأرضي نهائي.
استمعن لقوله، فأخذت وفاء سجود، وذهبت سوزانا وإيلين كل منهما لغرفتها. فيما كان راسل ما زال واقفاً عند رأس المائدة على الطرف الآخر. فاستقام رياض بوقفته، وأشار إليه بأن يتبعه: –تعال ورايا يا محترم ومش عايز قلة أدب زي عوايدك، مفهوم؟
إن كان من قبل يتحداه بكل كلمة يقولها، فالآن لا طاقة له على الجدال أو الشجار معه. فتبعه بصمت لغرفة المعيشة. رآه يجلس بمكانه المعتاد، كأن تلك السنوات الطويلة لم تمر، وما زال يجلس جلسته المعتادة، التي كان يتلصص عليها وهو صغير. فدائماً هالة القوة والسلطان تحيط به، وكره هو كثيراً ذلك السلطان، الذي تسبب بتصدع العلاقة بينهما، وأصبحت علاقة شبه منعدمة بين الابن وأباه. –اقعد يا راسل.
جاءه هذا الأمر من والده، فبأقصى مقعد كان جالساً، واضعاً مرفقيه على ذراعي المقعد. طال تحديق كل منهما بالآخر، حتى ظنا أن تلك الجلسة ستنتهي بالصمت كما بدأت. ولكن تخلى رياض عن هذا الصمت وهو يقول بعدما زفر بقوة: –أنا كنت عايز أقولك أن بخصوص البيت أنا ساويت مشكلة البنك ودفعتلك ديونك، والبيت لسه ملكك. وكمان المستشفى خليت المحامي يتابع الموضوع وإن شاء الله ممكن ترجعلك قريب وأنت ترجع تزاول مهنتك عادي.
ظن أن بعد قوله، سيرى بوادر السعادة والفرح على وجهه. ولكن ظل كما هو بملامح وجه مبهمة، لا تنم على شيء، كأنه لم يستمع لما أخبره به. بلل راسل شفتيه الجافتين بطرف لسانه وأجابه بصوت مرهق: –أنا لا عايز أرجع البيت ولا عايز أرجع شغلي حالياً، بمعنى أصح مش عايز أعمل أي حاجة في حياتي دلوقتي. أسند راسل رأسه لطرف مقعده محلقاً في السقف وهو يقول كأنه يحدث نفسه:
–حاسس أن معنديش طاقة حتى أتكلم مش أشتغل. حتى الهوا اللي بتنفسه بقيت أحس أنه بيضايقني. محدش حاسس بيا ولا باللي أنا فيه. أنا زي اللي واقف في وسط النار ومطلوب منه أنه يتحرق بس من غير ما يتكلم ولا يطلع له صوت. زي اللي متعلق في حبل المشنقة ومطلوب منه يضحك وهو بيتعدم.
شعر بيد أبيه على كتفه. فأعاد رأسه المائل لوضعه الطبيعي. فهو لم يكن يعلم أنه ترك مكانه، إلا بعدما وجده يقف بجانبه. رفع راسل وجهه إليه بصمت. فلو يعلم كم هي حاجته له الآن، فلن يصدق رياض نفسه. فرغم ذلك الجفاء والبرود بعلاقتهما، إلا أن ما زال ذلك الجزء الصغير بغياهب عقله وقلبه، يتمنى لو كان له الأب الذي يريد.
كأن تلك الرسالة المختزنة بعينيه وترفض شفتاه البوح بها، وصلت لرياض واستطاع قراءتها بوضوح. فسحبه من مرفقه، حتى استقام بوقفته أمامه. فبدون أي مقدمات بغير فائدة، كان رياض يحتضنه بحنان قائلاً بندم حقيقي: –سامحني يا ابني على اللي حصل مني زمان. أنا عارف إن وجعتك كتير وبدل ما أكون لك أب بقيت ولا كأن واحد عدوك. سامحني يا راسل ولو الباقي من عمري فضلت أطلب منك السماح مش هزهق لحد ما تسامحني، سامحني.
غص رياض بكلمته الأخيرة، نتيجة لتجمع الدموع بعينيه، إلا أنه لم يحاول إخفاء ندمه والتظاهر بالصلابة والجمود. بل ترك عينيه على سجيتهما تذرف دموع الندم، لعل ولده يصدق أنه نادم حقاً. همهم راسل بصوت متقطع، كأنه يخشى بكاءه هو الآخر:
–ممش عا عارف أقولك إيه. بس صدقني جه عليا أوقات كتير كان نفسي تيجي وتاخدني في حضنك. لما كنت أشوفك بتحضن وجدي ولا عاصم، كنت بحس بالوجع وأنت حتى مش عايز تبص في وشي، زي ما أكون عار وعايز تخلص منه. سواء أمي غلطت أو أنت أنا مكنش ليا ذنب، مكنش ليا ذنب. عشت يتيم الأب وأنت لسه على قيد الحياة. ولولا صفي الدين جوز ماما وفاء كان ممكن أكون بني آدم مش سوي. كان ممكن أكون ضايع أو أكون زي الغريق، اللي شايف الكل واقف على البر وهو اللي بيغرق. كنت أنت أول طعم للوجع والألم في حياتي.
تركه يتحدث طويلاً، أراده أن يقول كل ما يعتمل بقلبه من أوجاع وندوب. مكتفياً بالبدء أن يربت على ظهره بحنان وحب. فبالحقيقة لم يكن رياض يكره راسل، ولكن كان يكره كونه أنه لم يعد لديه الدليل والحجة على أنه ما زال محباً ووفياً لزوجته الأولى، التي كان يزعم أنها هي الوحيدة التي أحبها ولن يستطيع مس أو لمس امرأة غيرها. ليأتي راسل هادماً لمعتقده. –أنا آسف يا ابني على كل اللي عملته فيك. أسف.
نطق بها رياض بسهولة. فظن راسل أنه سمع كلمة الأسف سهواً منه إلا أنه أعادها مراراً وتكراراً. فمن يرى رياض النعماني الآن، لن يصدق أنه يقدم اعتذاره وأسفه بتلك السهولة. ولكن كأن أسفه كان مرضياً لراسل. فأجابه بهدوء: –كفاية اعتذار. وإن كان على أن أسامحك أو لاء، فإحنا عايشين مع بعض والأيام كفيلة تصلح اللي اتكسر بينا.
حتى وإن كان تعبيره عن مسامحته له تم بطريقة مبهمة، إلا أن ذلك كان كافياً لأن يجعله يشعر بالراحة والهدوء. فبعد أن ابتعد راسل عنه، ابتسم له وهو يقول برجاء: –طب خليك أنت وبنتك هنا على طول ومتمشيش. يعني مش تقعد فترة وتمشي. لاء عايزك تفضل هنا على طول في قصر النعماني. ولو عايز هدورلك على مراتك وأرجعها لك. عند عرضه الأخير له، أغلق راسل عيناه متمتماً بألم:
–مش عايزك تدور عليها ولا ترجعها. حتى اختارت وخلاص. وبالنسبة لوجودي هنا. حرك راسل رأسه بالإيجاب. فرد مستطرداً بالموافقة: –متخافش خلاص مبقتش حابب أمشي من هنا وأرجع البيت هناك علشان.... بتر حديثه على الفور. فهو لن يستطيع العودة لمنزله القديم، حتى لا يقيم بمكان كانت هي متواجدة به، وتظل الذكريات تؤلمه وتجلده بسوط الهجران والأسى. فهناك كل ركن بالمنزل، كان شاهداً على عشقه لها. فكيف يضع جنبه على فراشهما، وهي ليست بجواره؟
فالقصر هنا لم يتشاركا شيئاً سوياً، لم تقيم معه تحت سقف ذلك القصر، ولم تشاركه فراشه الجديد. فهنا لن يجد بصمتها على كل ما يحيط به. فحتى إن حاول الهروب من أثرها، فكيف يمحو آثارها بقلبه؟
فتلك الشجاعة المزيفة، التي يزعم أنه يملكها، وأنه قادر على تخطي الصعاب، دليلاً واضحاً على أنه واهم إذا ظن أنه سيستطيع أن يتأقلم على غيابها عنه. فإن كان تجاوز الأمر بعد زواجه الأول، فهو متيقن من أنه لا يستطيع فعل ذلك الآن. فعشقه لها فريد من نوعه. فحتى الآن، لا أحد يعلم بأمر تسلله من القصر ليلاً للبحث عنها، لعلها تكون عادت للإسكندرية ثانية، ويعود مع أول ظهور خيوط النهار. فلم يترك مكان من تلك الأماكن، التي كانت ترتادها دائماً، إلا وبحث عنها. فعلى الرغم من علمه بأنها خارج البلاد، إلا أنه يخرج بأمل من أنها لم تتحمل الفراق وعادت سريعاً. ولكن صورها التي ترسل إليه، كانت كافية لجعله يأنب نفسه على الانجراف خلف أوهامه.
***
لم يكن الإذن الممنوح له من الطبيب برؤية أبيه عن قرب بغرفة العناية الفائقة، لا يتعدى الاطمئنان عليه فيما لا يزيد عن خمس دقائق. فالطبيب يراه يأتي يومياً لزيارة أبيه وتفقد أحواله الصحية، التي لم تنبئ بخير، سوى أنها تؤول من سيئ لأسوأ. فعمرو كأنه لا يعي حتى الآن، كيف بمشادة كلامية بينهما أظهر بها حقيقته، تجعل أبيه يرقد بالمشفى بين الحياة والموت. فكل يوم يأتي ويأمل أن يخبره الطبيب بأن أحواله آخذة بطور التحسن، ولكن لا يسمع سوى أن الوضع لا يبشر بالخير، بل يجب عليه أن يتهيأ للأسوأ.
جر مقعد حديدي خاص بالمشفى وجلس بجوار الفراش. بتردد أخذ يد والده، فتلامسهما سوياً والذي أسفر عن شعور عمرو ببرودة تنطلق بسائر جسده، جعله يعيد يد أبيه بجانبه مرة أخرى. دقق عمرو النظر بوجه أبيه وهو يقول كأن صوته لم يعد به حياة أو شعور:
–طولت أوي يا بابا، حتى لما رجعتلك بعد السنين دي كلها، هربت مني برضه، كأننا مش هنتقابل أبداً كأب وابنه. تعرف إن استنيتك كتير علشان تيجي تاخدني، أو حتى تبين أن أنا ابني وأنك حابب أن أعيش معاك، بس أنت ما صدقت وسبتني. سبتني لواحد قذر هو اللي يربيني. ودلوقتي أنا اللي سيبت نفسي للشيطان، بقيت ماشي على خطاك. مش بتقولوا من شابه أباه فما ظلم، أهو أنا كمان ابتديت في طريق الظلم. فوق قوم وقولي إيه رأيك في اللي عملته؟ قووم!
صرخ عمرو بصوت عالٍ، ودمعت عيناه. فانكب باكياً ورأسه منحني على طرف الفراش. ولكن شعر بملمس أصابع على ذراعه، فرفع رأسه بسرعة ونظر لأبيه. فأتسعت مقلتاه وهو يرى أبيه يحاول فتح عينيه ببطء. فكلما حاول فتحها، عاد وأغلقها ثانية. فظن عمرو بالبداية، أنه يتوهم أن أبيه فتح عينيه. ولكن صوت همهمة خافتة تسللت لمسامعه من فم أبيه وهو يناديه بعدما سحب قناع الأكسجين الموضوع على أنفه وفمه: –عمرو. أقترب عمرو بوجهه من وجه أبيه قائلاً
بدهشة: –بابا أنت فوقت خلاص؟ هنادي للدكتور. عندما حاول عمرو الابتعاد، شد فواز على يده قدر قوته الواهنة من رقوده بالمشفى. فخرج صوته ضعيفاً: –اسمعني يا عمرو دلوقتي، لازم تبعد عن الطريق اللي أنت ماشي فيه مش لازم تكمل فيه لأنه هيقضي عليك يا ابني. أنا زمان سلمت نفسي للشيطان وعضيت الإيد اللي اتمدتلي، واتسببت في خراب بيت بأكمله. زوى عمرو حاجبيه متسائلاً: –خراب بيت؟ مش فاهم تقصد إيه؟ قصدك أنك طلقت ماما وسيبتني أنا كمان؟
فواز رأسه بضعف فقال بألم: –مش أنتوا بس، لاء. الراجل اللي كنت شغال عنده ووقعت في غرام بنته وكنت عارف أن من المستحيل أنها تكون ليا وخصوصاً أنها مخطوبة وبتحب خطيبها. النار ولعت في قلبي زيادة. حاولت أفرقهم، شككتها فيه وخليتها تشوف بعينها أنه بيخونها مع واحدة تانية. وهو في الأساس مكنش واعي للي بيعمله وأنا اللي زقيت عليه الست اللي كانت معاه علشان خطيبته تشوفه وتكرهه ومتتجوزوش. أزدرد لعابه بصعوبة وعاد مستأنفاً حديثه:
وشري موقفيش لحد كده، لاء دا كمان اتفقت مع أدريانو وسهلت له دخول البيت وأنه يقتل كل اللي موجودين فيه ما عداها هي. قولت جايز لما تبقى لوحدها مش هتلاقي حد غيري وساعتها هبقى فزت بيها. بس هي هربت سنين طويلة ورجعت وبرضه كانت من نصيب اللي حبيته وحبها. فعلشان كده أبعد عن طريق الشر يا عمرو، حاول تصلح اللي باقي من حياتك وسامحني على أن كنت السبب في اللي أنت فيه. صدقني لو كان بإيدي الزمن يرجع لورا كنت صلحت غلطي ومعملتش اللي عملته ده كله. بس هو البني آدم كده مبيفتكرش يصلح أخطاءه إلا وهو خلاص مفارق الدنيا.
حالة من نقصان الهواء برئتيه، جعلته يفتح فمه، كأنه يحاول التقاط أنفاسه. فصوت تلك الحشرجة، التي تخللت صوته الذي ينازع للحصول على قدر كاف من الهواء، جعل عمرو يسرع بوضع جهاز التنفس الصناعي على وجهه. فأرتجف صوته وهو يقول بخوف حقيقي: –بابا أنا هناديلك الدكتور بسرعة حالاً. ولكن ما كاد يبتعد إنشاً واحداً عن الفراش، حتى سمع صوت صفير عالٍ للأجهزة الطبية المتصلة بجسد أبيه، دلالة على أن والده قد فارق الحياة.
تصنم بوقفته وهو يشخص ببصره لأبيه، الذي كان منذ برهة واحدة يتحدث معه، وأصبح الآن في تعداد الأموات. ولكن تلك النزعة الإنسانية بقلب بنو آدم، من أنه ربما يتوهم ما حدث، وما زال أبيه على قيد الحياة. فركض خارج الغرفة يصيح بصوته: –دكتور دكتور حد ييجي يشوف بابا.
هرول إليه الطبيب المختص بالإشراف على أبيه، فولج الغرفة تتبعه ممرضة. قام بالكشف عليه وفحصه وعمل كافة ما يمكن أن يفعله طبيب بتلك الحالة. ولكن كانت النتيجة حاسمة منذ البداية، فهو أسلم روحه لله وانتهى أمره. فسحب الطبيب الغطاء الأبيض المتدثر به فواز، حتى غطى وجهه ونظر لعمرو قائلاً بأسف: –البقاء لله يا أستاذ عمرو، شد حيلك.
لم يعي عمرو دلالة تلك الجملة التي تفوه بها الطبيب، إلا عندما سحبه من ذراعه ليخرجه من الغرفة، ريثما يعمل على إنهاء الإجراءات اللازمة، لاستلام عمرو جثمان أبيه استعداداً لدفنه. كأن تم فصل عقله نهائياً كجهاز إلكتروني، نفذت طاقته. فاللموت رهبة تشيب لها الرؤوس. فليس من السهل أن يكون بلحظة يتحدث معه وباللحظة التالية يجده قد فارق الحياة. فحتى أمله بأن تصلح الأمور بينهما، لم يعد له وجود أو فائدة. فأبيه قد قُضي أمره، وانتهت حياته بحلوها ومرها.
***
الجلسة بينهن ربما طالت كثيراً، كأنهن يبحثن عن أسباب مقنعة لعقولهن لما يحدث بتلك الأونة. فحديقة قصر النعماني التي جمعت فريقان من نساء ورجال العائلة، يجلس كل منهم بجانب بعيد عن الآخر، ليكونوا أكثر حرية بالحديث. كانت ميس وولاء تطالع كل منهما زوجها على طاولة الرجال، فكأن كل منهما أوصته بضرورة مؤازرة راسل بتلك المحنة التي يمر بها. فولاء تبعث بعينيها إشارات صامتة لمعتصم، حتى وجدت سجود، تدير وجهها لها، لتجعلها تنتبه لما ستقوله. فتبسمت لها ولاء ووضعتها على ساقيها وهي تقبلها على وجنتها.
فسألتها سجود بعفوية: –ولاء هي ماما راحت فين؟ النهاردة عيد ميلادي ومجتش ومجبتليش هدية، وكلهم قاعدين زعلانين. ضمتها ولاء إليها. فعلى الرغم من اجتماعهم جميعاً اليوم، بحجة حضور ذلك الحفل العائلي المقام احتفالاً بيوم مولد سجود، إلا أن لا أحد من الجالسين يبدو على وجهه معالم الفرح أو السعادة. وخاصة أبيها، الذي يحاول افتعال الابتسامة من حين لآخر. فغصت ولاء وهي تقول بابتسامة ارتعتشت على شفتيها:
–لاء يا قلبي كلنا فرحانين بعيد ميلادك مش كلنا جبنا ليكي هدايا وشوية هنقطع التورتة و.... قبل أن تكمل ولاء حديثها، كانت إيلين تخرج للحديقة تتبعها الخادمة تحمل قالب الحلوى الكبير الموضوع بأوسطه صورة سجود. علاوة على صوت الألعاب النارية والمفرقعات، التي راح يدوي صوتها عالياً، وأطفال كثيرون من مختلف الأعمار توافدوا على الحفل وهم يصيحون.
فالجو الصامت بالحديقة، صار يشتعل بالحماس، عندما تبدل الحال وأصبحت الجلسة أكثر بهجة بضحكات الصغيرة، التي ابتهجت بكل ما تراه. فأشخاص يرتدون ثياب شخصيات كرتونية مشهورة، عملوا على اللهو واللعب مع الأطفال. فلا أحد منهم كان يعلم بشأن كل ما فعلته إيلين، كأنها أرادت مفاجئة الجميع. فراسل اقترب منها عاقداً حاجبيه قائلاً بغرابة: –أنتي لحقتي تعملي كل ده إمتى يا إيلين؟ تبسمت إيلين ضاحكة وقالت بزهو مصطنع:
–دا أقل حاجة عندي. قولت أفرح سجود واخلي الطاقة السلبية اللي ساكنة القصر تنتهي. فوصيت على تورتة كبيرة وكمان كلمت منظم حفلات أعياد ميلاد وعزمت كل أطفال الجيران وجبت كل حاجة معايا وجيت. بس بذمتك مش كده أحسن من جو الكأبة اللي أنتوا عايشينه؟
فكأن زادت البهجة والسعادة، بعودة عاصم وغزل. فهما لم يخبرا أحد بشأن عودتهما. كان عمران ومعتصم أول المرحبين بعودة غزل. فظلوا ثلاثتهم وقتاً طويلاً يتحدثون ويمزحون. ولكن رؤية عاصم لراسل بالقصر هو وابنته ووفاء ولم يرى حياء، جعلته يشعر بالقلق. فأقترب من عمه وجلس هو وإياه منفردان، وأخبره رياض بكل ما حدث بالأيام الماضية. فظن عاصم أنه يتوهم ما حدث لراسل. فحك ذقنه بخفة وهو يقول بدهشة: –يا خبر أبيض كل ده حصل؟
طب عرفتوا حياء راحت فين؟ صمت رياض بالبداية، إلا أنه قال بهدوء: –راسل رفض يخليني أدورله عليها. بس بيني وبينك حياء لو رجعت له دلوقتي هبقى خايف عليها منه. راسل عامل زي الوحش المجروح، ولو حد لمسه هيفتترسه. ميغركش سكوته وهدوءه ده، دا زي ما يكون مستني بس أنه يلمحها، وساعتها مش هنبقى ضامنين ممكن يعمل فيها إيه.
تسلل شعور بالشفقة لقلب عاصم على حال ابن عمه. على الرغم من توتر علاقتهما دائماً، ولكن برؤيته لتلك الفتاة التي تتحدث معه، عقد حاجبيه متسائلاً: –بس هي مين اللي واقفة معاه دي؟ أنا مشوفتهاش قبل كده. نظر رياض حيث أشار عاصم فقال باسمًا: –معقول مش فاكر إيلين النعماني حفيدة شوكت النعماني ابن عمي؟ فتح عاصم فمه بدهشة وقال متبسماً: –معقولة ورجعت إسكندرية إمتى وليه؟
دي سافرت مع أهلها وهي صغيرة بس بسم الله ماشاء الله بقت جميلة أوي. رأى رياض سجود تقترب منه، فقفزت على ساقه بحماس وسعادة. وقبلها على رأسها وهو يتابع حديثه مع عاصم: –أنا اتفاجئت بيها لما جت القصر قبل راسل ما ييجي بكام يوم. جاية وناوية تستقر هنا في إسكندرية. فعرضت عليها أن تقعد هنا لحد ما تظبط أمورها. مع أنها رفضت في البداية، بس أصرت أنها تقعد هنا. وبعدها راسل جه وحصل اللي حصل.
رحبت إيلين بعودة غزل، التي تفاجأت بها بادئ الأمر. ولكن سرعان ما اندمجتا بالحديث سوياً. ولكن لاحظت غزل أن سوزانا تجلس شاردة بمكان هادئ نسبياً. فأعتذرت من إيلين وذهبت إليها. جلست على مقعد مجاور لها متسائلة: –مالك يا سوزانا قاعدة كده وباين عليكي زعلانة؟ حاولت سوزانا الابتسام وهي تقول بنهدة قوية: –لاء أبداً مفيش. بس افتكرت وجدي وخصوصاً أن السنوية بتاعته كمان 3 أيام.
انهمرت دموعها رغماً عنها لفقدانها زوجها، الذي اقتصر زواجهما على بضعة سنوات فقط. فهو لم يكن ابن عمها وحسب، بل أنه كان حبيب عمرها وطفولتها، ومن عشقته منذ نعومة أظافرها، وعزفت عن رؤية أي رجل آخر يكون زوجاً لها غيره. لم تجد غزل ما تواسيها به، فاكتفت بالربت على يدها. إلا أنها لم تمنع نفسها من سؤالها: –سوزانا أنتي كنتي تعرفي إيه سبب الخلاف بين وجدي ومراد اللي خلاهم زي الأعداء؟ تتابعت أنفاس سوزانا فخرج صوتها حاداً رغماً
عنها وهي تقول بإنفعال: –أخوكي مراد هو اللي بدأ الموضوع لما اتهم وجدي أن عينه على مراته. تصدقي أنتي أن وجدي ممكن يبص لمرات صاحبه وأخوه؟ لكن أخوكي زي ما يكون بقى أعمى ومش مصدق أن وجدي بريء من تهمة قذرة زي دي. فغرت غزل فاها وهي تستمع لما تقوله سوزانا. فهي بحديثها مع عاصم ظنت أن الأمر اقتصر على خلافهما سوياً بشأن وفاة صديقهما دانيال. ولكن زادت دهشتها أكثر وهي تستمع لباقي حديثها:
–أيوة متستغربيش يا غزل. وجدي الله يرحمه حكالي على سبب الخلاف بينهم وكان زعلان من أخوكي أنه شك فيه واتهمه بحاجة زي دي. ومحدش عرف الموضوع ده غيري. حتى مقولتش لعمي وعاصم على حاجة، لأن وجدي أصر عليا مجبش سيرة لأي حد. وأنه هيحاول يخلي مراد يفهم الحقيقة وأنه بريء من كل الكلام ده. بس للأسف وجدي مات. وساعتها فكرت أخوكي اللي عملها بسبب أفكاره وشكه في وجدي وكرهته وكرهتكم كلكم أن جوزي وحبيبي راح في غمضة عين حتى ملحقش يربي بنتنا.
أجهشت سوزانا بالبكاء المرير. ولكن برؤيتها اقتراب ميس منهما، هبت واقفة تسرع بخطواتها للداخل. فجلست ميس وهي تسأل غزل بقلق: –غزل هو في إيه؟ ماما بتعيط ليه؟ أبتلعت غزل لعابها وردت قائلة بتوتر: –أبداً يا ميس مفيش حاجة. هي بس افتكرت باباكِ. بس مقولتيش عاملة إيه مع عمران؟ عبست ميس ومطت شفتيها وقالت بإحباط: –ابن أخوكي ده عامل زي اللغز ومش عارفة أفهمه. دا بيتبدل في ثواني. لو بالنظام ده هيجنني.
–بعد الشر عليكي يا حبيبتي. ماهو لو تبطلي فضول حياتنا هتبقى حلوة والله.
قال عمران بعدما اقترب منهما وقبل رأس زوجته بعد سماعه ما قالته. فرفعت وجهها تنظر له نظرات لا تخلو من غيظها. فهو حتى الآن لم يخبرها بشيء يريح عقلها. فهو لا يفعل سوى أن يثير شوقها إليه، متمرساً بذلك الأمر. فهي من كانت تظن أنها لن تشعر بأي عاطفة نحوه، أصبحت الآن لا تعلم كيف صارت تطيعه وترغب بوده وقربه. ذلك عمران الذي لن تستطيع سبر أغواره، إلا إذا سمح لها بذلك. ***
تلك أغرب مكالمة هاتفية وردتها منذ عودتها لمنزل أبيها. وليس من أي أحد، سوى ذلك الشاب، الذي ساهم بهدم حياتها منذ أن تم التعارف بينهما بالنادي الرياضي. فهي لم ترى له وجه منذ تلك المرة التي قام فيها بطردها من منزله، بعدما اكتشفت خسته ودناءته معها. فهي ظنت بالبداية أنه لم يعاود الاتصال بها إلا من أجل ابتزازها أو ما شابه. ولكن كان صوته خافتاً كأنه بالنزع الأخير ويريد رؤيتها على وجه السرعة قبل موته.
ركضت من غرفتها إلى الطابق السفلي، ومنه للمرآب، وأخذت سيارتها، وقادتها بطريقها لتلك المشفى التي أخبرها بعنوانها وبرقم تلك الغرفة المتواجد بها. صفت السيارة أمام المشفى وهرولت للداخل. أقتربت من عاملة الاستقبال وهي تقول بعجالة: –لو سمحتي عايزة أشوف المريض اللي في أوضة 9. أشارت لها عاملة الاستقبال لأحد الأروقة وهي تقول بابتسامة مهنية: –هتلاقيها آخر الممر ده.
ذهبت هند حيث أشارت، حتى وصلت أمام الغرفة ودقت بابها، ففتح شاب لا يتعدى عمره العشرين عاماً الباب، وملامح الحزن تملأ وجهه. فنظرت إليه وقالت بصوت مرتجف: –أنا أبقى هند الصاوي وهو طلب يشوفني. يرد الشاب قائلاً وهو يشير لها بالدخول: –آه اتفضلي هو كان منتظرك.
ولجت هند الغرفة، فخرج الشاب مغلقاً الباب خلفه. لم تقوى على النظر لذلك الشاب المستلقى على الفراش والحروق تملأ وجهه وجسده، المغطى بشاش أبيض، وكأنه تم نزع جلده ولحمه يكاد يتساقط، كأنه جثة احترقت وتفحت ولم يبقى منها سوى عينان تنظر لها بندم. بأقدام مرتجفة، كانت هند تجلس على مقعد قريب من سرير المشفى. فصوته خافت ولا تستطيع سماعه إلا إذا كانت قريبة منه للحد الكافي، الذي يمكنها من سماع ما يقوله.
فأبتلع الشاب لعابه، كأن جوفه ما زال متقد به النيران التي شبت بجسده وأحرقته بالكامل. فقال بصوت جاهد على أن يخرج من بين شفتيه المحترقتين: –هند أنا طلبت تيجي هنا علشان كنت عايز أشوفك ضروري في حاجة مهمة لازم تعرفيها. على الرغم مما فعله بها، إلا أنها لم تشعر سوى بالشفقة على الحالة التي ألمت به. فحاولت جعله يكف عن الكلام: –متتعبش نفسك وارتاح بلاش كلام لو كان الكلام هيتعبك. رفض الشاب قولها وقال بإصرار:
–مفيش وقت يا هند ولازم أقولك اللي عندي. بالنسبة للفيديو بتاعك، أنا ملمستكيش يا هند ولا عملت فيكي حاجة واللي كانت معايا واحدة تانية مش انتي. انفغر فاها على الفور. فربما هو يهذي، فهي رأت الفيديو وكانت مخمورة وترقص وحدث ما حدث بينهما. إلا أنها نفضت رأسها وقالت بعدم فهم: –واحدة تانية إزاي يعني وأنا شوفت الفيديو واللي كانت موجودة أنا وكنت سكرانة ولما قمت الصبح وكنت في بيتك. أخذ الشاب نفساً عميقاً وقال بصوت هادئ:
–أنتي فعلاً اللي كنتي في أول الفيديو وبترقصي وأنتي سكرانة، بس بعد كده أنتي أغمى عليكي وكانت في بنت تانية متفق معاها تعمل معايا الفيديو على أنها أنتي. فأخدت هدومك ولبستها وبعدين عملنا الفيديو، بحيث اللي يشوف الفيديو هيشوفك في أوله بترقصي ولما يكمل هيشوف بنت بنفس لبسك هي اللي عملت كده وهيفتكرها أنتي. ولما الصبح صحيتي ولقيتي نفسك كده، ضحكت عليكي، لأن كنت واخد فلوس علشان أعمل كده بس من غير ما أحاول ألمسك. واللي اتفق معايا المنافس بتاع باباكِ علشان يبتزه. أنا طلبت تيجي علشان أقولك على الحقيقة وأقولك سامحيني يا هند.
خرجت حروفه الأخيرة بهمس متقطع، فهي حتى لم يكن لديها الوقت الكافي بالرد عليه، إذ وجدته لفظ أنفاسه الأخيرة بالحال. مما جعلها تهب واقفة تحاول أن ترتد بخطواتها للخلف، فاصطدمت بالمقعد، الذي سقط وأحدث صوتاً جعلها تنتبه على وضعها، وعلى حديثه الذي قاله قبل موته. ركضت خارج الغرفة وهي تجهش بالبكاء. فرآها ذلك الشاب الآخر الذي كان يرافقه وولج الغرفة على الفور.
وصلت هند لسيارتها وأستندت عليها وهي واضعة يدها على فمها لتكتم صوت بكاءها. فهي تعرضت للخداع من أجل لعبة قذرة. فهي ما زالت بكر وعذراء، فلا أحد لمسها غير زوجها كرم أثناء تلك العناقات القليلة التي كانت تحدث بينهما. فمن وسط بكاءها وشهقاتها أشرقت بسمة على شفتيها، من علمها بحقيقة أمرها. فكيف سيكون الحال بعد علم والديها وزوجها؟ ***
أمر أدريانو الحارس الواقف أمام غرفة ابنته، أن يكون أكثر انتباهاً وحذراً وحرصاً عليها، ولا يدعها تخرج من غرفتها، حتى يبت بأمرها الجنوني وعزمها الأكيد تلك المرة أن تترك المنزل بغير عودة. ففكر أن بمجيء أبناء عمها، ستصير أكثر هدوءاً خاصة أن حياء بمثل عمرها تقريباً. فبعد أن أبلغته بقرارها، هاتف ديفيد وأمره بالعودة سريعاً إلى الإسكندرية. فحتى وإن كان مخططه بالبدء أن تبتعد حياء عن مكان وجود زوجها وعائلته، إلا أن التفكير بأمر ابنته الوحيدة جعله يكسر حاجز التفكير السليم.
–حضرتك الضيوف وصلوا. قال أحد الحراس وهو يهرول إليه ليخبره باحترام وطاعة وشيء من اللهفة بعودة سيدهم الصغير، الذي كان كثيراً من الأحيان، يمتاز بالرفق واللين عن عمه صعب المراس. فالمدة القصيرة التي كان يعود بها للإسكندرية، كزيارات متقطعة، كان يظهر بها بعض اللين لهم، لذلك ربما أصبح رجال عمه أكثر وفاءاً له عن سيدهم الكبير المتعصب. –تمام تمام أنا جاي وراكم.
مسح أدريانو وجهه، يتهيأ لمقابلة ابنه أخيه. فعلى الرغم من أنه هو من علم بشأن أنها ما زالت على قيد الحياة وأخبر ديفيد بالأمر، إلا أنه لم يقابلها وجهًا لوجه حتى الآن. لذلك خطى خطواته تجاه غرفة المعيشة الكبيرة، التي يقبع بداخلها ديفيد برفقة شقيقته. ولج أدريانو وهو يصيح بترحيب: –ديفيد.
هب ديفيد من مكانه مقترباً منه، لتتم المصافحة والترحيب بينهما كأب يرحب بعودة ابنه الغائب. على الرغم من أن ديفيد لم يغب كثيراً، ولكن وضع أدريانو له بمنزلة ولي العهد وخليفته بتجارته، جعله يكون أكثر وداً خلاف عادته دائماً مع الآخرين. –أزيك يا إينجي.
هتف بها أدريانو وهو يقترب من حياء، التي راحت تنظر حولها، لتعلم من تلك التي يحدثها. فهي لم تسمع هذا الاسم سوى مرة واحدة من ديفيد، وأصرت هي على أن يناديها باسمها الذي اعتادته دائماً. عبست ملامحها الرقيقة وهي تجيبه: –اسمي حياء مش إينجيل.
ضم أدريانو شفتيه بتعبير مبهم. فهي يبدو عليها أنها عنيدة بعض الشيء، ولن تجعل أمر تعاملهما سوياً سهلاً. فرغم معرفته بأنها تربت ونشأت على تعاليم الدين الإسلامي، كان يظن أنه فيما بعد سيجعلها تتخلى عنها وتتبع عقيدتهما الأصلية. فابتسم ابتسامة جانبية وهو يحك جبهته: –بس أنتي في الحقيقة إينجيل مش حياء يا بنت أخويا، فاهمة كده؟ ولازم تتقبلي واقع أن أهلك الأصليين يهود.
صعقت حياء من سماع كلمة "يهود". فهي وإن علمت بشأنهما، كانت تظن أنهما يتبعان الدين المسيحي، ولكن أنهم يعتنقون اليهودية، لم تضع هذا ببالها لحظة واحدة. فهي لم تر ديفيد يمارس أي شعائر من شعائر دينهم، بل أنه لم يخبرها بحقيقة ديانتهم. فركت يديها ببعضهما البعض، بعد شعورها بالتعرق بهما. فردت قائلة وصوتها يشوبه الارتجاف: –يهود! يهود إزاي يعني؟ وإزاي يا ديفيد متقوليش حاجة زي دي؟ فتح ديفيد فمه ليجيبها، فسبقه أدريانو القول بحزم:
–وأنتي يفرق معاكي إيه إذا كنا يهود ولا مسيحيين ولا مسلمين؟ المهم إن إحنا أهلك ولازم تكوني تابعة لدينا. –دا مستحيل يحصل. قالت حياء بإصرار، وهي تنظر في وجه أدريانو بتحدٍ. فإن نجحا هو وديفيد بجعلها تترك زوجها مكرهة، فهي لن تستمع لأمر آخر منهما، كالذي يريد منها الآن. فهي لن تتخلى عن عقيدتها ولو كان آخر يوم بحياتها. –إهدي يا حياء وإحنا يا عمي عايزين نرتاح شوية علشان حياء تقابل بيرى.
أراد ديفيد فض هذا النقاش، الذي ربما يصل إلى ما لا يحمد عقباه. فمعرفته القصيرة بشقيقته، جعلته أكثر وعياً وإدراكاً لردود أفعالها، كتلك التي كانت تصدر منها أثناء حديثهما. وهو خير من يعلم طباع عمه جيداً. فعوضاً عن سعادته بإيجاد شقيقته، ربما سيجدها تخر صريعة على الفور من رصاصة غادرة يطلقها أدريانو بدون أن يرف له جفن. أماء أدريانو برأسه قائلاً وهو يحدق بوجه حياء:
–ماشي روحوا ارتاحوا بس لينا كلام تاني مع بعض يا إنجيل، قصدى يا.. حياء. لم تشعر بالراحة لمقابلة من يزعم أنه عمها. فهي لم تجد الترحيب منه، كالذي وجدته من شقيقها ديفيد. على الرغم من أن ديفيد كاد يفقدها صوابها أحياناً بحديثه المستمر عن زوجها وضرورة إقلاعها عن حبه، وأن تسرع بالتخلص من رابط الزواج بينهما.
جرت حياء قدميها لتتبع تلك الخادمة التي جاءت على وجه السرعة بعد استدعاء أدريانو لها لترافقها لغرفتها. فبعد خروجها عاد أدريانو ببصره لديفيد، الجالس قريباً من النافذة، ويحتسي كأس من النبيذ سكبه لنفسه من تلك الزجاجة الموضوعة على المنضدة الصغيرة. –أختك دي باين عليها دماغها ناشفة وهتتعبنا معاها. هتتصرف أنت معاها ولا أتصرف أنا بطريقتي، لأن مبحبش الدماغ الناشفة ياديفيد وأنت عارفني.
وضع ديفيد الكأس من يده بشيء من الحدة، بعدما تجرع ما به دفعة واحدة، فقال مغمغماً بضيق: –عمي الموضوع ميتحلش بالطريقة دي. مش هتيجي لوحدة اتربت 22 سنة على عقيدة ودين معين وتيجي في كام يوم تقولها اتبعي ديانة تانية علشان دي ديانة أهلك. مش منطق ده. وضع أدريانو يده بجيبه ونظر لديفيد قائلاً بسخرية: –أنا شايف أن قلبك مال ليها بسرعة حتى بقيت بتدافع عنها. ترك ديفيد مقعده، وحاول إنهاء الحديث بينهما بقوله:
–عن إذنك يا عمي علشان عايز أرتاح أنا كمان. خرج ديفيد من غرفة المعيشة، بينما ظل أدريانو مكانه، يسكب من زجاجة النبيذ بالكأس ويتجرعه تباعاً حتى كاد ينهي الزجاجة بأكملها. إلا أن قدوم أحد رجاله يخبره بمجيء عمرو، الذي أصر عليهما أن يأتوا به من أجل أنه يريده بأمر هام.
أشار له أدريانو بالسماح له بالدخول، فولج عمرو الغرفة وملامح وجهه ساخطة. فهو لم يكن يريد المجيء بهذا الوقت، خاصة أنه بفترة حداد على أبيه. فأدريانو لم يكلف نفسه المجيء لمواساته. –خير كنت عايزني في إيه؟ قال عمرو وهو يضم كفيه ويقف متصلباً بوقفته. فابتسم أدريانو ابتسامة سخيفة وهو يقول ببرود: –معلش هقطع فترة حدادك على أبوك أصل عندنا شغل مهم. غير موضوع تجارة المخدرات في شغل تاني عايزك فيه. قطب عمرو حاجبيه متسائلاً:
–شغل إيه ده؟ أقترب منه أدريانو، ووضع ذراعه حول كتفيه، كأنه بذلك يضمن وجوده تحت سيطرته. فسارا سوياً حتى وصلا إلى القبو التابع للمنزل. قال أدريانو وهو يشير للحارس بفتح الباب: –ده الشغل اللي كان بيعمله نصر السلمانى بس مات والصراحة مش لاقي حد غيرك يقوم بالشغلانة دي. في بنت هنا الرجالة جابوها الصبح، فأنت مهمتك توصل البنت دي لرجالتنا في إيطاليا.
زاد سريان الخوف والقلق بعروق عمرو، فهو وإن كان طلب منه أن يعمل معه بديلاً لأبيه، فليس معنى هذا أنه سيكون متمرساً بذلك الأمر الذي يريده منه. ولكن بفتح الحارس باب القبو ورؤية عمرو لتلك الفتاة الجالسة على الأرض وقدميها موثوقتان بالحبال، وكذلك الحال بيديها وموضوع على فمها قطعة من القماش لكتم صوت صراخها، جحظت عيناه وكأن ضربته صاعقة كهربائية. فخرج صوته خافتاً ومصدوماً: –معقولة أنتي؟
دمعت عيني سهى وهي تحاول فك وثاقها. فخرج صوتها مكتوماً وهي تحاول أن تصرخ به. فهي لم تضع ببالها أن تراه هنا وخاصة بهذا الوقت. انحنى إليها أدريانو وسحب قطعة القماش من على فمها. فنظر لعمرو وابتسم بخبث: –بس إيه رأيك في البنت دي؟ حلوة مش كده وهيدفع فيها مبلغ حلو أوي. فصرخت سهى وهي تنادي بصوت عالٍ: –ألحقوووووووني!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!