كان الكوخ مفتوحًا، يجلس بداخله رجل عجوز. لا أعرفه، لكني أعرفه، فهو يقطن ذلك المكان منذ زمن، هاربًا من بلدته. دلفت إلى داخل الكوخ. كان الرجل يصنع الشاي على الحطب. قال: "مرحباً". لم يعتد على الزيارات، فكان مرتبكًا. قال: "اجلس! جلست على الأرض، حيث افترشت حصيرته من القش. ناولني كوب شاي. قال: "تصور، أنت أول شخص يزورني مذ سكنت هنا." قلت: "مررت من عند النخلات وقلت أعرج عليك." قال: "لماذا ذهبت هناك؟ ألا تخشى شايبا العانس؟
تقصد جنية طلعة النخل؟ قال: "أجل. أخبرني، لماذا ترغب بإقحام نفسك في المشاكل؟ قلت: "ما لا أراه بعيني لا أصدقه، وأنا لم أرَ أي جنية هناك." قال: "صدقني، أنت لا ترغب بمقابلتها أو رؤيتها. إنها لعينة ماكرة لا ترحم." قلت: "هراء، كل ذلك الكلام هراء." نظر العجوز خارج الكوخ وهمس: "ليس هراء، إنها موجودة." "رأيتها بعينك؟ " سألته. قال العجوز بعد طول صمت بنبرة مرتفعة: "أنا لم أرَ أي شيء، لا شأن لي بما تعتقده."
رمقت العجوز المتوتر، كان يخفي شيئًا وعيناه تفضحانه. هطل مطر غزير بالخارج. فكرت، العودة للمنزل ستكون عسيرة. سمعت خطوات خارج الكوخ. انتظرت الشيخ أن يخرج وينظر، أو على الأقل أن يطلب مني أن أرى من بالخارج. لكن العجوز ظل جالسًا بلا مبالاة مقيتة. نهضت من مكاني وقصدت باب الكوخ لأفتحه. قال العجوز: "لا تفتح." قلت: "سأفتح الباب." قال: "لا تفتح، سيرحلون. لا تمنحهم سببًا." قلت بزعيق: "تهذي مرة أخرى؟
قال: "إذا فتحت، لن تعود كما كنت، صدقني. لا ترتكب نفس الخطأ، تعلم مني! قلت: "أنا لا أعرفك حتى أتعلم منك! "حماقات الشباب. اجلس من فضلك." قلت: "ما السبب الذي يدفعك لكل ذلك الخوف؟ قال: "لأنه لا يوجد بشر هنا، أنا متأكد. كل ما بالخارج شر مطلق، أبتعد عنه. حتى إذا طُرق بابي... "لفت الخطوات حول الكوخ." قلت: "ربما إنسان ضل طريقه؟ قال: "إنهم يفعلون ذلك ولا يضلون فريستهم. لقد تعقبوك حتى هنا."
قلت: "تتحدث كأنه أمر مفروغ منه، وأن الجنيات تنتظرنا خارج باب الكوخ." قال: "أجل." قلت: "سأرحل." قال: "لا ترحل الآن، انتظر حتى تظهر نجمة أوراما." "تعصبني يا عجوز." بتهور اندفعت وفتحت باب الكوخ. ثلاثينية وعشرينية تقفان أمام باب الكوخ. شلال جمال انبثق في وجهي. عيون خضراء، قوام بديع، أنوثة متفجرة، ووجه بدر. ارتعش العجوز عندما دلفا إلى داخل الكوخ. جلسن بلا كلام حول النار التي توهجت. قلت: "ضللتم طريقكم؟ قالت الكبرى: "أجل."
تمتم الشيخ: "لا يضلون طريقهم أبدًا." كنت منبهرًا بالفتاة الصغرى. أرمقها بطرف عيني. صنعت الشاي وقدمته إليهن. لمست يد الصغرى بلا قصد. سرت رعشة في جسدي. كانت يدها باردة جدًا. لون عينها تغير. حملقت بالعجوز الذي أشار إلي بالصمت. كنت بدأت أصدق كلماته. قالت الكبرى وهي تنحني تجاه العجوز: "كيف حالك؟ قال: "بخير... بخير." قلت: "تعرفون بعضكم؟ قالت: "أكثر مما تعتقد." عندما نظرت إلي، رأيت في عينيها هلاكي.
توقف حبات المطر عن الهطول. سمعنا حركة كبيرة خارج الكوخ. بتعجب ابتسم العجوز. قال الكبرى بعد أن نظرت للخارج: "سنرحل الآن." لم تنتظر، خرجت وتبعتها أختها الصغرى. عندما أُفقت من صدمتي، كانت مضت لحظة. خرجت خلفهم بسرعة. رغم ضيق الوقت، كانتا قد اختفتا. دلفت إلى داخل الكوخ مرة أخرى. قلت: "غير معقول، تبخرتا في الظلام." قال العجوز: "الحمد لله. لكن هناك شيء لم أفهمه، لماذا رحلتا؟ قلت: "شربا الشاي ورحلتا."
قال: "اصمت أنت لا تفهم شيئًا. كدت أن تورط نفسك وتدمرني بغبائك. لقد سمحت لهم بالدخول. لم تنتويا الرحيل مطلقًا. البدر في السماء مكتمل. الأمطار نزلت فجأة. هذه ليلة تكاثرهم مع البشر. هذه شايبا واختها. تحققت أمنيتك، رأيت جنية طلعة النخل." كان يتحدث بنبرة صادقة. قلت: "فهمني، لماذا رحلوا؟ قال: "هذا ما لا أفهمه. الصوت بالخارج أرعبهم. أنقذنا من بين أيديهم." قلت: "رأيت نظرة شايبا لك."
قال العجوز: "اصمت من فضلك. لا تسألني عن أي شيء." قلت: "كنت تعرفها؟ قال: "اصمت." قلت: "نمت مع شايبا؟ قال: "أنت وغد، وغد. ارحل من هنا، غادر كوخي. أنا لا أرغب برؤيتك." قلت: "كنت تحذرني منذ البداية حتى لا أصبح مثلك." قال: "أنت لا تفهم. لا يمكنك أن تفهم. اتركني بمفردي من فضلك." "بدأت اللعنة. كنت سبب بقائهم هنا؟ القرية كلها تعاني بسببك." رفع العجوز وجهه. قال: "منذ لحظة كنت لا تصدقني، والآن تنصب نفسك دور القاضي اللعين؟
لولا الصوت الذي سمعناه بالخارج، لكنت الآن تعاني بقسوة. شهوة، أنياب مغروسة، أحضان تكسر العظم، وشهيق قادم من الجحيم." رفع العجوز ملابسه ورأيت ظهره المخدش في كل مكان. أردف: "أيًا كان الصوت الذي أنقذك، فإنه يهتم بك. والآن ارحل ولا تعود هنا مرة أخرى. اتركني بسلام." غادرت الكوخ. تغتصبني هواجس لعينة. كل ما صدقته، ما عرفته، ما آمنت به، يتداعى أمام عيني.
قصدت الجهة الأخرى من القرية، بعيدًا عن حقل النخلات. عبرت الطريق الترابي الضيق. عندما وصلت الساقية القديمة، سمعت صوتها. "أسس... كانت نفس الفتاة التي رأيتها على جانب المصرف. وتبعتها بين الحقول بكل جمالها الذي وقع في قلبي. قلت: "أنت؟ بحثت عنك طويلاً." قالت: "وأنا أيضًا بحثت عنك." قلت: "لماذا لم تتوقفي عندما كنت أتبعك خلال الحقول؟ قالت: "إذا عرفت حقيقتي، لن ترغب برؤيتي مرة أخرى؟ قلت: "رأيت الليلة ما يكفي لأصدقك أي شيء."
قالت وهي تحدق بوجهي: "أنا جنية." *** "الكلب"، قال الشيخ وهو يشير إلى الناحية الأخرى من الطريق. كان نفسه الكلب الأسود الضخم القبيح الذي رأيته عند المقابر. قلت: "رأيته من قبل." "التابع. لماذا لم تخبرني يا ناصر؟ " استنكر الشيخ. قلت: "إنه مجرد كلب. ألن تسخر مني إذا قلت لك أن كلب تبعني من المقابر حتى هنا؟ "عند المقابر؟ أهناك رأيته؟ قلت: "نعم." "الكلب كان هناك." قال: "أنا لا أقصد الكلب. ماذا رأيت عند المقابر؟
قلت: "شاب يعمل في صيدلية. ابتعت منه دواء، لكن الصيدلية اختفت بعد ذلك." "كل ذلك ولم تشك؟ لم تبحث عن أجوبة؟ "ظننته شيئًا عاديًا يا شيخ." قال الشيخ: "لا شيء عادي. اختيارك ليس صدفة. التضحية بك ليست صدفة. أنا هنا ليس بمحض الصدفة." قلت: "أحتاج توضيحًا يا شيخ. اشرح لي." "ليس الآن. بعد أن أتخلص من التابع. اصعد شقتك، اشرب المنقوع." "زوجتك تنام بمفردها؟ قلت: "أجل." "منذ متى؟ " سألني الشيخ. "منذ مدة طويلة يا شيخ."
قال: "رأيت شيئًا آخر؟ قلت: "قبل أن أحضر عندك، رأيت شيئًا يشبه كيانًا لزجًا مرنًا مطاطيًا." قال: "يتشكل، يتغذى عليك، ينكحها. لا تترك شقتك حتى أطرق بابك. اقرأ القرآن، ادعُ الله أن لا نكون تأخرنا." زمجر الكلب. أشار لي الشيخ بالرحيل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!